2
عين الكَرْمة لم تعد تلك الواحة الوارفة الظلال، الدافئة الحضن، التي آنسْت العيش بين أسوارها الآمنة، منذ اليوم الأول الذي نزلت فيه من الحافلة ذات صباح سبتمبري، أتأبّط محفظة صغيرة تحوي أوّل تعيين لي مدرّسا في متوسّطة ابن باديس. أحْسَسْت يومها بصدري ينتفخ ابتهاجًا وأنا أمشي الهُوَينا، أستنشق روائح أزهار مزارع البرتقال المحيطة، وحواسّي كلّها منتشية، مزهوّة بالعالم الجديد الذي أدخله غازيًا غانمًا، بعد سنوات من البؤس والوجع، عاشت فيها عائلتي ما لا يُحتَمل ولا يُتصوَّر، أتألّم لمجرّد تذكّرها، وأودّ لو أستطيع محوها إلى الأبد.
آه على تلك الأيام...
تغيّر كل شيء. كبُرَت المدينة واغتنَت، ولكنها فقدت براءتها وطيبتها.
أنا أيضًا لم أبق ذلك المعلّم الساذج، مدرّس التاريخ، الذي لا يرى في الناس إلّا مظاهرهم المتودّدة المنافقة. جَرفَتْني الموجة الراجفة الزاحفة. فاستبدلت مهنة التعليم النبيلة الهادئة بمهنة المحاماة المتَشَيْطنة المضطربة. علّمتْني المحاكم الغوص في أغوار نفوس الناس المتقلّبة الأهواء، وكيف يمسخ شره الكسب طيبتهم ويحوّلهم إلى ذئاب شرسة، لا يراعون أي اعتبار، لا السنّ ولا القرابة ولا الأحقيّة الطبيعية للأشياء.
زيادة إلى أنّ قراءاتي للتاريخ، وكنت مولعًا بقراءة تاريخ شمال إفريقيا، خاصّة تلك المصائر العجيبة والتقلّبات الغريبة للشخصيات التاريخية، فضّت غشاوة براءتي، وفتحت لي آفاقًا لا يحدّها حدّ. كيف أبقى معلّمًا صغيرًا في متوسّطة لا يذكرها أحَد، رغم تسميتها بواحد من علماء الجزائر الأجّلاء، ما نزال نحتفل بذكرى وفاته كل سنة ونسميه يوم العلم؟ وتساءلت مرارًا لماذا نمجّد دائمًا تواريخ الموت فيما يمجّد غيرنا تواريخ الميلاد؟ لماذا تقديس المآسي؟ أهو بقاء آثار الفكر الشيعي الذي استبدّ ببلادنا عبر الدولة الفاطمية لعشرات السنين؟ أم لكثرة الحروب والتضحيات الجسام التي ترافقها بحيث تغلّبت طقوس الموت على طقوس الحياة؟
لكنّ القطرة التي أفاضَت الكأس، وجعلتني أسْتَعْجل رحيلي من التعليم كانت تلك الإهانة الوسخة التي تعرّضت لها ذات صباح مُمطر. كنْت واقفًا على طرف الطريق أنتظر قدوم الحافلة المتّجهة نحو الجزائر العاصمة. لم يتوّقف المطر طوال الليل، وكانت القارعة المحفورة مليئة ببرك الماء الموحل. انزوَيت جانبًا وبيدي مطريّة أحمي بها، ما استطعت، رأسي ومحفظتي من البلل. فإذا بسيارة يقودها تلميذ سابق في قسمي تمرّ بسرعة فوق بركة ماء على بعد متر فقط من مكان وقوفي، فتلطخت ملابسي بالماء والوحل. انفجرت غاضبًا وشتمت السائق ولعنته وسلالته بصوت لفت انتباه الحاضرين. كُنْتُ مُتيّقنًا أنّه فعلها عمدًا لأنّني سبق أن رأيته قبل قليل مارًّا من الجهة المقابلة. كان تلميذًا فاشلًا ولم يكمل دراسته. أعْرِف أنّه ابن تاجر مرموق في المدينة إذْ رأيته مرارًا يقود شاحنة نقل البضائع. في تلك الصبيحة، عدت إلى البيت لأغيّر ملابسي المبلّلة، وذهني منشغل باهتمام جَدّ عليّ، ولم يسبق لي أن أطلت فيه التفكير. كيف أستطيع امتلاك سيّارة تقيني من الاستفزازات وتعيد إليّ قليلًا من الهيبة؟ لحظتها فقط، انتبهت إلى أنّني لا أملك حتى رخصة السياقة. فقرّرت، لحظتها، الاتّصال في أقرب وقت ممكن بأوّل مدرسة لتعليم السياقة. ولكن أنّى لي بشراء سيّارة ولو قديمة، والراتب لا يفي إلا بضرورات الأكل والملبَس. جهاز التلفاز اشتريته بالتقسيط وقد قام مدير المتوسّطة، وهو ابن عين الكرمة بضماني عند صاحب المحلّ، قريبه من جهة أمّه. في الحافلة، استخرجت كناشي الصغير وقلما وقمت بعملية حسابية، فوجدت أنه يلزمني تقشّف أزيد من عشرين سنة كي أتمكّن من شراء سيّارة صالحة للسير. كنت في الثانية والعشرين من العمر، وهذه الإمكانية مشروطة بعدم الزواج والإنجاب. استبدّ بي هذا الموضوع أيّامًا وليالي وأنا أقلّب جميع تفاصيل الإمكانيات المتاحة حولي. صاح صوت بداخلي: لماذا لا تُجرّب ممارسة التجّارة؟ التجار كلّهم أغنياء. أجابه صوت آخر بأسئلة نافية: وهل أنت أهل لها؟ كيف تنتقل من مهنة أستاذ إلى بائع خضر أو خردوات؟ هذا لا يليق بمقامك، ويحطّ من شرف المعلّم الذي كاد أن يكون رسولًا. ردّ الصوت الأوّل ساخرًا: هذا كلام شعراء، فهم يقولون ما لا يفعلون، وأوّل مزية لهم هي الكذب. ألم يتَملّقوا السلاطين بأوهام كاذبة بهدف الحصول على بعض الدينارات الهزيلة؟ ثمّ إنّ الرسل حباهم الله بالقدرة على التضحية والصبر وتحمّل الظلم والفقر، أمّا أنا فكرهت الفقر وعذاب الحرمان الذي نخر عظامي. هل أقضي بقية حياتي في غرفة الفندق التعيسة برفقة المزلوطين والعاهرات وبائعي الكيف والشيرة؟ بَقيتُ أخطّط لمدّة أسابيع، فلَمْ أجد أمامي من وسيلة إلا مواصلة الدراسة. فترشّحت لامتحان البكالوريا، وتحصّلت عليها بعد محاولتين فاشلتين. ثم التحقت بكلّية الحقوق بجامعة الجزائر. وفرضَت مهنة المحاماة نفسها فرضًا. لاحظت أنّ أساتذة معهد الحقوق الذين يأتون بسيّارات هم محامون في أغلبهم. أما الآخرون، فعادة ما أصادفهم واقفين في محطّات الحافلات، أو يتدافعون معنا من أجل الركوب وضمان مكان ولو وقوفًا.
هكذا حدثت قطيعتي مع التعليم والفقر؛ ومع الراحة النفسية أيضًا.
المدينة بدورها عرفت تطوّرات هائلة. لمْ تَعد قرية صغيرة مثلما وجدتها أوّل الأمر، بل صارت مدينة بمجسّات بسطت سطوتها على الحدائق الجميلة التي اختفت تدريجيًا. لم يبق شيء من تلك الجنّة الفيحاء، لقد أكلها الخَرسان، وما تبقّى ابتلعته أكواخ الصفيح. فوجئتُ عند دخولي المدرسي الثالث بعدد هائل من الجَرّافات والماكينات والرافعات المكشّرة المزمجرة وعربات النقل المهترئة، وخلّاطات الإسمنت الشاخرة، تتبعثر في فوضى عارمة على الحقل المحاذي للمتوسّطة الذي كان يُستغلّ لزراعة البطاطا. ويتوزّع وسط عجلاتها جيش عرمرم من العمّال، فتيانًا وشيوخًا، يهرولون من حفرة إلى أخرى، يتصايحون ويتقاذفون ببذاءات شنيعة أرغمت المعلّمين على غلق النوافذ حفاظًا على براءة الأطفال، البنات منهنّ خاصّة، لأنّ الأولاد عندنا يتدرّبون على هذه البذاءات قبل بزوغ أولى شعيرات الفحولة على وجوههم. ومن حين لآخر، وبعد أن تكون الشمس قد أجبرت أغلبية العمال على التسلّل إلى أماكن الظلّ لحماية رؤوسهم العارية من إصابات الرعن، تتدفّق سيّارات سوداء أنيقة، وينزل منها رجال مُكَستَمون، مُكرْفَتون، يمسحون الورشة بنظرات استعلاء وتهديد، رافعين أنوفهم باتّجاه السماء. فيركض إليهم رؤساء الورشة الذين يخرجون من جحورهم ناقمين، وعلى أفواههم وأجسادهم عبارات وإشارات الترحيب. يقف الجميع في حلقة معوجّة، يلتفّ حولها بعض الفضوليين. يُصدِر المسؤولون الأوامر بلهجة مهدّدة قبل أنْ يغادروا الورشة، مخلّفين وراءهم غبارًا كثيفًا، وتعليقات استهزاء وقهقهات لا مبالية. حيّ من 450 مسكنًا بعمارات ذات خمسة طوابق. استفادت المتوسطة من أربع شقق، كانت من حظ المُتزوِّجين وأصحاب الدفتر العائلي المليء إلى آخر صفحة. أما العزّاب أمثالي، فلم ترضَ مديرية التربية قبول ملفّاتهم. أسِّس عائلة كما الناس المحترمين، عندئذ تعال نناقش وضعيتك. أين هي الفتاة التي ستوافق على السكن بهذا الفندق الوسخ، السيّئ السمعة؟ أنا لن أقبل الإتيان بزوجتي إلى وكر المنبوذين هذا. لقد دمّرت المشاريع العمرانية جميع المزارع ومعها المناظر الجميلة التي كانت تدخل البهجة في نفسي وتدفئ وحدتي وأنا أتجوّل بين مَسالكها في الأماسي المشمسة.
تغيّرت عين الكرْمَة تغيّرًا جذريًا. جاءَها الناس من كل حدب وصوب، وتحصّلوا على سكن وقطع أرضية. التجارة قبل السكن. الطوابق الأرضية محلّات لبيع السلع التي كثرت بفضل سياسة الانفتاح والليبرالية المتوحّشة التي انتهجها الرئيس الجديد. الطابق الأرضي هو الذي يموّل بناء بقية الطوابق. هذا بالنسبة للذي يملك مالًا وخيوطًا بداخل دهاليز الإدارة، أمّا الآخرون، وهم الكثرة الغالبة، فاستولوا على الشعاب والوهاد والمنحدرات المحيطة بالمدينة وعلى ضفاف الوادي القريب، وشيّدوا بيوتًا قصديرية فوضوية، بعيدة عن الأنظار، ويرتزقون كيفما اتّفق: أشغال موسمية في الزراعة والبناء، البيع والشراء في الأسواق المجاورة، السرقة والاعتداءات، التسوّل.
شيئًا فشيئًا، غصّت شوارع المدينة برجال غرباء، معظمهم شبّان ضُمَّر، دُكَّن، يتساءلون في كل يوم من أيام الدهر كيف سيكون غدهم، يذرعون الأرصفة أو يسندون ظهورهم إلى الجدران، كما لو أنّ لا شغل لهم إلا انتظار غروب الشمس. نسي الناس اسم الساحة القديم، لتصبح ساحة المكسيك ثم سوق المكسيك. من هذا العفريت الذي اخترع هذه التسمية؟ أكيد أنه مدمن على أفلام الوسترن. قرى تلهبها الشمس، وسكّانها تعساء، حفاة عراة، بالمظلات الدائرية العريضة، لا شغل لهم سوى تقفّي أماكن الظلّ، يترقّبون القادم بعيونهم الذابلة. فلَمْ أعد أشعر بألفة حينما أتجوّل بأزقّة عين الكرمة، أو أجلس في مقاهيها. لا أكاد أتعرّف على أحد. الوجوه غريبة وملامحها شرسة مُتحدِّية. أصحابها على أهبة الاصطدام والمشاجرة مع أوّل احتكاك. في سنوات قليلة، تحوّلت الساحة العمومية الجميلة إلى سوق فوضوي للخردوات والملابس المهرّبة من المغرب. استقرّ بها إسكافيون يبيعون ويخيّطون ويرقّعون الأحذية القديمة. كما برزت مهن تصليح الساعات وبيع البطّاريات الإلكترونية، إلى جانب بيع السجائر والكاوكاو والحلويات المختلفة. ضاقت الساحة بالبائعين، فاستولوا على الأرصفة. فلم يجد المارّة إلّا القارعة للمشي. فلتبحث السيارات عن ممرّ جوّي للمرور، مثلما يقول رشيد ساخرًا كعادته. يتصايحون، يصرخون، يسلكون سُلوكَ الغزاة الذين يستبيحون كلّ شيء. لا قانون ولا سلطة يخضعون لهما. مُتمرِّدون، حاقدون على الحكومة وخطاباتها الواعدة الكاذبة التي هجَّرتهم من قراهم البعيدة، وأسكنتهم في أكواخ هي أقرب إلى زرائب البهائم. وقد ساهمت أسواق الفلاح، تلك المحلّات الكبرى المختصّة ببيع الموادّ الغذائية والألبسة المستوردة بأثمان مدعّمة، وكذا مؤسّسات بيع موادّ البناء، في غرس ذهنية كراهية العمل. تعلّم الناس بسرعة كيف يَغتنون بأقصر السبل وأبسطها. يقف الشخص ساعة في طابور، يشتري سلعة بمائة دينار، يخرج إلى أوّل شارع ويبيعها بضعف ثمنها. اليوم يشتري بمائة دينار، وغدا بمائتين، وبَعد غد بألف. من علب الطماطم المُصبَّرة ودلاء الزيت إلى الإسمنت وموادّ البناء الأخرى. هكذا، في عقد واحد، هجر الناس العمل في المزارع والمصانع، وامتهنوا البيع والشراء المربح. شَدْ مَدْ. لا عقود تُبرَم ولا ضرائب تُدفَع. بعد مدّة، انتبه موظّفو هذه المؤسّسات العمومية إلى الأرباح الهائلة التي يمكن أن يجنوها هم أيضًا. فبدأ الاحتكار والتخزين والتواطؤ مع البائعين. ظهرت الندرة بداخل هذه المحلّات العمومية، لأنّ سلعها تباع قبل حتى أن تعرض على الرفوف. مغارة عليّ بابا، ولكن دون حرّاس، أو بالأحرى حرّاسها تحوّلوا إلى لصوص لخيراتها. هكذا ظهر المفتاح السحري الذي يركض خلفه الجميع: «الشْكَارَة»، كيس أو ظرف من النقود يكمّم الأفواه ويفتح جميع الأبواب المقفولة. عرفت هذه التفاصيل من عمّار الشيفون. كلما رآني ركض نحوي مهلّلًا مرحّبًا، منذ أن أنقذته من ورطة كانت ستدخله السجن لا محالة. يتحدّث بصوت جهوري، مُقهقهًا طوال الوقت، مردّدًا بلا كلل عبارة يلوكها بمناسبة وبغيرها: «اللي عندو الأمير والكاسْكيتة، ايدير أوتوروت في البحر». قبل أن يسترسل في تعداد حيله التجارية وكيفية «شرائه» لأعوان الإدارة والجمارك والشرطة والدرك؛ «كلّهم في جيبي»، دون أيّ تحفّظ، يذكر الأسماء والأماكن والمبالغ المالية المقدّمة. لا حرج ولا خوف ولا أي شعور بلاشرعية أفعاله.
هذه هي عين الكرمة اليوم... تصدّعت، تورّمت، تشوّهت، من جرّاء الزحف الريفي الفوضوي. وفوق كل هذا ها هو الإرهاب يغرقها في أوحال جهنّم، برصيد اختراعاته البشعة في زهق الأرواح وتشويه الجثث التي فاقت إنجازات إبليس التاريخية. من قرية تُشعرك بالأمان والاطمئنان من الاحتكاك الأوّل، إلى مدينة يمتدّ عمرانها الخرساني القبيح إلى ما لا نهاية، دون معالم يسترشد بها الزائر، تُدخل في نفسك الكآبة وينتابك الخوف ومعه الرغبة الشديدة في مغادرتها مع أوّل حافلة.
قلت إنّ قضيتي قنبلة موقوتة، إنْ تفكّكت خيوطها، ستلطّخ شظاياها الجميع.
مُوكّلي مراسل صُحفي يقبع في السجن منذ أكثر من شهرين. التهمة: نشر أخبار مغرضة تمسّ هيئة نظامية. في تحقيق صحفي نشره يوسف عيّاشي في جريدة الأخبار الأسبوعية، تحدّث عن اختفاء بعض الشبان من قرية عين الكرمة، وبالضبط من حيّ البراريك، حيّ البيوت القصديرية، الواقع على ضفاف الوادي، في طرف الجهة الغربية من المدينة. يذكر في مقاله أن بعضهم التحق فعلًا بالجبال للانضمام إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، هروبًا من المداهمات الليلية المتواصلة لقوّات الأمن. ولكنّه تحدّث أيضًا عن شخص يُدعى عبد الكريم بو عبد الله، وقال بأن فرقة من رجال الأمن الرسمي اقتحمت ليلًا منزل والديه الواقع في الحي نفسه، واقتادَته باتّجاه مجهول. لم يظهر له خبر إلى اليوم. صَحيح أن الاتّهام جاء على لسان أخيه الذي يقرّ بأن الذين اختطفوه كانوا بلباس رجال الأمن الرسمي، وأن السيّارة التي انتظرتهم خارج البيت كانت هي أيضًا من السيارات الرسمية المعروفة، بل يضيف بأنه تعرّف على وجه أحدهم. لكنّ هذا الأخ اختفى بدوره، ولم أعثر على أثر له، رغم تردّدي الدائم على منزل العائلة حتى أصبحوا في الآونة الأخيرة يرفضون الحديث معي. أمْس فقط، توسّل إليّ والده بعدم إزعاجهم مرّة أخرى، لأنّه يجهل مَصير ابنيه.
لقد تعفّن الوضع في المدينة حقًّا. أشْخاص يختفون فجأة. جثث مشوّهة، أحيانًا بلا رؤوس، أو رؤوس آدميين بداخل أكياس، مرمية في الطرقات، وسط أحياء آهلة بالسكان، مذبوحة أو مدروزة بالرصاص. جرائم تُرتكب بإصرار وترصّد ونيّة مبيّتة لإثارة الرعب أو الانتقام. من هم القتلة؟ لا أحد يعرف بالتأكيد. تتحرّر بعض الألسنة في لحظات يقظة الضمير والاندفاع الإنساني، فتهمس بشذرات من الأخبار، ولكنّها سرعان ما تتنكّر لأقوالها إذا سئلت صراحة أو أحسّت بوجود أذن واشية. عشّش الخوف في الرؤوس فأخرس الألسنة وأغمض العيون. «احْفَظ الميم تحفظك، ما اسْمَعْت، ما شَفْت». يتردّد أغلبية المحامين في المُرافعة في مثل هذه القضايا المعقّدة. من يتجرّأ على اتّهام قوّات الأمن صراحة باختطاف الناس وقتلهم؟ أين الأدلّة؟ أين الشهود؟ من يستطيع أن يأتي إلى جلسة المحاكمة ويقول بالفم المملوء والكلمات الواضحة المعبرة، إن الذين اختطفوا هذا أو ذاك هم من رجال الأمن، خاصّة أمام الأخبار المتداولة بأنّ وسط هذه الجماعات المثيرة للرعب رجالًا مسلّحين بـالبنادق «المحشوشة»، وهم ملتحون ويرتدون ألبسة أفغانية، ويقفون في الخلف، يكتفون بإعطاء الأوامر؟ اختلط الحابل بالنابل. من يقتل من؟ من يصدّق من؟ من يتّهم من؟
لذلك يكتفي المحامي بكتابة عريضة يقرأها بسرعة، يؤكّد على غموض القضية وغياب الأدلّة، يتّهم فيها وسائل الإعلام الأجنبية بزرع الفتنة بين أبناء البلد الواحد، وأنّ موكله من المغرّر بهم وقد انساق خلف هذا الادّعاء لقلّة الوعي وعدم إدراك مصلحة الوطن، وفي الأخير يطلب من المحكمة الموقّرة مراعاة الظروف الاجتماعية القاسية التي يمرّ بها موكّله، وتخفيف العقوبة المسلّطة عليه.
وجدتُ المقهى المُقابل للمحكمة غاصًّا بالرجال، أغلبهم من زبائن العدالة. تأخّرت هذا الصباح حتى خشيت أن يَفوتني مَوعد انطلاق الجلسة. قمت بزيارة خفيفة إلى دار رشيد بن غوسة التي امتلأت عن آخرها بأفراد الأسرة الذين أتوا من ولاية المدية، زيادة إلى الجيران والأصدقاء. كان رشيد جالسًا على كرسي مدرسي في زاوية من الساحة، هادئًا سارحًا، يكتفي بتمتمة عبارات مقتضبة ردًّا على التعازي. كما لو أنّ ذهنه كان منشغلًا بفكرة خطيرة عطّلت وعيه بما يحيط به. لم يرُدّ على سلامي ومصافحتي إلا بهمهمات عصية الفهم. ويَبدو أنّه فعل كذلك مع بقية المُعزّين لأنهم انزووا جانبًا، أفرادًا وجماعات، يتحدّثون بأصوات خافضة. لذلك لم أطل بقائي معه. أفهَمته أن جلسة المحكمة تنتظرني، وأنّني سأمرّ عليه فور الانتهاء منها مباشرة. جثّة نبيل لا تزال في المستشفى ولا أظنّ أن الدفن سيتم اليوم.
ما إنْ عتّبت باب المقهى حتى ارتفع صوت بوعلام سعدون، يدعوني للالتحاق بطاولة جلس إليها أربعة من زملاء المهنة. من كثرة الصخب، أدركت أنهم، وكعادتهم، يخوضون نقاشًا ساخنًا حول حدث سياسي أو رياضي جديد. قال بوعلام متحمّسًا:
ـــ ما رأيك في موقف اليامين زَرْوال؟ أليس شهمًا يذكّرنا ببومَديَن؟
لم أفهم قصده. ماذا فعل زروال كي يثير حميّة صديقي الذي أعرف عنه تحمّسه الدائم، بمناسبة وبغيرها، للعروبة وإعلاء شأن الوطنية، ولو عبر منافسات رياضية. أمعنت فيه النظر متسائلًا بإيماءات ظاهرة تنمّ عن جهلي بالموضوع. قال ماطًّا شفتيه من الاستنكار المبطّن:
ـــ كعادتك دائمًا، تستصغر عظائم الأمور. لا تقل هذه المرة إنك لم تعجَب بموقف رئيس الدولة الرائع.
ـــ ماذا فعل هذا الجنرال المنصّب على رأس طغمة فاشيّة حتى يثير فيك كل هذا الفوران؟
ـــ ماذا فعل؟ ألم تسمع الخبر أم أنّك تتغابى علينا؟
أكيد أنّ شيئًا جديدًا طرأ على الساحة السياسية وأنا خارج مجال التغطية فعلًا. فسارعت إلى التبرير وأخبرتهم بجريمة البارحة. في جَوْق واحد، رفع الرجال عقيرتهم بجئير عريض يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله... إنّا لله وإنّا إليه راجعون... ثمّ ساد صَمْت لمْ يعرف أحدنا كيف يكسر طوقه علينا. أتيتهم بخبر مفجع نغَّص عليهم فرحتهم. حاروا في أيّ اتجاه يواصلون نقاشهم. قال مصطفى الذي تربطه علاقة بالمدير القديم، إذْ كانت زوجته تشتغل أستاذة في المتوسّطة ذاتها قبل أن ترتقي إلى مفتشّة.
ـــ يجب أن نؤدّي لرشيد زيارة التعزية مباشرة بعد انتهاء الجلسة.
خيّم الصمت من جديد. التفتُّ باتجاه المصرف وطلبت قهوة. بعد تلكّؤ، أحْضرها النادل في كأس مُفلَّل الأطراف. وفي خضمّ ذلك الصمت، كان يؤجّجني الفضول لمعرفة طبيعة الموقف الشهم الذي تحّدث عنه بوعلام سعدون. ما إنْ ارتشفت الجرعة الأولى حتى سألت بنبرة ساخرة.
ـــ ماذا فعل زَرْوالك هذا حتى يستحقّ كل هذا التبجيل؟ هل أخرج الشيوخ من سجنهم وأقام معهم معاهدة صلح كصلح الحدَيبية؟ أم أنّه سحب ترشّحه من الرئاسيات وترك المدنيين يخوضونها بحرّية دون تدخّل الجنرالات الذين أعادوه إلى السلطة بعد أنْ أخذ تقاعده؟
ولكنّني تذكّرت فجأة أنّه يقوم بزيارة رسمية إلى نيويورك، للمشاركة في أعمال مجلس الأمم المتّحدة. سهرة الأمس قضيتها برفقة ندمائي في حانة سي شعبان القبائلي، في الطابق الأول لمنزله ذي الطوابق الثلاثة، حيث ألتقي هناك برشيد بن غوسَة، وعبد العزيز الصيدلي، والربيع أستاذ العربية والشاعر في أوقات جنونه مثلما يردّد دائمًا، وعبد الله رائد الجيش المتقاعد، لنغرق أوجاعنا ومرارتنا في كؤوس من البيرة والنبيذ. إنّ ما يجمعنا ويغذّي جلساتنا هي هرمونات الشكوى الدائمة من الحياة الخاصّة والعامّة. نحن الآن في خريف العمر، ومعظم أحلامنا الرائعة التي رافقت حماس السنوات الأولى للاستقلال قد تبخّرت، بل ومُسخت إلى كوابيس تنخر أحشاءنا قبل عقولنا. حانة الخيّام ملجؤنا الوحيد والمفضّل، برغم الجوّ العفن المشبع بروائح القلي والكحول ودخان السجائر لأننا لا نملك بديلًا له. في نهاية كل أسبوع، نتسلّل، فرادى وجماعات، إلى قبونا المفضّل، نتحلّق حول طاولة في زاوية نصف مظلمة، نوصي شعبان بوضع صندوق بيرة جانبًا. ما زال هاجس الندرة يطاردنا، فنتذكّر الأماسي الكثيرة التي يرتفع فيها صوت شعبان المبحوح معلنًا عن توزيع آخر القناني ونحن لا نزال بعد في بداية دروب السكرة. تتعالى أصوات الندماء، مُحتجة، ناقمة. فيشخر فينا بفرنسيته المكسّرة، المغلّفة باللكنة القبائلية بأنّ زمن الندرة قد ولّى، لأنّ الحانة لم تعد ملجأ لتفريغ الهموم. لقد وجد الناس مفرغًا آخر لانشغالاتهم التي لا حلّ لها: المسجد والصلاة. الأزمة الاقتصادية أفرغت جيوب الناس، واليأس من الدنيا بلغ أوجه، فلم تبق إلا بيوت الله. إنها لا تكلّف دينارًا واحدًا زيادة إلى أنها معبر مضمون إلى الجنّة. فيردّ عليه عبد العزيز ساخرًا: ما دام طريق الجنّة يمرّ عبر المسجد، فماذا تنتظر لنزع حذائك الريفي والركوع على زرابيه المغبرّة. يمطّ شعبان شفتيه الغليظتَين ويقول: أنا بربري لا علاقة لي بدين العرب. يقول عبد الله: أنت قبائلي بخيل، تعبد الدينار. لو يتوقّف الناس عن الشرب، سنجدك حتمًا عند مدخل المسجد تبيع السُبُح والمسك والزنجبيل والعطور الشرقية. يَردّ شعبان غاضبًا: أنا أعرف بأنك مدسوس بيننا لتبيعنا إلى الأمن العسكري. أنتَ لم تتقاعد من الجيش، بل غيّرت مكان عملك ليس إلا. ينتفض عبد الله شاتمًا، قبل أن يقف مستعدًا لمغادرة الحانة: «ما دمت عميلًا في نظركم، أقسم أن لا تطأ قدماي مرة أخرى غار الجرذان هذا. نكاية فيكم، سأتوجّه حالًا إلى المسجد، أصلّي وأشي بكم إلى مجانين الله. آتي بهم إلى هذه المغارة العفنة ليضرموا فيها نيران جهنّم ويذبحوكم جميعًا ككباش العيد». يردّ شعبان: «أكيد أنهم وعدوك بمنصب سامٍ في خلافتهم الإسلامية الموعودة. سيعيِّنونك وزيرًا للدفاع. أنا أعرف الكثير من زملائك الضبّاط الذين استبدلوا البذلة العسكرية بالجلابية والشاشية، وتصدَّروا الصفوف الأمامية للمصلّين، طمعًا في ترقيات مقبلة». يتكهرب الجوّ، نتدخّل. نقف جميعًا، نشدّ عبد الله من الذراعين، نتوسّل إليه كي يجلس ويواصل السهرة معنا. يبتعد شعبان وينشغل بتنظيف الكؤوس وتمرير خرقة بالية على الكونطوار. يعود الهدوء إلى طاولتنا. يتدخّل رشيد بكلام بعيد كلّيةً عن موضوع الشجار. ويتواصل الكلام إلى أن تجفّ حلوقنا. يتحوّل النقاش إلى لغط مع تصاعد الحرارة إلى الرؤوس. نفكّك العالم ونعيد بناءه. نصول ونجول في مناقشات وسجالات لا يمنعنا عنها أحد، رغم علمنا بوجود وشاة وعملاء للأمن لا يسمعون ضُراطاّ إلا وسجّلوه أسود على أبيض، وطاروا به إلى ضبّاط المباحث لعلّهم يحظون ببعض الامتيازات أو الترقيات.
قال بوعلام كما لو أنّ فمه يمضغ شهد العسل:
ـــ الظاهر أنّك تجهل الموضوع فعلًا. لك العذر. فاسمع جيّدًا وعمّر رأسك. لقد رفض اليامين زَرْوال اللقاء الذي عرضه عليه جاك شيراك لأنّه يتنافى والأعراف الدبلوماسية. طلب مقابلته سرًّا، بعيدًا عن عيون الكاميرات، كما لو أنّه سيقابل بينوشي أو تاجر أسلحة. زروال شاوي أصيل لا يعرف أنصاف الحلول. إما أبيض أو أسود. إنها أوّل مرّة يفعلها رئيس جزائري. بومدين لم يفعلها بل استقبل جيسكار ديستان الذي جاء يهيننا في بلدنا بجملته الملغمة: فرنسا التاريخية تحيّي الجزائر الجديدة. ما هذه الهرطقة؟ هل ولدنا في 1962، أم في 1830؟ وقبل هذا التاريخ كنا قبائل نتناطح ونتقاتل من أجل هضاب المراعي والكلأ مثلما يقول مؤرّخوهم المرموقون؟
ـــ اسْمَع جيّدًا يا بوعلام، وسجّل ما أقوله لك ودوّره جيدًا في رأسك الفارغ كالطبل. إنّ جاك شيراك رئيس دولة ديمقراطية، قائمة على مبدأ الاقتراع العامّ. ورئيسنا جنرال معيّن من الجماعة التي قامت بانقلاب عسكري، وأوقفت المسار الانتخابي. فكيف تريد لشيراك أن يلتقي بزروال كما لو أن الرجلين ينتميان إلى نظامين سياسيين متشابهين. يحافظ الرجل على سمعته وسمعة بلده. ثمّ إنّ جنرالات الجزائر تحوم حولهم شبهات تأجيج نار الإرهاب، بل هناك صحف فرنسية تنسب إليهم بعض ما يُقترف من الجرائم في هذا البلد الجريح.
ـــ هذه ادِّعاءات أعداء الجزائر. وفرنسا على رأس هؤلاء الأعداء، وهي التي تؤجّج نار الفتنة بين أبناء الشعب الواحد. بل هناك من يتهم المخابرات الفرنسية في مدّ يد العون للجماعات المسلحة، بتمويلهم بالأسلحة والمعدّات الإلكترونية الأخرى. رأس الحربة هو فرانسوا ميتران الذي عمل المستحيل كي تتخلّى الجزائر عن الشرعية التاريخية، شرعية ثورة التحرير التي له معها تاريخ أسود، وتستبدلها بالشرعية الدينية التي ستطمس بطولات هذا الشعب تحت بطولات الزمن الإسلامي الأوّل. لهذا فتح جميع قنواته التلفزية والإذاعية لشيوخ الأصولية الإسلامية، لأنّه كان متيّقنًا من وصولهم إلى السلطة مثلما حدث مع الخميني في إيران. لذلك وقف ضدّ توقيف المسار الانتخابي، ليس حبًّا بالديمقراطية، وإنما لدفن شرعية ثورة التحرير كي لا يذكّره أحد بجرائمه الاستعمارية.
ـــ نسيت أنّك عضو قيادي في منظمة أبناء الشهداء. فمِن مهامّك الأساسية أن تسوّد دفتر فرنسا وقادتها وتبيّض سجل الثورة وفاعليها.
ـــ أنا أكره فرنسا وأكره ساستها وأرفض زيارتها. أليسَت فرنسا هي التي قتلَت والدي، رحمه الله، بعد تعذيب شنيع دام أكثر من أسبوعين. عندي شهادة زميل له في السجن نجا بأعجوبة. ولهذا ستجدني دومًا أصفِّق لكل موقف يعارض فرنسا الرسمية ويهين ساستها. ولهذا أيضًا أفتخر بما قام به الرئيس الجزائري وإنْ كان جنرالًا وغير منتخب، وسننتخبه في نوفمبر المقبل إن شاء الله. زَروال بربري أصيل، خشِن الرأس مثلنا جميعًا، وعنيد لا يقبل الرضوخ والمساومات الرخيصة. بمجرّد أن بدأ شيراك يملي شروطه، ردّ له الصاع صاعين. هذه هي مواقف الرجال الذين حاربوا الاستعمار فعلًا. أما أولئك الذين أكلوا في قدر العسكر الفرنسي قبل أن يلتحقوا بجيش التحرير، بدافع حسابات تكتيكية براغماتية، فإنهم كانوا يستقبلون الرئيس الفرنسي في رحلات سياحية في الصحراء لصيد الغزال وأكل المشوي.
ـــ هذه طفولة سياسية تنمّ عن قلّة التجربة والجهل التامّ بخفايا الدبلوماسية. مع كل هذا الحصار الدولي، يغلق آخر الأبواب المفتوحة. لا يمارس السياسة أصحاب الرؤوس الخشنة، الذين لا يملكون طاقة إدارة الحوار إلى آخره. ألا تعرف مقولة معاوية الشهيرة: لو بقيت شعرة واحدة بيني وبين عدوي لما قطعتها، لأنه سيأتي يوم ربّما أكون فيه بحاجة إليه. هذا الداهية العربي أقام خلافة عظمى لا يزال التاريخ يذكر مزاياها. أما صاحبك، فإنه عسكري لا يحسن إلا فنّ القتال، بل ويخطئ حتى في معرفة عدوّه الحقيقي.
ـــ ومن هو العدوّ الحقيقي يا ممثّل حزب فرنسا في الجزائر؟
في تلك اللحظة، وأنا أتأهّب للجواب، ارتفع دَويّ انفجار أخرس ألسنتنا وأصمّ أسماعنا وأرجف أحشاءنا. اشرأبّت الأعناق وامتدّت الآذان صاغية مترقّبة. بعد لحظات وجيزة، تعالت طلقات نارية كثيفة، هدير صفيرها يملأ الجوّ. ومع ذلك لم يتحرّك أحد من مكانه. المفاجأة صاعقة تشلّ الحركة. بعد فوات لحظة الذهول، تحرّك الزبائن في جلبة عارمة. اسْتَفاقوا في وقت واحد وتدافعوا برمي الكراسي والطاولات في فوضى صاخبة وخرجوا يستفسرون بعيونهم المبحلقة عمّا يحدث. رَدّ فعل غريزي يعيدنا إلى لحظة حدوث الزلازل، وما أكثرها، في العشرية الأخيرة، حيث يتدفّق الناس من داخل الديار والمقاهي، وعلى سيماهم رعب يوم الحشر. وقفنا بدورنا في حركات عصبية وأسرعنا بالخروج إلى الرصيف. تواصل الرصاص بوتيرة أقلّ. قال بوعلام سعدون:
ـــ لا ليس هذا إلّا اشتباكًا بين الإرهابيين وقوّات الأمن.
ـــ يبدو المكان قريبًا جدًا... غير بعيد عن مدخل المدينة.
صوّبنا عيوننا باتّجاه شمال ويمين الطريق العريضة الممتدّة لغاية آخر بناية، لعلّنا نبصر علامة تخمد تأجّج حيرتنا. فجأة صمت الرصاص الكثيف. تلته عيارات نارية متباعدة نوعًا ما. كان الهلع يشعّ من نظرات ووجوه جميع الحاضرين الذين شكّلوا مجموعات ثنائية وثلاثية، وراحوا يتكّهنون بما حدث. ولكن المكوث قرب المقهى لم يدم طويلًا. في ثوانٍ معدودة افترق الخلق كأنّ إعصارًا مباغتًا بعثرهم. سَمِعْت شابًّا يقول لرفيقه وهو يجرّه من الذراع: «يبدو أن أصحاب «بولَحيَة» داروها كبيرة هذه المرة. البقاء هنا خطر علينا. بعد قليل، سيتدفّق العسكر كالجراد، والويل لمن يجدونه في طريقهم. كالعادة، سيُنزلون غضبهم على الزوالية أمثالنا».
بدوري اقترحت على الزملاء الالتحاق بالمحكمة. قطعنا الطريق مُسرعين، فيما كانت تُطلق آخر الرصاصات. كانت ساحة المحكمة غاصّة بالناس؛ النساء منزويات في ركن وهنّ الأغلبية، محجّبات، منقّبات، وبأيديهنّ قفف وأكياس؛ فيما وقف بعض الكهول بقرب السياج الخارجي. الغَريب أنّ الجميع ساكت، يكتفي بمسح المكان بنظرات متعبة ذابلة. للمحكمة هيبتها. ثمّ إنّهم جاؤوا لحضور محاكمة ذويهم، متمنّين رأفة القاضي لتخفيف العقوبة أو إلغاءها. إنّ الناس عامّة يخافون من العدالة، ويَتصوّرون القاضي ربًّا صغيرًا بيده الحياة والموت. لذلك تراهم يُجهدون أنفسهم ليظهروا صغارًا أمام عيون موظّفي المحكمة، فلا يرفعون أصواتهم إذا سألوا، ويتلقّون الإجابة بالابتسامات وإن كانت مصطنعة، وينصاعون للأوامر بسهولة.
اتّجهنا نحو مكتب وكيل الجمهورية. كان برفقة القاضي وكاتب المحكمة.
سألت دون مقدّمات:
ـــ هل تعرفون ماذا وقع؟
ردّ وكيل الجمهورية:
ـــ حاولت الاتّصال بمركز الشرطة ولكن الخطّ مشغول.
قال القاضي:
ـــ الشاحنة المقلّة للمساجين لم تصل بعد. فيها ثلاثة إرهابيين سيحاكَمون اليوم.
سكت وأطرق رأسه مُفكِّرًا. قال المحامي بوعلام سعدون:
ـــ أنا مكلّف بالدفاع عن اثنين منهم، متّهمين بتخريب وحرق مقرّ البلدية في الصائفة الماضية. لقد قضيا أزيد من سنة في سجون الصحراء ولكنهما عادا إلى تحريض الشباب بخطاباتهما النارية بمجرّد إطلاق سراحهما.
قلت:
ـــ الصحافي يوسف عياشي موجود في هذه الشاحنة أيضًا. الله يستَر.
أكيد أنّ أذهان الجميع قد استنتجت ما يجب استنتاجه. ولكن لا أحد من الحاضرين تجرّأ على النطق بما يمكن أن يكون قد حدث فعلًا: كمين نَصَبه الإرهابيون لتحرير زملائهم من الحبس.
خيّم الصمت ومعه الضجر. امتقعت الوجوه. كان ذهني يغلي بالتكهّنات والتساؤلات. صعدت الحرارة إلى رأسي، فخرجت إلى الساحة لعلّ الهواء الطلق ينعشني قليلًا. إنّ ضغطي في الشهور الأخيرة أضحى مرتفعًا. وقد نَصحني الطبيب بتفادي اللحظات المتأزّمة. قلت له: أتعبَتني المهنة. قال: خذ تقاعدك. قلت: المحامي كالطبيب تمامًا، تطارده هموم المهنة إلى غاية القبر.
بمجرّد أن وقفت أسترجع أنفاسي، أسرعت إليّ والدة يوسف عياشي وسألتني مرتجفة:
ـــ لماذا لم تصل شاحنة المساجين؟
أربكتني بسؤالها. تردّدت في الجواب. ولكنَّني استعدت رباطة جأشي، نظرت إلى ساعتي، اصطنعت ابتسامة وقلت:
ـــ لا تقلقي... لا زال الوقت مبكرًا...
ـــ هل صحيح ما يقال من أنها تعرّضت لهجوم الــ...
سكتت، جالت ببصرها في نظرة يأس تائهة وطأطأت رأسها. ثمّ أجهشت بالبكاء.
لم يعد الناس يعرفون كيف يُسَمّون الجماعات المسلّحة: إرهابيين؟ إسلاميين؟ مجاهدين؟ جماعة الفيس؟ جماعة الجيا؟ قتلة؟ مرتزقة؟ الناس البسطاء حائرون. في الأحياء الشعبية، شاعت تسمية بولحية نسبة إلى اللحى الكثّة التي اشتهر بها الإسلاميون غالبًا. البعض يسميهم الخاوة، تمامًا مثل مجاهدي حرب التحرير. كما شاعت لفظة «اصْحاب الجبل والمحشوشة». أما التسميات الرسمية التي تبثّها نشرات الأخبار عبر الإذاعة والتلفزة، فإنها متغيّرة متقلّبة حسب موازين القوى، من إرهابيين إلى قتلة ومرتزقة، لتنزع عنهم الشرعية الدينية. أما الجرائد المُستقلّة، فلها تسميات أخرى: الأصولية، الإسلاموية الراديكالية، الإرهاب الإسلاموي. يصرّ أصحاب هذه الجرائد على التأكيد على الطابع السياسي والأيديولوجي للجماعات المتمرّدة. الظاهرة معقّدة، وخيوطها متشابكة قد تتجاوز التصنيفات العقلانية. الأحقاد كثيرة ومُتجذِّرة منذ قرون في هذه التربة المتعوِّدة على التمرّد والعنف. أنا أستاذ التاريخ، أعرف تاريخ هذا البلد، قرنًا بقرن، شبرًا بشبر. فلم تخلُ فترة من مظاهر العنف والمواجهات الدامية بين القبائل المتناحرة حول المراعي والأراضي الزراعية، ولا تتوقّف إلا إذا تعرّضت لغزوة خارجية، وقد تتّحد مرحليًّا قبل أن تستأنف طقوسها الحربية. لم تَسُد الدول المؤسِّسة هنا وهناك طويلًا، ولم يمتدّ نفوذها غالبًا خارج أسوار القلعة التي تسكنها العائلة الحاكمة وحاشيتها والجند الحارس. يذكر ابن خلدون، حينما كان قاضيًا ببجاية، أنه كان يخرج برفقة الجنود لإرغام سكان الأعراش المجاورة على دفع الجباية للحاكم. تشتري هذه الأعراش سلمها وحرية بسط نفوذها على مناطق محدّدة بدفع قسط من إنتاجها الزراعي: قمح، شعير، زيت الزيتون، فول، عدس، حمص، صوف... وحينما تَكبُر أطماع الحاكم أو يصيب المنطقة جفاف، تتمرّد القبائل وتشنّ حربًا تأتي على الأخضر واليابس. لغة واحدة، دين واحد، عادات متقاربة جدًا، ومع ذلك لم تتوقّف الحروب يومًا. تُحلّ الخلافات دائمًا بسفك الدماء وقطع الرؤوس. والخلاف الأول هو بسط السيادة على السهول والجبال والوديان. أما ما يُكتَب على الراية من تبريرات، فإنها محاولة لإقناع النفس الأمّارة بالسوء بأنّها منزّهة من المنكرات والمغريات الدنيئة. ثمّ إنّ الإنسان الظّلوم يملك قدرة عجيبة على إلباس الشرّ قناع الخير، وإلباس الخير قناع الشر. يكذب كذبة ضخمة ثم يصدّقها، ويعدّ جيوشًا جرّارة للدفاع عنها. يُبقي على الألفاظ القديمة ولكنه يكسوها بدلالات جديدة، يتغنّى بنبلها وأخلاقها العالية. وكل هذه الحذلقة للحفاظ على ملكيته للأشياء وسيطرته على العباد.
تقدّم منّي شيخ ملفوف في جلّابية رمادية قديمة، وعلى رأسه شاشية اسْوَدّ بياضها، يتكئ على عصا ريفية، وحيّاني بذكر اسمي. أكيد أنه يعرفني، ولكنني لم أتعرّف عليه بسرعة. بعد ذلك سألني إنْ كانت جلسة المحاكمة ستقام اليوم. لمْ أجد جوابًا فقلت متسائلًا: يبدو أنّ لك قضية مهمّة اليوم؟ كان صدر الشيخ يغلي غيظًا، فانفجر بمجرّد الاحتكاك: «ذاك الخنزير الذي طلّق ابنتي بثلاث قطات لا تتجاوز أكبرهنّ أربع سنوات، وكنتَ أنتَ حاضرًا يا أستاذ، أظنّك لم تنسَ رغم مرور السنين، رفض ذاك المسخوط أن يدفع الكفالة المالية التي فرضها عليه القاضي. كلّمته مرارًا بالحسنى، ولكن الرجل كالحرباء، لا يستقرّ على رأي. يعد ولا يفي. رفَعنا شكوى ضدّه. في البداية بدا مغترًّا، معتدًّا بنفسه، لا يعير اهتمامًا لأحد. هدّده القاضي بالسجن إنْ لمْ يدفع. انقلب من هيئة ديك إلى هيئة دجاجة. فبكى واشتكى من سوء وضعه المالي. قال إنه بطّال. أنا أعرفه جيدًا، يسكن في البراريك معنا. يشتغل بنّاءً عند الناس. أراه دائمًا عائدًا في المساء بملابسه الملطّخة بالإسمنت والصباغة. يومها أَقْسَم إنّه سيدفع بمجرّد خروجه من عند القاضي. بعد شهر من المواعيد الكاذبة، رمى لنا الحقير ألف دينار. ماذا نفعل بألف دينار؟ لا تكفي حتى لحليب الأطفال. أصبح يتهرّب من لقائي. أبحث عنه في منزله فلا يخرج. يراني من بعيد، يغيّر طريقه. الحلّوف ابن الحلّوف، يحسب أن الدنيا بلا قوانين. يرمي امرأة بثلاث بنات إلى الشارع كما ترمى الكلاب ويظنّ أن لا أحد يحاسبه. هذه المرّة سأطلب مِن القاضي أن يسجنه. رغبتي الآن أن أراه قابعًا في زنزانة مظلمة بضعة شهور، أن يدفع ثمن نذالته. لا نريد أمواله، نحن متعوِّدون على الفقر والجوع. الله سبحانه هو الرازق الساتر...».
أثناء إفراغ الشيخ لسخطه، تذكّرت أنني تولّيت الدفاع عن ابنته منذ أزيد من خمس سنوات بطلب من المحكمة. شيئًا فشيئًا، استرجعَت ذاكرتي صورة تلك الفتاة التي لم تتجاوز العشرين من العمر، الملفوفة في حجاب بنّي، تحمل بين ذراعيها رضيعًا، فيما كانت طفلتان صغيرتان مذعورتان تتشبّثان بساقيها. قالت: «يشتمني ويضربني لأتفه الأسباب. يعيّرني بأمّ البنات. صبرت، قلت لعلّ الله سيرزقنا بولد. ولكن منذ ولادة الطفلة الثالثة، هاج وماج وأصبح لا يكلّمني إلا بالسبّ والشتم. بل وأصبح يصبّ غضبه على البنات أيضًا، يركلهنّ ويلعنهنّ بلا سبب». وبّخه القاضي بشدّة ولكن الرجل دافع عن نفسه باتّهام زوجته بالتقصير في الاعتناء به وبعائلته، واسترسل في رصد بعض الخلافات بين زوجته وأمّه وأخواته. لكن القاضي أوقفه وأجّل الفصل إلى جلسة قادمة. لم يفصل القاضي في مسألة الطلاق إلا بعد جلسات عديدة. كان في كل مرّة يؤجّلها إلى موعد لاحق، ويطلب من الزوجين أن يتصالحا حفاظًا على تربية الأولاد. تكرّر الشجار والضرب وأصبحت الزوجة تجرّ بناتها وتلجأ إلى بيت والديها فتمكث هناك أيامًا، بل وأسابيع. الآن، أتذكّر جيدًا صبيحة آخر جلسة، حينما اعترض سبيلي هذا الشيخ عند المدخل الخارجي للمحكمة، وطلب منّي أن أخلّصه من المشاكل التي تنغّص حياته. كان ساخطًا لاعنًا ويداه ترتعدان. قال إنّه سيرتكب حماقة إن تواصل الوضع على تلك الصفة. فعلًا، طلبت من القاضي إعلان الطلاق درءًا لوقوع مكروه من كثرة الشجار بين العائلتين.
بَحثْت ببصري عن ابنة الشيخ المطلّقة، فلم أتبيّن ملامحها وسط الحشد المكوّم من النساء المُحجّبات، المُجلببات، الواقفات يترقّبن ما يجدّ من أحداث.
في تلك اللحظة، دوّت صفارة إنذار، واقتربت بسرعة من البناية. شرطة، سيّارة إسعاف أم شاحنة الحماية المدنية؟ الصفارات متشابهة، يصعب التمييز بينها. وحدها الرؤوس ارتفعت واشرأبّت باتجاه الطريق، مُستفسرة، مُستقصية، لتزيد الوجوه امتقاعًا والقلوب انقباضاّ. أما الأبصار فإنها وجمت، وأما الألسنة فإنّ أصحابها فضّلوا ابتلاعها، لدرايتهم أنّ أية لفظة يمكن أن تحوّل يومياتهم إلى جحيم لا تطفئه أمواج جميع المحيطات.
بعد ذلك مباشرة، خرج كاتب الضبط وأعلن أن الجلسة أُجّلت للأسبوع المقبل.
ارتفَعت همهمات وتعالت أسئلة، ولكن الكاتب عاد أدراجه دون أن يمهل أحدًا بالاقتراب منه. تبعته وعدت إلى مكتب وكيل الجمهورية. هناك وجدت الخبر اليقين. إنّه فعلًا كمين نصَبه الإرهابيون عند المدخل الجنوبي للمدينة، وبالضبط في جسر الصفصافة، بقرب حيّ الأكواخ القصديرية. تلتوي الطريق في ثلاث دورات ضيقة، تحيطها أدغال شوكية تلتف حول أشجار الحوْر والصفصاف، تمتدّ عبر مجرى الوادي. الجسر ضيّق لا يسمح إلا بمرور سيّارتين خفيفتين. لذلك تضطرّ الشاحنات والحافلات إلى التوقّف نهائيًا، قبل العبور فوق الجسر. إنّه المكان المناسب لنَصْب كمين مسلّح وإمكانية الانسحاب سهلة بالتسلّل عبر مجرى الوادي حتى غابة الصنوبر في التلّة المقابلة المطلّة على أحراش المتيجة.
قال وكيل الجمهورية بعد أنْ نظر إلى ساعته:
ـــ خطّة مَحبوكة بإحكام... ولكن أين سيختفون؟ النهار ما يزال في بدايته. بعد قليل ستصل إمدادات الجيش والدرك، سيحوِّطون المكان، وسيمشّطونه مِترًا مترًا. إنهم مجانين فعلًا. انتحاريون...
فغمغم الجميع موافقًا. بعد قليل افترقنا.