( 2)

10 0 00

( 2)

نظر الشرطي المدني إلى ساعته ، وصورة تلك المراة ما زالت تلاحقه ، آثار بصاقها ما زالت تحرق جلده، تمزقه من الداخل ، مسح وجهه للمرة المائة ، لكنه لا يزال يشعر بطعم البصاق يخترق خلاياه، يحرقها ، لم أصادف في حياتي مثل هذا الموقف ، هذا البيت مدبرة حركها طفل أحمق بعصاه ، فاعت دبابير الغضب بدائية شرسة ، كانت الكلمات لسعات دبابير تخز العقل ، تخز النفس .. الله يعدمك أولادك ، دعوة أم محروقة بلهب غاضب همجي انصبت على رأسه ، وهو يحاول تهدئة الموقف ، تلطيف الجو :

يا حاج إنه مجرد إجراء احتياطي .. احترازي .

شرد ذهنه .. احتياطي !! هل يصدق هذا ؟

لقد تعود أن يبصق تلك الكلمات أينما ذهب ، فهذه مهمته كشرطي مدني .. أن يرش على الموت سكرا .. كان شاهداً تحت الطلب ، كم مرة خرج في مثل تلك المهمات ، لكنه لم يصادف مثل هذه الليلة اللعينة .. دعوات تلك المرأة تلاحقه، تهز كيانه من الداخل .. الله يعدمك أولادك .. تفوو عليك وعلى حكومتك ، ومسح وجهه للمرة الأولى بعد المائة .. هذا البصاق الملعون .. ألا يتركني في حالي .. أحس أن جلداً جديداً ينبت في وجهي من كثرة ما مسحت البصاق ، بصاقها يذكرني بعار هذه البدلة الخاكية اللون ، كان شيوخ بلدتنا يقولون في الجليل :

" لا يدخل الشرطة إلى الداشر " .

وها هي هذه المرأة تصفعني على وجهي ، ليتها صفعتني بيدها ، لقد صفعتني بكل كيانها .. بكل أحاسيسها ، اعتصرت خلاصة جسدها بصاقاً يحمل طعم الاحتقار ولون الحقد.

أحس باختناق شديد .. فك أزرار قميصه .. كابوس ثقيل يلاحقه ، هل هو قدري أن أكون شاهدا على مآسي الناس لا تكاد ليلة تخلو من مأساة مداهمة البيوت التي أصبحت جزءاً من حياتنا .. افتح .. جيش افتح ..جيش .. افتح قبل أن نكسر الباب ، وبصق باشمئزاز .

***

على الرغم من تجاوز الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، قرر أبو محمود – ذلك الشرطي المدني من الجليل أن ينزل من السيارة التي كانت تقله عائدة به إلى المركز ، قرر أن ينزل ليتحرر من جو العمل الرسمي ولو لفترة بسيطة ، سار ببطء ، تنفس الهواء ببطء شديد.. كان الهواء نديا، سار وسارت معه وساوسه ، أفكار سوداوية تلاحقه، ترى كيف يكون شعوري لو أنني عدت إلى بيتي ووجدت ابني الوحيد محمود وقد حدث له مكروه.. لا .. وحرك يده اليمنى محاولا أن يبعد هذه الأفكار عنه، اقترب من دكان ما زال يفتح أبوابه ، توقف، فهو يعرف صاحب الدكان جيد !

أهلا أبو محمود .. أهلا يا بركة .

سرح أبو محمود ببصره إلى جهة غير محددة ، بركة .. أنا بركة يا منافق ، إنكم تكرهوننا ، ولكني عربي مثلكم .. قدري الملعون وضعني في هذا المأزق ، أن تكون شرطياً في زمن الاحتلال يعني أن تكون شاهد زور لا أكثر ، شاهداً على ديموقراطية لم تولد بعد ، لقد ترقيت في سلك الشرطة .. إنني أحمل تلك الوردة على كتفي فماذا أفادتني ؟ هل أنا ضابط حقا، هل أملك الحق في قول ما أريد ولو مرة واحدة .. إنني أنفذ ما يريدون فقط.

أيقظه صوت صاحب الدكان :

تشرب حاجة باردة ؟

كان يحس بحاجته فعلا إلى شيء بارد يطفئ تلك النار التي تعشش في مسامات الجلد ، لكنه لا يستطيع ابتلاعها ، يحس أن كرة مرة تغلق حلقه .. الله يعدمك أولادك .. ماذا لو سمعت ذلك يا محمود ؟ هل كنت ترضى أن يستمر أبوك في عمله ، أحس برغبة شديدة في العودة إلى ذلك البيت ، تلك المدبرة التي أثارها طفل أحمق فملأت كيانه لسعا ، لكنه لو ذهب فسيواجهونه حتما بتهمة ما ، توقفت أمامه سيارة بصورة مفاجئة ، نزل منها شخصان ، ثم نزل منها الرجل المسطول نفسه ، صاحب ذلك البيت الذي يحمل بين فكيه مدفعا رشاشا .. يلعن اليوم اللي شفناكم فيه .. خذوا هويتكم ، لا أريدها .. جنوب أفريقيا اشرف منكم ، هتلر وما أدراك ما هتلر ، كلمات ليس لها أول من آخر ، ما زال صداها يتردد في أذنيه :

مساء الخير ، قالها سائق السيارة بتثاقل .

عقب الرجل بهدوء :

بل صباح الخير .

نظر أبو محمود بدهشة إلى الرجل .. يبدو هادئا ، وكأنه لم يكن بركانا يقذف حممه قبل أقل من ساعة ، يبدو هذا الرجل الآن بحيرة هادئة ، عيون صافية لا يشوبها قلق ، إنه يحسده ، هدوء يسبب له غيظاً غير محتمل ، على الرغم من أننا أخذنا ولديه فهو هادئ ، وكأنه لم يحدث شيء ، دفعه حب الاستطلاع :

ماذا تريد يا حاج ؟

ابتسم الرجل :

لا أريد شيئا.. أنت عبد مأمور.. ألم تقل لي ذلك في المنزل، حتى لو أردت، ماذا تستطيع أن تقدم لي ما دمت عبداً مأموراً !؟! زميلي هو الذي أوقف السيارة .

دهش الشرطي :

إذن .. إلى أين كنتم ذاهبين ؟

رد الرجل :

إلى مركز الشرطة .. أريد أن أعرف ماذا فعلوا بأولادي .

أحس الشرطي برغبة صادقة في تقديم نصيحة حقيقية :

يا حاج ،لا تذهب ، بعد أن فعلت ما فعلته بنا في المنزل ، ولولا خشيتهم لأشبعوك ضربا .. كانوا يخشون إثارة غضب الجيران ، عد إلى بيتك وسيطلق سراح أبنائك غدا أو بعد غد ، عد ولا تذهب ، ستجد ما تكره إن ذهبت.

قال السائق : وابني ؟

سيطلق سراح الجميع ، انه مجرد حبس احتياطي بمناسبة يوم المساواة .

ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجه "أبو حياد" وكلمة طز أكبر أمام عينيه ، فلم يعد يهتم ، ليفعلوا ما يشاءون ،همّ بأن يركب السيارة ، ولكن الشرطي أوقفه :

يا حاج .

التفت إليه .

مش حرام مرتك تدعي على ابني ؟

هيء.. صدرت عن أبو حياد غير مكتملة .

أنت زعلان ؟ أخذتم أولادي الاثنين وابن الجيران ، والله أعلم اخذ توا مين كمان!! وزعلان من دعوة ؟! يا أخي عنا مثل بيقول "ظالم ما تكون من الدعا ما تخاف" فهل تشعر أنك ظالم أم أنك على حق ؟ ألجمه السؤال فما اعتاد أن يسأل أو يسال ، اعتاد ان ينفذ الأوامر فقط دون أن يسأل : أهي عادلة أم ظالمة ، كل ما يعرفه الآن أن دعوات تلك المرأة تلاحق ابنه الوحيد ، يتخيلها قطاراً يجري بسرعة رهيبة وابنه محمود يلعب أمامه ، لا يدرك حقيقة الخطر الداهم ، طنين الدعوة يمزق أذنيه ، يصمّها .. الله يعدمك أولادك .. الله يعدمك أولادك..

صاح :

مش حرام مرتك تدعي على ابني ؟

يا أخي تعال نتفق ، سأغير مضمون الدعاء ، فأنا أمون على زوجتي ، اسمع هذه الدعوة : الله يبعث لكم بجيش أقوى منكم يدخل بيوتكم ويفعل بكم ما تفعلون بنا الآن ، نحن لا نملك إلا البصاق والدعاء فقط .

والله صعبة يا حاج ، أنا معك ، شيء صعب أن يأخذوا أولادك أن يضربوهم أمام عينيك ، ولكني عربي مثلك .

هيء .. هيء .. هيء ..

ومزقت ضحكة غير مكتملة سكون الليل :

أنت عربي ؟! أنت عربي ؟! إذن لماذا تفعل بنا هكذا ؟ إذا كنت عربيا مثلنا .. لا .. لا تقل إنك عبد مأمور .. لا تقلها .

ولكنها لقمة العيش يا حاج .

أية لقمة عيش ؟! لقمة مغموسة بآلام الآخرين ، لقمة مرة ، فكيف تستطعمها ؟ كيف تحس أن لها طعماً مريحاً ؟