(1)

9 0 00

(1)

هبطت العتمة دفعة واحدة ، نسمة باردة تلامس وجهه .. شعور غريب يلف كيانه .. النعاس يسري خدراً لذيذاً في أوصاله.. تجتاحه رغبة عنيفة في نوم عميق ، والظلمة وحش كاسر يحمل في جوفه ما يحمله من قلق وترقب ، سكون غريب يلف المنطقة .. أصوات تقافز العِرَس هنا وهناك تمزق سكون الليل ، لكن زلزالاً فقط هو الذي يستطيع أن يهز النعاس القابع بين الجفنين .

ألقى النعاس مراسيه في بحر عيون عسلية يسكنها قلق دائم.. تيار الليل يندفع وئيداً وئيدا ، والنوم بحار لجية .. خطوات أثقلها حقد أعمى تجوس الشوارع، تبحث عن صيد سهل تزرع ظلماً آثماً أو تقلع أمنا وطمأنينة ..

دبيب قلق في أيد مرتعشة يلامس جسده ، يتململ ، يفتح عينيه يتساءل ، تهمس زوجته:

اسمع صوتا بالباب .

كان صوتها جسدا تهزه برودة شديدة حاولت أن تتمالك نفسها وتتظاهر بالطمأنينة .. استطردت :

لا بد أنهم أصحاب جاءوا للسهر .

تناثرت علامات استفهام تتضخم أمام عينيه .

كم الساعة الآن ؟

الثانية عشرة ليلا.

تبعثرت علامات الاستفهام إشارات ضوئية تستل النعاس من بين جفنيه، تلقي بالمرساة بعيدا لينطلق قارب نعاسه في عرض بحر لجى.

أحس وكأنه استيقظ فجأة دفعة واحدة ، همس بصوت مسموع :

من هو الذي يفكر في زيارتنا عند منتصف الليل ، لا بد أنهم جيش كوني على حذر دعيني أتصرف بهدوء.

حاولت أن تبدو رابطة الجأش ، وعلى الرغم من ارتجاف صوتها فقد أردت أن تبذر بذور الطمأنينة في نفسه:

سمعت أحدهم يقول : اقذف حجراً على الباب لتوقظهم :

أنبتت بذور الطمأنينة التي زرعتها زوجته علامات استفهام لم تنضج بعد، تطايرت آخر قطرة نعاس من عينيه ، هب واقفا ، صفع أذنيه جرس الباب.. هتف بصوت تعمد أن يبدو خشنا ..من بالباب ؟

أجابه صوت أصفر:

افتح .. جيش .

تسمرت زوجته في مكانها كأنها أصيبت بصعقة كهربية ، لكنها ما لبثت أن تساءلت :

هل افتح الباب ؟

همس :

انتظري .

صعد إلى السطح ، أطل على الشارع ، طلب إلى زوجته أن تضيء النور تراجعت العتمة إلى الوراء قليلا، تكشفت عن أشباح قلقة ، صاح أحدهم :

ألا تصدق ؟

بصق كلامه في وجوههم :

لا أصدق طبعا ، لأن جيشا يحترم نفسه لا يفعل هذا .

صاح أحدهم :

افتح الباب بسرعة .

شعر بغثيان يجتاح كيانه .. رغبة في القيء فوق رؤوسهم تلاحقه..

يا من يجترون الحقد وآلام الناس .. ألا ترون في النهار ؟ يا بوم الليل وجرذانه، يا دنس العصر وأدرانه.. ألا يحلو لكم إلا إيقاظ الناس من أعماق النوم ؟ أهذا ما يتطلبه أمنكم ؟ لاحقه الصوت بوقاحة :

افتح الباب قبل أن نكسره.

اندفع صوته بصاقا في عيونهم الصدئة:

انتظروا فالأطفال نيام.

فتح الباب ببطء ، حاول أحدهم الاندفاع إلى الداخل، اعترضه بيديه:

لن تدخل قبل أن أعرف سبب هذه الزيارة المقيتة!

أجاب بلطف:

أين أولادك؟

وماذا تريد منهم؟ إنهم نائمون.

فح من بين فكيه:

أريد أولادك .. لدي أوامر يجب أن أنفذها.

طز.. لن تأخذهم.

تحرك شخص يبدو أنه المسئول عنهم محاولا إخافته :

أعطني هويتك.

صاح بانفعال :

فقط ؟!! خذوها فأنا لا أريدها.

صفعته الكلمات بعنف فتدخل كلب حراسة :

اسكت وإلا أشبعتك ضرباً .

طوفان غضب اجتاح كيانه، غلت الدماء في رأسه ، خرج عن طوره وصاح:

إن كنت راجل اعملها ، والله لأكسر يدك إن رفعتها .

طق الشرر من عينيه:

يلعن اليوم اللي شفناكم فيه ..أي والله جنوب أفريقيا أشرف منكم.

تدفقت الكلمات طلقات غضب مخزون في أعماق النفس، رشاش الكلمات يهذي ، يقذف ، لكنه يعي ما يقول .

صاح به شرطي مدني :

مالك يا حاج هل أنت مسطول ؟

أيقظته الكلمات أكثر ، هزت وجدانه ، استفزته بعنف :

أنا مسطول يا مسطول .. أن أصحى منك .. أصحى من حكومتك. شلّهم ارتباك مفاجئ ، كانوا يظنون أنهم بورقتهم الملعونة يوجهون أصابع الاتهام إليه ، فإذا بهم في قفص الاتهام، اكتست وجوههم بلون الكركم ، ماتت ابتسامة الظفر على وجه المسئول عنهم، داهمه قلق جامح ، ماذا لو تدفق الجيران من البيوت المجاورة ، ماذا لو رشقونا بالحجارة ؟! ماذا سنفعل عندها ؟ هل سنطلق النار كما اعتدنا ؟ كان يجب أن أوقع الرعب في قلوب سكان هذا المنزل اللعين ، فإذا بهذا الأحمق.. هذا المجنون ، يقلب خطتي رأسا على عقب ، فأجد نفسي متهماً بدلا من توجيه أصابع الاتهام .. ترى هل فعل بنا هتلر مثلما نفعل بهم اليوم ؟

خرج حياد من غرفته ببطء كأنما أيقظته أفاع ملعونة في حلم مزعج ، فرك عينيه كأنه يحاول رؤية ما أمامه ، ارتد إلى الوراء قليلا يريد أن يهرب ، لكن إلى أين ؟ المكان مليء بالجنود، جميع الأبواب موصدة بوجه جندي أو بظهره ، سيان ، وصوت أبيه يتدفق طوفانا يغرق صمت الليل .

نهره أحدهم :

أين هويتك تعال معنا .

صاح أبوه : لا تخف منهم ، البس ملابسك وخذ هويتك ، ولا تخف أنت أقوى منهم ألف مرة ..إنهم جبناء .

أزاح الجندي الواقف بباب حجرته بيده ، دخل بهدوء إلى الحجرة ، خلع بيجامته ، لبس قميصه وبنطلونه، وأدخل قدميه في الحذاء نسى جواربه ،أخذ بطاقته الشخصية ، الوقت يمر سريعا ، أسرع من المعتاد ، لو أن الساعة تقف ، لو أنهم يموتون جميعا قبل أن يأخذوني معهم ، لو أن زلزالا يهدم البيت على رؤوسهم، نظر إلى والده نظرة عتاب تشوبها لوعة ومرارة ، سرح ببصره عبر العتمة التي تحاصر أنوار المنزل ، شرد ذهنه ، لطالما منعتني يا والدي من التعبير عن نفسي، لطالما حذرتني من إيذائهم ، من المساس بهم، " ابعد عن الشر وغني له، وهات فأس وقني له"، وها قد ابتعدت عنهم ، فهل تركوني في حالي ؟ هل ابتعدوا عني ؟ ها قد جاءوا يدقون بابنا عند منتصف الليل ليقصفوا عمر الطمأنينة في عيون أخوتي الصغار ، آه يا والدي .. حتى اسمي ، أسميتني حياد، فإلى متى سأظل حيادا لا طعم له ولا لون ولا رائحة ،إلى متى سأظل متعادلا مثل ملح الطعام ؟ إلى متى يا والدي ؟ إلى متى ؟ إنهم يخرجونني عن اسمي رغما عن أنفك وأنفي ، رغم أنف دعواتك ودعوات أمي الصالحات ، ها قد وضعت رأسي بين الرؤوس فماذا حدث ؟ لقد اختاروا رأسي من بين كل الرؤوس ليقطعوه ، فهل تصدق ذلك يا والدي ، خنعت كثيرا ، تهربت من عيون زملائي سلكت الطرق السلبية ، صليت كثيرا ، لأقنع نفسي أن حياتي لها معنى ، فماذا كانت النتيجة ، ها هم يعكرون صفونا وفي منتصف الليل ! ألم تكن تتوقع ذلك يا والدي وتخشاه ؟ ، كنت تكاد تموت خوفا علي ، وها أنت تكاد تنفجر غيظاً منهم ، أنت المسالم الهادئ .. حتى أنت لم تسلم منهم.

جذبه أحدهم بعنف :

هيا .. هيا معنا .

صفعته فكرة قاتلة .. بعد أيام سيكون الامتحان .. امتحان الثانوية العامة ضاع الولد، جن جنونه :

لا.. لن تأخذوه قبل أن تقتلوني .. لن تأخذوه .

صاح الشرطي المدني :

لا تخف يا حاج ،إنه مجرد إجراء احتياطي .

لا أخاف ؟ لا أخاف وأنتم تنتزعون قلبي من بين ضلوعي تستلون روحي بلا شفقة ، تقتلونني بلا رحمة ، لا أخاف !! يا ظلمة ...

صاح:

تريدون إضاعة الامتحان عليه ، ليكن ، لقد أضعتم عمرنا كله ، طز فيكم وفي الامتحان ، لكني أقسم واسمعوها جيدا ، ثم افعلوا بي ما شئتم ، سيكون ابني فدائياً بعد أن يخرج من السجن ، لن أمنعه من الأخذ بثأره ، بثأر أبناء شعبه الذين شربوا من كأس ظلمكم حتى الثمالة ، اسمعوها جيدا ، وإن كان في جيشكم رجال، فلتحذروا .. إن أبناءنا ..أحفادنا قادمون إليكم ، يزحفون ببطء لكنهم سيصلون مهما طالت الطريق .

صاح المسؤول :

- أين ابنك الآخر ؟

جن جنونه :

إنه لا يحمل بطاقة هوية .

وليكن نريد أن نأخذه معنا ؟

يا أولاد الكلب ، تتلذذون على آلامنا ، تبتلعونها ، ثم تعيدون اجترارها في أوقات راحتكم ، انخلع قلب زوجته، حاولت أن ترجو ضابطا يضع على رأسه طاقية صغيرة.

أنت متدين .

وقبل أن تكمل رجاءها صفعتها كلمات زوجها :

هذا خرا .. هذا ليس متديناً ، هذا لعنة هو وأمثاله من أدعياء التدين ، ليفعلوا ما يشاءون ، لم أعد أهتم ، لكني أقولها فاسمعوها جيدا:

افعلوا ما شئتم، سيخرج أبنائي من السجن، إنهم لم يفعلوا شيئاً، مشوا إلى جانب الحائط كثيراً ، طلبوا الستر كثيراً ، فهل نجوا من شركم ؟ سيخرج أبنائي ، وسينضمون إلى صفوف المقاومة، وذنبكم على جنبكم ، انتم تريدونها هكذا فليكن ، وإذا كان لا بد من الاختيار بين الخنوع والمقاومة فنحن مع المقاومة .. مع المقاومة ، اقتلونا إن شئتم ، جذورنا أقوى منكم ، ستنبت جذورنا من جديد ، فهي تمتد عميقا في بطن هذه الأرض ، أما أنتم .. أين جذوركم ، أنتم نباتات صناعية في أصص جميلة لن تصمدوا إن اشتدت الريح قليلاً ، فهل تدركون هذا ؟

انتبه فجأة ، لم يجد إلا ذلك الضابط ذا الطاقية المثبتة على رأسه بمشابك شعر حريمية .. دفعه بعنف :

- أين أولادي . أريد أن أذهب معهم .. أريد أن أذهب معهم .

أجابه ببرود أسود :

لن تذهب .

بل سأذهب .. سأذهب .. سأذهب

كانت عيون زجاجية هلعة تطل من خلف شيش النوافذ حين عادت سيارة جيب إلى الوراء بسرعة ، قفز الضابط وجنديان كانا معه إلى السيارة ، صرت العجلات تاركة إياه وسط سكون الليل وظلمته نهبا للأفكار .. أفكار شتى تتنازعه ، لكن فكرة أكبر من كل أفكاره ألحت عليه فهمس :

عاشت المقاومة .