3
كان المنزل الجديد الذي انتقلنا إليه على عكس القديم صغير الغرف حديث الأثاث أمام واجهته حديقة صغيرة منسقة, ولم يكن فيه شيء يثير في النفس الرهبة والخوف, ولذلك فقد استأنست به ورأيت فيه خلاصا من ذلك المنزل الغامض القديم.
كان المنزل الجديد يقع تماما أمام منزل آل باترنوس, ولذلك لم أعد في حاجة إلى أحد إذا أنا أردت أن أزورهم, فنحن معا نسكن شارع "بارك فيلد" وليس عليّ إلا أن أقطع الشارع لأصل إلى منزلهم, وما أزال أذكر أن رقمه كان (47) بينما كان رقم منزلنا الجديد (40).
سرعان ما ترعرعت وبدأت الحياة تتفتح أمامي, فلم تعد محدودة في بضع غرف وحديقة, وإنما اتسعت وبدأت أتعرف إلى العالم الواسع, وقد اتسعت بشكل جعلني أتعطش إلى متابعتها واكتشاف ما لا أعرفه منها, وشجع آل باترنوس هذا الميل عندي, لأن الحياة معهم كانت أوسع أفقا.
كثيرا ما كانت ميللي تقبل عليّ وتخبرني بأننا سنخرج, فعليّ أن أذهب إلى أبي ليزودني بالنقود, فأذهب إليه وأطلب منه ذلك, فإذا دفع إليّ بورقة مالية أرجعتها إليه وآبي إلا أن يعطيني (بنسات), ذلك أنني كنت أعتقد أن البنسات وحدها هي النقود الثمينة, فيضحك أبي ويعطيني ما أريد. ولكن ميللي تصيح بي أول ما نخرج وتحذرني من مثل هذا التصرف, وتقول لي خذ منه الورقة ولك عليّ من البنسات ما تشاء. وكان نفس الشيء يتكرر في المرة التالية لأن قول ميللي لم يكن مقنعا.
بواسطة هذه الفتاة بدأت أتعرف إلى الحياة, واتسع أفق وجودي, فكان من أول الأماكن التي عرفتها السينما والمسرح, والحديقة العامة وحديقة الحيوان, وكانت لها منزلة خاصة لأنها كانت تشبع عندي غريزة حب الاستطلاع.
كانت السينما تخلق أمامي مثلاً عليا, وكانت هذه المثل العليا تدور حول القوة العضلية التي تهب للشخص القدرة على السيطرة على ما حوله, وكنت أغتبط إعجابا بركوب الأفراس والملاكمة والقفز والسباحة, وكل ما يعبر عن تلك القوة العضلية, وكنت أنفعل عند رؤيته انفعالاً شديدا أنسى معه كل ما حولي. وقد كانت الأفلام السينمائية في ذلك الوقت حافلة بهذا اللون من التمثيل.
أما المسرح فكنت أشعر فيه بشيء آخر. كانت الأنوار الملونة التي يذوب بعضها في بعض تفتِّر إحساساتي, وتخلق عندي نوعا من الاستعداد للشرود والهيام, فينقلب المسرح إلى سحابة شفافة ترقص فيها فتيات من نور قد أفرغن في قوالب سحرية يتابعن الألحان في رشاقة تخلب الألباب, فيخيل إلى الناظر إليهن أنهن موسيقى مجسمة أروع تجسيم, ناضجات الصدور ناعمات الأجياد, خفيفات الخطى, مستبشرات الثغور, تتحرك صفوفهن حركة واحدة مع الألحان الراقصة الناعمة. ويتناثرن ثم يجتمعن ثم يتتالين زمرا كأنهن الأحلام. كنت أحبهن حبّا بريئا, وأعجب كيف لا نقابل مثلهن في الحياة, وأعتقد أنهن أمثلة لصفاء النفس, ونقاء الضمير, وحب الخير, وأن الله خلقهن من الرحمة المجردة.
ولا يعني هذا أنني كنت أطمئن تمام الاطمئنان للمسرح. ذلك أنني كنت أعرف أن الممثلين أحياء مثلي, وأنه يمكن لمسهم ومعاملتهم, على عكس الممثلين في السينما فقد كنت أعرف أنهم لا يعْدون أن يكونوا مجرد خيالات, لذلك كنت أخشى المناظر المثيرة في المسرح. ظهر أمامي ذات يوم فجأة على المسرح فهد خيل إليّ أنه هائل, فما كدت أراه حتى دب الخوف في قلبي, ولما رأيته يتحرك كما يشاء بدأت أحس أنني في خطر, وشعرت بأنه إذا رآني وأراد أن يلتهمني فليس عليه إلا أن يقفز ويتخطفني, ولذلك أحسست بفيض من الإرهاب لم تتحمله أعصابي, فصرخت وظللت أصرخ إلى أن اضطرت ميللي إلى الخروج معي.
ومما أذكر عن المسرح أننا ذهبنا إليه مساء أنا وأمي وميللي وأختاها, وكانت الرواية هزلية, ولكن شيئًا منها لم يبعثني على الضحك, فقد كانت حركات الممثلين تبدو لي سخيفة فاستثقلتهم ومللتهم, ثم بدأت أحقد عليهم, وأنظر إليهم في عبوس. وفطن النظارة حولي إلى عبوسي إلى درجة أنهم بدأوا يتهامسون به, وأخيرا استطاع أحد الممثلين أن يبتسر مني الضحك ابتسارا. وما كادت شفتاي تنفرجان بالضحك حتى علت حولي عاصفة من الضحك المماثل. وانتبهت فإذا بالعيون كلها متعلقة بي, فبعثني ذلك على أن أتضاءل في مكاني, فقد كنت أكره كرها شديدا أن تتعلق بي الأنظار أو أن أكون محورا لحديث بين جماعة من الناس.
وربما ذهبنا إلى إحدى الحدائق العامة, حيث كان يتمثل لي تفتح الحياة وازدهارها. وكنا نذهب إليها غالبا في فصل الصيف أو الربيع, فلا نكاد نقبل عليها حتى أحس بنفسي تنشرح وكأنها تنطلق من عقال. ألتفت يمينا ويسارا فتأخذ عيني الزهور المتفتحة ذات الألوان البهيجة التي تخلق حَواليّ جوًّا من الخيال وتستقبلني حيث التفت رائحة الأريج المنعشة التي كانت تثمل روحي الصغيرة, وتحيط بهذه الزهور خضرة الأرض والأغصان, وفوقها زرقة السماء الصافية, تسطع فيها أشعة الشمس الدافئة.
كنا نقابل أصنافًا من الناس يعلو البشر وجوههم جميعا على تباينهم, ومن بينهم أمثالي من الأطفال. وكنت أنتبه لكل شيء, لأن كل شيء كان جديدا بالنسبة إليّ, ولكن هؤلاء الأطفال كانوا يسترعون انتباهي أكثر من الآخرين, فلا تكاد عيني تقع على واحد منهم حتى أتابعه بنظراتي إلى أن يغيب. كنت أنتبه للباسهم ولعبهم وتصرفاتهم, وكنت أشعر بأن المخلوقات الأخرى التي تقع عيني عليها بعيدة عني فلا يمكن أن أفكر فيها, وكأنها شيء لا يتعلق بي. أما هؤلاء الأطفال فشأنهم شأن آخر, كنت أشعر بأنني ندّ لهم, ولذلك فلا بد من متابعتهم ومعرفة الجو الذي يعيشون فيه حتى أستفيد من ذلك. كنت أستمتع بكل ما أرى استمتاعا مجردا عن الأغراض, أما الأطفال فكنت أتابعهم بدافع من تلك المصلحة, ولم أكن أحسّ نحوهم بعاطفة مجردة. كنت أتتبع عندهم ما استحدث من المخترعات في عالم الألعاب, فلا يقر لي قرار حتى أقتنيها, وأتتبع عندهم كل ما يكون جديدا بالنسبة لي فأنتفع به في حياتي.
وكان في طليعة ما يأخذني كثرة ما يوجد من الناس في العالم. فأنت لا تستطيع أن تذهب لأي مكان دون أن تقابل فيه أناسا وأناسا كثيرين من كل لون ومن كل صنف, فكانوا يشغلونني فأعجب لكثرتهم واختلافهم: الطويل والقصير, النحيف والسمين, الجميل والقبيح. أضف إلى ذلك أنني كنت مغرما بتتبع اختلاف الثياب التي يرتدونها, فإذا رأيت منها جديداً لا عهد لي به من قبل وقفت وأطلت إليه النظر في استغراب حتى ينتبه إليّ صاحبه, وحتى ينبهني من قد يكون معي إلى أن مثل هذا التصرف معيب لا يليق بالطفل المهذب.
وأمتع منظر كان يثير إعجابي في تلك السن المبكرة, هو منظر فتاة تأبطت ذراع فتى, وكل منهما منصرف إلى الآخر يحادثه ويضاحكه. ولست أدري ماذا كان يبعثني على الإعجاب بهما إن لم يكن ما يبدو في طلعتهما من عافية وشباب وجمال.
لقد كنت أوقن بأن ما أعرف من الحياة ضيق ومحدود, وأن ما أجهله منها واسع وبعيد. ولذلك فقد كانت هذه الحدائق العامة بالنسبة لي كالمعرض الذي يحوي هذه الأشياء الجديدة التي لا أعرفها. ومن الأمكنة التي كنا نزورها حديقة الحيوان, ولعلي لست في حاجة إلى أن أقول إن حديقة الحيوان كانت أوقع في النفس من أختها حديقة الإنسان. فإن كل شيء فيها لم يكن جديدا بالنسبة إليّ فحسب, ولكنه كان غريبا أيضا.
أليس غريباً أن تنظر لأول مرة إلى هذه المخلوقات المخيفة في أمان منها, وهي وراء قضبان الحديد في الأقفاص, وأن تطيل أمامها الوقوف دون أن يَمسَّك منها سوء?! أضف إلى ذلك حاجتي إلى رؤية نماذج من هذه المخلوقات التي كنت أسمع عنها كثيرا في القصص, دون أن يستطيع خيالي الصغير تصورها.
كانت الحيوانات والطيور مختلفة, منها الجميل الذي يُستأنَس برؤيته, ومنها المخيف الذي تهز رؤيته الجَنان. أما هذه الأخيرة فقد كنت أقف أمامها في تمام الحذر, فلم يكن عندي من المستحيل أبدا أن تتمرد هذه الأجسام الجبارة في أقفاصها, وتندفع في قضبان الحديد, فتتساقط كأنها من زجاج. وكنت أحاول أن أتصور بخيالي مدى ما يحدث من الكوارث لو أنها فعلت ذلك, وكان من المرعب أن تنتقل مثل هذه الهواجس من رأسي إلى رؤوسها... وكنت أقف أمام الأسد فأسمع الناس يقولون عنه إنه أقواها جميعا, فأرفع إليه بصري لأتأمله في حذر, فإذا بهامته الضخمة وتفاصيل جسمه القوية تثير الرعب, وأبصره يحرك عينيه البطيئتين البراقتين ثم ينزل بهما حتى يستقر نظره عليّ, فتكاد تلك النظرات الثابتة المغمومة تصعقني. ولم يكن يخفف من هذا الإرهاب إلاّ أن تلك النظرات كانت شاردة لا تقف عند شيء تقع عليه, ولذلك فإنه لم يَبد عليه وهو يخترقني بنظراته أنه يقيم لي أي وزن.
وقد أدفع إلى ركوب الفيل مع جماعة من الأطفال, ولولا أنني كنت أستأنس بهم لارتميت من فوقه دون تردد, لأنني لم أكن عاجزا عن تصورهم جميعا داخل تلك البطن العظيمة التي كانوا يوجدون مباشرة فوقها.
حتى إذا تكررت زيارة حديقة الحيوان بدأت آمن ما فيها, وبدأت أستطيع الوقوف دون خوف أمام الحيوانات الشديدة الافتراس وأتأملها. وكنت كلما وقفت أمام حيوان منها تصورته طليقا في الغابات, ثم أقارن حياته الحرة تلك بحياته السجينة هذه, فأرثي لحاله ولحال أقربائه الذين فقدوه في الغاب.
هذه هي الأشياء الجديدة التي عرَفتها بعد انتقالنا إلى المنزل الجديد, فإذا لم أذهب لزيارة أحد هذه الأمكنة فأنا في منزل آل باترنوس القريب.