2

8 0 00

2

كانت أمي كما قلت من قبل شابة ضعيفة, فكثيرا ما كنت أراها طريحة الفراش, وما أزال أذكر أن أياما كاملة كانت تمر دون أن أراها. وقد كنت أشعر نحوها بعطف خفي, بالرغم من أنني كنت أميل كل الميل نحو المربية, لأنها كانت مستأثرة بليلي ونهاري كما قلت, ولكن صورتها ضاعت من ذاكرتي تماما, ولست أذكر إلا حادثة واحدة تقترن بها.

كنت ألعب ببعض اللعب وحيدا في الغرفة. وإذا انصرفتُ إلى اللعب, انصرفت إليه تماما كما لو كنت أزاول عملاً من الأعمال. وكانت عندي لعبة تتطلب مني جهدا كبيرا, وهي عبارة عن قطار يجري على قضبان من حديد, وكانت هذه القضبان طويلة ومتشعبة تشغل أرض الغرفة كلها تقريبا, يستغرق تركيبها مني وقتا كبيرا. وقضيت وقتا طويلا في تركيبها, ثم في إنزال العربات فوقها, ثم في شد العربات إلى القاطرة. وأخيرا تم ما كنت أرمي إليه, وبدأ القطار يجري فوق قضبانه في سهولة ويسر.

دخلت أختي إلى الغرفة في هذه اللحظة بالذات وهي تحبو, وما كادت ترى القطار يجري حتى حبت إليه مغتبطة به, ولكنها لم تكتف بذلك وإنما وضعت يدها الصغيرة على القضبان ورفعتها فتفككت أجزاء القطار وانقلب على الأرض, وتبعثر في لحظة ما جمعت في ساعات, فلم أطق صبرا على هذا الاعتداء, ولم يكفني أن أصرخ وأستغيث وإنما خرجت من الغرفة أجري ثم رجعت وأنا أحمل عصا كبيرة أخذت أضربها بها, فبكت المسكينة بكاء مؤلما, وسمع أفراد العائلة في الغرفة المجاورة بكاءها فأقبلوا مسرعين وأقبلت أمي ورفعتها من الأرض, ثم ناولتها إلى المربية وأرادت أن تضربني فهربت فتبعتني, ولجأت إلى أبي الذي حماني. وما تزال صورتها إلى الآن أمامي وهي تحاول عبثا أن تضربني, وهو يهدئها, فتقول له إنه بحمايته يشجعني, وإنه لا بد من تربيتي حتى لا أتعلم الاعتداء على غيري مرة أخرى. هذه هي الصورة الوحيدة التي أحتفظ بها لأمي.

ثم أحتفظ لها بالصورة الأخيرة, وهي الصورة التي لا يمكن أن أنساها ما حييت. اختفت أمي وبدأت أرى شخصا غريبا يحمل في يديه حقيبة يزورنا كل صباح ويصعد إلى غرفتها, ثم شعرت بالعيون تتعلق بهذا الشخص, ثم بدأت الأحاديث تنقلب إلى همس, وساد البيت جو من الكآبة والحزن ذكرني باليوم السالف الذي زرت فيه آل باترنوس, ولكنني لم أفهم من الحقيقة شيئا ولم يحدثني أحد عنها.

بدأ القلق على أبي بشكل واضح, فقد أصبح يقضي اليوم كله - على غير عادته - في المنزل, ولست أدري كم طال هذا الشذوذ الذي ساد المنزل ولكني أذكر ذات يوم أن مربيتي بدأت تغير لي ثيابي كما اعتادت أن تفعل حينما نكون على أهبة الخروج, وكانت الدموع في عينيها. ثم جاءت (ميللي باترنوس) وأخذتني إلى منزلها, ودخلت المنزل فإذا بالإخوة يعانقونني ويتحدثون عن عمري. وقضيت معهم بقية اليوم في هذا الجو الغريب. وأخيرا في المساء سمعت ميللي تقول لإخوتها:

- إن هذا لا يجمل, لا بد من أن يرى المسكين أمه للمرة الأخيرة. كيف يمنعونه من هذا?! إن في إخفاء الأمر عنه قسوة لا تطاق.

ثم التفتت إليّ ورفعتني إلى المائدة وعانقتني, ثم قالت: لا تثق بكل ما يقال لك, إنهم يضللونك, لقد ماتت أمك المسكينة, وسآخذك الآن لرؤيتها على فراش الموت, ولكن عدني بألاّ تبكي ولا تخاف.

لست أدري هل وعدتها أم لا, ولكنها أخذتني من يدي ورجعت بي إلى المنزل, فوجدنا فيه أناسا كثيرين, وتقدمت إليهم قائلة: إنه لا بد من أن يرى أمه.

ما أزال أذكر هذا الموقف الرهيب, حينما أخذنا طريقنا إلى السلَّم المظلم, وبدأت أصعده بخطوات مضطربة, وهذه الفتاة الإنكليزية النبيلة آخذة بيدي, وكانت عيناي مركزتين في أعلى السلم, كما لو كان شبح الموت يطالعني منه. لم أكن أدرك تماما جلال الموقف, ولكنني كنت حزينا مغموما يخيل إليّ أن المنزل يكاد يطبق عليّ, ودلفنا قليلاً إلى باب الغرفة, ثم وقفنا أمامها وهي مقفلة, ثم فتحتها ميللي, فإذا بي أرى من خلال فُتحة الباب غرفة ساكنة كما لو كان كل شيء فيها قد مات أيضا, ولم أر أمي جالسة في السرير تستقبلني على عادتها بوجهها البشوش المستبشر, وإنما رأيت أمامي سريرها وقد ظللته سحابة رهيبة, وتدلت إلى جانبه أغطيته الساكنة حتى كادت تلمس الأرض, ولم تكن حركة تبدو منه, حتى الصدر كان هادئا كما لو كان قطعة من السرير.

ثم تقدمت ميللي وأخذتني من يدي, وبدأت تسعى بي إلى داخل الغرفة. كان كل شيء يغرق في الصمت ويغرق مع مرور الوقت, حتى خيل إليّ أن الحياة قد انهارت وأصبحت أطلالاً صامتة لا حراك بها ولا رِكْز.

واقتربنا رويدا من السرير, ثم وقفنا إلى جانبه, وقد تعلقت به نظراتي حتى لم أعد أرى ولا أحس في الغرفة بشيء سواه, ورفعتني ميللي فرأيت من وراء ثوب شفاف ملامح وجه أمي الباهتة, وكأنه عنِّي بعيد بعيد, يبدو وراء ضباب الموت. ثم تقدمت إلى هذا الوجه بيد مضطربة وكشفت عنه الثوب الشفاف, وإذا بوجه واضح هو وجه أمي بعينه قد علته صفرة ذهبية هامدة, وتدلت على جانبي رأسها خصلات شعرها الكستنائي الكث الطويل, وقد غار فيه ما كان يحفل به من حيوية وبشر, وحل محلهما الهدوء والاطمئنان والرحمة. وقربتني ميللي إليها لأقبلها, فلمست بشفتي المرتجفتين خدها وأحسست وأنا أفعل ببرودة الموت تسري في أوصالي المضطرمة, واغرورقت عيناي بالدموع.

وأخيرا أعادتني ميللي إلى وضعيتي, فلم أعد أرى وجه أمي, وهكذا اختفى عني إلى الأبد. وكانت تلك النظرة هي النظرة الأخيرة إلى ذلك الوجه الذي أحس نحوه اليوم بحنين غريب.

ثم خرجنا من الغرفة ونزلنا السلم بنفس الخطى الوئيدة التي صعدنا بها, واستقبلتنا في أسفله وجوه مكتئبة ونظرات تائهة, ولكن ميللي أبت أن تسلمني لأحد, مخافة أن يكون للمنظر تأثير سيئ على نفسي, وإنما أخذتني إلى الحديقة الخلفية حيث جلست معي على مقعد خشبي لكي تسلّي عني.

كنا في فصل الصيف من السنة, وكانت الليلة صافية والقمر الكبير يتلألأ في كبد السماء, فتتسلل أضواؤه خلال الأغصان وتضيء الحشائش, وتمتد تحتها على الأرض ظلال الأشجار الباسقة, فامتلكني المنظر بجلاله ورهبته, ولكن ميللي صرفتني عنه بحديثها, إذ سمعتها تقول:

- لا تحزن يا صغيري, فهذه هي الحياة. إن أمك لم تغب ولن تغيب لأنها كانت امرأة خيرة, ولذلك فسوف تظل معنا بروحها, وسوف يجازيها الله على طيبتها فتعيش في جنات النعيم. فلا تخف عليها, وحاول ألاّ تحزن. انظر إلى السماء.. إن الجنة هناك وراء القمر, ووراء النجوم, فإذا أردت أن تراها فانتظر بزوغ القمر, ثم انظر إليه, فستراها هناك تطل عليك مبتسمة مستبشرة! انظر, انظر, ألست تراها?

ورفعت عيني إلى القمر, وتحت تأثير إيحائها خيل إليّ أنني أرى من خلال دموعي وجه أمي يطل عليّ من السماء داخل صفحة البدر الكبيرة. وكان إيحاؤها قويّا حتى إنه ما يزال يخيل إليّ إلى الآن أنني أراه كلما رفعت عيني إلى القمر, فأقول إنه وجه أمي.

خفف من كآبة نفسي ما قالته لي ميللي في الحديقة ذلك المساء, وعزاني قليلاً, ذلك أنني منَّيت نفسي بأن أمي معي في العالم وأنها تزورنا من آن لآخر بواسطة تلك الصفحة المضيئة التي تنير سواد الليل البهيم.

ولست أدري كيف انتهت تلك الليلة, ولكنني أذكر أن هذا الحادث كان له تأثير كبير على المنزل وعلى حياتنا. فلم يمر وقت طويل حتى فارقنا هذا المنزل الضخم المستوحش الذي ما تزال ذكراه إلى الآن تشيع في إحساسي نوعا من الرهبة والاضطراب.

وقد أخذتني المربية في اليوم التالي إلى الحديقة العامة وحاولت أن تصرف نفسي عن ذلك الحادث, وأخذت تحدثني عن حبها لي وعطفها عليّ, وتحاول أن توحي إليّ أنها أمي, حتى كدت أقتنع. وقد استمرت بعد ذلك تلح في إقناعي حتى اقتنعت بأنها أمي وبأن المرأة التي ماتت كانت أختها.

وهكذا قضيت - ومعي أختي الصغيرة - الأيام التالية من طفولتي, وأنا أعتقد أنها أمي. ومما رسَّخ عندي هذا الاعتقاد رعايتها لنا وحدبها علينا, فقد جعلت من حبها العميق لنا بلسما سحريا شفى نفسينا من ذلك الجرح الممض الذي أصابنا. فإذا قلت بعد هذا "أمي" فإني فخور بأن تكون هي المرأة التي أعني.