4

6 0 00

4

اليوم دفنّا نبيل بعد صلاة العصر. انتظرنا بمصلحة حفظ الجثث بالمستشفى طويلًا. الإجراءات الإدارية كثيرة ومعقّدة. رخصة من هنا، رخصة من هناك. وفي كل مرّة، نستنجد بالبوابين والسكريتيرات للعثور على رئيس المصلحة ليُوَقِّع الوثيقة المطلوبة. كلّهم يتذمرون من كثرة الشغل الذي يخنق أنفاسهم. أنْ تستمع إلى شكاويهم وهم يمسكون القلم بتأفف وقرف (طايْحَة على راسي غير أنا برك، الخدمة يَحَوْسوا عليّ، الصحّ والوا، غير الريح، الفايْدَة ليهم والمصايَب لينا...)، يخيّل إليك أنهم يسيّرون مصنعًا لإنتاج الصواريخ العابرة للكواكب. مرض العظمة بدأ ينخر ذهنية وسلوكيات الرؤساء الصغار. بمُجَرَّد أنْ تُمنَح لأي موظف صلاحية التوقيع، يُمسَخ إلى ثعبان لا وظيفة له إلا اللّدْغ، ولا تسمع على لسانه إلا: «وقتي ثمين ومحسوب بالدقيقة... عندي اجتماع مهم مع سيدي المدير... عندي مهمة خاصة في المديرية...» هذه هي الجزائر. كل واحد يبني جمهورية في رأسه ويسيّرها بقوانينه الخاصة. لمْ نتسلّم الجثة إلا حوالى منتصف النهار، بعد أن تكهربت أعصابنا ألف مرّة وأوشكت على تفجير ما تبقى سالمًا في الجسم. نقلنا التابوت إلى المنزل، أدخلناه إلى الصالون الغارق في كآبة النواح والصدور القانطة والألسنة الراجفة بالدعوات الخاشعة وخرجنا ننتظر في ساحة المتوسطة. كان رشيد بن غوسَة صامتًا، غائبًا عما يحيط به، كما لو أنّه ابتلع قرصًا مخدّرًا. في الصباح أيضًا، لم ينفعل ولم يحتج، هو العصبي الذي تثيره أدنى مشكلة. كان ينتظرني وأنا أجري في الأروقة باحثًا عن الرؤساء الكبار، أسخط وأزمجر وحدي كالمعتوه. حينما تعالى أذان الظهر، نظرت تباعًا إلى ساعتي اليدوية ثم إليه، فلم يحرّك ساكنًا. قلت بصوت مرتفع كي يصل إلى سمعه:

ـــ حان الوقت للتوجه إلى المقبرة.

فتح عينيه على اتساعهما كمن يستيقظ من غفوة قيلولة، وغمغم كلامًا مبهمًا قبل أنْ يقصد السلالم للصعود إلى البيت. تحركنا بتلقائية غريزية وراءه.

الطريق إلى المقبرة مُوحلة ومليئة ببرك مائية. لم يتوقف المطر عن السقوط طوال الليلة الماضية. اسودَّت السماء بالغيوم الكثيفة وجثمت بثقلها على المدينة كأنها ستسحقها بين الفينة والأخرى. البرد أيضًا ضرب خيامه على هذه الهضبة المرتفعة، التي تواجه البحر من جهة الشمال وسهول متِّيجة وجبال الشريعة من جهة الجنوب، وفاجأ الناس الذين لا يزالون يتدثرون بالألبسة الصيفية. تكتئب نفسي أيام المطر من فرط القبح الذي يستفحل فجأة بالمدينة. يعمّ اللون الإسمنتي على الجدران التي لم تجدّد صباغتها منذ عهد نوح، تنتشر الأوحال في الطرقات، وتتباطأ حركة السيارات. ويصبح الانتقال لمسافة صغيرة عقوبة، تثير الأعصاب، وتحرّر الألسنة لتصرخ بالقذائع والشتائم البذيئة تعبيرًا عن السخط المتربّص بأحشائنا.

أوقَفنا السيارات على طول الطريق المعبّد. أسرعْت الخطى كي أساعد في حمل التابوت مثلما فعلت في المستشفى. ولكنّني وجدت أمامي شبانًا أقوياء، بعضهم ملتح وبأقمصة إسلاموية، يخطفون التابوت، ويضعونه فوق أكتافهم ويركضون به إلى المقبرة، غير آبهين بالوحل ولا بالبرك المائية المعيقة للسير، مردّدين بأصوات خشنة: لا إله إلا الله... لا إله إلا الله... بدوا لي غرباء. تفرّست في بعض الوجوه لعلّي أجد سحنة أليفة. بلا جدوى. متى انضموا إلى موكب الجنازة؟ هل انتظرونا هنا؟ أم كانوا عند ساحة المتوسطة ولم أنتبه لهم؟ نظرت إلى رشيد لعلّه ينير بصيرتي. ربما كانوا من أفراد عائلته البعيدة: أبناء الإخوة والأعمام والأخوال. فوَجدته كما هو، ملفوفًا بغطاء مأساته. عادت إليّ صورة نبيل وهو مُمَدّد تحت نور المصباح الخافت، بلباسه الأفغاني. ضربة ثلج مفاجئة دقّت برأسي كالحجر. كيف غابت عنّي هذه الحقيقة. حَمدت الله أن رشيد استغلق على نفسه جميع المنافذ وإلا لاشتطّ غضبًا رافضًا حضور قتلة ابنه كما يسميهم، يقتلون الميّت ويبكون في جنازته، أكيد أنه كان سيشتمهم ويطردهم. إنّه انفعالي لا يقيم وزنًا لنتائج تصرفاته. تركت المشيّعين الغرباء يركضون وأبطأت الخطى حذرًا من الانزلاق على الوحل. صحيح أنني ريفي وقد قضيت طفولتي كلها راكضًا بين دروب الوهاد والشعاب الملتوية، الصاعدة الهابطة، ولكن تلك الأماكن وذلك الطفل الشقي لم يعد إلّا صورة موجعة في الذاكرة. تحضرني في حالة الاسوداد والعزلة، شذرات متقطعة متشعبة، ولكنني أنتفض ضد وقاحة مجيئها دون دعوة، فأسدّ جميع المنافذ التي يمكن أن تتسرّب منها. ثمّ إنني أضربت عن زيارة تلك الأماكن منذ أن توفيت أمّي، بعد مقتل أخي الغامض الذي هدّها وطيّر عنها كل رغبة في العيش. كنتُ طفلًا يجرجر قدميه في أحذية بالية مرقّعة لا تقيه لا من البرد ولا من البلل ولا من الوحل، وأصبحت أستاذًا محاميًا أجمع في بيتي ما لا يقل عن ستة أزواج من الأحذية ذات الجودة الرفيعة، ألمّعها لمعانًا قبل أي خروج. ثمّ إنني لم أعد أتعب قدميّ، فالسيارة تقيني عذاب المشي ولو لبضع مئات من الأمتار. أعطيت العهد لنفسي أن أدفن البؤس إلى الأبد. دفنته حقًّا من حيث المظهر، ولكنه أبى أن يفارق ذاكرتي، يسكنني، يؤرقني، يربطني إليه لساعات طوال لا تكاد تنتهي. من يَرَني أتبختر في بذلتي الأنيقة ورَبْطة عنقي الجذابة وحذائي اللامع دومًا، تركبه سوسة الغيرة المدمرة لأنه يتصورني في جنة النعيم. كم هي خادعة المظاهر! إنّ ما بداخل هذه البذلة من أسرار موجعة وذكريات أليمة، لا تمحوها رفاهية سلاطين ألف ليلة وليلة.

يبدو أنّ المقبرة أَضْحَت مكانًا مألوفًا لديّ هذه الأيام. الله يستر... أتطيّر من تكرار الأشياء السيئة. أتكون نذير شؤم سيزورني في ليلة لاحقة؟ بالأمس فقط زرتها لحضور جنازة شرطيين من الستة الذين قُتلوا في الكمين. إنهما من مدينة عين الكرمة. أما الآخرون فنُقلت جثامينهم إلى قراهم الأصلية لتوارى التراب هناك. كانت المقبرة غاصة بالأزياء الزرقاء والأسلحة الأتوماتيكية. لم يحضر من السكان إلّا عدد قليل، وهم المتعوّدون على احتلال المقبرة عند أي جنازة، سواء أعرفوا المتوفى أم لا. إنّها واجب ديني عند أغلبية المؤمنين مثلها مثل العبادات الأخرى. يَنْدَرِج فعل مرافقة الميت إلى مثواه الأخير ضمن ذهنية تجارية عصفت بالناس، وأصبحوا يحرصون على جمع أكبر عدد ممكن من الحسنات لضمان الدخول إلى الجنّة. أصبحت جنّة الله هاجس الجميع بعد أن يئسوا من جنة الإنسان. لذلك تجد الناس جميعهم يستثمرون في كل فعل مدرّ للحسنات. فبمجرَّد سماع خبر دفن شخص ما يتركون ما بأيديهم ويسرعون باتجاه الجبانة التي أصبحت تتوسّط المدينة بعد أن كانت في طرفها حينما كانت عين الكرمة قرية صغيرة. الإنسان ضَعيف أمام رهبة الموت، خاصة حينما تكون نتيجة حادث أليم، غير طبيعي، مثل اصطدام السيارات أو جريمة قتل. يرون في هذه الأحداث بصمات القدر القاسية التي تخبط خبط عشواء، فيمكن أن يباغتهم عصفها في أية لحظة. لذلك يتسابقون على الجنائز، فيتحدثون بلا توقف، يحكون حكايات عجيبة غريبة لحوادث وقعت منذ دهر وفي أقاصي الدنيا، كأنما يريدون التطهر من قنط الموت الذي يسكنهم، كأنما بحضورهم الجسدي إلى غاية حافة القبر يستعطفون الموت لعله يستثنيهم إلى حين.

أمّا اليوم، فحيّرني غيابهم. قال المحامي بوعلام سعدون، الذي يلقّبه الزملاء بوكالة بوعلام للأنباء لكثرة الأخبار التي يتداولها يوميًا، إنّ الخباز همس له هذا الصباح بخبر صدور فتوى تحرم حضور جنازة أعوان الأمن المغتالين. من أصدر الفتوى؟ يعلم الجميع أصحابها ولكن لا أحد يتجرأ على الإفصاح عن هويتهم.

في نهاية مراسم الدفن، أخرَج بعض رجال الشرطة مسدساتهم وراحوا يطلقون الرصاص في الهواء الطلق بحركات عصبية. أهو تهديد بالانتقام أم إبعاد لفائف الرعب التي بدأت تحوم حول رقابهم؟ كانت الوجوه مكفهرة يملأها الغضب، تتطاير شرارات الحقد من العيون. انساق الجميع إلى الاستعداد لإطلاق النار. كادت المقبرة تتحوّل إلى ميدان لتعليم الرمي لولا تدخّل أحد الضباط الذي أوقف الكرنفال. بقيت رائحة البارود تزكم الأنوف لمدّة طويلة. يبدو أنّ أعوان الشرطة كانوا غاضبين من تدخل الجيش في متابعة المعتدين وفشله في القبض عليهم. سي أحمد كان أوّل الغاضبين. قال لي مساء أمس، حينما زرته بمحافظة الشرطة أستفسر عن مصير موكلي يوسف عياشي ذلك أن أخبارًا راجت بهروب جميع المساجين إلا واحدًا وُجد جريحًا فنقل إلى المستشفى. فكّرت في الانتقال إلى المستشفى ولكنني أعرف أنّ الجريح، في مثل هذه الحالات، يوضع تحت الحراسة المشدّدة لأنه أصبح الشاهد الوحيد الذي ينير التحقيق بأقواله. فلم يبق لي إلّا صديقي سي أحمد لعله يتفضّل عليّ ببعض الأخبار المفيدة. تأخّرت عمدًا إلى ما بعد المغرب كي أجده متحررًا من التزاماته التي تكون قد تضاعفت في ذلك اليوم. لم ينتظر أسئلتي. كان التعبُ والانهيار باديَين على عينيه الذابلتين وفي نبرة صوته التي يتخللها ارتجاف ظاهر.

«ماذا أقول لك يا خويا عبد القادر؟ هل تستطيع الكلمات وصف البشاعة التي وَقَفتُ عليها هذا الصباح؟ صور كنا نراها في أفلام الرعب. لا تهزنا إلا لحظة ظهورها لأننا نستدرك بالقول إنها مجرد ديكورات مصطنعة، يعود أصحابها إلى القهقهة والثرثرة بمجرد انتهاء التصوير. ولكن هذه المرة، ما رأيته ليس ديكورًا أبدًا. تصوّر... جثث عارية في وضعيات مخزية، مجرّدة من ملابسها الرسمية، ومن أسلحتها، سرقها أولاد الحرام للتمويه بها في الحواجز المزيفة والمداهمات الليلية. أغلبهم مذبوحون ومطعونون بوحشية تدمي القلب. تكاد الرؤوس تنفصل عن الأجساد. الظاهر أنّ الكثير منهم لم يموتوا بالرصاص، فقام المتوحشون بالإجهاز عليهم بالخناجر. لحسن الحظ أنّ رجال المطافئ وصلوا قبل أنْ تلتهب النار كلية في الشاحنة، فأطفأوا الحريق وأنقذوا الجثث من التفحّم. أنا الذي أعتبر نفسي شجاعًا ولا تحركني الفواجع، أعترف أنني صُعقت وصعدت مرارة القرف إلى حلقي، وكادت تفرغ ما بأحشائي. فبَعد أزيد من خمس عشرة سنة في الشرطة، لم تستدرجني الصدفة إلى مشاهدة منظر أبشع مما رأيت. ما هو حجم الحقد الساكن بداخل نفوس هؤلاء كي يجهزوا على المجروحين بتلك الوحشية؟ كان المسلمون الأوائل حسبما نعرف، وقبل صدور قوانين الحرب في العصر الحديث، يحافظون على حقوق الأسرى بحسن المعاملة وتلبية حاجاتهم الأولية. فعلى أيّ قوانين يستند هؤلاء لتبرير تصرفهم؟ وحدهم اللصوص الجبناء يقومون بتصفية الجرحى من الشرطة أو من غيرهم كي لا تكتشف هويتهم. أما هؤلاء، فيقولون إنّهم يطمحون إلى إقامة خلافة إسلامية. فأي خلافة هذه التي تُبنى على أنقاض مثل هذه الجرائم».

اغتنمت لحظة سكوت وسألته عن هوية السجين الجريح. ولكنّه لم يجبني، بل واصل حديثه كما لو أنّه لم يسمع سؤالي.

«في البداية فكّرت في مطاردة المعتدين مباشرة عند وصولنا إلى جسر الصفصافة. ولكن القيام بإجراءات التحري والأوامر الصاعدة النازلة، شلّت كل حركة. بدأت السيارات السوداء تتدفق وبداخلها ضباط المكاتب يلوكون الأوامر المتضاربة. طنّت آذاننا من غطرستهم الفارغة. تداخلت الصلاحيات. تناقضت التقديرات في تقييم قوة العدوّ والمسالك التي يكون قد اتخذها للانسحاب. لم يشاورني أحد. لم يطلب رأيي أحد. جاؤوا بعبارات من نوع: «سنخرجهم من بطن أمهاتهم. سنقضي عليهم مثلما نقضي على البعوض». ابتسَمت وفكّرت ساخرًا: وهل استطعنا القضاء على البعوض الحقيقي الذي ما إنْ تخيّم العتمة حتى يغزو البيوت، ولم تنفع جميع المبيدات المحلية والمستوردة في سحقه. قبل التفكير في سحق البعوض، علينا بالتفكير في تنظيف الأحياء من القاذورات المتراكمة، لنطهّر الأماكن التي تسمح له بالعيش والتكاثر... قال رائد بكرشه المنتفخة مثل كرش امرأة حامل: «أعرف أنهم يختفون في الأحياء الشعبية، أكواخ القصدير النتنة، أحواش المزارع المحيطة بالقرى والمدن... سنفتش غيران الجرذان هذه واحدًا، واحدًا... وإذا اقتضت الضرورة، سنستعين بالبلدوزر لردمها على أصحابها». خُطب جوفاء، يمليها غضب اللحظة. يريدون القضاء على السكان الفقراء، ويلومونهم على تعاطفهم مع الإسلاميين المتمردين، فلماذا لم يسألوا عن سبب هذا التعاطف؟ لو استمعوا قليلًا إلى مطالب هؤلاء وعملوا على تلبيتها، لما وصلنا إلى هذه الحرب التي لا تريد أن تفصح عن هويتها. جيش فرنسا، وما أدراك ما جيش فرنسا، مائتا ألف عسكري ولوجستيك الحلف الأطلسي خلفها، ومع ذلك لم يتمكن من قهر تمرّد هذا الشعب العاصي بطبعه، وكان عدده لا يتجاوز التسعة ملايين فقير معدوم وجاهل. أما اليوم وقد وصل إلى الثلاثين، إذا اتحد في عصيانه، واستثمر فيه كل طاقته، لن يقهره قاهر وإن امتلك جيش هتلر. انتصَف النهار، ولم يتفق الجمع المهذار بعد على قرار المطاردة. ومما زاد الطين بلّة، بداية سقوط الأمطار. أين سيكون قد اخْتَفى المعتدون؟ كم عددهم؟ أسئلة بلا جواب. خلف المنعطف الذي وقع فيه الكمين، يمتد حي «البراريك»، مئات من أكواخ الصفيح على ضفتي الوادي. والمعروف أنّ سكان الحي من مناصري الإسلاميين، بل إنّ أغلب الناشطين البارزين ومنتخبيهم في مجلس البلدية من سكان هذا الحي أيضًا. بعد مجيء بوضياف، تمّ القبض على أغلبيتهم وزُجّ بهم في محتشدات الصحراء. ولكن منذ أسابيع بدأ الإفراج عنهم...

سكتّ لحظة مفكرًا. قلت:

ـــ وصلتنا أخبار بأنّ المفرج عنهم تبخروا في الطبيعة. دخلوا في السرّية، مما يعني أنهم التحقوا بالجماعات المسلحة.

ـــ نعم... في الأسابيع الأولى، كانوا يوقعون على دفاتر المراقبة بانتظام. ثمّ بدأت الغيابات، الواحد وراء الآخر. بعثنا بالرجال للبحث عنهم في مساكنهم. كانت إجابات النساء مقتضبة: غير موجود. وحينما يلحّ الرجال في السؤال، يأتي الجواب على شكل اتهام مبطّن. «جاء عندكم يوقّع محضر الحضور ولم يعد». أو «جاء رجالكم في الليل وأخذوه بالقوة». فتشنا البيوت، وأقمنا الحواجز للمراقبة، قمنا بمداهمات ليلية، بلا فائدة. لم نعثر على الرؤوس فملأنا السجون بالمشبوهين من ذويهم.

ـــ مثل أولئك الذين هُرِّبوا اليوم.

ـــ تمامًا...

ـــ وقعت العملية في الصباح، كان سهلًا عليكم مطاردتهم والقبض عليهم. جيش، شرطة، درك، قوات خاصة... كل هذه الترسانة ولم تنفع...

ـــ للأسف الشديد، كل هذه الترسانة ولم تنفع. ترسانة ثقيلة لا تتحرك إلا بعد ألف أمر. «البابور إذا كثروا فيه الرياس يغرق، أنت مير وأنا مير، شكون يسوق الحمير». هذا هو واقعنا. كثرة الرياس، كثرة الشيفان... الكل يحكم، الكل يصدر الأوامر... في النهاية، لا أحد يتحرك. أمر يناقض أمرًا. أتعرف بأنّ إمدادات الجيش لم تصل إلّا بعد الظهيرة وبداية سقوط الأمطار. صحيح أن عدد الجنود كان كبيرًا. ولكن، من طريقة مشيهم وإمساكهم للبندقية، يدرك أوّل قادم أنّهم من أصحاب الخدمة العسكرية. الطُعْمَة السائغة لمدافع الحرب مثلما يقال. قرابين لجمهورية البطاطا وجنرالات الموز والكيوي. انتشروا بسرعة السلحفاة، الواحد ملتصق بالثاني، الأنظار متجهة إلى الخلف في انتظار غروب الشمس وأمر الانسحاب أكثر مما تستكشف الميدان المغطى بالأجمات والأدغال. توغلت فرقة من الدرك داخل حي أكواخ الصفيح، تسأل السكان إن رأوا شيئًا. طبعًا، كانوا في بيوتهم ولم يروا شيئًا. سمعوا دويّ الرصاص مثلهم مثل غيرهم. أما نحن أهل الدار، فالتزمنا مكاتبنا ننتظر. عسكرَ الجيش في الجسر. أقام حاجزًا لإزعاج المواطنين الذين لا حمار لهم ولا بغل في الصراع الدائر. وأنا أيضًا بدوري أمرت بإقامة حاجز بمدخل المدينة، يزجي رجالنا الوقت بمراقبة صناديق السيارات الخلفية، والتحقّق من هوية السائقين، مع الاقتناع التام بعدم جدواها. نُكثِر من الحواجز في الطرقات الآمنة، لإيهام الناس بقوتنا وننتظر الأوامر التي ستأتي من فوق، مرّة بالهجوم ومرّة بالانسحاب، حسب الأمزجة وموازين القوى».

سكت ثانية. سألت:

ـــ وهوية السجين الجريح؟

ـــ آه، ذكرتني... إنه طبيب متهم بممارسة عملية إجهاض في عيادته أدت إلى وفاة. امرأة أدخلها أهلها إلى قسم الاستعجال بالمستشفى وهي مصابة بنزيف دموي في أسفل البطن وقد توفّيت بعد ساعات قليلة. اكتشف الأطباء أنها تعرّضت إلى إجهاض قسري فأخبروا الشرطة. أوصلتنا التحريات إلى عيادة الطبيب من خلال الوصفة التي وجدت بحوزة الفتاة وطبيعة الأدوية المسجلة بها. فسجن في انتظار محاكمته. لقد وُجد المسكين مرميًّا على بعد خمسين مترًا من الجسر بداخل الأحراش. في البداية، حَسبناه ميتًا. ولكن أحد رجال المطافئ قال إنّ قلبه لا يزال يخفق. تلقى رصاصات في الصدر وقد نُقل إلى المستشفى للعلاج.

ـــ لماذا، في رأيك، عُثر عليه بعيدًا عن الشاحنة؟

ـــ احتمالات كثيرة... يمكن أن يكون قد جرح أثناء الهجوم وأراد الإرهابيون أخذه معهم فسقط واعتقدوه ميتًا فتركوه في مكان سقوطه. لا أتصَوّر أن لا يُسفر الهجوم عن إصابة المساجين. الاحتمال الثاني أن يكون الإرهابيون قد أجبروه على مرافقتهم فرفض وأطلقوا عليه الرصاص كي لا يكون شاهدًا. ينبغي لك أن تعرف أن الإرهابيين لا يوجدون كلهم في الجبال. منهم من يقضي يومه في المدينة وفي الأسواق ويخرج ليلًا في عمليات عسكرية. إنها حرب عصابات، وهي أخطر وأقذر الحروب. لهذا السبب يقضون على جميع الشهود.

ـــ يعني أن حياة هذا الطبيب في خطر دائم.

ـــ إنه تحت الحراسة وسنعيده إلى السجن بمجرد تحسّن حالته الصحية.

ـــ وهل يحميه السجن من الخطر؟ السجن مليء بالإرهابيين. يمكن أن يُقتل بسهولة.

ـــ هذا صحيح... ولكن هذا هو واقع الحال، ولا نملك بديلًا عنه.

أين ذهب يوسف عياشي؟ تساءلت عن سرّ انضمامه إلى الإرهابيين؟ وكيف يكون مصيره؟ هل سيتحوّل إلى إرهابي مطارد في الجبال؟ لا أعرفه كثيرًا ولكنني تصوّرته مسالمًا، يناضل ضد العنف، مهما كانت الجهة التي تستخدمه.

طال الحديث وتشعّب بيني وبين سي أحمد ولكنه لم يخرج عن دائرة هذا الصراع الدموي الذي ترفض الدوائر الرسمية أن تصفه بالحرب، لأنّ الحرب تكون مع عدو أجنبي، مع دولة أخرى، مع شعب آخر. أما والحرب بين أبناء الشعب الواحد، لطالما تغنينا بمتانة وقدسية الوحدة التي تجمعهم، فإنها تسمّى بجميع الأسماء إلا اسمها الحقيقي. ولنا مثل في حرب التحرير التي رفضت فرنسا الرسمية تسميتها بحرب الجزائر إلا بعد مرور خمسين سنة من اندلاعها لأنها كانت تعتبر هذه الأرض وهذا الشعب جزءًا لا يتجزأ من فرنسا. سمَّتها أحداث الجزائر، مثلها مثل أي مظاهرات أو مواجهات بين مدنيين غاضبين وقوات مكافحة الشغب. أما عبارة «الحرب الأهلية» فإنها لفظة ممقوتة، مخيفة، لأنّ الاعتراف بها ينسف الثوابت واليقينيات التي يتشبث بها أي مجتمع وأي نظام حكم. إذا اندلعت حرب بين أبناء العائلة الواحدة، فيتحمّل الأب كامل المسؤولية. إنّ قبول هذه التسمية تعني الاعتراف بالإخفاق الذريع في تسيير شؤون الحكم منذ الاستقلال.

أعرف سي أحمد منذ أنْ نُقل إلى المدينة قبل خمس سنوات. هو أيضًا من خريجي كلية الحقوق ومن عشاق النظام والانضباط. يكرّر دومًا مقولة جان جاك روسو: العدالة دون قوة ضعيفة، والقوة دون عدالة مستبدة. مبدأ آمن به ويعمل على تطبيقه في مهنته. وهو من المعجبين بالعقيد هواري بومدين الذي أكنّ له حقدًا دفينًا لأنّ أخي الميلود قُتل بسببه. ولكن سي أحمد نخرته التجارب المريرة، والتبست عليه المفاهيم. أين معالم العدالة؟ وأين حدود القوة؟ ما الفرق بين القوة بمعناها الإيجابي والعنف بشحنته السلبية؟ هل التمرّد على الظلم عدالة؟ وهل يجوز استخدام القوة (أو العنف) في الحصول على المعلومات التي تساعد في القبض على المجرم؟ وهي معضلة يصادفها يوميًا مع اللصوص والمُجرمين، قبل الإرهابيين وعملائهم، الذين توقفهم الشرطة وتستنطقهم في أقبيتها الرطبة. طرحنا هذه الأسئلة مرارًا، وخضنا في نقاش صاخب بحثًا عن الأجوبة المقنعة. لهذا السبب تجمعني وإياه صداقة وثقة تجعلني لا أتحرّج في إبداء مواقفي وشكوكي بكل حرية، كما يفعل هو أيضًا. يَزورني في البيت ليلًا لنَحتسي بعض قناني البيرة ونتحدث عن هموم هذا البلد الذي ما إن يخرج من حرب دامت قرنًا ونيف حتى يدخل في حرب أخرى أوجع وأمرّ.

كانت عملية دفْن المرحوم نبيل صعبة بسبب قوة تساقط الأمطار. تبلل التراب والتصق بالمعاول والفؤوس وأصبح استعمالها صعبًا للغاية. ولكن عناد الملتحين فاق كل تصوّر. أرجلهم مغروسة في الوحل إلى الساق، بعضهم حافي القدمين، يدفقون التراب المبلل داخل الحفرة، دون كلل ودون شكوى. لا يرخي أحدهم أصابعه من حول قضيب الفأس إلا تحت الإلحاح القوي. التصقت بجذع شجرة خروب وتابعت المنظر بإعجاب. تخيّلت نفسي وسط ذلك الوحل ببذلتي وحذائي الذي تلطّخ كلية. استبشعت المنظر المتخيل، فمسحته من ذهني كما كنت أفعل مع السبورة أيام الأستاذية. أخيرًا، وبعد أن وضعوا الشاهدَين فوق القبر، تحلقوا حوله وقَرأوا الفاتحة وترحموا على روحه قليلًا، قبل أن ينصرفوا خلسة مثلما جاؤوا. لم يقتربوا من والد المتوفى مثلما فعل أغلبية المشيعين الذين تجمهروا حوله برغم تهاطل المطر لتقديم التعازي.

حركات عناق سريعة، عبارات المواساة المنطوقة بصوت خفيض، وينسحب الرجال بخفّة، رؤوسهم داخل أكتافهم في محاولة يائسة للاحتماء من المطر. في لحظة ما، انتبهت إلى حضور محافظ الشرطة وهو يتقدّم بخطى حذرة وسط الطريق الترابي. خفق قلبي لا إراديًا. هل جاء للتعزية أم لغرض آخر؟ رغم هول ما وقع بالأمس، لم تغب عن بالي كيفية قتل نبيل. فالجثة لم تسلّم لنا إلا بعد التشريح الطبي ورفع التقرير إلى الشرطة. اقترب سي أحمد من رشيد وقبله متمتمًا بعبارات التعزية، ثمّ انعزل جانبًا وانتظر. أكيد أنّه يريد أن يكلّمه في أمر خاص.

ـــ هل من جديد في قضية المرحوم؟

نظر إليّ محرّكًا رأسه في حيرة ظاهرة قبل أن يجيب:

ـــ سي عبد القادر... أنا بحاجة إلى الحديث مع سي رشيد. أعرف أنّ الوضع غير مناسب ولكن مستجدات التحقيق تجبرني على ذلك.

ـــ يبدو أنّ الأمر في غاية الاستعجال... ولكن رشيد في وضعية نفسية جدّ حرجة. إنه لم يتلفظ بكلمة طوال اليوم.

ـــ أعرف... أعرف... لذلك أعتمد عليك لترافقه إلى مكتبي في أقرب وقت ممكن، قبل أن نضطر إلى استعمال وسائلنا الخاصة.

لم ينتظر الجواب. أدار لي ظهره بخفّة والتحق بسيارة الشرطة المتوقفة عند مدخل الطريق الترابي.