الفصل الثالث

9 0 00

الفصل الثالث

نائلة بنت القرافصة

وفي الصباح التالي أفاقت أسماء وقد رأت أمها في الحلم فبكت بكاء مراً، ولم تكد تجلس بفراشها حتى دخل يزيد وهم بتقبيلها والرياء ظاهر في وجهه، فلم تطاوعها نفسها على تقبيل يده فلبثت في الفراش صامتة كئيبة لا تبدي حراكاً.

فقال لها يزيد: «انهضي يا ابنتي واغسلي وجهك وهيا بنا لتحية مولاتنا نائلة زوجة أمير المؤمنين، ولا ريب أنها ستعزيك في أحزانك».

فقالت: «دعني وحدي وأغلق الباب فليس في الدنيا ما يعزيني».

قال: «انهضي يا حبيبتي فإن الحزن يضنيك ولا خير فيه. وهبي أنها لا تستطيع تعزيتك فالذهاب إليها فرض لأننا في حماها». وما زال بها حتى أنهضها. وفيما هي تتحفز للقيام دخل رجل فاستقبله يزيد قائلاً: «أهلاً بأبي الجراح». فبغتت أسماء لرؤيته فابتدرها يزيد قائلاً: «إنه مولى مولاتنا أم حبيبة وأظنه جاء في طلبك». فقال أبو الجراح: «إن مولاتنا تدعوك إليها وقد علمت بما أصابك وبنزولك عند آل حزم فبعثتني وجارية حبشية لنأتي بك إليها».

فعجبت أسماء لهذه الحفاوة وشكرت تلك العناية ونهضت فلبست ثوبها وسرحت شعرها وعقصته وأرسلته إلى الوراء وأرخت الخمار على رأسها، وتزملت بالرداء الأسود، وخرجت والجارية معها ودخلت من باب موصل بين الدارين حتى بلغت دار عثمان فرأت فيهما ما يليق ببيوت الخلفاء من الطنافس والأستار ونحوها، ولقيت في باحثها كثيراً من الجواري والغلمان فمشت حتى أتت حجرة نائلة.

فلما سمعت نائلة وقع أقدامها تحفزت للقائها. فلما دنت أسماء تنسمت رائحة الطيب، وسمعت وسوسة أساور نائلة ودمالجها وعقودها وهي تتهيأ للوقوف، فدخلت واستقبلتها نائلة وقد أعجبت بجمالها وهيئتها، فهمت بها وضمتها إلى صدرها وهي تقول: «أهلاً بضيفتنا أهلاً بابنتنا العزيزة».

فلما سمعت أسماء ذلك غلب عليها البكاء ولكنها تجلدت وقبلت يدها وجلست إلى جانبها، وخرجت الجارية، وبقيتا في الغرفة وحدهما وأسماء لا تتكلم.

فهمت نائلة بمداعبتها فقالت: «أهلاً بابنتنا الجديدة ومرحباً بها».

فشرقت أسماء بدموعها وقالت: «دعيني يا مولاتي أبكي أماً حنوناً فقدتها وأرفقي بحالي».

فأثر الكلام في نائلة تأثيراً عظيماً وترقرقت الدموع في عينيها وقالت: «إني شريكتك في أحزانك يا حبيبتي، أما ترضينني بدلاً من أمك؟»

فأجابت: «إن في هذا أكبر تعزية لي على مصابي». وتأوهت نائلة لتأوهها وقالت: «اصبري يا بنيتي على مصابك، فالحزن لا يجديك». ثم أمرت بالمائدة، فمد السماط فاعتذرت أسماء عن الطعام فألحت نائلة عليها فتناولت منه شيئاً، ثم أخذت نائلة تحادثها في شؤون شتى حتى هدأ روعها، وجعلت تتأملها وتعجب لجمالها فإذا هي لا تشبه أباها في شيء وكانت قد رأته عندما جاء معها.

وكانت أسماء في أثناء ذلك مطرقة غارقة في بحار الهواجس فقالت نائلة: «ما بالك صامتة، تكلمي يا أسماء واشغلي نفسك عن الحزن لعلك تتعزين».

قالت: «لا أرى شيئاً يعزيني في هذه الدنيا يا مولاتي، ولا يحلو لي الكلام، وأحمد الله لما لقيته من مواساتك فقد استأنست بك كثيراً وشعرت بحنوك حنو الأم على ولدها». قالت ذلك وهي تمسح دموعها وتشهق بالبكاء.

فتأثرت نائلة وأبقت الحديث في شأن مروان إلى فرصة أخرى. وأحبت أن تسليها عن الحزن فدعتها لمشاهدة ما في بيتها من الأثاث، وأكثره من الطنافس والسجاد والأواني مما غنمه القواد في فتح الشام والعراق من قصور الملوك والبطارقة وأغنياء الروم والفرس، وفيها أسلحة مرصعة وأعلام ودروع وآنية من الفضة والذهب من غنائم المدائن عاصمة الفرس على عهد عمر بن الخطاب، وبينها تاج كسرى مرصع بالجواهر، وثيابه ووشاحه وكلها من الديباج المنسوج بالذهب، المنظوم بالجواهر، ودرع هرقل، ودرع خاقان ملك الترك، ودرع داهر ملك الهند، ودرع النعمان بن المنذر، وكثير من الأسياف المرصعة. وأدركت أسماء من تكومها بعضها على بعض بلا تنظيم أنها لم توضع لأجل الزينة. ثم خرجت نائلة بها إلى غرفة صغيرة رأت فيها أريكة وعليها جواد من ذهب فوقه سرج من فضة، وعلى ثغره ولباته الياقوت والزمرد وعلى الجواد فارس من فضة مكلل بالجواهر. وبالقرب من الجواد ناقة من فضة عليها شليل من ذهب وبطان من ذهب، ولها زمام من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت وعليها رجل من ذهب. فانبهرت أسماء لتلك التحف التي لم تر مثلها ولكنها علمت لأول وهلة أنها ليست من صنع بلاد العرب.

فقالت: «ومن أين هذه التحف يا سيدتي؟»

قالت: «إنها من غنائم المسلمين مما فتحوه من بلاد الفرس، وهي من متاع بيت المال، وإنما نقلناها إلى هنا لأمر اقتضى ذلك، وسنعيدها إليه، فأحببت أن أريكيها لأنها من أبدع ما صنع ولا نظن الزمان يأتي بمثلها.

فقالت أسماء: «لقد عرفت فائدة التيجان والسيوف والدروع، ولكنني لم أفهم فائدة هذا الجواد والناقة؟»

قالت نائلة: «أخبرني بعض من شهد فتح المدائن من أمرائنا أنهم لما فتحوها ودخلوا إيوان كسرى رأوا في صدر الإيوان الأريكة التي كان تاج هذا الملك قائماً فوقها، وعلموا أنه كان مركزاً على أسطوانتين من المرمر المذهب وعلى قمة إحدى الأسطوانتين هذا الجواد وراكبه وعلى قمة الأسطوانة الأخرى هذه الناقة وراكبها. وكان الفرس قد نزعوا هذه وحاولوا الفرار بها فظفر بها المسلمون وأخذوها منهم».

فأعجبت أسماء بما رأت إعجاباً عظيماً. وبينما هي تنظر إلى صحن الدار لمحت مروان ماراً فأجفلت وانقبضت نفسها وأرادت أن تعود إلى حجرتها متظاهرة بالحاجة إلى الراحة، فودعت نائلة ورجعت فدخلت الغرفة وأغلقت الباب وتوسدت الفراش وغرقت في بحار الهواجس.

أما مروان فكان قد علم بمجيء أسماء إلى نائلة، فأراد أن يعلم ما جرى بينهما فجاء متظاهراً بالرغبة في لقاء الخليفة ثم تحول إلى غرفة نائلة فرآها وحدها، فسألها عما جرى فأخبرته أنها لم تفاتحها في شيء وأنها ستذهب إليها في الغد وترى ما يكون. فألح عليها أن تستطلع ضميرها وتقنعها. فوعدته بأنها ستدعوها في الغد إلى الإقامة عندها.

•••

وفي صباح اليوم التالي بكرت نائلة إلى غرفة أسماء، فوجدت الباب مغلقاً ففتحته بلا استئذان، فرأت أسماء نائمة وقد أغمضت جفنيها وتوسدت إحدى ذراعيها، وجعلت الأخرى فوق رأسها فانحسر كمها عنها فبان زندها وبانت عروقه مخضرة كأنها خطوط متعرجة رسمها الجمال تحت تلك البشرة الناعمة الغضة، ونمت على كل زند عضلاته واستدارت حتى يخيل إلى ناظره أن الصحة تتدفق منه. وكانت الشمس قد أشرقت فأرسلت أشعتها من نافذة فوق رأس أسماء، فمرت الأشعة حتى اجتازتها ولم تقع عليها، ولكنها جعلت لزندها ظلاً خفيفاً وقع على محياها فأخفى ظل أهدابها الطويلة. فوقفت نائلة تتأمل ذلك الجمال المحلى بالصحة وهي تحاذر أن توقظها، فلمحت على معصمها وشماً على شكل الصليب فاستغربت ذلك لعلمها أنها مسلمة ولا يتخذ ذلك الوشم غير المسيحيين. فتأملت فيه فإذا هو رسم صليب لا ريب فيه، ثم دنت من رأسها فرأت العرق قد كلل جبينها وزادها بهاءً وجمالاً.

وكأن أسماء أحست بوقوف نائلة إلى جانبها، فغيرت وضعها ورفعت يدها عن جبينها واستلقت على ظهرها فانشق صدر ثوبها فبان من تحته قلادة من فضة تدلت منها تميمة عليها رسوم مسيحية أيضاً، فازداد تعجب نائلة واشتد ميلها إلى استطلاع السر. وبينما هي في ذلك إذ رفعت أسماء يدها إلى عينيها فمسحتهما فرأت نائلة واقفة عند رأسها، فخجلت لنومها بين يديها ونهضت بعد أن أرسلت كمها فوق معصمها، وأطبقت صدرها. فحيتها نائلة فردت التحية وهي تمسح عرقها وتهم بالوقوف، فأقعدتها وقالت: «استريحي يا ابنتي إني لا أريد أزعاجك ولم آت إلا التماساً لراحتك».

فأثنت أسماء على معروفها ودعتها إلى الجلوس فجلست نائلة على جانب السرير وهي ممسكة يد أسماء تنظر إلى رسم الصليب فيها ثم قالت: «لقد استغربت هذا الرسم على معصمك، وعهدي بك مسلمة، فهل رسمته على سبيل الزينة؟»

قالت: «لا أعلم، ولا أذكر يوم وشمه، لأني كنت طفلة. وقد سألت أمي عنه فلم تجبني».

قالت: «وما هذه التميمة التي في عنقك؟»

فمدت أسماء يدها إلى التميمة فأخرجتها من بين ثوبها وقالت: «لا أدري من ألبسني هذه أيضاً». قالت نائلة: «ولكنها تميمة مسيحية».

قالت: «لعلها كذلك، وقد لبستها طوعاً لأمر أمي فقد أوصتني أن أحتفظ بها منذ طفولتي».

فلم تعرف نائلة شيئاً، وازدادت رغبتها في البحث، فقالت: «ألا أخبرتني يا أسماء كيف وصلت إليك هذه التميمة، وكيف رسم على يدك هذا الصليب؟ أخبريني ولا تخافي فإن النصارى أهل ذمة عندنا. ثم إني ولدت في بيت مسيحي أنا أيضاً وكان والدي نصرانياً. فأخبريني أمرك وأنا أعلم أن أباك يزيد مسلم أموي».

فتذكرت أسماء أمها وكتمانها اسم أبيها الحقيقي فتنهدت وصمتت، فعجبت نائلة لسكوتها وتسترها وقالت لها: «ما بالك صامتة؟ بوحي لي بسرك ولا تخافي فإنك بمنزلة ابنتي عندي».

قالت أسماء: «بماذا أبوح وأنا لا أعلم من هذا السر شيئاً، وأعترف أني كنت منذ حداثتي أرى هذا الصليب وهذه التميمة ولا أعلم من أمرهما شيئاً».

قالت: «وكيف يكون ذلك؟»

قالت أسماء: «هذا هو الواقع يا مولاتي ولا أعلم من أمرهما و…» وصمتت.

فقالت نائلة: «قولي يا أسماء ولا تخفي سرك عليّ».

قالت: «ماذا أقول وأنا لا أعرف شيئاً غير ما ذكرت؟»

قالت: «يظهر لي من ترددك أنك تخفين شيئاً آخر».

فتنهدت أسماء تنهداً عميقاً ونظرت إلى نائلة والدموع ملء عينيها وحاولت الكلام فخنقتها العبرات فسكتت.

فضمتها نائلة إلى صدرها وقبلتها وهي تزداد إعجاباً بإشراق طلعتها وقالت: «قولي يا بنيتي، قولي ما في نفسك وثقي أني حافظة سرك عن كل إنسان».

فمسحت أسماء دموعها، وتنفست الصعداء وقالت: «ماذا أقول لك يا خالة؟ إن سؤالك جدد أحزاني وأذكرني أمي المسكينة». قالت ذلك وعادت إلى البكاء.

فمسحت نائلة دموعها وقالت: «رحم الله تلك الأم الحنون، فإنها قد خلفت لنا ملاكاً كريماً. قولي ما هو سرك».

قالت: «إن سري يا سيدتي قد ذهب إلى القبر مع أمي». قالت ذلك وأوغلت في البكاء.

فقالت نائلة: «هل كانت أمك تخفي السر عليك وماتت قبل أن تبوح به؟»

قالت: «نعم، ماتت وخلفت لنا حرقة فراقها، وازدادت تلك الحرقة لوعة بكتمانها سراً ذهب معها إلى القبر، ولكنها …».

قالت: «ولكنها ماذا؟». قالت: «ولكنها أخبرتني أن يزيد الذي يزعم أنه أبي ليس هو كذلك في الحقيقة».

فبغتت نائلة، وتذكرت أنها حدست ذلك مذ رأته فقالت: «لقد شككت فيه، فأخبريني عما تعلمينه من تاريخ حياتك لعلي أستنتج شيئاً».

فقالت: «لقد ربيت في دمشق الشام منذ طفولتي، وقد كفلتني أمي المسكينة وزوجها يزيد هذا معها، وكنت أظنه أبي ثم علمت أنها تزوجته في مصر على أثر قدوم عمرو بن العاص إليها، وكان يزيد في جنده يوم الفتح، فكانت أمي نصيبه من الغنيمة، وكنت أنا يومئذ في العام الأول من عمري، هذا كل ما أعلمه. وقد ألححت علي والدتي أن تصدقني الخبر فوعدتني ثم سبقها أجلها».

فبهتت نائلة وظلت صامتة برهة تفكر وأغلق الأمر عليها.

وفيما هما في ذلك إذ سمعتا وقع أقدام مسرعة أمام الباب فالتفتتا فإذا يزيد قد دخل مسرعاً وعلى وجهه أمارات البغتة، فلما رأى نائلة تأدب في وقوفه وحياها. فقالت: «ما وراءك يا أخا أمية؟»

قال وعيناه لا تستقران وأجفانهما ترف: «ما ورائي إلا الخير يا مولاتي».

قالت: «قل ما وراءك؟»

قال: «خرجت في هذا الصباح في شأن لمروان، وعدت الآن فلم استطع الدخول إلى المنزل إلا خلسة!»

فنهضت نائلة وقد خفق قلبها وحدثتها نفسها بسوء كانت تتوقعه وقالت: «ما الذي منعك من الدخول؟»

قال: «عصبة تجمهروا على منزل أمير المؤمنين بخيلهم ورجلهم وقد علا ضجيجهم ولا أدري ما يبيتون».

فبغتت نائلة وقالت: «وماذا يبغون يا يزيد؟ قل». قال: «لا أدري يا سيدتي ولعلهم يضمرون الشر».

فخرجت نائلة مهرولة وبدنها يترجرج لضخامة فخذيها، وأسماء في أثرها وقد نسيت حزنها واشتدت عزيمتها حتى دخلتا دار عثمان وتحولتا إلى أول حجرة تشرف على الطريق فأطلتا فرأتا الناس جماعات وقد تجمهروا بأسلحتهم وخيولهم، وعلا صياحهم، فاضطربت نائلة وامتقع لونها وأخذ الخوف منها كل مأخذ.

أما أسماء فبقيت رابطة الجأش، وجعلت تشجعها وتقول لها: «لا تخافي يا سيدتي فإنهم لا يستطيعون الدنو من الدار فهي محاطة بهذا السور العالي، وإذا هم هموا بتسلقه فإننا نرميهم بالنبال والحراب».

فعجبت نائلة من شجاعة أسماء ورباطة جأشها، وكأنما سرت إليها عدواها فأمسكتها وتوجهت تقصد غرفتها.

وبينما هما في صحن الدار إذ سمعتا لغطاً ورأتا هناك نفراً من المهاجرين يهمون بالدخول إلى الدار وحالما وقعت عينا نائلة عليهم همست في أذن أسماء كلاماً يتخلله ارتعاش وقالت: «هؤلاء كبار الصحابة قد أتوا، ولا أدري غرضهم من أمير المؤمنين». ونظرت أسماء إليهم فرأت علياً بينهم فحدثتها نفسها بأن تكلمه، فجذبتها نائلة وسارت بها إلى أقرب حجرة هناك التماساً للحجاب، وأغلقت الباب فإذا هما في حجرة بينها وبين مجلس عثمان باب مقفل، ونائلة ممسكة بيد أسماء فأحست هذه بارتعاش أناملها فقالت لها: «ما الذي أخافك يا خالتي؟»

قالت نائلة بصوت متهدج: «أخافني مجيء هؤلاء، فإنهم قلما جاءونا إلا لتأنيب أو تهديد». قالت: «ومن هم؟»

قالت: «علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله. وهم وجوه الصحابة ومن الطامعين في الخلافة وكل يريدها لنفسه، وما زلنا منذ تولاها أمير المؤمنين لا يهدأ لنا بال مما يتهمونه به من الأعمال. أرأيت إلى الناس المحيطين بمنزلنا الآن؟ هؤلاء أهل الكوفة والبصرة جاءوا يطالبون الخليفة بأمور ما أنزل الله بها من سلطان».