1
تَمدَّدْتُ فوق السرير، وبذهني رغبة لا تقاوَم للغوص في نوم عميق يُنقذني من أرق التفكير في تفاصيل مرافعة يوم الغد. ها قد حان موعد جلسة المحاكمة وأنا في حيرة من أمري. القضية معقّدة وخيوطها لاهبة. قنْبُلة انشطارية موقوتة ننتظر، على أحرّ من جمر الغَضَا، انفجارها بين الفينة والأخرى. وَأَنا على يقين من ألاّ أحَدَ سيخرج منها سالمًا. فليستر الله ويحوّل مجرى الزوبعة الجارفة بعيدًا عنّا. إنّ التِنِّين رابض على حواف النفوس الحائرة، يزأر ويجأر مهدّدًا متوعّدًا، وشواظ نيرانه بدأت تلفح الوجوه. لا أظن أنّ هناك قوةً قادرة على صدّ هجومه أو ثني عزيمته في إضرام النار في هشيم هذا البلد. لا يُروَّض التنّين إلا بقربان. في الخوالي من الأيام، كانت التَضْحية بعَذراء من جميلات القوم. أما اليوم تكفي، فالمؤكّد أنّ حريمًا من الأبكار والقناطير المقنطرة من أضابير الدينار والدولار والأورو غير كافية لترويض هذا المفترس القابع في عتمة الأسوار الخلفية. صَوْتٌ آتٍ من وهاد جوارحي، يهتف لي أنّ الجرح قد عفّن أجزاء أساسية لا دواء لها إلا البتر. إنها أيام شاقّة لن ينجو منها إلا طويل العمر مثلما كانت تقول أمّي، رحمها الله، وهي تحدّثني عن حرب أخرى لا تزال جروحها لم تلتئم بعد.
أخْرَجْتُ الجرائد اليومية التي ظلّت في محفظتي طوال النهار دون أن أجد الوقت الكافي لفتحها، ورُحتُ أتصفّحها حينما هزّتني رنّة الهاتف كلسعة كهربائية مباغتة. ماذا يريد منّي هذا المزعج في هذه الساعة المتأخّرة من الليل؟ أيكون مدير الجريدة، يريد التأكّد من عدم تأجيل تاريخ المحاكمة؟ أم والدة السجين؟ لا، لقد زارَتْني اليوم في مكتبي. شكت لي أحوالها للمرّة الألف، كما توسّلت إليّ أن أخلّص ابنها من غياهب السجن، قبل أن تخنقها الدموع وتخفض رأسها خجلًا وعجزًا. ما كان بمقدوري إلا أن طمأنْتها بما جادت به قريحتي من كلمات وعبارات مواسية، رغم علمي بخطورة القضية. نهضت متثاقلًا، رأسي تحجبه غيمة كؤوس البيرة التي تجرّعتها برفقة عصابة آخر الناجين من التديّن الزاحف على البلد في السنوات الأخيرة.
كان الصوت مُرتجفًا متقطعًا بداية الأمر، صوت شخص يعرفني جيّدا لأنه ناداني باسمي، ولكنه صوت رجل منهار تحت وقع صدمة مروعة.
ـــ ابني... نبيل ابني... يا خويا عبد القادر... أتسمعني... أتفهم كلامي...
مرّت ثوانٍ عديدة قبل أن أتعرّف على صاحب الصوت المرعوب.
ـــ ابني... أقول لك ابني... هل تسمعني؟ عثرنا عليه ملطّخًا بالدماء...
وسكت الأب المفجوع، غير قادر على التلفّظ بكلمة. خيّم بيننا صمت أربك ذهني وشوّش قدرتي على الجواب. أنا أيضًا فقدت كلماتي، لا أعرف ماذا أقول أمام موت ابن صديقي العزيز، لأنّ الأمر يتعلّق بوفاة نبيل، وفاة مرعبة بلا أدنى شك. أعرف رشيد بن غوسَة منذ أزيد من ثلاثين سنة، أيام التكوين في مدرسة المعلّمين. لمْ تكن الحياة ليّنة معه، وهو بدوره كان يركب رأسه ولا يتنازل عن شبر واحد ممّا يعتقد أنه من حقوقه الطبيعية، ولا يحقّ لأحد، مهما كانت سطوته، أن ينزع منها ولو رُبع ملّيمتر. إذا كان قد صُدم بهذا الشكل المريع فمعناه أنه تلقّى الضَربة التي تقصم ظهر البعير.
ـــ هدِّئ روعك يا صديقي، ربّما لم يصب إلا بجرح أفقده وعيه...
ـــ لا... لا... إنها رصاصة... سمعت دويّها من البيت... رصاصة مسدّس، وليست طعنة خنجر أو ضربة عصًا.
تمتمت بذهول: «رصاصة مسدّس». وبسُرعة خارقة، تشكّلت بذهني صور كما لو أنني شاهدتها في فيلم بوليسي. يكون القاتل قد استهدف الأب دون شك، فجرفت الرصاصة الابن. أكيد أنّه كان يَترَصَّده مُتخفّيًا بقرب مدخل المتوسّطة، فتح نبيل السياج الذي أصبح يُغلق بالقفل لتردّي الوضع الأمني، فوقعت الواقعة، ولكن ليس كما أراد لها مخطّطها. كيف نجا رشيد وأصيب ابنه؟ من عادة هؤلاء القتلة أنْ لا يخطئوا هدفهم. هي افتراضات دارت بخلدي، أَوْحَتْها لي عبارة «رصاصة مسدّس»، وأنا أرتدي ملابسي بخفّة لألتحق بصديقي.
مشيت بخطّى سريعة وسط المنازل الحديثة البناء، الغارقة في الصمت والعتمة. أغلبها عبارة عن ورشات لا يبدو أنّ بناءها سينتهي قريبًا. الأزقّة مغبّرة وتتبَعثَر على قارعتها بقايا موادّ البناء متراكمةً هنا وهناك. لحسن حظنا أنّ المطر تأخّر عن السقوط هذه السنة. يَوم واحد من المطر وتتحوّل الأزقّة إلى برك موحلة تعيق السير. فعوَض أن نقلق بل ونحزن لغياب المطر، أصبحنا نفرح لاستمرار الصحو، بل ونتمنّى أن يطول الجفاف. ومثلما يقول صَديقي رشيد ساخرًا: ماذا نفعل بالمطر؟ الوديان تصبّ في البحر أو تغور في الرمال. الأرض مهملة، بور لا يخدمها أحد. البطاطا والقمح نستوردهما من كندا. الأولى بنا أن نقيم صلوات استسقاء ندعو فيها الله أنْ يُسقط الأمطار في كندا، بغزارة وبلا انقطاع. هكذا نضمن مصادر رزقنا. فعلًا، إنّ شرّ البلية ما يُضحك.
المسافة بين منزلي ومتوسّطة ابن باديس لا تتجاوز الكيلومترين. استبدّ بي الانقباض والقلق. تتَدفّق أمام بصري الشارد صور المأساة مثلما تخيّلتها، فأسرع إلى مغالبتها بصور أخرى، أجتهد في تشكيلها. فيستَجيب خيالي لرغبتي الدفينة، أتخيّل ابن صديقي جريحًا لا يزال يتنفّس، بل أراه مُمدّدًا على سرير المستشفى، مضمّد الجراح، والطبيب يبتسم مزهوًّا لأنّه أنقذ شابًّا كان على شفا حُفرة من الهلاك.
كانت ساحة المتوسّطة غارقة في شبه ظلام لا يسمح بتمييز وُجوه الحاضرين القلائل. أعرف المكان جيّدًا ولا أظنّ أنّ تغييرًا ما قد طرأ برغم غيابي الطويل. أعبر عتبة السياج الخارجي، وبصري يتلهّف بحثًا عن الضحيّة. ألقيت التحية. ارتفعت همهمات هامسة لا تكاد تُسمَع. خفَّف الصمت الرهيب المخيّم على الرؤوس من اندفاعي، فأحجمت عن الكلام. وما فائدة الكلمات أمام حقيقة الموت؟ كانت رائحته تزكم الأنوف وتلجم الألسنة. توقّفت لحظة، ألقيت نظرةً فاحصةً حولي. كان رشيد جالسًا على الأرض، مُسندًا ظهره للجدار، يمسك رأسه بيديه. زوجته نصيرة تبكي بصمت وهي جاثمة غير بعيد عنه، بقرب سقيفة المطبخ، تنيرها لامبَة شاحبة النور. اقتربت من صديقي وربّتّ على كتفه. رفَع رأسه بتثاقل وألقى عليّ نظرة منطفئة، لا حياة فيها، دون أنْ يتفوّه بكلمة. أدركت لحظتها أن ابنه قد مات فعلًا. فَكّرْتُ أن أواسيه بالعبارات الدينية الكثيرة التي تقال في مثل هذه المناسبات، حول استسلام المسلم للقدر ونوائب الدهر. ولكنّ معرفتي بقناعات رشيد الفكرية ومنطقه الرافض لكل أنواع الغيب جعلني ألوكها في لساني لحظة قبل أن أبتلعها.
مكثت مذهولًا مُتردِّدًا في نوع التصرّف اللائق في مناسبة مأساوية كهذه. وبعد ذلك، اقتربت من مكان الجريمة. يَقِف شرطيان بقرب الجثّة الممدّدة على الأرض، ولا يسمحان باقتراب أحد من الحاضرين منها. تعود آخر مرّة رأيت فيها نبيل إلى أكثر من خمس سنوات، يوم دعاني أبوه إلى تناول قهوة مع مجموعة من الأصدقاء بمناسبة نجاحه في امتحان البكالوريا. إنّ الجسد الممدّد أمامي لا يشبه في شيء تلك الصورة الراسخة في ذاكرتي. هذا الذي أمامي لا يختلف عن الصورة العامة لمناضلي الحركات الإسلامية المتطرّفة: لحية كثّة تغطّي معظم الوجه، حليق الرأس وقميص طويل من النوع الأفغاني، وفوقه سترة من الجلد الأسود، وفي القدمين حذاء رياضي أسود اللون أيضًا. وجنتاه عظميتان وبارزتان، مما يدلّ على أنه فقد كثيرًا من سمنته المعهودة. لاحظت أن يده اليمنى مطويّة تحت خصره وبدا لي كأنها تخفي شيئًا. جرّني الفضول إلى الانحناء قليلًا، ولكنّ الشُرْطي نَهرني مُعترضًا سبيلي: ـــ وين رايَح يا السي محمّد... مَمْنوع الاقتراب... مَمْنوع مسّ جثّة الميّت.
ولكنَّني تمكّنت من التعرّف على الشيء الأسود. إنه مسدّس أوتوماتيكي. ما هذا الوضع الغريب؟ ماذا يفعل مُسدّس في يد قَتيل؟ من أطلق الرصاصة إذًا؟
سألت الشرطي عن المسدّس. تفرّسني بنظرة شزراء، ليفهمني أنني أحشر أنفي فيما لا يعنيني. حاوَلْت إقناعه بأنني لسْت شخصًا غريبًا، وأن الشابّ الممدّد أمامنا ابن أعزّ أصدقائي، وإلا لم يكن ليتّصل بي ليلًا. أزعجه كلامي فخاطبني بصبر نافذٍ:
ـــ قلت لك ممنوع يا السيّ...
ـــ عبد القادر بن صدّوق... محامٍ لدى المجلس وصديق سي أحمد، محافظ الشرطة.
ارتخت أسارير وَجْه الشرطي ونظر إليّ مليّا في تلك الظلمة الشفّافة. ربّما كان يبحث في ذاكرته ليستخرج صورة محامٍ يشبهني يكون قد التقى به في أروقة المحكمة. ثمّ بعد لحظة، قال بصوت ألطف:
ـــ بالفعل، هذا الشابّ يمسك مسدّسًا بيده اليمنى. يبدو كما لو أنّ الأمر يتعلق بانتحار. ولكن لا يمكن أن نجزم بشيء. على رقبته وصدره دماء خاثرة تحجب أثر الجرح. تشريح الجثّة وحده الكفيل برفع اللبس عن ظروف وقوع الجريمة. أبلغْنا المحافظ وسيحضر بعد قليل، ليتّخذ الإجراءات اللازمة.
تملَّكني الذهول ولم أقُل شيئًا. انتحار؟ أيعقل أن يكون ابن سي رشيد قد انتحر؟ لماذا ينتحر نبيل؟ إنّه طالب جامعي من عائلة مستقرّة، يقضم الحياة بملء شدقيه، فلماذا يضع حدًّا لحياته وأمام منزل والديه؟ أفكار تدفّقت عليّ كالسَيل المباغت. لحسن حظّي أنّ اصْطفاق أبواب سيّارة وأصوات متسائلة أنقذتني من غرقي. تدحرج المحافظ باتّجاهنا بخطّى راكضة، محاطًا برجلين، أحدهما بالزيّ المدني يتأبّط محفظة. تحرّك الشرطي الحارس قليلًا، ليفسح المجال للقادمين الذين تحلَّقوا حول الجثّة بهيئات العارفين بأسرار الجرائم. انْحَنى صاحب المحفظة على الجسد الممدّد، حاطًّا ركبته اليمنى على الأرض، مسوِّيًّا نظارته، ضامًّا شفتيه وهازًّا رأسه علامة الحيرة والتفكر، قبل أن يضع يده تحت الرأس ليرفع الجسد بهدوء لتحرير اليد القابضة على المسدّس. وبعد ذلك فتح المحفظة، أخرج قفّازات وكيس نيلون شفافًا. أمْسَك المسدّس، أداره بيده بإمعان قبل أن يرميه في الكيس. ثمّ راح يتأمل الجرح مستعيناّ بلمسات خفيفة من أصابعه. اقتربت من المحافظ الذي يبدو أنه لم يرني بعد.
ـــ واش رايك يا السّي أحمد؟ ما هي تخميناتك الأولى؟
التفت إليّ مُندهشا:
ـــ آه، أنت هنا يا أستاذ... لم تقل لي إنّك تسكن بالمتوسّطة؟
ـــ لا. لقد اشتغلت هنا قبل التحاقي بالمحاماة. ورشيد بن غوسَة، المدير السابق، من أصدقائي الأعزّاء. ابنه هو الساقط أمامك...
هزّ رأسه مفكّرًا قبل أن يضيف:
ـــ أين هو الأب؟ نحن بحاجة إلى بعض المعلومات.
لم يتحرك رشيد بن غوسَة من مكانه. اكتفى برفع رأسه وتغيير وضعية جلوسه. جال ببصره الذابل على الحاضرين، ثمّ تكلّم بهدوء، كما لو أنه كان يخاطب نفسه.
ـــ لا أعرف... لا أعرف ماذا حدث بالتدقيق. حينما عدت إلى البيت حوالى العاشرة ليلًا، وجدت نبيل... سَكت متردّدًا، كما لو أنّه أراد أن يضيف عبارة أخرى، ربّما كلمة ابني، ربّما رحمه الله، لكنه ضغط على أسنانه بقوة وواصل حديثه. وجدته جالسًا في الصالون، على ركبتيه دفتر وفي يده قلم. بمجرّد أن رآني، أغلق الدفتر بحركة فظّة. لم يرُدّ على سلامي. التفت إليّ، نظرة سريعة ثم أدارَ وجهه كما لو أنّه كان يخفي شيئاّ ما. أحسسْت بالارتباك في حركته. على كل حال، ليست المرة الأولى التي نتشاجر فيها، خاصّة منذ أن أطلق عنان لحيته وتعمّم بالشاشيَة ولبس القميص. ولكن هذا المساء، لم ينبس بكلمة. وقف والتحق بغرفته. بعد قليل، وأنا بالمطبخ، سمعته يقرأ القرآن بهمس مَسموع كعادته. التحقت بغُرفَتي وصوت تلاوته لا يزال يُسمَع. زوجتي كانت نائمة. بعد قليل، سمعت صرير الباب وعرفت أنه خرج. هممت بالقيام وإقناعه بعدم الخروج في هذا الهزيع من الليل. ولكنني لم أفعل. منذ سنتين تقريبًا، لم يعد ذلك الطفل الوديع الذي يطيع الأوامر. أضحى عنيدًا، عصبيًّا، مُمانعًا، بل ومُعارضًا لكل ما أقول وأفعل. تخاصمنا مرّة. حاولت أن أفهمه أن الجماعة التي يخالطها لا تحبّ الخير للبلاد والعباد. إنها جماعة ضالّة، تتستّر وراء الدين لخدمة مصالح أمريكا الإمبريالية والممالك النفطية العربية. وجماعات الجهاد الأفغاني تُموِّلها أمريكا الإمبريالية في حربها ضد روسيا الاشتراكية. وما الدين إلا غطاء لإغراء الشعوب الفقيرة المؤمنة بحمل السلاح. الصراع صراع مصالح اقتصادية وليس صراع قناعات وإيمان. اتّهمني بالكفر والزندقة. اتّهمته وجماعته بالظلامية والتخلّف والجمود الفكري. تعالت أصواتنا. تدخلت زوجتي لفضّ النزاع. خرج غاضبًا يومها، متوعّدًا مُهدِّدًا. غاب أيامًا عن الدار. ذاتَ مساء، دخل علينا بلباس أفغاني ولحية تغطّي نصف وجهه. تأملته لحظة ولكنني لم أقل شيئًا. يئست من الكلام. أدركت ليلتها أنّ وضع ابني صار كما المركب الذي تتمزّق الحبال التي تشدّه إلى رصيف الميناء الآمن، فتجرفه الأمواج العاصفة بعيدًا في تيهان لا وجهة له ولا حدّ. انْتظَرت أن يحدّثني فلَم يَفْعل. قلت سأتْرك أمره للزمن، فهو وحده الكفيل بتغيير الأشياء. دافعَت أمّه عنه وبحثَت له عن أعذار. تَعاطفَت معه كَكُل الأمّهات. الأمّ مستعدّة دائمًا لرمي نفسها في النار من أجل ابنها. الحقّ مع الابن دائمًا، وليس مع الأب. تترجّل الأمّ بأبنائها، تثأر لنفسها من غطرسة الزوج. هكذا هُنّ دائمًا. أما أنا فلم يأت بعد اليوم الذي يتحكّم ابني في حياتي الخاصة، ويملي عليّ شروطه. المُهمّ... هذه حياتي الخاصّة وأنا مسؤول عنها، وأتحمّل تبعاتها مهما قست عليّ. قلبي يفيض اليوم ألمًا وغضبًا. أعذروني عن هذه الثرثرة الزائدة. أقلقني خروجه ولكن ما عَساني أنْ أفعل. لو التحقت به، أعرف أنني سأدخل معه في مُلاسَنة كلامية صاخبة لا جدوى من ورائها. بعد القلق، يُصيبني الضجر، ويُغرقني في سهاد عصي الاحتمال. لذلك، أخذت كتابًا من كتب نيتشه العظيم ورحت أغرق فيه هواجسي. لمْ أعرف كم مرّ من الوقت. ربّما قرأت أكثر من عشر صفحات، حينما روّعني دوي طلقة رصاصة. كان الصوت قريبًا جدًا كما لو أنّه وقع داخل الشقّة. اسْتَيقظَتْ زوجتي مفزعة، متلعثمة، تتساءل عمّا حدث، إنْ كان ما سمعَته حقيقة أم من بقايا كابوس مخيف. يبدو أن علامات الدهشة كانت ظاهرة على ملامحي، ممّا ضاعف من روعها وطرد عنها النوم نهائيًا. استرقنا السمع، لعلّ أَصْواتًا أخرى ستكسّر هُدوء الليل. انتظرنا صامتَين. مرّت بعض الدقائق. لا شيء عكّر صفو السكون المخيّم. لا ضَجيج، لا أدنى حشرجة. تعوَّدنا على سماع عيارات نارية ليلًا ولكنها بعيدة عنا، متقاربة، متباعدة، إلا أنّنا ندرك من الوهلة الأولى أنها لا تعنينا مباشرة. ولكن هذه المرّة... نَهضْتُ من فراشي، يشلّني الخوف من وقوع مكروه في عقر داري. جلست على حافّة السرير، وآذاني كلها صاغية. الصمت مطبق. وقفت ونظرت عبر النافذة المطلة على الساحة. كان النصف الأكبر من الساحة غارقًا في ظلام لا يسمح برؤية شيء. ثمّ إنّ زاوية النظر من الطابق الثاني حيث شقتي، ضئيلة تحجبها جدران الأقسام. خرجت إلى الشرفة، اتّكأت على الجدار الفاصل لأوسّع مجال رؤيتي. لا شيء. إنّ حارس المتوسطة غائب منذ ثلاثة أيّام. وصله خبر تعرّض عائلته في تبلاط إلى اعتداء إرهابي. هو الذي أخبرني. كنت عائداّ من عند الخبّاز صباحًا، تعرفون أزمة الخبز هذه الأيام، إذا فاتت السابعة صباحًا، كثر الازدحام وأنا أمقت الازدحام، كانت سيارة كلاديستان تنتظره، وهو يحثّ زوجته وأولاده على الإسراع كي لا تفوته مراسم الجنازة، قال لي إن أحد إخوته اتّصل به منذ قليل، أربعة قتلى من العائلة، ضمنهم أمّه العجوز ذات الثمانين سنة... وحسب الجرائد، كانت مجزرة شنيعة في حقّ دشرة انتفض سكّانها ضدّ دكتاتورية الجماعات المسلّحة... ما هذه المصيبة؟
سكت برهة من الزمن، مُطأطِئ الرأس. خيّم الصمت ثقيلًا ومضجرًا، ولا أحد تجرّأ على قطعه. انتظرنا بصبر.
ـــ في ذلك الظلام والصمت، سمعت صوتًا خافتًا يناديني. إنه جاري، المدير الجديد، الذي أطل هو أيضًا من شرفته. كان يشير بيده إلى الأسفل، كما لو أنه أراد أن يريني شيئًا. «ماذا؟» قلت بصوت خفيض. رفع يديه إلى مستوى كتفيه هازًا رأسه بالنفي: «الظلمة... لا أرى جيّدًا...». وهنا اتّخذْت قرار النزول إلى الساحة. اعترضت زوْجتي طَريقي متوسِّلة: «لا تنزل... ربّما كان فخًّا... إرهابيّون يتربَّصون بك، مثلما فعلوا بكثير من أمثالك». قلت: «لقد رأى جارنا شيئًا مريبًا في الساحة، يجب أن أعرف ماذا يحدث». قالت: «لا تُخشّن رأسك... انتظِر الصبح أو اتَّصل بالشرطة». قلت: «لا تخافي. إنني كنت خارج الدار قبل ساعة فقط. لو أرادوا قَتْلي، لما صدّهم عن ذلك أيّ حاجز». مشيت خطوات في الساحة ورفعت رأسي باتّجاه جاري المنحني على جدار شرفته. واصل الإشارة باتّجاه مكان المراحيض. مشيت على رؤوس الأصابع، مستعدًّا للدفاع عن النفس. عند المنعطف، رأيت الجسد ممدّدًا. تعرّفت على ابني مباشرة. ضوء المصباح ينير المكان. صرخت: «نبيل... نبيل...». كان الجسد ملطّخًا بالدماء. نزل جاري مسرعًا. وبعد ذلك، جاءت زوجتي وجارتها. شيء مرعب. الإسلاميون القذرون هم الذين قَتلوه، «إخوته» مثلما يسمّيهم بزهو ساذج. الإخوة القتلة، مثلما هو الحال معهم دائمًا. ليس الأمر بالجديد. منذ الأزل والمسلمون يتقاتلون فيما بينهم، الصحابة تقاتلوا بشراسة ووحشية، من أجل الاستيلاء على الخلافة. يتظاهرون بالوداعة ويحملون في نفوسهم حقدًا دفينًا ضدّ الحياة، ويسلّون سيوفهم عند أدنى خصومة. تبًّا لي ولحبّي الحقير لهذا البلد. لوْ استَمعت إلى عقلي، لكنت اليوم في كندا، بلاد المؤمنين الحقيقيين، مثلما فعل كثير من أصدقائي. إنني أدفع اليوم ثمن حماقاتي في بلاد المجانين والدراويش.
سكت رشيد بن غوسَة وخفض رأسه. أنهكه الألم والندم والضغينة. أحسسْت بأن صوته بدأ يرتَجف، ربّما كان على وشك الإجهاش بالبكاء. الصَدمة مباغتة، موجعة، لا يحتملها إلا الصناديد من الرجال، أو المؤمنون المستسلمون كلّية للقضاء والقدر، بلا مناقشة ولا حتى جرأة التساؤل.
أمر المحافظ فرقة الحماية المدنية بإجلاء الجثّة باتّجاه المستشفى. ثمّ اقترب من رشيد بن غوسَة وقال:
ـــ لك منّي تعازيّ الخالصة يا السّي رشيد. لعلّ الله ينزل عليك وعلى زوجتك الصبر والسكينة. ماذا أقول لك الآن؟ كيف مات ابنك؟ قُتل أم انتحر، لا نعرف.
ـــ ابني لم ينتحر... مُستَحيل... قتله أولئك المُجرمون وأبقوا المسدّس في يده لإبعاد الشبهة عنهم.
ـــ ربّما... غدًا ستكون لدينا المعلومات الأوّلية التي ستسمح لنا بإيضاح ملابسات الجريمة. سأتّصل بك نهار غَد. السلام عليكم.
غادر المحافظ المتوسّطة بخفّة، متبوعًا برجاله الذين كانوا واقفين جانبًا ينتظرون. جلست على يمين صديقي وقلت:
ـــ لا تحزَن يا رشيد. لستَ الأول ولا الأخير الذي فقَدَ ابنه. أنتَ أدرَى منّي أنّ هذه الحرب القذرة ستحرق قلوب الجميع. مهما يكن فإن مأساتك أهون من مأساة الكثيرين في هذا البلد الملعون قبل حتى أن تلتئم جِراح حرب الاستقلال.
ـــ فعلها أولاد الحرام، المتحكّمون في رقابنا... أخْرَجوا الوحش من قمقمه، غذّوه حتى أضحى غولًا مفترسًا. بعد ذلك تحصّنوا خلف قلاعهم وأحاطوها بالحرّاس والمتاريس، وطلبوا من الشعب المسكين أن يساعدهم في القضاء على الوحش الجبّار. العَسكر من ورائنا والإرهاب أمامنا، فأين المفرّ؟ والشعب ليس له إلا اللسان والدعاء لسماء صمّاء بَخِلتْ عليه حتى بقطرات الماء الضرورية للحياة...
ـــ لا ينفع الاتّهام ولا الشتم، ولا اللطم على الخدود. هذه كلّها لا تجدي نفعًا. نحن في زمن «سلّك راسك يا مسكين». القافزون تسلّقوا وتحصّلوا على منازل في القلاع المحصّنة التي ذكرتها. الأذكياء، أصحاب بُعد النظر، دبّروا فيزات وإقامات في البلدان التي حباها الله بالأمن والرفاهية، ونجَوا بجلودهم وجلود أسرهم. أمّا نحن، فلم يبق لنا، مثلما قال لنا صديقنا الزيتوني، إلا شراء سبحة من العاج الخالص ولوك عبارات: الله غالب يا الطالب... فات الأوان يا مسكين... رفع صديقي رأسه وقال:
ـــ الله غالب عليك وعلى أمثالك. أمّا أنا فما دامت قطرة دم تسيل بعروقي، لن أستسلم، لا للسلطة العسكرية القمعية، ولا لجنود الظلامية الوحوش. أقاومُهما معًا إلى أن تطلع الروح من هذا الجسد الذي لا يزال يحمل آثار تعذيب جلاوزة الطغمة التي تتسلّط على رقابنا.
هممت بمواصلة النقاش، ولكنني أحجمت. ما الفائدة؟ ليست المرّة الأولى ولن تكون الأخيرة تلك المناقشات الصاخبة التي نبني فيها قصورًا ونهدّمها في غضون لحظات، متصوّرين أننا سننقذ العالم باقتراحاتنا الدونكيشوتية. نقاش مثقّفين لا صلة لهم بالواقع الملموس، ليس إلا. علّمتني مهنتي والقضايا التي أرافع فيها أنّ الحياة أعقد بكثير ممّا نتصوّره، وأنّ الإنسان الفرد تتجاذبه الأفكار المتضادّة والمصالح المتناثرة هنا وهناك والرغبات الدفينة، ليس من الهيّن الإمساك بها.
رافقت صديقي إلى بيته، وجلسنا بعض الوقت في الصالون. أحْسَسْتُ بالحرج لأنّ الكلمات خانتني، أنا المحامي الثرثار الذي يملك منها ما يفكّك أعقد المشكلات. لأوّل مرّة، أُدرك عجز الكلمات عن احتواء موقف إنساني عسير. كلّما رست على لساني عبارات أودّ تلطيف الجوّ بها، زحزحتها أخرى قبل حتى أن تتشكّل أصواتها. فيما كنت أتخبّط في شرودي التحقت بنا زوجة رشيد بعد أن فارقت جارتها. لم تنقطع عن البكاء. قَدّمْت لها التعازي، واسترسلت في حديث طويل متشعّب حول الموت والقدر، وعجز الإنسان أمام ما يصيبه من مآسٍ. بدت مستسلمة لقدرها، مُرَدِّدة بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة. تَفاجَأْتُ بسعة ثقافتها الدينية. إنّها أستاذة اللغة الإنجليزية، ونادرًا ما سمعتها تتحدّث بالعربية فيما سبق من حديثي معها. تَذكّرْتُ أن رشيد قال لي يومًا، وهو في حيرة من أمره، في جولة قادتنا إلى معرض الكتاب الدولي بالصنوبر البحري، حينما رأى حشود الملتحين يهرولون خارجين وأذرعهم تنوء بثقل الكتب الدينية المجلّدة، إنّ زوجته بدورها أصيبت بفيروس التديّن الجارف. أضحت مداومة على القنوات الدينية السعودية والمصرية، تصلّي بانتظام وتصوم أيّام الاثنين والخميس. أرجَع ذلك إلى مرض سرطان الثدي الذي يلازمها منذ شهور، رغم أن الأطباء والتحاليل تقول باستقرار الداء بل وبالأمل الكبير في الشفاء. في طريق العودة، أسهب، على غير عادته، في ذكر سلوك زوجته الجديد، بحيث أصبح الحديث معها لا يتعدّى الشؤون العادية لمستلزمات البيت.
لقد أنهك المرض زوجة صديقي. فقدت كثيرًا من رشاقتها وجمالها. كان وجهها ضامرًا، وعيناها فقدتا من بريقهما الجذّاب. هذه هي الحياة. لا شيء يبقى على حاله. التبدّل والتدهور قانون الطبيعة الأول والأخير. قضينا وقتًا نلوك العبارات المواسية الجاهزة التي عادة ما نردّدها تلقائيًّا في مثل هذه المواقف المفجعة، سواء اقتنعنا بصحتها أم لا، حتى أخرسنا أذان الصلاة الذي كسّر بغتة سكون الفجر القائظ. وقفْت بتثاقل من فرط التعب، غمغمت سلامًا مقتضبًا وانسحبت في هدوء.