الرقـص مـع البـــــــــــــوم
غــادة السمـان
إعداد الكتاب الالكتروني:
صادق فؤاد
الطبعة الأولى : شباط 2003
الناشر : منشورات غادة السمان
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنشورات غادة السمان
بيروت لبنان
لماذا يتشاءم البوم منا؟
في عطلة كل أسبوع اهرب من باريس و بعض الأصدقاء اللبنانيين إلى بيت ريفي جميل المزرعة تملكه أسرة عربية صديقة
و ما نكاد نصل إلى ذلك المكان الخلاب حتى تغادره عشرات البوم إلى الغابة المجاورة و لا تعود إلا بعد ذهابنا إلى إعمالنا و بيوتنا فجر الاثنين !
ظاهرة غريبة لاحظتها الأسرة العربية و لم تجد لها تفسيرا فهي كمعظم جيرانها من المزارعين الأوربيين تحرص على إقامة البوم عندها في أقفاص خاصة مفتوحة لفوائده في مكافحة الأفاعي و الجرذان و الحشرات الضارة بالنبات و الإنسان
قلت لأصدقائي اللبنانيين لعل البوم صار يتشاءم منا و لا يطيق رؤية وجوهنا المشئومة نحن اللذين احرقنا بلدنا و دمرناه و خلفناه خرابا أين منه الخراب المنسوب إلى البوم زورا و ظلما ؟
لا أذيع سرا إذا قلت أنني لا اكره البوم لا اتشائم منه و لا اتفائل به و اجده طائرا جذابا بعينيه الواسعتين اللامتزلفتين و احبه كما احب بقية مخلوقات الله
و صحيح ان بعض الناس تعارف على بغضه لأسباب غبية غامضة لكن ذلك زادني حبا له و شفقة عليه من كرهنا و تحاملنا الغيبي السلفي المتوارث المتجسد في مظاهر كثيرة ابسطها البوم
و يوم تزوجت حملت معي الى بيت زوجي اربعين بومة على الأقل كنت قد اشتريتها أيام الدراسة و التشرد في أوربا لوحات و تماثيل صغيرة و متوسطة من العاج و الرخام و الخشب و السيراميك و حرصا على مشاعر أسرة زوجي سجنتها في غرفة نومي بعدما استشرت زوجي بخصوص عواطفه نحوها و قبوله بها و صمت فاعتبرت الصمت علامة الرضا !
و استراحت بوماتي من التشرد بعد زواجي و عشنا في سلام زوجي و انا و البوم و رغم إخفائي لها في غرفة نومي كالعشاق في السينما شاع و ذاع و ملأ اسماع العائلة خبر وجودها و لم يفاتحني احد بامرها بعدما انجبت صبيا بالرغم من وجود ( النحس ) في مخدع الزوجية !
و في الحرب زارنا صاروخ احرق الجناح الأيمن من البيت و اتى عليه و جاء اعمام زوجي يتفقدوننا و قال لي احدهم بلهجة نصف مازحة : بومك احرق القصر ! و كم كانت دهشتهم كبيرة حين فوجئوا بان النار توقفت عند حدود غرفتي المسكونة بالبوم رغم الستائر السريعة الالتهاب ( و الخيمة و الديكور ) التي نصبتها في السقف العالي للغرفة لانني لم اكن قد الفت الاستقرار في البيوت بعد فوجدت في الخيمة ما يشبه الحل الوسط …
و مما زاد في دهشتهم ان دخان الحريق الذي لمس باصابعه الرمادية كل مافي البيت من سجاد و تحف لم يترك حتى بصماته على بياض الستائر و الخيمة و بعض البوم
لقد احترقت مكتبتي و غرفة المطبخ و جناح العاملات المنزليات و تحجر الدخان و النار عند عتبتي
و قلت للعم الحبيب : لو كنت اتفائل بالبوم لقلت لك انها هي التي حمت بقية البيت من الحريق !!!!
اعلنوا الحرب فأعلنت الحب و قلت لناشري السابق : أريد ان اضع على غلاف كتابي ( أعلنت عليك الحب ) صورة بومة قال " ستنحسين " الكتاب و القراء و الحب
قلت له : الحب لا ينقصه النحس اما القراء فلا تتدخل بيني و بينهم
و هكذا كان و طارت الطبعة الاولى في اشهر مثل بومة ليلية و طارت الطبعة الثانية رغم غلاف البوم الذي تابعت اصراري عليه و طرت انا من ناشري و اسست دارا للنشر و جعلت شعارها البوم فتكاثرت كتبي و طبعاتها و تناسلت و كانت سبعة كتب فصارت عشرين كتابا باستثناء – ليلة المليار – و اربع مخطوطات في خزانة بنك تنتظر دورها للنشر و عشرة كتب داخل راسي و ( نوطاتي ) ولو كنت اتفائل بالبوم لقلت ان وجهها خير لكنني لن اسقط في فخ التفاؤل و التشاؤم بل التحدي للافكار البالية المتوارثة
و بعدما حملت منشوراتي البومة كشعار انهال البوم علي من كل حدب و صوب كل صديق يرحل الى اوروبا و يرى بومة يتذكرني و يهديني اياها كل صديقة تطالعها لوحة بومة لا تبخل بها علي و لحسن الحظ ان احدا لم يفكر بان يحمل الي بومة حية و الا لكان على ان اعيل جيشا من البوم (باستثناء صديق اتى بها من البقاع حية و توسلت اليه ان يعيدها الى اهلها و يجنبها شؤم الغربة !) و صديق اخر اهداني ثلاث بومات محنطات بصورة متقنة حتى ليخيل الي انهن يطرن بعد ان انام ليتابعن حياتهن السرية الليلية مع كائنات اشعة القمر …
و صرت اقطن بيتا مع حوالي 275 بومة اخرها من الكريستال الشفاف حملتها من روما ابنة عم زوجي كرمز لعدم اضطهاد ( الاسرة ) لمزاجي لكنني واجهت مشكلة جديدة : الاطفال يرثون على الكبار مخاوفهم و نزعاتهم التشاؤمية و رفاق ابني يخافون من البوم و يحدقون فيه بعيونهم الطفلة بذعر
و اعلنت حالة الطوارىء و تم ( تهجير ) البوم كله الى غرفة المكتبة بعد منع التجول فيها…مع الصغار لا نقاش و انما اوامر تنفذ ( هم بالطبع يصدرون الاوامر )
و في مرحلة الحصار الاسرائيلي لبيروت و القصف البحري دمرت المنطقة المحيطة ببيتي تقريبا لانها تشرف على البحر و اصابت الصواريخ كل مبنى محيط بي باستثناء بيتي و تحطم الزجاج في غرفي كلها باستثناء غرفة المكتبة التي يقطنها بومي المهجر المشرد
و رغم ذلك لم اسقط هذه المرة ايضا في فخ التفاؤل بالبوم الذي يرادف التشاؤم به و انما حمدت الله الذي حماني من ألسنة بعض الاصحاب فيما لو اصابت البيت قذيفة ..هل كان ثمة ( متهم ) غير البوم ؟
هل كان احد سينحي باللائمة على سواه كاسرائيل مثلا ؟
صحيح ان احدا لم يرى بومة تقف على حاجز و تمتشق السلاح و تختطف الابرياء و تذبحهم على الهوية لكن الناس ما زالوا يتشاءمون بالبوم بدلا من التشاؤم ببعض زعمائهم الذين قادوهم الى الخراب
صحيح ان احدا لم يرى بومة تحمل بندقية "ام16 " و تقنص الناس من على السطوح و لا بومة تدلي ببيان و تدلي بعكسه و تنهي عن خلقه و تاتي مثله و لكن الاكثرية ما تزال تتشاءم من البوم بدلا من التشاؤم من الطائفية و حب السيطرة و شهية الافتراس و العنف و التدمير العبثي
و اذا كان البوم رمزا للخراب فقد سرقنا اللقب منه بجدارة فخرية …
هذه السطور اخطها لكم في البيت الريفي اياه الليلة ايضا ما كدت اصل الى المزرعة و اصحابي اللبنانيين الاحباء حتى غادرها البوم هاربا لا يلوي على شيء
ترى هل انقلبت الآية و صار حتى البوم يتشاءم منا ؟ و هل نلومه ؟…
انفلور 24/11/1984