3
كان اليوم الذي استخرجْتُ فيه شهادة الكفاءة المهنية للمحاماة من أسعد أيامي. أمسَكتُ الورقة التي مدّها لي الموظف بتلهّف، قرّبتها من عينيّ، فبرز اسمي كبيرًا لامعًا ملأ صدري اعتزازًا. رغبت في الانفراد بقراءتها مثلما ينفرد العاشق الولهان برسالة حبيبته. شكرت الموظف النحيف بصدق وحماس، كما لو أنّه أهداني إياها بالمجّان، دون أن أقضي سنوات مضنية، أركض بين المتوسطة في عين الكرمة وكلية الحقوق في ابن عكنون، أقف الساعات الطوال في محطات الحافلات، أترقب ببصري الذابل السيارات المارة لعل سائقها يكون من معارفي. أسهر الليالي في مراجعة الدروس، أتملّق للمدير كي يغضّ البصر عن غياباتي وتأخري المتكرّر. لكن فرحة ذلك اليوم أنستني جميع تلك المشقة، ورحت أنشد مع أبي القاسم الشابي: ومن هاب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر. وأنا أعطيت العهد لنفسي أن لا أبقى بجانب الحفر الموحلة التي تلطخ ثيابي في الصباحات الشتوية. في الساحة، انزويت جانبا وقرأت الوثيقة ببطء، أتملى كل كلمة، أتأكد من عدم وجود خطأ في الاسم وفي تاريخ الولادة. كانت الوثيقة كما الخاتم السحري في حكايات أمّي. حكّ خفيف ويخرج العفريت: شبيك، لبيك، أنا هنا، اطلب ما تريد. سأطلب أيها القمقم... سأطلب... اللّي يحب الزِّين يصبر لعذابُه. أغمضت عينيّ لحظات لأتمتع بالنشوة اللذيذة التي غمرتني. بعد ذلك، أخفيت الشهادة برفق داخل المحفظة وخرجت مزهوًا من الكلية، يتملكني شعور بأنني أملك قوة سأقهر بها الدهر كله. في تلك الأمسية، اشتريت دجاجة محمّرة وقنينة نبيذ، واحتفلت بنجاحي برفقة عشيقتي، العاهرة الساكنة معي في الفندق.
كان عليّ بعد ذلك أن أقوم بتربص لمدّة سنة كاملة عند أحد المحامين، قبل أن يُسمح لي بممارسة المهنة. في البداية، اتصلت ببعض الأساتذة المحامين، فاعتذر الجَميع بحجج متنوعة. ومع ذلك شكرتهم بعبارات مؤدّبة، مرفقة بابتسامة عريضة وهزّ الرأس احترامًا لمقامهم. في تلك الأيام، بقيت أتَردّد كثيرًا على الجامعة، أستقصي أحوال زملاء دفعتي. فكُلّما التقيت واحدًا منهم فشل في العثور على تربّص انهال شتمًا وسباًّ على المحامين، واتهمهم بالحسد ووصفهم بالكرش الكبيرة التي لا تشبع. لم أنزعج ولم أيأس. الإنسان بطبعه أناني، يستميت في الدفاع عن مصالحه أولًا وأخيرًا. ما الغرابة إنْ حصّن المحامون قلاعهم وسدّوا الثغرات التي تمكّن الغزاة أمثالنا من قضم جزء من أرباحهم؟ كنْت مُتفائلًا ومُقتنعًا بأنني سأعْثر على محام مُتفهّم يَقبَلني متربصًا عنده.
تعلّمتُ من قراءاتي لسير العظماء عبر التاريخ أن الصدفة تتدخل باستمرار في توجيه مصير الأفراد. وهو ما حصل لي فعلًا. كنت أشعر منذ مدّة بضعف البصر، فقرّرت زيارة طبيب عيون. اشتكيت حالي لأستاذ يضع نظارات، فأرشدني إلى مختص مشهور بشارع العربي بن مهيدي، غير بعيد عن ساحة الأمير عبد القادر. كانت العيادة غاصة بالمرضى ومرافقيهم. بقيتُ واقِفًا عند مدخل البهو الضيّق، بقرب مكتب ممرّض الاستقبال.
ولكن كعادتي دائمًا، كنت بحاجة إلى تدخين، لمقاومة الضجر الذي ينتابني حينما أتواجد وسط المرضى. ردّ فعل لاإرادي، يذكّرني في كل مرّة بالشهور الشاقة التي كان فيها أبي طريح الفراش، يكاد صدره يتفجّر من كثرة السعال ونحن، أمي وأخي الكبير وأختي الصغيرة، الله يرحمهم جميعًا، نتفرّج عاجزين، ينهشنا الرعب ويرعد أحشاءنا الخاوية. كم كانت قاسية تلك الليالي الشتوية الباردة، حيث كانت قلوبنا تتمزق مع كل كحّة تصدر من أبي المرمي في زاوية الكوخ، يرافق سعاله الحاد المتواصل لحظات نومنا القصيرة. مطر مدرار يأبى التوقف، برد قارص يزرّق الوجوه، جوع تتضوّر له البطون. أخرج بمعية أخي باكرًا، نمشّط ضفّتي الوادي القريب بحثًا عن الحطب الجاف، وعن الحلازن أيضًا. كانت الحلازن غذاءنا الدائم تقريبًا، إلى جانب بعض النباتات البرية مثل السلق والمجِّير والفليو. ذات ليلة، أيقظني صراخ أمّي. بقيت منكمشًا إلى جانب أخي تحت الحائك الصوفي المثقوب الذي نتجاذب أطرافه، أرتجف من البرد والخوف. مع أولى علامات الفجر، خرجت لأُخبر شيخ الجامع وبعض الجيران. دفنّا أبي تحت رذاذ المطر، وأرجلنا تتخبّط في الوحل. لم أبك ولم أشعر بالحزن. انتابتني سكينة مخدّرة. وقفْت تحت المطر أتابع مراسم الجنازة بعيون سارحة، وأقول مع نفسي الليلة سأنام إلى الصبح، سأرتاح من السعال ومن البكاء والنواح. هي أيضًا كانت تصرخ باستمرار ولا تتركنا ننام. وكنت أتمنى لها الموت في قرارة نفسي. وكم بكيت يوم وجدناها، أمّي وأنا، مُلقاة على الأرض بلا حراك، وقد غبنا عنها يومًا كاملًا. تملّكني إحساس بالذنب لشهور عديدة كما لو أنّني كنت قاتلها. إلى اليوم لا يزال هذا الإحساس يؤرقني كلما استحضرت ذاكرتي تلك الأيام القاسية. حكاية قديمة وانتهت. لماذا أحييها اليوم؟ ماذا أصابني؟ منذ ذلك الوقت، نَمتْ في نفسي حساسية شبه عدوانية تجاه المرض والمرضى. أضحَت رؤية شخص مريض تثير في نفسي ألمًا عصيّ الاحتمال. ومُقاومتي الوحيدة هي الهرب. فعدت أكره المستشفيات. وكلما قادتني الظروف مُرغمًا إلى مثل هذه الأماكن استعجلت الخروج.
في تلك الصبيحة، وبداخل بهو عيادة الطبيب، قاومت رغبة التدخين دقائق معدودة. ثمّ أخرجت علبة السجائر، وقبل أنْ أفتحَها، انتبهت إلى العيون اللائمة المصوّبة نَحوي. أرجعت العلبة إلى جيب سترتي وخرجت. وقفْت عند المدخل بقرب السلالم أدخِّن بشراهة لا مثيل لها، كما لو أنّ احتراق السيجارة يحرق معه المرض. كان المكان مُعتمًا قليلًا. في لحظة ما، انفتح الباب المقابل وخرج منه رجلان. انغلق الباب، فجلبت انتباهي ملصقة صغيرة مربعة الشكل. فكرت: طبيب آخر. اقتربت وقرأت بالفرنسية: الأستاذ ناصر بن تواتي، محامي لدى المجلس. خفق قلبي واتسعت حدقتا عينيّ. تذكرت مشكلتي. قلت: سأجرّب. استقبلتني كاتبة متوسطة العمر وسألتني عن حاجتي. قلت باختصار: أريد مقابلة سي ناصر. نعم، هكذا، سي ناصر ضربة واحدة، وأنا لا أعرفه لا من عليّ ولا من عائشة. إنها طريقة للإبهار، تعلّمتها في خضمّ تقلبات الحياة. حينما تريد اخْتراق حواجز البوابين والكاتبات لتقابل مسؤولًا، فما عليك إلّا التظاهر بمعرفته ومخاطبتهم بلهجة واثقة، متعالية كما يفعل أصحاب الجاه والسلطة. دون أن تنسى الاعتناء بمظهرك الخارجي، البذلة الأنيقة وربطة العنق المزركشة، لتضفي على هيئتك هيبة ووقارًا، تصدّ عنك العجرفة والاحتقار. وأنا دأبت على ارتداء بذلة وربطة عنق ودهن حذائي جيدًا بالأسود اللامع كلما انتقلت إلى إدارة ما، أو للقاء مسؤول مهما كان صغيرًا. وحينما التحقت بالجامعة، أصبحت البذلة ترافقني مثل المحفظة. وبما أنني كنت كبير السن مقارنة بالطلبة العاديين، فكنت أحظى دائمًا بلقب أستاذ. وكان هذا اللقب يزيدني افتخارًا بوضعي الجديد، ويملَأني غبطة.
نَظرَت إليّ الكاتبة متردّدة، كما لو أنها أرادَت أن تسألني عن حاجتي ولكنها لم تفعل. طلبَت مني الجلوس ودخلَت عند سي ناصر. كُنْت مُرتبكًا، حائرًا في كيفية عرض مشكلتي، ألوك جملًا وعبارات، تارة بالفصحى، تارة بالدارجة. ولكن المحامي بخّرها جميعًا حينما ردّ على تحيّتي بالفرنسية ـــ وأية فرنسية؟ ـــ قبل أن يطلب مني الجلوس. أدركت للتوّ أنني أمام محام مُفرنَس. وحَسب عمره الذي قدّرته آنذاك بحوالي خمسين سنة، يكون من الرعيل الأول، من أولئك الذين درسوا في فرنسا. كيف أخاطبه وأنا لا أعرف من لغة فولتير، مثلما يسميها أهل العربية والتعريب في الجامعة، إلا القليل. صَحيح أنني أقرأ بها الجريدة مثلًا، ولكن نطقي بها معوجّ بل ومثير للسخرية. ألست ابن زاوية سيدي عبيد؟ حفظت ما يربو عن العشرة أحزاب من القرآن الكريم. جاء الاستقلال، نزحنا من ريفنا الخالي إلى قرية سيدي اعمر. ولكن عمري الذي تجاوز الثانية عشرة لم يسمح لي بالتسجيل العادي. جَمعونا نحن الذين فاتنا قطار التعليم في قسم واحد، وأدخلوا علينا فرنسية تعلّمنا أبجديات اللغة. كانت جميلة فسلبت عقولنا وأجّجت شهوتنا النائمة. كنا كبار السنّ، نتنافس على التلصّص على أنوثة جسدها الفاتن. المسكينة... كانت تُجهد نفسها لتخطّ الحروف على السبورة بعناية، ونحن لا منظر لنا إلّا الساقين الأبيضين العاريين والنهدين الممتلئين اللذين يهتزان برفق مع كل حركة تقوم بها. تحمرّ وجنتاها كالرمان الطازج حينما تلتفت وتدرك الهدف الحقيقي للعيون البراقة المبحلقة. كان بعض الشياطين في الصفوف الخلفية يمارسون الاستمناء، فيصلنا لهاثهم وتزكم أنوفنا روائح المني الساخن. استبدلوها في منتصف السنة. استخلفها المدير نفسه. جزائري يخاطبنا بلهجتنا. وكان يقضي مُعظَم الوقت في إبداء النصيحة ومعاقبة المشوِّشين. وحينما يغضب، لا تصل إلى سمعنا وسط صراخه ورذاذ بصاقه المتطاير إلّا كلمات الحمير والبغال والرعاة وبائعي السردين. نُطأطئ رؤوسنا، نخفض أبصارنا، نتظاهر بالطاعة، ولكن ألسنتنا تلوك أقذع الشتائم، التي أخجل اليوم من نفسي حين أتذكرها. ومع ذلك تعلمت الحروف وأصبحت أفك الكلمات وأنطقها. في السنة الموالية، طردوا نصف القسم. من حُسن حظي أنّ نتائج الامتحان النهائي أنقذتني من الطرد. التحقت بقسم السَرْتفيكا. سرَّحونا في نهاية السنة. بَقيْتُ سنتَين أتسكع في أزقة القرية، أتسابق مع أقراني من الأطفال البطالين على رمي الكلاب والقطط بالحجارة وسرقة ثمار التين والعنب من حدائق الجيران. أحيانًا ألتحق بالمزارع المجاورة للعمل في جني اللوبيا والطماطم. أعادَتني أمّي إلى زاوية الشيخ المولود، ولكنني وجدت نفسي هرمًا وسط الأطفال الصغار، ثمّ إن طريقة التلاوَة الرتيبة دون فهم أصبحت تثير ضجري، فأخرج وسط الضجيج ولا أعود. اشتكى الشيخ مرارًا من غيابي. ذات مساء، دخل علينا أخي فرحًا وأخبرني بالاستعداد للعودة إلى الدراسة. استخففت بالخبر واستهجنت العودة إلى القسم. ماذا سأفعل وسط الأطفال؟ من الأولى به أن يسعى لإدماجي بصفة دائمة بالمزرعة. نهرني بنظرته الصارمة التي ترعبني دائمًا. كان رحمه الله ذا طبع حاد ولا يكثر الكلام. كان يشتكي كثيرًا من عمل المزرعة ويقول بأنه يليق بالشيوخ والعجائز وليس بالشبان. تجنّد في الجيش مبكرًا، ومات المسكين في ظروف غامضة. كان هو المدبّر في البيت وأمّي لا أذن لها إلا لأوامره. سارعت أمّي إلى الوقوف إلى جانبه. الدراسة هي المفتاح، هي الطريق الصحيح، وأنت حفظت القرآن ودرست سنتين في المدرسة، ألم تتعلّم شيئًا؟ كان أخي وقتها قد التحق بالجيش. لبس بذلته العسكرية وأخذني إلى المدرسة وسجلني في الدروس المسائية التي فُتِحت للكبار المتأخرين أمثالي. وكانت أمي المسكينة تحثّني على الاجتهاد في الدروس لعلّني أنال حظوة امتلاك وظيفة محترمة، يكون راتبها كبيرًا. هكذا استطعت أنْ أكمل دراستي. ما كاد عمري يصل إلى العشرين حتى تمكنت من الحصول على مستوى دراسي سمح لي بالدخول إلى مدرسة تكوين المعلمين. ولكنني متّنت فرنسيتي في سنوات التحضير لشهادة البكالوريا. ومع ذلك، أعي جيدًا أنّ ضعفي فادح في هذه اللغة.
كان سي ناصر كهلًا نحيفًا، يرتدي بذلة رمادية دون ربطة عنق، بشنبات رقيقة، أشقر اللون. قلت في نفسي: هذا لا يكون إلا قبائليًا أو جيجليًا. استمع إليّ وأنا أعرض عليه مشكلتي. هزّ رأسه وقال:
ـــ أنت من الدفعات المعربة، أليس كذلك؟
أربكني سؤاله وأجبت مسرعًا:
ـــ نعم، ولكنني أحسن الفرنسية قليلًا. لا أتكلَّمها بطلاقة ولكنني أقرأ بها بسهولة.
ابتسم وقال بنبرة فيها أسى:
ـــ الظاهر أنّ التعريب يزحف بخطوات عملاقة. يُقال إنّ كلية الحقوق ستُعرَّب كلية ابتداءً من الدخول الجامعي المقبل.
ـــ هذا ما يقال فعلًا. عرفت بعض الطلبة في الأقسام المُفرنَسة كانوا يَحضرون معنا الدروس بالعربية، بل منهم من التحق بالقسم المعرّب رسميًا.
مطّ سي ناصر شفتيه وهزّ رأسه قائلًا:
ـــ قطار التعريب يجري بسرعة. وعلينا نحن أيضًا أن نحجز مكانًا قبل أن يفوتنا الركب. أخاف أن يحدث لنا مثلما حدث للأقدام السود، فنضطر إلى هجرة هذا البلد.
سكت قليلًا وسرح بنظره بعيدًا، كما لو أنّه يسترجع ذكريات حزينة. كنت أتكلم بالعربية الدارجة وأدخل بعض الكلمات الفرنسية رغبة مني في إقناعه أنني فعلًا أحسن لغة فولتير. أما هو فكان يتكلّم بالفرنسية، مُستخدِمًا من حين لآخر كلمات بالدارجة. كان نُطقه للأصوات العربية مثل نطقي للأصوات الفرنسية، مُحرَّفًا، مُثيرًا للضحك. هزّ رأسه بحركة فظّة وقال:
ـــ يبدو أنّ وزير العدل الجديد يكره الفرنسية ويستعد لتعريب إدارة العدالة كلها. بالأمس فقط كانت لي قضية في محكمة الحَرّاش، فأوقفني القاضي، شابٌّ لا يتجاوز الثلاثين، لأنني كنت أرافع بالفرنسية، أتتصوّر ذلك؟ قلت له: «لا يوجد قانون يمنع المرافعة بالفرنسية». قال إن تعليمات الوزير الجديد تجبر المحامين على استخدام اللغة الوطنية. قلت: «لماذا تسميها اللغة الوطنية وليس العربية؟». قال متشدقًا مثل جلدة قديمة مُغترّة بأصولها البعيدة: «اسْمع يا أستاذ... نحن قضاة لا نمارس السياسة، نطبق قوانين الدولة الجزائرية، والدولة الجزائرية المستقلة تقول بأن على المحامين المرافعة باللغة الوطنية التي هي اللغة العربية. أما الفرنسية فهي لغة أجنبية، لغة الاستعمار، وأظن أنّ الاستعمار قد خرج من بلادنا». قلت: «الاستعمار حاربناه بلغته. أتعلَم أيها القاضي أنّ بيان أوّل نوفمبر حُرّر بالفرنسية أوّلًا، ولم يعرَّب إلّا لاحقًا وأنّ غالبية زعماء الثورة كانوا من المُفرنسين». قاطعني قائلًا: «لا أريد أن أدخل معك في نقاش سياسي. تكلّم بالعربية أو اسكت. القانون هو القانون». فكّرت قليلًا ثمّ قلت: «سأرافع بالعربية الدارجة. ليست لغة أجنبية على ما أظن؟». ظننت أنّ المشكلة حُلّت، ولكن عندما قدّمت له نصَّ المرافعة ليدمجه داخل الملف، قال: «المرافعات المكتوبة تكون أيضًا باللغة الوطنية». انتفضت كما انتفض بقية المحامين. ولكن القاضي لم يبال. اشتكينا للنائب العام أو الغرّاق مثلما يسميه الناس. قال: «أنا أتفهّم مشكلتكم ولكنّني عاجز عن فعل أيّ شيء. التعليمات هي التعليمات. أُخبِركم أنّ هذا القاضي الجديد له عرّاب كبير في الجيش يحميه. أنتم أدرى بالكيفية التي تُسيّر بها دواليب الحكم عندنا. أنا لا ألعب بخُبز أولادي. أنصحكم بتعلّم العربية أو تَوظيف من يساعدكم في تعريب وثائقكم». عندما خرجنا أسرّ لي محامٍ له مجسّات استخبار غريبة أنّ هذه الخصية الرخوة تتحرك تحت جزمة عقيد، وتؤكّد بعض الألسنة أنه أخو زوجة العقيد الثانية، تلك التي ترافقه في سفرياته الباخوسية إلى عواصم أوروبا. مثلما ترى، أنا درست في زمن فرنسا، وحظ العربية آنذاك حصة واحدة في الأسبوع لا يهتم بها أحد. العربية الدارجة أيضًا لا أتقنها. أنا قبائلي، من مدينة عين الحمّام. وزوجتي كذلك. في البيت لا نتكلم إلا القبائلية. إنني في ورطة حقيقية. هل أغيّر مهنتي في آخر العمر؟ هل ألمّ أغراضي وألتحق بالأقدام السود؟ هم فرنسيون، رجعوا إلى بلاد أجدادهم. أما نحن فأين سنذهب؟ إلى منطقة القبائل؟ سيلحقها التعريب مهما تأخر تطبيقه. اللغة القبائلية لهجة شعبية، لا تُكتب ولا تُـقرأ وغير مُعترف بها رسميًا.
سكت لحظة مفكرًا ثم أضاف:
ـــ ولكن جابَك ربي في الوقت المناسب. (قالها بالدارجة وردّدت مَعه في سري: جابْني ربي في الوقت المناسب، صَح...) أنتَ تبحث عن تربّص يساعدك على ممارسة المحاماة، وأنا بحاجة إلى من يساعدني على تعريب الوثائق، بل أفكّر بجدّ أن أتعلم العربية.
هتفت بحماس وابتهاج:
ـــ أنا موافق على الاقتراح. إنها فُرصَة لأتعلم الفرنسية أنا أيضًا.
ـــ اتَّفقنا يا أستاذ.
ضحكت من كلمة أستاذ وقلت:
ـــ الأستاذ هو أنت يا مِتْر.
ابتسم بدوره وقال: «مِتْر... أستاذ... ألقاب نبيلة، ولكن قلّ من يستحقها فعلًا».
وقف وصافحني، فرأيت الانشراح على محيّاه. كما أدركت أنّه متوسّط القامة وإنْ بدا قصيرًا نوعًا ما بسبب نحافة جسمه.
هكذا دخلت المحاماة من بابها الواسع. وكان لقائي بسي ناصر، والآن أقولها باعتزاز واحترام، وبعد مرور أزيد من عشرين سنة من تلك المصادفة الرائعة، حاسمًا في حياتي. معه، تعلمت المهنة وسراديبها، المنيرة منها والمظلمة. تعلّمت أن القانون مطّاط يمكن عجنه بشتى الأشكال. أصبح سي ناصر صديقي وزميلي، نتعاون معًا في قضايا عديدة إلى اليوم. وزادت صداقتنا متانة وتواطؤًا حينما قرّرنا تشكيل هيئة تدافع عن المساجين السياسيين والصحافيين من شتى الاتجاهات. وبقي دفاعنا عن مساجين الحركة البربرية وشيوخ الحركة الإسلامية مرجعًا نعتز به لأنه أعاد لمهنة المحاماة نبلها بعد أن لوّثها أولئك الذين لا يركضون إلا خلف الأموال والموالاة للسلطة الحاكمة.
ولا أخفي سرًا إن قلت إنّ تصوّري للمحاماة كان يشوبه كثير من المثالية. في أوّل الأمر، ما كان يُغريني في هذه المهنة جانبُها المادي. وينبغي الاعتراف أنّني ضعفت أمام إغراء المال وإغواء النساء. شيئان َصعب عليّ مقاومتهما. وغرفت ما غرفت من الإناءَين الساحِرَين. ومرّغت كرامتي وشهامتي في أوحالها. ومع ذلك أضرارها أقل بكثير من مغريات السلطة. فلم تغرني السلطة يومًا مثلما أغرت كثيرًا من زملائي، الذين داسوا مبادئهم وظلموا أشخاصًا أبرياء وزجوا بهم داخل السجون، استجابة لأوامر نافذين في دوائر الحكم، فنالوا المناصب العليا، بل منهم من أصبح وزيرًا. الثروة نعم، المتعة نعم، ولكن ليس بإلحاق الظلم بالأشخاص الأبرياء. هكذا تعلمت من سي ناصر.
ومع ذلك، فالمُحامي عندي هو الذي يدافع عن المظلومين، عن الضحايا. سبق لي أن رأيت بعض الأفلام تصوّر براعة المحامي في إنقاذ أبرياء من تهم باطلة كادت تزج برؤوسهم إلى المقصلة. وبحُكم وضعي الاجتماعي، كنت دومًا أتعاطف مع الفقراء وأراهم مظلومين دائمًا، وأبحث لهم عن مسببات قاهرة هي التي تجرهم إلى ارتكاب الجريمة. أما المجرمون واللصوص بمختلف أنواعهم، فليخلدوا في ظلام السجون. ولكنني صُدمت من أوّل قراءتي للملفات التي رحت أكتب عرائض الدفاع فيها بمساعدة سي ناصر. أتذكر أنني استنكرت أن يدافع عن سكّير تسبب في حادث سيارة أدى إلى وفاة ثلاثة أفراد من عائلة واحدة: الأب، والأم وطفل في العاشرة من العمر، تاركين وراءهم ثلاثة أطفال صغار. قلت لسي ناصر:
ـــ كيف قبلت الدفاع عن هذا القاتل الذي أباد عائلة كاملة؟
ردّ عليّ:
ـــ ولماذا لا أدافع عنه؟
ـــ لأنّه مجرم. كان يسوق في حالة سكر متقدّم، وحسب تقرير الشرطة، سيارته هي التي تجاوزت السرعة القانونية واخترقت إشارة التوقّف، وصدمت سيارة العائلة المتوفاة. لهذا، أدخلوه السجن في انتظار محاكمته.
ـــ قلتَ إنه أباد عائلة... هناك كثير من السواق لم يكونوا مخمورين، وتسببوا في حوادث أدت إلى إبادة عائلات، ولم يسجنوا ولم يتهموا بارتكاب جريمة. إذا رأينا إلى النتيجة فهي واحدة: زهق أرواح بريئة.
ـــ ولكن صاحبنا كان سكران. وأكيد أنه يعرف خطورة السياقة أثناء السكر.
ـــ ما الفرق بين مسؤولية هذا السكران ومسؤولية سائق اخترق الضوء الأحمر وتسبب في حادث أدى إلى وفاة؟ هذا السائق يعرف أيضًا خُطورة اختراق الضوء الأحمر أو الخط الأصفر، أو التجاوز في منعَطف.
ـــ هذا صحيح.
ـــ ومع ذلك، فالشرطة ترمي الأول في السجن وتترك الثاني طليقًا، يعود إلى بيته آمنًا.
لم أجد جوابًا. أضاف سي ناصر:
ـــ إنها جرائم عصر التكنولوجية التي لم يضبطها القانون جيدًا بعد. إنّ الجريمة في عرف القانون مرتبطة بنيّة إلحاق الضرر بالغير قبل النظر إلى حجم الضرر بعينه. ما يُعرف في لغة القانون بسبق الإصرار والترصد. فمَن يَعتدي على شخص بالسلاح فهو مجرم لأنّه ينوي إلحاق الضرر بخصمه، أما حادثة سيارة، فنية الأذى غير موجودة أصلًا. ما العمل إذا؟ إنها فعلًا مشكلة العدالة، سواء بالنسبة للقاضي أو المحامي.
ـــ أفعال الإنسان معقّدة، ويصعب تصنيفها بشكل نهائي في خانة الخير أم خانة الشرّ.
خيّم الصمت بيننا لحظة قبل أن يسأل سي ناصر:
ـــ وما هي وظيفة المحامي في رأيك؟
ـــ الدفاع عن المظلومين والأبرياء.
ـــ أنت متأثر برومانسية فيكتور هيجو.
قلت بحماس:
ـــ قرأت البؤساء وتمزّق قلبي ألمًا بسبب مأساة جان فالجان.
ـــ أقرأت الرواية حقًّا؟ إنّ فرنسية فيكتور هيجو صعبة.
ـــ قرأت الكتاب مترجمًا إلى العربية في نسخة لبنانية.
ـــ آه... المهم، يجب أن تعرف أن وظيفة المحامي هي الدفاع عن جميع المتهمين بارتكاب جريمة ما، حتى أولئك الذين يعترفون بالأفعال المنسوبة إليهم، ومهما كانت بشاعة هذه الأفعال. والدفاع عن المجرمين لا يعني الموافقة على ارتكاب الجريمة. الدفاع معناه أن توفر للمتهم سبل الدفاع عن النفس، ذلك أن كثيرًا ما تكون التهم مزوّرة وملفقة. أثناء المحاكمة، إن ثبت أن المتهم قد ارتكب الجريمة المنسوبة إليه فعلًا، فينال عقابه طبقًا للقانون.
هكذا أصبحت محاميًا. صدق من قال: ربّ صدفة خير من ألف ميعاد.