الفصل الأول

8 0 00

الفصل الأول

الحصان في الإسطبل

الحصان يناجي ذاته: «أجل قد خسف بدر مجدنا اللامع، وأفل كوكب سلطتنا الساطع، وسدت علينا أبواب الارتزاق، فسرنا لغايتنا في ميدان الخباثة والنفاق تحت ظل الانقسام والبغض والشقاق. وألانا الزمان فاستبدينا، ووافقنا القدر فسطونا، ولكن أين تلك السطوة وذلك السؤدد الآن بعد أن داس على هامتنا القدر، وأذلنا بؤس الزمان، نعم نحن المذنبون، قد جنينا على أنفسنا، فما نتيجة المخاتلة والاستبداد إلا جر غضب العاقلين من العباد علينا، فقد ذقنا من السلطة أعذبها، ومن الرئاسة أطيبها، غير أننا والحق يقال أسأنا استخدام السلطة، وأفسدنا الرئاسة، فما لنا إلا أن نحتمل نتيجة أفعالنا، ونكتفي بما تحقق من آمالنا، قد سلط الله الإنسان على الحيوان، ونحن قد خالفنا الإرادة الإلهية فتسلطنا على الإنسان بالدهاء والرياء والاحتيال، نعم قد حكمنا زمنًا ليس بقليل، ولم نزل الحاكمين الآمرين مع قليل من المقاومة، ولكني أرى أن الأخطار محدقة بنا، والإنسان يئن ويتأوه من الأعباء التي وضعناها على منكبيه ألا يخشى علينا من الثورة، فبأي سلاح نحارب الإنسان إذا ثار علينا لينزع عنا سلطتنا؟ يجب أن نفتكر في حالتنا الحاضرة، يجب أن نستعد للقتال، فدلائل الانقلاب ظاهرة في كل دوائر المملكة البشرية، والإنسان بغنى عن خدماتنا الآن؛ فعنده الآلات الكهربائية والبخارية والهوائية لتقضي حاجاته، وتجعل حياته على الأرض كثيرة السرور، قليلة المشقة.

إن هذه الاختراعات الجديدة ضربة قاضية علينا، وكل مظهر من مظاهر هذا التمدن الحديث يضر بمصالحنا، ويحط من مقامنا، قد أمست سلطتنا الآن ترسًا للدفاع بعد أن كانت حسامًا للهجوم، قد سلبتنا الكهربائية حقوقنا، وتعدى البخار على مصلحتنا، ودخل الهواء بيوتنا الفارغة؛ فصار يخشى عليها من التدعي، أما والحق فهذا انقلاب سريع عظيم، نحن الآن على شفير الهاوية، أمامنا الظلمة الغير المتناهية، والعمق الذي لا يحد، ووراءنا جحافل الكهربائية والبخار والهواء، ليس هذا فقط؛ فالأخطار التي تحيق بنا من الخارج ليست بشيء عند الأخطار التي تتهددنا في الداخل، ألم يلتئم معشر الخيل في مجمع عظيم منذ شهر ليتفاوضوا في الشرائع، والسنن المؤسسة عليها جامعتنا، ويحكموا على صحتها، وخلوها من الأغلاط؟ أهذا الذي اتصلنا إليه؟ إذا نحن شككنا في صحة شرائعنا، فماذا يفعل المؤمنون؟ والغريب أننا ابتدأنا في الشك والريب، فالمجمع المنكود الحظ حكم بعد الجدال والبحث والمناقشة على الناموس الذي نمشي بموجبه بالإعدام، يقول المجلس الموقر: إن شرائعنا لم تنشأ عن حكمة معصومة عن الغلط، وإن الطريق التي سلكناها في الماضي تؤدي إلى هلاكنا في المستقبل القريب.

عقول مختلة في رءوس كبيرة، جياد سقيمة تطلب الشهرة بتكسير أواني إسطبلها، منذ مدة وجيزة أخذ أحد الجياد الكبيرة الذي يحسد الأطيار على عشاشها أن يستهزئ ببعض الأساطير التي نحترمها، ويعز علينا أن تمتهن، هذه هي حالتنا الآن؛ الأخطار من الداخل والخارج، الجياد المعتلة تلبط وتحرن ونحن المحافظين ساكتون عنهم. نعم، إن المخاطر تحت أقدامنا وفوق رءوسنا، فما العمل وكيف نتقيها؟ نهار البارح تخرَّج من إحدى الشركات الكبيرة خمسمائة جواد متحلين بحلى الآداب، جياد ذوو أجسام وعقول سليمة قوية، ولكن لا شغل لهم في المدن الكبيرة، ولا يحتاج أحد من المتمدنين في هذا الجيل إلى خدماتهم، وزد على ذلك أن في الأسبوع الماضي أخرجت إحدى الشركات الترامواي ألف جواد من خدمتها، واستخدمت عوضهم قوتي الكهربائية والبخار، وهذا سجل جمعيتنا، ينبئنا — ويا له من نبأ مؤلم — بأن في صفوفنا يوجد الآن خمسة آلاف جواد لا شغل ولا عمل لهم. وإذا لم نعلفهم يموتون، فمن أين لنا أن نعلفهم وهم لا يحركون ساكنًا، ولا يدخلون بارة الفرد؟ فيا لتعاسة الخيل، إن قوتهم تتلاشى يومًا فيومًا، إن سلطتهم على وشك الاضمحلال، وا أسفاه قد اندثر عزنا، وبليت حلة بهائنا، ودرست معهما معاقل مجدنا، وا أسفاه على الزمان الماضي؛ يوم كنا نقود الشعب في عرباتنا المقدسة إلى حيث نشأ، كنا في ذلك الزمان نحرن ونتمرد، ونشمخ ونهمهم، وما لنا الآن إلا أن نطيع صاغرين، مفتشين على مصلحة نستر بها عرينا، ونسد رمقنا، يا ليتك لم تكوني أيتها الكهربائية، ويا ليت مخترع الأوتوموبيل لم يولد، ليس الملك الظالم من أمر بقتل من خالفه، بل هو ذلك المتفلسف العالم الذي لا يتنفس إلا ليضر، ولا يفتكر إلا ليفسد، ولا يتحرك إلا ليسد بوجوهنا أبواب الارتزاق. ما بال الفوضويين من البشر لا يريحوننا من ملوك العلم، وأرباب الاختراع الذين يقصدون إبادة جنسنا عن آخره؟ ما لك وهمبرت أيها الفوضوي؟ ماذا ينفع قتل ماكنلي؟ دونك وإديسون أو تسلا، جرد سيفك على ماركوني، أو سبنسر، أو برتلو، هؤلاء هم أعداء العالم بأسره، هم هم الظالمون المستبدون الأشرار الذين يدسون في مملكتي البشر والحيوان سموم علومهم واختراعاتهم، اصرف عنا أيها الأسد العظيم كيد المتفلسفين من البشر، نجنا من دسائس شياطين الاختراعات، خلص عبيدك وخادميك من العناصر القتالة التي إذا أضاءت أحرقت، وإذا تحركت قتلت».

وبعد أن انتهى الحصان من هذه المناجاة المؤلمة وضع رأسه بين قائمتيه، وغاص في بحر الهواجس والأفكار، ثم نهض بغتة، وصرخ صرخة عظيمة ليست صرخة أركيميدوس الإسكندري في حمامه بشيء بالنسبة إليها.

«نعم نعم! قد اكتشفت على سبب تقهقرنا، قد عرفت سبب تقدم أعدائنا ونجاحهم، الاتحاد؛ الاتحاد؛ جمع الكلمة، وحدة الرأي، إزالة الاختلافات، وقتل الشقاقات. نعم يجب أن نتحد، فالحمير لا يعضدون البغال، والبغال لا يتحدون مع الخيل، والخيل لا تتقرب إلى فريق منهما. لماذا هذا التنافر؟ لماذا هذا البغض وهذه الضغينة؟ كلنا من طائفة واحدة تربطنا صلة القرابة، فلماذا إذن لا نتحد ونجمع قوانا المالية والعقلية والعلمية؟ فنقوى إذ ذاك على كل عساكر الشر والفساد والفلسفة فنسحقها سحقًا، ونحطمها تحطيمًا. نعم يجب أن نحسم الخلاف ونرتق الفتق، ونجمع القلوب ونتكاتف ونتحد، ولكن من ذا الذي يتجاسر أن يتظاهر بهذه الدعوى؟ ألم يحرم حصان أميركي من جامعته الخصوصية لأنه تظاهر بمبادئ شاملة، فخرج من كرسي سلطته ذليلًا حقيرًا. ألا تتساقط عليَّ المسبات كالأمطار يوم أعلن للحيوانات دعوتي؟ ألا أطرد من جمعيتي؟ لا بأس فأنا أفضل أن أكون خارجًا عنها، ومفيدًا لطائفتنا الحيوانية بوجه العموم، سأجاهر بمبدئي وسأجمع في إسطبلي وجهاء الحمير والبغال سؤأدب لهم مأدبة فاخرة، سأتصل إلى عقولهم عن طريق بطونهم، سأعلفهم وأسقيهم وأوفر لهم انشراح الصدور، والانبساط بقدر ما يمكنني، ثم أعرض عليهم هذه المسألة، وأسألهم المساعدة، سأفعل ذلك حالًا، سأفعله الآن».

فتقدم الحصان إلى باب الإسطبل ونادى الجحش كاتبه قائلًا: «هات معك ورقًا وقلمًا وحبرًا، وتعال مسرعًا». فجاء الجحش حاملًا قلمه ومحبرته وأوراقه، وجلس على كرسي ينتظر أوامر مولاه، فأملى عليه الحصان ما يلي: سيادة الراعي الصالح، والمرشد الفالح، والنزيه العظيم، والمنطقي الفهيم المفضال العلامة، والبحر الفهامة، الجزيل الفضل، الجليل القدر، الشريف الأصل، النافذ الأمر، أطال الأسد العظيم وجوده لنستفيد من علمه، ونهتدي بإرشاداته، آمين.

تجعلني سعيدًا إذا شرفت إسطبلي مساء غد لتناول الغذاء معي، وهناك أمور خطيرة تستوجب المخابرة؛ إذ إن فيها صيانة حياتنا، وحفظ سلطتنا، واقبل أيها الأخ المكرم تأكيدات ولائي، وعلى أمل اكتمال سروري بوجودكم أمحضكم الشكر الجزيل.

أخوكم في الحيوانية

الحصان

أرني ما كتبت، وأخذ الحصان النسخة من الجحش وقرأها، ثم قال: ألم أقل لك: «واقبل أيها الأخ المحترم» فلماذا كتبت عوضها: «الأخ المكرم» ألا تعلم بأن هذا النعت يعد شتيمة بين معشر البغال والخيل والحمير؟ الحصان في مكتبه.

الجحش: أليس لفظة مكرَّم اسم مفعول من كرَّم يكرم، ألا تعني هذه اللفظة التوقير والاعتبار؟ فهل نكون شتمنا الحمار إذا نعتناه بالمكرم؟ هل لك أن تفهمني الفرق بين اللفظتين إذا لم أكن مصيبًا بما قلته.الحصان: أنت مخطئ؛ فالفرق بين المكرم والمحترم هو أن الأول بعيد عن الهوان والذل والاحتقار واللؤم، والثاني قريب من الغيرة والمجد والاعتبار والأبوة.الجحش: أما والأسد فأنا لا أرى فرقًا قط بين الاثنين، فمن كان بعيدًا عن اللؤم يكون بالطبع قريبًا من الأبوة، ومن كان قريبًا من المجد يكون بعيدًا عن الذل والهوان، أفلا يكون للفظتين نفس المعنى؟ لا يا سيدي أنا لا أظن أن في نعتنا الحمار بالمكرم شتيمة له، وعندي أن لفظة مكرم هي أعذب من لفظة محترم؛ لأن الأولى لا تقدر تصوغ منها إلا كلمات حسنة مثلها، والثانية يشتق منها الحرام والحرامي، والمحرم والحرم … إلخ.الحصان: قد سحمت لك أن تتفلسف، فغير الآن العبارة واكتب: «أيها الأخ المحترم» واذهب بالنسخة هذه إلى المطبعة، وأوص على طبع خمسمائة نسخة منها. ولما خرج الجحش من الإسطبل طفق الحصان يتمشى متهللًا فرحًا وهو يقول: «سيخلد ذكري بين الحيوانات، وسترتجف المملكة البشرية من قوتي إلى الممات، إن عملي هذا لعمل شريف، وإن كانت ضدي كل الغطاريف، لا أخاف ما زال معي الأسد القوي المخيف. نعم، إني على جانب عظيم من القوة والمكانة، فياللسرور، أي حظ وأي انتصار مبين، لا بد من أن أقول بعد هذه المأدبة قول الشاعر:تم ما رمت والزمان وفى ليوقد انجاب عن نهاري الضبابنعم سنحطم القوات البخارية والآلات الكهربائية إذا تم ما أتمناه، فلنجمع قوتنا لنهلك من العالم كل مخترع لعين، وتصبح ظواهر التمدن الحديث لا أثر لها ولا عين؛ نحن ضد التمدن، نحن ضد الآلات الميكانيكية، والمراكب البخارية، والعربات الكهربائية، نحن ضد كل عقل يجهده صاحبه في إيجاد تسهيلات جديدة واختراعات مفيدة. يجب أن نضرب ضربة قاضية، كفانا ذلًّا وضعفًا وفقرًا وهوانًا، كفانا خصامًا وشقاقًا واختلافًا، كفانا نفورًا وبغضاء ودسائس ووشايات. ضم الكلمة، جمع الرأي، اتحاد القلوب، تضافر الأفكار، قتل كل مسبب يولد النفور والشقاق. هذا ما تطلبه منا مصلحتنا، وتحثنا على إتمامه سلطتنا التي أوشكت أن تزول.

حبذا لو كانت الجلسة الآن وقريحتي جوادة؛ فيمكنني التكلم بفصاحة وحماسة وإخلاص، أف لم يعد لي صبر على الانتظار، ولكن لا بأس إذا درست قليلًا، واستعديت لهذه الجلسة، يجب أن أستميل ضيوفي إليّ، يجب أن أقنعهم لكي يعتنقوا مبدئي، يجب أن أبين لهم الحقائق الراهنة مدعومة بالبراهين الساطعة، «إلى الدرس إذن والتفتيش، فهذا عند الحصان العاقل أفضل من التبن والحشيش»، ويذهب الحصان إلى مكتبته، ويكب على المطالعة والكتابة. الفصل الثاني

المأدبة

ولما تم طبع رقاع الدعوة وزعها الجحش على أصحابها الأفاضل، وفي مساء اليوم الثاني قبل أن جاءت الساعة الثامنة، غص الإسطبل بأفاضل البغال والحمير والجياد وهم لابسون أفخر العدد، وأثمن البردعات، من أقمشة سوداء وأرجوانية، وفي أعناقهم رشمات يتلألأ فيها عدد من الذخائر والتعاويذ، فتطقطق عند الحركة، ومنهم من جاء يعكز على عصا مذهبة، حاملًا في خرجه لوح شريعته المقدسة، ثم جلسوا جميعهم حول مائدة جميلة مزينة على طرز بشري فيه كل أنواع الفخفخة، ويزيد رونقها أنواع الزهور المنثورة حولها، وحول الصحون المملوءة من الطعام على اختلاف ألوانه، واللحوم والأسماك على تعدد أجناسها، والخضر على تنوع أصنافها، وكلها مخلوطة ببعضها خلطًا حماريًّا، وعلى وجهها غطاء أبيض مصنوع من البرشان. أما أصناف الخمر والمشروبات فحدث عنها ولا حرج، فبراميل الجعة كانت في ذلك المساء بعدد الضيوف، وكل واحد جلس وبرميله إلى جانبه، وأمامه إناء كبير من الفخار.

– كلوا واشربوا وتهللوا فغدًا تموتون.

وبعد أن جلس الكل حول معالفهم، وزالت الضوضاء، وساد النظام نهض صاحب الدعوة ورفع رأسه ويديه نحو السماء، وخاطب الأسد القدير خاشعًا متوسلًا فقال: نشكرك يا رب على غزير نعمك وآلائك، ونتضرع إليك بصوت خاشع كي تشمل بنظرك الإلهي جميع المؤمنين من أبنائك لا تحول عنا إلهامك الهادي إلى الرشاد، ولا تتخل عن المطيعين لنا ولك من العباد، انصرنا يا رب على القوات الشيطانية التي ظهرت في هذه الأيام الأخيرة، واسحق أعداءنا وأعداءك أهل التمدن الحديث، وذوي النفوس الحقيرة، كن لنا يا رب معينا، واصرف عنا غضبك، وارمقنا بحلمك، وشدد عزمنا، وثبتنا في مسالك الصلاح وطرق الهداية، آمين.

وبعد أن فرغ الحصان من صلواته هذه رفع حافره الأيمن، وقسم به الهواء إلى أربعة أقسام راسمًا بذلك رسم صليب كبير، ثم جلس على برميله بإزاء المعلف، ودعا ضيوفه إلى الأكل والشرب والانشراح.

– كلوا واشربوا وتهللوا فغدًا تموتون.

أحد البغال: فلتحيا الفلسفة الأبكورية! صلى الأسد على أبيكاريوس وسلم!الحصان: لا تستحوا أيها الإخوة المحترمون، الإسطبل إسطبلكم، ولا تظنوا أنكم في بيت عدوكم، فكلنا نذكر أن الأسد له المجد دخل ما بين أعدائه، أما الفرق بينه وبينكم هو أن الأسد صلب وأنتم ستحيون حياة جديدة، أما الآن فلنأكل ولنشرب، فلنشرب على ذكر الحبيب، ولكن إياكم أن تسكروا. أهلًا وسهلًا بكم إن حاسياتي العميقة لا يعبر عنها بلغتنا الحيوانية، شرفتم أيها الحمير الكرام، آنستم أيها البغال الورعون العظام، لو كان لي صوت لطيف لكنت أنشدكم فأطربكم، أها. نعم، نعم، إن لكاتبي الجحش صوتًا رخيمًا: يا جحش يا جحش، آتنا بعودك، وأطربنا بنشيدك. فجاء الجحش مطيعًا، وبيده عود مصنوع من الجلد، وأوتاره من الشعر، فجلس على سدة بالقرب من المائدة، وأخذ يلعب بالأوتار إلى أن عدل عوده، وصرخ منشدًا: شرف القوم الكرام … إلخ.

فطرب الحاضرون، وهاجت عواطفهم، فصرخوا جميعهم متهللين: كمان يا جحشنا كمان، بالله عليك منعاد، يا سلام ما حد سمع بعد. بعد. وغيره من عبارات الاستحسان، وصرخات السكران الولهان.

ولما سمع المغني هذه التصدية الجميلة لصوته الأجمل أخذ ثانية عوده الهندي، وطفق ينقل على أوتاره اللطيفة ريشته الرشيقة الخفيفة، وغنى على لحن وضعه أحد الغزلان في أبيات لجمال عربي:

عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهرفيا حبها زدني جوى كل ليلةويا سلوة الأيام موعدك الحشروإني لتعروني لذكراك هزةكما انتفض العصفور بلله القطرهجرتك حتى قيل لا يعرف الهوىوزرتك حتى قيل ليس له صبرالبغال (بصوت واحد): أما والأسد فهذا من أبدع ما غُني وأُنشد.صاحب الدعوة: زدنا بالله عليك يا جحشنا العزيز من غنائك المطرب المهيج، فعدل الجحش عوده ثالثة وتمتم بعض الأشعار، ثم غنى أبيات جمال آخر في بعض جواري الملوك المناذرة:ولقد دخلت على فتاةالخدر في اليوم المطيرفدفعتها فتدافعتمشي القطاة إلى الغديرفلثمتها فتنفستكتنفس الظبي البهيرأحد الحمير: أما والأسد العظيم فهذا لا يحتمل. تريد منا آه يا جحش كمان من دفعتها فتدافعت ولثمتها فتنفست، كمان كمان وأنت الآمر المطاع، أما الجحش فلم يسمع تضرعات الحمار، بل أتبع الأبيات لحنًا من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وغنى بيتين رقيقين لأحد جمالي الدولة الأموية:ألا يا ظبية البلدبراني طول ذا الكمدفردي يا معذبتيفؤادي أو خذي جسديأحد البغال: هذا يا جحشنا المطرب لمن أبدع الألحان وأعذبها، فقد أجدت في غنائك، وأحدثت طربًا عظيمًا في نفوس أنسبائك، فاسمحوا لي يا أسيادي إذن أن أشرب نخب من إذا هز حلقه هز القلوب، أو حرك عنقه أزال الكروب، وأطلب إليكم أن تشاركوني بهذا النخب الواجب علينا شربه بعد طلب الإذن من صاحب الدعوة. إني أشرب وإياكم سر جحشنا المغني المطرب الذي لو وجد في دار ذاك الآدمي الذي يدعى الرشيد لما سمعنا بإبراهيم العظيم وإسحاق الفريد.

فلثمتها فتنفستكتنفس الظبي البهير. فوقف جميع الحاضرين ورفعوا كئوسهم إلى فوق رءوسهم، وشربوا نخب من أطربهم بألحانه العذبة الرقيقة، ولكن بين كل هؤلاء الحمير والبغال والجياد الواقفة كان يرى الناظر حيوانًا صغيرًا جالسًا على برميله يتبسم ابتسامة الاستخفاف والتهكم، وهو الثعلب الذي دعي إلى الجلسة؛ لأنه صحافي ليذيع أعمال المجمع العظيم، ولكنه كبقية الثعالب المتفكرة أبى أن يشارك الجمع بنخب من إذا هز حلقه اهتزت له القلوب. وعمله هذا الشاذ أوقع الاستغراب والدهشة، لا بل الغيظ في قلوب بقية الحيوانات الذين أخذوا يتساءلون عن هذا العاصي، وعن سبب تصرفه السيئ، الخارج عن دائرة الأدب والاعتدال، والبعض من المتحمسين الحادي الطبع من الحمير لم يستطيعوا إخفاء ما داخلهم من الحنق والغضب، فأخذوا يتساءلون بصوت مرتفع: «من هو هذا الصعلوك؟» «من أين أتى؟» «ماذا يقصد هذا الثعلب الحقير بتصرفه المعوج؟» «أما والأسد فقد شتمنا، وشتم المغني أيضًا»، «هل هو جلمود؟» «ألا يشعر بقوة الجمال؟» «ألا يعرف قيمة الصوت الرخيم؟» … إلخ.

أحد البغال: اطردوه من الإسطبل.أحد الجياد: نعم اطردوه. (فوقف إذ ذاك الثعلب على برميله، ونظر إلى الجمع نظرة المستعطف، وأنشدهم قول ذلك الشاعر العظيم الذي أراد من الزمن أن يبلغه ما ليس يبلغه في نفسه الزمن، قال):

يا ساقيي أخمر في كئوسكماأم في كئوسكما هم وتسهيدأصخرة أنا ما لي لا يحركنيهذا المدام ولا هذي الأغاريدأحد البغال: أنت بالحق صخرة، اصمت، اصمت إذن.أحد الحمير: اطردوه اطردوه لا تدعوه يتكلم.الثعلب: يا أسيادي الأفاضل، لو أذنتم لي بكلمتين لجاوبتكم على سؤالاتكم، وبينت لكم أسباب تصرفي الذي لم يصادف استحسانكم.الجميع: اصمت، اسكت، انزل عن برميلك.الثعلب: ألا يحق لي أن أتكلم كبقية الحاضرين وأنا مدعو لهذه الجلسة، هل يرضى صاحب الدعوة الفاضل عن إسكاتي وطردي؟ هل يرضى عن إهانة ضيوفه في إسطبله؟ هل من قوانين الاجتماعات وقواعد الأدب أن تقذفوا نحوي كل كلمة باطلة قبل أن تعرفوا غايتي وقصدي (هس هس هس اصمت فليسقط الثعلب اللعين) أعيروني أذنًا مصغية، ولا تقلدوا الحيات بأصواتكم رشقتموني بسؤالات مهينة وقبلتها بقلب متواضع (هس هس) وأجاوبكم عليها دون أن أمس كرامتكم «من أنا؟» (هس هس)، «من أين أتيت؟» (هس هس)، «ماذا أقصد بتصرفي؟» اسمعوا وبعد ذلك اصفروا وهسهسوا، أنا يا أسيادي صحافي (هس هس بش بش) أجاهد وإياكم في سبيل الحق والحرية، أنا حيوان جئت من بين الحيوانات الضعيفة التي تنظر إليكم شزرًا، وتكتم لكم الشر والعدوان، رسالتي في هذا العالم هي أن أوفق بينهم وبينكم، وغايتي القصوى أن أهذب الجهلاء في مملكتنا كي يقدروا تعاليمكم حق قدرها، وأن أنبهكم إلى هذه القوة العظيمة الكامنة الآن في بطن الجهل، فالاستبداد من جهة والجهل من جهة أخرى يولدان اضطرابًا مستمرًا، وقتالًا متواصلًا، أنا يا أسيادي ممثل التعاسة والاضطهاد، جئت لأشارككم في هذا المؤتمر؛ لعله يكون فيه فائدة لعالمنا، ولعله يرفع عن نفوسنا المضغوطة أثقال الظلم والجهل، ويتم فيه قتل التعصب الذي ينفث بيننا سم الشقاق والخصام، ولتكسر القيود التي تكبلت بها أقلامنا، قد جئت لأشارك في البحث عن أمر جليل، ولم أجئ لأسمع الغناء، وأشرب أسرار المغنين:غير مجد في مذهبي واعتقادينوح باك ولا ترنم شادوخصوصًا في مثل هذا الوقت، ففي ساعات الفراغ أسر بصوت رخيم وعود جميل، ولست كما تظنون جلمودًا غير أني أعجب كيف أن أمرًا طفيفًا يحولكم عن مقصدكم، ويصير مؤتمركم هذا قهوة مصرية كيف أن صوت جحش ينسيكم نفوسكم، ويسلبكم عقولكم (قف قف هس هس)، لا تظنوا أني أنكر على الجحش فضله، لا والحق فإني أطرب بغنائه في غير هذا المقام، وأشرب نخبه في غير هذا الموقف فضلًا عن أن الأشعار التي أنشدها فيها من التغزل وبذيء الكلام ما لا يليق بحضراتكم استماعه، ماذا يقول عنكم جمهور الحيوانات التي ترشدونها وتنهونها عما أنتم فاعلون الآن؟ ماذا تركتم لأولئك الحيوانات الذين يصلون ليلهم بنهارهم، منغمسين في التهتك، ومسترسلين في اللذات؟ وكيف نوفق بين تقواكم المعهودة، وتقشفكم الغير المحدود، وبين أعمالكم هذه؟ كيف تسرون وتفرحون بغناء فيه هذه العبارات القبيحة، والتلميحات السفيهة: «ولقد دخلت على الفتاة، فدفعتها فتدافعت فلثمتها فتنفست»، يا أسيادي الأفاضل، عودوا إلى حكمتكم التي تركتموها في هذه الدقيقة، تأملوا في ما أنتم فاعلون، اذكروا أننا اجتمعنا لنتخابر بأمور خطيرة، فيها صيانة حياتنا، وحفظ مقامنا كما ذكر في رقعة الدعوة. لا تظنوا أنني أخالف لكي أعرف، كلا أنا أخالف الآن لأني لم أنس الغاية التي من أجلها اجتمعنا، فاعذروني إن كنت شديد اللهجة، إنما ذلك نتيجة غيرتي الحاضرة على أبناء جنسي، ولا أقول ذلك لأتهمكم ضمنًا بالفتور وعدم الاكتراث، ولكن لما رأيتكم غارقين في بحور اللذات، ساهين لاهين خفت على مشروعكم من الانقلاب والفساد، فجئت منبهًا يا أسيادي لا منذرًا ومذكرًا لا متهددًا. وكان لكلام الثعلب في النهاية وقع حسن في صدور البغال والجياد، فندموا كلهم على ما فعلوا، وانقلبوا ببرهة من أعداء إلى أصدقاء للثعلب الذي كان كلامه قاضيًا على السكر، وهوسة الغناء، فرماهم في لجج الهواجس والتفكر، حتى إن أكثرهم أفاقوا من غفلتهم، وأخذوا يبدون علائم الاستحسان، فالثعلب الذي ابتدأ يتكلم بين هسهسة المستهزئين فاز فوزًا مبينًا، وختم خطابه بين لبيط الاستحسان.

أحد الحمير: أما والحق إن في كلامه زبدة.أحد البغال: إنه لعين الحق، فقد جئنا لنعقد مجلس إصلاح، وليس مجلس غناء.أحد الجياد: فليعش الثعلب إنه العاقل الوحيد فينا، يجب أن يترأس الجلسة، واجتمع حوله إذ ذاك عدد غفير من الحاضرين، وأخذوا يهنئونه على جرأته، ويثنون على أدبه، ويستغفرون منه لإهانتهم إياه قبل أن عرفوا عنه شيئًا. (وبينما هم يهنئون الثعلب وقف أحد الحمير الشقر السكارى فهز أذنيه المنتصبتين، ولبط لبيطًا قويًّا حتى استلفت إليه أنظار الحاضرين، ثم رفع كاس الجعة فوق رأسه، وقال):

وفي سكرة منها ولو عمر ساعة (هك)ترى الدهر عبدًا (هك) خاضعًا ولك الحكمفلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيًا (هك)ومن لم يمت سكرًا بها فاته الحزم (هك)ما بعرف يا إخواني منين جوني هالبيتين (هك)، ولكن منين ما كانوا مليح قد عبروا عن فكري (هك). إيش بيهمني أنا إن صار إصلاح (هك)، وإن ما صار، وإن تم اتحاد، وإن ما تم بدي أسمع غنا الجحش، وأنبسط (هك)، بدي آكل وأشرب وأفرح بركي بكره موت. (هك) فارتفعت عند هذا الكلام الضوضاء والهسهسة، وجاء من أربع زوايا الإسطبل صوت واحد يطلب إسقاط هذا الحمار السكران: اسكت واخرج من الإسطبل.الحمار: إوعا تصدقوا إني (هك) بسكت إلا ما يفتح تمه الجحش (هك)، وإوعا تصدقوا إني بخرج من الإسطبل إلا أنا وإياه (هك) أنتو كلكم مجانين، والثعلب (هك) اللي حكي بالأخير أكل دجاج كثير (هك)، أنا حيوان كلكم تعرفونني، حيوان عندي هلق، صوت طيب، وعود وكبايه، وما ناقصني غير (هك) … ها ها ها، فلثمتها «فتنفست موش» هيك دخلك.الجميع (بصوت حي): أخرجوه من الإسطبل، أخرجوه حالًا، سفيه متهتك سكران أسقطوه عن البرميل! أخرجوه من الإسطبل. فهجم إذ ذاك عليه أربعة من البغال الكبار، اثنان منهم قبضًا على رجليه وذنبه، واثنان أمسكاه برأسه، وحملوه كلهم إلى باب الإسطبل، وهو يقول: تذكروا أنكم شحطوني (هك) من جمعيتكم، فلا تعتبوا علي إذا صرت جمل، ولفيت لفه خضرا ضراعين (هك)، بطلت كون (هك) حمار خليلكم هالفروه (هك) لا إله إلا الله، وبكره بتسمعوا (هك) عني في جرائد إسطنبول (هك)، هونيك بغني وبرقص، وبنبسط بين الحريم (هك)، وأجري بضهر الفلك (هلك)، أنتو صلحوا العالم، وخلصوا نفوس البشر (هك)، وأنا أجري (هك)، وكان قد وصل إلى الباب فرماه البغال خارجًا، وأغلقوا باب الإسطبل، وأقفلوه كي لا يحاول الدخول ثانية.