٢

10 0 00

٢

فأطرق المسافر وخاض في بحر الأفكار المحزنة قائلًا في ذاته: جئت أستعلم أخبارها فلا أجسر على السؤال؛ إذ بتُّ أخشى الجواب، لكنه عاد إلى نفسه بعد حين لمَّا رأى أحد القرويين أقبل يحمل حزمة من الأشواك والأغصان اليابسة، كان جمعها من الأحراش المجاورة فطرحها عند المدخل، وجلس يستريح على مصطبة هناك ويمسح بأذيال عباءته وجهه المكلَّل بالعرق، فما تأمله إلَّا صرخ بصوت الحبور وبادر إليه، ومدَّ يده ليصافحه، فتفرَّس فيه الحطَّاب مستغربًا وكأنه لم يكترث له، فصاح المسافر: وأنت أيضًا يا بطرس منصور لا تعرفني؟ فاعتذر الحطَّاب وحلف أنَّه لا يعرف له صورة قبل ذاك اليوم.

فسأله: ألا تذكر الرجل الذي خاطر بروحهِ لينقذك من بين أرجل حصانٍ جموح؟

فلم يكن الحطَّاب ليفهم كلامه.

– هل نسيت الشاب الذي كان يدفع دائمًا عنك تعديات أولاد الضيعة، وعلَّمك ألعابًا كثيرة وأركبك مرارًا على حصانه؟

– أذكرُ أنَّ المرحوم والدي أخبرني مرَّة أني لمَّا كان عمري خمس سنين، كاد يدعسني الحصان لو لم يخلصني حنَّا الطويل، لكن هذا سافر من خمس وعشرين سنة إلى بلادٍ بعيدة وراء البحر، ومن ذاك الحين لم نعد نسمع خبرًا عنه، وما أدرانا! لعلَّ اليوم تكون عظامه صارت مكاحل، الله يرحم ترابه!

فصاح الغريب بفرح: إذن تعرفني الآن، أنا حنَّا الطويل، بل حنَّا غنطوس، ولمَّا رآه لا يبدي ولا يعيد أردف كلامه بقوله: ألا تذكر الصيَّاد الذي اشتهر في هذه الضيعة، حتى كان لا يتقدم عليه أحد كلما هجم ذئب أو ضبع، فكان هو وحده يُخلِّص البلد من شر الوحوش، ويصيب دائمًا لا يُخطئ ولا مرَّة؟ فأنا أنا الصيَّاد حنَّا غنطوس.

فأجاب الحطَّاب مترددًّا: ربَّما يكون ذلك، أمَّا أنا بلا مؤاخذة من جنابك يا سيدي فلا أعرفك، وكيف أعرفك وأنت خواجة غنيٌّ كبير وأنا فلاحٌّ مسكين ما طلعت في عمري خارج الضيعة؟

قال هذا وألقى ظهرهُ ليستند إلى الحزمة، فكأنه أضرَّ به الحر والتعب، أو ظنَّ أنَّ الغريب يسخر به فلم يبال بشأنه ولم يعبأ بأقواله، وليست كذلك حالة أمثاله إذا رأوا في بلدهم غريبًا ولا سيما أوربيًّا، فإنهم يرحبون به ويكرمون مثواه.

فساء المسافر إعراضُ الحطَّاب فلم يزد إيضاحًا، بل عاد فلفَّ الماربيش على النارجيلة، وهمَّ بالانصراف قائلًا بكل هدوء: لا تخلو الضيعة من أصدقاء لم ينسوني، فأنت يا بطرس منصور لا تُلام؛ لأنك كنت صغيرًا في تلك الأيام، ولا شكَّ أنَّ الطحَّان نمر بشارة يعرفني لأوَّل وهلةٍ، فكيف شغله؟

– خربت مطحنته ونبت موضعها الدلب والحور.

– والطحَّان نمر ماذا جرى له؟

– أظن أنه انتقل مع عائلته إلى بيروت، والله أعلم بحاله، ولربما مات أيضًا، والآن افهم يا خواجة أنك تتكلَّم عن زمن جَدي، لكنك لا تحصل على جواب إلَّا من حفَّار القبور الساكن في كوخ عند المقبرة فهو يعرف كل شيء، ويعد لك على أصابعه كل الحوادث التي جرت من مئة سنة.

– لا يخفى عليَّ ذلك ولا يبعد أنَّ يوسف روحانا جاوز التسعين.

– يوسف روحانا؟ … ما هذا اسم الحفَّار، اسمه فارس عبود.

فتنفَّس الغريب الصعداء وهتف: أشكرك اللهمَّ؛ لأنك أبقيت على أحد أترابي.

– كأن فارس صاحبك يا خواجة؟

– صاحبي! لا، فإننا كنَّا في خصامٍ دائم، ومرَّةً كنَّا نتصارع فزجَّيتهُ في الساقية الطامية من الأمطار فكاد يغرق، ولكن ذلك قديم العهد ولا ريب أنَّ فارسًا يُسر بلقائي وأنا ذاهبٌ إليه في الحال.

وعندئذٍ أخذ قطعةً من الفضَّة وأعطاها للدكاني، واعدًا بأن يتردَّدَ إليه ليدخِّن عنده بالنارجيلة، فأجاب هذا: المحل محلكم يا سيدي، والكل تحت أمركم، وأشار إلى أحد ولديه أن احمل خرج الخواجة ورُح في خدمته.

فشكر الرجل قائلًا: ما من داعٍ إلى أنْ تتعبهُ، ونفح الصبيَّ بدرهم وأخذ منهُ الخريطة، وانحدر في طريقٍ متوعرة شرقي الخان، وقد خرج الدكاني يشيعهُ مكثرًا من إشارات الاحترام وعبارات الامتنان: «شرفتم الله يحفظكم، ربنا يُطِل عمركم»، حتى توارى المسافر عن أبصاره فعاد وهو لا يتمالك من الفرح لما نالهُ من الحُلوان.