(1)

11 0 00

(1)

ترك أبو حسن عمله في دمشق، وتهيأ ليعود إلى بلده حماة، فقد طالت غربته عنها، وشده الشوق إلى مرابع الطفولة والشباب، إلى نواعيرهاالتي تعزف لحناً تراثياً ألفه الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد، حتى صار جزءاً من ذاكرة المواطن الحموي، وشده الشوق إلى علمائها يجاهدون في مساجدها لتربية الشعب الحموي على الإسلام، ولم تستطع بضع عشرة سنة في دمشق أن تنسيه آذان الفجر المميز في حماة، حيث يبدأ الحاضر بالتشويق ثم الآذان، وما أن ينتهي مؤذنو الحاضر حتى يبدأ مؤذنو السوق بالتشويق والآذان، وهكذا يدوم الآذان في حماة قرابة نصف ساعة كل يوم تكفي لإيقاظ المراهقين من نومهم، وكان آخرها نداء مميز من مسجد السلطان للمؤذن الشيخ مصطفى الرهوان ..... .

وصارأبو حسن يعد العدة للرحيل، فها هو يذهب إلى إعدادية الشيخ صالح فرفور الشرعية للبنات، ينقل أوراق ابنتيه الكبيرتين عائشة وسميرة إلى المدرسة الشرعية للبنات بحماة المقرر افتتاحها هذا العام المقبل ( 79- 1980 ) في حماة، جوار مسجد الشيخ محمد الحامد رحمه الله .

أما منى وفاطمة فما زالتا في المدارس الابتدائية، وكذلك حسن، وعندما تصل روعة إلى سن المدرسة ستدخل في حماة، أما جنينهم المنتظر فستكون حماة مسقط رأســـه .

ودع أبو حسن ستة عشر عاماً في دمشق، استطاع فيها أن يربي بناته على التقوى ومخافة الله، وكانت صلة الأسرة مسـتمرة بشـيوخ العلم، من الدعاة والداعيات، فكانت الأسـرة أسـرة مسلمة تربت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، درس مع أولاده وزوجته المتمسكة بدينها فقه الجهاد، حتى صار الأطفال يتمنون لقب شهيد كأغلى ما يتمناه المرء في الدنيا .

كان يعيش بين عمله كخياط لإحدى الشركات الصغيرة، يعمل لها في بيته، لذلك كان إشرافه على تربية أولاده رائعاً، مع أن زوجته كانت مثال الأم المسلمة بل المجاهدة، التي يهمها تربية أولادها وبناتها على الإسلام، وكان يتردد على مسجد زيد بن ثابت الأنصاري في دمشق، حيث الشــيخ عبدالكريـم الرفـاعــي رحمه الله، يتلقى الفقه والتـزكيــة فيه ويصقل روحه وعقله بكتاب الله وســنة رســوله صلى الله عليه وسلم .

كما كانت أم حسن وبناته عائشة وسميرة، يتسابقن إلى دروس النساء المسلمات عند الحاجة منـى، تستنير قلوبهن بنور التقوى، ويستقيم سلوكهن بنور الإسلام .

* * *

- السلام عليكم ورحمة الله، جئت أودعكن، يا آنساتي، لأننا سنرحل إلى حماة، قالت عائشة .

- كيف تتركينا يا عائشة، أجابت إحدى المدرسات .

- سنعود إلى حماة، إلى بلدنا فقد اشتاق والديَّ إلى مرابع الصبا والشباب، وأتيت لأسحب أوراقي إلى ثانوية البنات الشرعية بحماة .

- كم يحزننا فراقك، يا ابنتي، أدعو الله أن يحفظك، قالت المديرة .

وخرجت عائشة بعد أن دمعت عيناها حزناً على فراق مدرساتها اللاتي أحببنها لما وجدنه فيها من ذكاء وإخلاص للعلم، ناهيك عن قوة الشخصية وجمال الخلقة وحسن السيرة .

- هذه الطالبة، لا تموت إلا شهيدة، والعلم عند الله، قالت مدرسة الحديث .

- كيف ؟

- لقد حفظت عن طواعية كل باب الجهاد في الحديث، ما أن تسمع الحديث مرة واحدة إلا وتحفظه، خاصة أحاديث الجهاد .

- وكذلك في فقه الجهاد، تعرف أكثر من كثير من الفقهاء الذين حصروا اهتمامهم في فقه الطهارة فقط وما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس، كي لايغيظوا السلطان .

- الحقيقة، هذه حورية، أما ترون جمالها، إنها حورية تمشي على الأرض .

في الطريق، بعد أن ضمت إحدى سيارات النقل الصغيرة كل ما يملك أبو حسن من حطام الدنيا كان أبو حسن يستعرض السنوات الماضية القليلة وكأنه يبحث عن تعليل لما يجري في حماة منذ ثلاث سنين ونيف .

* * *

في عام( 1964 )عرف الشيخ مروان حديد رحمه الله أن عصابة متسترة بحزب البعث سـتصل إلى الحكم، وأنهم سـوف يصبون حقدهم على المسـلمين وعلى الإسلام، حقدهم الذي لا يقل عن قتل حجاج بيت الله الحرام وهم يطوفون بالكعبة يوم عيد الأضحى، عندما قلع القرامطة الحجر الأسود من مكانه وأخذوه معهم إلى موطنهم في الإحساء.

لما عرف ذلك مروان، أراد أن يجاهدهم بالبيان، فاعتصم بمسجد السلطان، ليحث من مناراته الحمويين على الإضراب، حتى إذا امتد الإضراب إلى بقية المدن السورية، ودام زمناً كافياً تسقط حكومة العسكر التي تسلمت الحكم بانقلاب عسكري يوم (8/3/1963م)، وتعود سوريا إلى الديموقراطية التي عاشت فيها في الخمسينات، وفي عهد الانفصال، ولما هدموا المسجد فوق رأسه ورؤوس التلاميذ الذين كانوا معه ؛ غيروا منهج مروان في العمل الدعوي، غيروه من الجهاد بالبيان إلى الجهاد بالبنان، من جهاد البيان والعمل السياسي، إلى جهاد البنان والعمل العسكري، لقد دفعوه إلى السلاح بقوة، ليحققوا مارسمته دوائر الصهيونية والماسونية العالمية، عند ما تقتل الشباب المسلم والعلماء والدعاة لأنهم حملوا السلاح ضد الدولة،و تأكد له أن هذه العصابة لا ينفع معهم إلا السلاح، لذلك بدأ بتدريب إخوانه الصغار على السلاح وعلى التضحية بالروح في سبيل العقيدة وحماية المسلمين من شر هذه العصابة .

وعندما عرفت الدولة ذلك عام 1973 واعتقلت أربعة آلاف من المربين المسلمين، بعد أحداث الدستور، حيث ألغى حافظ الأسد دستور(1951) ووضع دستوراً يحقق أطماعه في الحكم الفردي،والاستئثار بالسلطة وحده، وطلب من الشعب أن يؤيد هذا الدستور، فتكلم العلماء في المساجد وبينوا الأخطار في الدستور الجديد، وأعلنوا رفضهم لهذا الدستور، وخرجت مظاهرات في حماة وغيرها تعلن هذا الرفض، فكشر الأسد عن أنيابه، واعتقل بضعة آلاف من المواطنين، معظمهم من الإخوان المسلمين، لأنهم أعلنوا رفضهم لهذا الدستور، وبينوا الانحرافات الخطيرة فيه .

وطاردت الشيخ مروان لقتله وليس اعتقاله فقط، لذلك اختفى مروان عن الأنظار وأسرع في إعداد إخوانه للجهاد المسلح، واستمر في ذلك يعمل ليل نهار، حتى تمكنت الدولة من كشف نواياه وعرفت أنه يوجد تنظيم مسلح في أوائل 1975، ولذلك بدأت الدولة بالتصفية الجسدية لبعض المعتقلين وبدأت تطارد بعض الشباب الصغار الذين لا سابقة لهم في الدعوة .

* * *

وفي (1975م) اعتقل شابان في بساتين حماة، أحدهما عصفور والآخر الزلف، وراح الرائد محمد غـرة مدير الأمن القومي في حماة يعذبهم حتى ماتوا تحت سياط التعذيب، وفي حركة مازلت أبحث عن تفسيرها سلمت جثثهم لذويهم ؛ وآثار الكدمات واضحة في صدورهم ورؤوسهم، وشاع الخبر وانتشر بين الحمويين، وسمع رفاقهم فقرروا أن لايسلموا أنفسهم لو طلبتهم وحدات الأمن ..

هؤلاء الشباب الذين عرفوا أن إلقاء القبض عليهم يعني قتلهم مجاناً لحساب السلطة الحاقدة، فروا وتواروا عن الأنظار، وقرروا أن لايسلموا أنفسهم إذا جاءت سيارات الأمن تطلب أحدهم، بل قرروا الاشتباك معها بالسلاح ليموتوا في الهواء الطلق، بدلاً من الموت في أقبية التعذيب، وبدأ الجهاد المسلح في 16/2/1976 حيث كانت الرصاصة الأولى في رأس الرائد محمد غرة مدير الأمن القومي بحماة .

واستمرت عمليات قنص عملاء وأزلام السلطة بإيقاع منتظم وتخطيط عال طيلة السنوات الثلاث التالية، تخطيط تندهش له العقول وتنفيذ يتم بأعصاب هادئة وعزيمة ثابتة، وكانت السلطة تقول هؤلاء عملاء النظام العراقي، حتى مجزرة مدرسة المدفعية بحلب التي كانت تنفيس حقد دفين لمدة طويلة عند بعض العسكريين المسلمين، وتخطيط عاطفي ارتجالي لبعض القادة الطليعيين، حيث تغير رد السلطة بعدها، كما تغيرت المعادلة.

* * *

اعتقل الشيخ مروان في المزرعة بدمشق في صيف 1975 بعد معركة دامت نهاراً كاملاً، استخدمت السلطة طائرات الهيلوكبتر في آخر النهار ونزلت على سطح العمارة، في الوقت الذي نفذت فيه ذخيرة الشيخ فاعتقل مثخناً بالجراح، ليعذب سنة كاملة في السجن، هبط فيها وزنه من (120) كلغ لأنه كان طويلاً جداً يرحمه الله، هبط وزنه إلى (50) كلغ فقط، ثم يقتل أثناء التعذيب فينال أحلى أمانيه رحمه الله، خاصة وقد سمع وعرف عن عدة عمليات نفذها إخوانه رجال الطليعة المقاتلة .

وآلت قيادة المجاهدين إلى الدكتور عبدالستار الزعيم، الذي قاد الأخوة بإيقاع مرتب ثابت حتى استشهاده صيف 1979 رحمه الله، على الطريق العام بين حمص ودمشق .

* * *

وصلت السيارة مدينة أبي الفداء، وانعطفت من إحدى الشوارع المتصلة بشارع العلمين إلى عمارة مكونة من ثلاث شقق، كل واحدة في طابق، وسكن أبو حسن مع والده وأخيه في هذه العمارة.

عرف أبو حسن أن السلطة ستقتل كل من يتمسك ويلتزم بدينه، ويقول لها هذا خطأ لايجوز، وسمع بحكاية الأخوين عصفور و زلف، اللذين استشهدا تحت سياط التعذيب بعد أن قبض عليهما بسلاحما في بساتين حماة، وعرف أن زملاءهم قرروا أن لايسلموا أنفسهم إذا طلبتهم وحدات الأمن، بل يشتبكون معها ليموتوا في الهواء الطلق، في ميدان المعركة، في الشارع، خير من الموت في أقبية المخابرات تحت سياط الجلادين ...

وعرف أبو حسن أن أمامه حلين لاثالث لهما، إما أن يعد نفسه للجهاد والدفاع عن الدين والنفس والعرض، أو الرحيل والهجرة من البلد، ولما كانت حماة عزيزة على نفسه، وقد ترك العيش في دمشق من أجل العيش فيها، وساد لدى الشباب المسلم أن الخروج من البلد في هذه الآونة تولي يوم الزحف، وقد توعد الله من يتولى يوم الزحف، لذلك اختارأبو حسن الخيار الأول، وفي صباح اليوم التالي اتصل بإخوانه، وبدأ التدرب على الرمي والأسلحة حتى أجادها فعاد إلى بيته، ودرب أم حسن وبناته عائشة وسميرة، وقد زادت فرحتهن وسرورهن بالتدرب على الكلاشن والرمانات اليدوية الدفاعيـة والهجوميـة، وما هي إلا أسـابيع حتى ولدت أم حـسن جنينها فسمياه ( رامي ) حيث كانت عقولهما معلقة بالرمي وإتقان إصابة الهدف .

كما دعوا الله أن يكون له من اسمه نصيب فيكون رامياً ماهراً، يرمي أعداء الله ويزيح الطواغيت من درب الدعوة الإسلامية .

* * *

في عام (1980م) كان تصدي الشباب المسلم في سوريا للسلطة التي قررت القضاء عليهم وأعلنت مراراً أنه لاينفع معهم إلا الاستئصال، كان التصدي للطغاة في أوجه، فقد برعوا في الدفاع عن أنفسهم، وقرروا أن يقتلوا عملاء السلطة الذين يقودون المخابرات إلى بيوتهم، وباعـوا نفوسـهم ودينـهم بثمن بخس، وكان الإخوة ينفذون عمليات ناجحة جداً، بحيث يقنصون الشخص المطلوب الذي يلقى مصرعه رضاً وقبولاً لدى كافة الشعب .

وكان الشعب بجميع فئاته راضياً عن عملهم ومؤيداً لهم، ويفتح أبواب بيوته وأسواقه لهم، كي يختبئوا بعد تنفيذ عملياتهم ضد جواسيس السلطة وعملائها . وكان الأخ الطليعي يطلق رصاصة واحدة في قلب المخبر أو الجاسوس، بعد أن يتأكد من شخصيته بأن يناديه باسمه الشخصي فيلتفت المخبر لاشعورياً، عندئذ تنطلق رصاصة واحدة، غالباً من مسدس كاتم الصوت، في قلب الجاسوس، فيسقط

أرضاً بينما يمشي الأخ المجاهد بضع خطوات حتى يدخل أول زقاق فيدخله، وقد يلقي مسدسه في أحد الدكاكين في طريقه، وبعد دقائق قليلة تصل الوحدات الخاصة الموجودة في كل مكان من حماة، ولكنها لاترى أي شخص معه مسدس، أو يجري أو مضطرب، فيضيع الجاني ويصعب العثور عليه، وكانت معظم عملياتهم عام (1980) تتم في ساعة الذروة عند خروج الطلاب إلى مدارسهم والموظفين إلى مكاتبهم، بعد عملية رصد دقيقة وكافية .

ثم بدأ الأخوة يوجهون إنذارات لبعض العملاء والبعثيين السنيين يطلبون منهم التوبة وإعلان انسحابهم من الحزب أمام المصلين في مسجد السلطان أو مسجد الشيخ علوان بعد صلاة الجمعة .

كما بعث المجاهـدون أمـراً إلى مديـري المدارس يطلبون فيه عدم ترديد شعار الحزب، وإقامة صلاتي الظهر والعصر في المدرسة على أن يؤم المدير الطلاب، وأن تخصص في كل مدرسة قاعة خاصة مفروشة للصلاة .

ونفذ المدراء كل هذه التعليمات تنفيذاً فورياً، وكانت أي أوامر تكتب في ورقة ما يوقع تحتها باسم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين تنفذ من الجهة الموجهة إليها فوراً .

ورفع علم أخضر كتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فوق ثانوية عثمان الحوراني في الحاضرثلاثة أيام دون أن يجرؤ أحد على إنزاله .

وفي 8/3/1980 خطب حافظ الأسد خطاباً تبين فيه أنه في غاية الانهيار، أعلن فيه أنه مسلم وأدى الشهادة علناً أمام المشاهدين، وكان يتمنى لو يعرف ماذا يريد الإخوان المسلمون ؟ كما اعترف أن من الإخوان المسلمين رجال عقلاء يريدون الدعوة إلى الله عزوجل، وصرح أنه معهم ويؤيدهم، قال حافظ الاسد يومها : ( أريد أن أوضح أمراً يتعلق بحزب الإخوان المسلمين في سوريا، الإخوان المسلمون في سوريا ليسوا جميعاً مع القتلة، بل كثير منهم، القسم الأكبر منهم ضد القتلـة ويـدين القتل، وهذا القسم يرى أنه يجب أن يعمل من أجل الدين ورفع شأن الدين لا من أجل أي هـدف آخر . هؤلاء أيها الشباب لا خلاف لنا معهم إطلاقاً، بل نحن نشجعهم، نحن نشجع كل امرئ يعمل من أجل الدين ومن أجل تعزيز القيم الدينية ولهؤلاء الحق بل وعليهم واجب أن يقترحوا علينا وأن يطالبونا بكل ما من شأنه خدمة الدين ورفع شأن الدين ونحن لن نقصر بل لن نسمح لأحد أن يسبقنا في هذا المجال ).

ثم بعث الأخ أمين يكن يرحمه الله إلى الأردن ؛ ليفاوض الإخوان،وجاءته طلباتهم وهي الإفراج عن جميع السجناء السياسيين، وإلغاء المرسوم (49)، وإلغاء قانون الطوارئ، والسماح للمهاجرين بالعودة من غير البوابة الأمنية، والسماح بتشكيل أحزاب سياسية، وانتخابات ديموقراطية نزيهة ومراقبة عربياً ودولياً،ومثل ذلك ...

وقد لبى حافظ الأسـد بعضها مثل الإفراج عن بعض المعتقلين، وقد بدأ نفسه بتنفيذ البند الأول من بنود التفاوض، وكان يطمع في المصالحة والمهادنة، بعد أن أخافه رصاص المجاهدين وأقض مضجع العصابة كلها .

حتى ذلك الحين كانت المعركة بين المجاهدين وقوات الأمن كالمخابرات العسكرية والأمن القومي والأمن السياسي، وقد بان فشلها تماماً وسيطر المجاهدون على حماة وحلب تقريباً في أذار 1980 .

في أواخر أذار (1980) قررت السلطة قمع المجاهدين بقوة الجيش النظامي فأمرت اللواء(47 دبابات) المعسكر منذ عدة سنوات على مشارف حماة لهذا الغرض، وأمرته بتطويق مدينة حماة وعزلها عن القطر والعالم عزلاً كاملاً .

أحاطت الدبابات مدينة حماة، وقطعت الدخول أو الخروج إليها ثم وزعت المدينة على وحدات اللواء وأعطيت الشريعة لوحدة من الوحدات الخاصة يقودها الرائد خالد الأحمد وهو ابن قرية تل قرطل على مشارف حماة، وهو أحد ذراري السنيين الذين خدموا عصابة النظام الأسدي أكثر من غيره .

ساد منع التجول في المدينة، وتعطلت كل حركات الحياة فيها، وكان الجنود يدخلون البيت فيتفقدون بطاقات السكان فيه، ثم يتحرون المنزل بحثاً عن السلاح، وقد يخرج الرجال كلهم إلى أرض الدار ليأخذوا علقة بالخيزرانات أمام أطفالهم ونسائهم .

أما الرائد خالد الأحمد فقد قال لمرؤوسيه :

هذا حي الشريعة، هو حي الإقطاعيين، الذين كانوا يأكلون لحمنا ودمنا في الريف، لا ترحموا أحداً فيه، حتى أساتذتي الذين درسوني في ثانوية ابن رشد وأكثرهم في هذا الحي إن وجدتموهم لا ترحمونهم .

- افتح الباب يا ......

- أهلاً وسهلاً، خير إن شاء الله .

- أنت رجعي كبير، ما عملك ؟

- مدرس تربية إسلامية في ابن رشد، وخطيب مسجد السلطان .

- ( يضحك ساخراً ) أنت واحد من الذين وصانا بهم معلمنا، هيا انبطح يا ....

ونزلت الخيزرانات على قدمي الشيخ ...... وهو الرجل الرزين الهادئ الوقور الذي ما بخل على الناس يعلمهم ويبـين لهم متلطفـاً معهم حتى مع أمثال هؤلاء ما كان قاسياً، وهو الذي تتلمذ على الشيخ محمد الحامد رحمه الله، وقد رزقه الله صبراً وسعة صدر يغبط عليهما، ومع ذلك أسالوا الدم من قدميه وكسروا الخيزرانة عليهما حتى تركوه يزحف أمام أطفاله ونسائه .

* * *

في العمارة التي سكنها أبو حسن، كانت إحدى قواعد المجاهدين في حماة، وكان أبو حسن أحد عناصرها، وقد قامت الدولة بالتمشيط بحثاً عن هذه القواعد التي يسرع إليها المجاهدون بعد تنفيذ العملية ويختفون فيها .

ومنذ اليوم الثاني للتمشيط بدأت حرارة رامي مولودهم الذكر الثاني بعد أربع بنات، بدأت حرارته ترتفع، لكن أنى الخروج من القاعدة في وقت يمنع فيه التجول، والجيش على الأبواب يصلون أي باب يفتح وابلاً من الرصاص والقذائف .

- رأسه مثل النار، وتضمه إلى صدرها بينما تذرف الدمع أم حسن .

- اصبري يا أم حسن، ولتكن ثقتك بالله أكثر من الدواء .

- لكن ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم ك تداووا عباد الله، فما من داء إلا وله دواء .

- نعم، ادع الله أن يسمح بالتجول غداً، ونأخذه إلى الطبيب .

- لو نحصل له على أي مخفض للحرارة .

- ما كنا نحسب هذا الحساب، ضعي له كمادات من الماء البارد، وتوكلي على الله .

- ( وهي تجهش بالبكاء ) أبو حسن، رامي يموت ...

- لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، سلمت أمري لله، يا رب أفوض أمري إليك .

وتمر ثمان أيام على هذا المنوال، يموت رامي كل ليلة، ثم يعود إلى الحياة في النهار مع الكمادات الباردة التي تقلل حرارة دماغه الملتهبة، وفي اليوم الثامن بعد أن جلى اللواء – 47 – والوحدات الخاصة عن حماة، وسمح بالتجول لمدة ساعتين كل يوم أسرع أبو حسن بابنه رامي إلى الطبيب .

- لا حول ولا وقوة إلا بالله، ما كان عندك أي خافض للحرارة .

- حاولنا تخفيضها بكمادات الماء البارد .

- كم يوماً بقي على هذه الحالة ؟

- منذ اليوم الثاني للتمشيط .

- يعني سبعة أيام هكذا .

- نعم، كل ليلة نقول مات .

- مسكينة أمه، كم تعذبت عليه، وقد وصل الالتهاب فيه إلى السحايا،وأنكهتها، لكن الله قادر على كل شيء .

عاد أبو حسن يحمل رامي وقد تفتت قلبه حزناً، ثم وضعه بين يدي أخته عائشة التي راحت تضمه وتقول : أنت من ضحايا السفاح أسد، والله لأنتقمن لك يا أخي ثم غلبتها الدموع والعبرات .

أما رامي فقد تعطل جزء من دماغه فصار نموه بطيئاً جداً، وصل عمره ثلاث سنوات وكأنه ابن عدة شهور .