4

8 0 00

4

لا أستطيع أن أتذكر اليوم الذي تعارفنا فيه مع آل باترنوس, فإن ذلك أبعد من متناول ذاكرتي. وآل باترنوس عائلة إنكليزية من أصل يوناني, نزحت إلى إنكلترا فيما غبر من الزمان, وهي تتألف من أخوين اسم أحدهما جورجي, وهو شاب أنيق اجتماعي, قلّ أن يوجد في البيت. واسم ثانيهما أندريه, وهو أيضا شاب, ولكنه يختلف عن أخيه بكثرة صمته وشروده وميله إلى العزلة. فهو لا يكاد ينتهي من عمله حتى يهرع إلى البيت, ويقضي فيه الساعات الطوال, إما جالسا وحده في غرفته وإما أمام المدفأة يقرأ الصحف.

ثم تأتي بعد ذلك الأخوات الثلاث. وكبراهن ميللي, وهي قصيرة القامة ذات شعر فاحم كث, وحاجبين كثيفين أسودين, تحتهما عينان عميقتان. ولها شخصية مرحة عابثة بريئة. ثم ألليني, وهي أطول منها قامة وأدق جسما, يميل شعرها إلى الحمرة, دقيقة الملامح زرقاء العينين, تميل كل الميل إلى الجد. ثم بعد ذلك صغراهن, واسمها أنجي, وهي أجملهن وأحفلهن بالحياة, ذات قوام رشيق, لها بشرة صافية, وجيد طويل ناعم, وتقاسيم واضحة, لا تستطيع أن تعبرها بعينيك إذا ما رأيتها, ولها ميل إلى الترف والظهور بمظهر المعتز بنفسه وجماله.

وكانوا يقيمون جميعا في هذا المنزل الذي ورثوه عن أمهم الراحلة, ويشغل أربعة منهم وظائف كتابية, أما الخامسة وهي ميللي فمتفرغة للإشراف على شؤون المنزل, ولذلك فقد كانت أقربهم إليّ, وكذلك أندريه الذي كان يقضي ساعات طويلة من النهار في المنزل. وكانت المائدة تجمعهم في الساعة السادسة مساءً, فيتناولون طعام الغداء ثم يستريحون, ثم يخرج معظمهم وتظل ميللي وأندريه غالبا في المنزل وحدهما, وقد يظلون حيث هم يتسامرون إلى أن يحين وقت النوم.

يتألف المنزل من دورين وتوجد في الدور الأول غرفة الاستقبال, ذات المقاعد الوثيرة, وقد زينت جدرانها بالصور. وتقع فيها العين هنا وهناك على تمثال صغير أو باقة من الزهور أو تحفة صغيرة تسترعي الأنظار. ويوجد بها إلى جانب ذلك حاكي ومجموعة كبيرة من الأسطوانات, ثم تليها غرفة الجلوس العادية, وبها بعض المقاعد والكراسي, ومنضدة قد تراكمت عليها الصحف, وفي الزاوية رفوف عليها كتب. ثم غرفة المائدة وفيها مائدة كبيرة مربعة تحيط بها الكراسي, وعلى أحد الحيطان رفوف طويلة ملأى بمستلزمات المائدة, وفي الزاوية قفص كبير به ببغاء. ويتألف الدور الثاني من ثلاث غرف, لكل من الشابين غرفة والثالثة وهي أكبرها مخصصة للأخوات الثلاث.

في هذا المنزل قضيت الكثير من أوقات الطفولة, وكنت أقطع الشارع إليه في الصباح فأجد ميللي منهمكة في عملها فأؤنس وحدتها, وربما انصرفت عن عملها لتلاعبني قليلاً, وربما جلست إلى جانبها في المطبخ لتحدثني عن شيء أو تحكي لي قصة. فإذا وجدتها في الدور الثاني تعيد ترتيب الأسرة فقد ترفعني وتلقي بي على أحدها فوق ظهري وهي تداعبني.

وعندما يحين وقت عودة الجميع في المساء أسرع إلى ميللي لأستقبلهم فيغتبطون بي, فإذا حدث ما يمنعني من ذلك, قالت ميللي في الصباح إنهم سألوا عني وافتقدوني. وقد أخرج مع إحداهن يوم الأحد فأذهب معها إلى المسرح أو السينما أو الحديقة العامة.

كان أروعهم جميعا بالنسبة إليّ هو أندريه المتصوِّف, فقد كنت أقضي الساعات إلى جانبه أنظر إليه وهو يقرأ, كان يجلس إلى المائدة دون سترة, وقد نزع ربطة عنقه, وفك عُرى قميصه, ثم يفتح الصحيفة أو الكتاب وينكَبّ عليه يلتهمه. كان يفنى فيما يقرأ, وكان منظره رائعا حينما أراه وقد غابت أصابعه بين شعوره الطويلة الكثة الفاحمة, وأخذ يداعبها دون شعور, حتى تدلت فوق صدغه. كنت أجلس صامتا إلى جانبه أرنو إليه فأراه مرة يبتسم, ومرة يضحك, ومرة أخرى يعبس, وربما نهض إلى الغرفة المجاورة, ورجع منها حاملاً كتابا ضخما, فيفتحه وينظر فيه قليلاً ثم يعيده إلى مكانه. كنت أشعر أن القراءة جزء من حياته, وأنه كان يحيا فيها, وأتمنى أن أعرف لماذا يبتسم أو يضحك أو يعبس, وأرجو أن أعرف لماذا يأتي بالكتاب الآخر, ولماذا كان ينظر فيه. وكنت أسائل نفسي وهو يقرأ: ماذا في هذه الكتب? عم تتحدث? ومن الذي يضعها? ولماذا يضعها? وكنت ألح عليه في السؤال, وأخيرا جاءني ذات يوم بكتاب يحتوي على قصة مصورة, تمثل كل صورة مرحلة من مراحل القصة, فشرحها لي, فاغتبطت بها وخيل إليّ أنني فهمت المراد من هذه الكتب.

كان أندريه سريع الانفعال, حطمت مدافع الحرب العظمى الأولى أعصابه, فهو يغضب بسرعة, ويضحك بسرعة. وكنت أنظر إليه وهو يدخن ويرنو إلى نار الموقد, ثم فجأة أرى أوداجه قد انتفخت, وإذا به ينتفض وينهض في اضطراب ليذرع الغرفة جيئة وذُهُوبا, ثم يقف فجأة, ويغرس أصابع يديه المنفرجة في شعره, ويضغط بيديه على رأسه بشكل عصبي مثير, فأتضاءل في الكرسي خوفا منه, ولكنه لم يكن يلتفت إليّ, وكانت لحظات طويلة تمر عليه وهو على هذه الحالة. وقد عرفت فيما بعد أن الحوادث المرعبة التي شاهدها وهو جندي, سكَّنته بأشباحها وأتلفت كيانه, وهيمنت على شعوره, فهو لا يستطيع أن يتذكرها دون أن تتوتر أعصابه, وتغمره موجة من الانفعال الشديد. ولكنني بالرغم من ذلك كنت أحبه وأعجب به, لأنني كنت أشعر وهو يتحدث إليّ بقلبه الكبير.

أما ألليني فكنت أشعر بشيء من البرود وأنا معها. فهي فتاة يضل الابتسام طريقه إلى ثغرها, وهي تقيم وزنا كبيرا للتقاليد, وقلما تنطلق من قيودها لتداعبني. لقد كانت تحبني حبا محترما.

والأخ جورجي كان يشبع فضولي وحبي للاستطلاع, فهو دائما محاط بالأشياء الجديدة, وقد كنت ألتقط منه حركاته وعاداته, لأنني كنت معجبا بأناقته, فكنت أتتبع تصرفاته, وأنتبه لما يلبس وكيف يلبس, ولم يكن أحب إلى من أن أتسلل إلى غرفته وهو يستعد للخروج, لأنظر إليه وهو يتأنق, وكنت في خلال ذلك أتمنى من صميم قلبي أن أكبر حتى أستطيع أن أكون مثله. فإذا أتم تأنقه ثم لبس القبعة وسعى إلى المرآة يتأمل نفسه يمينا وشمالاً, خرج إلى الباب وشيعته بنظرات كلها إعجاب, حتى يغيب عنها في الشارع الطويل الذي ينطلق فيه. وفي يوم الأحد صباحا يرتدي جورجي بذلة (الجولف) ويخرج حاملاً أدوات اللعب, ثم يركب سيارة تكون في انتظاره عند باب المنزل.

كان هناك تجاوب ودي بيني وبين ميللي, أما أنجي فقد كنت أحبها وأستظرفها. كانت جميلة حقّا, ولكن جمالها لم يكن جمال ضعف واستكانة, وإنما كان جمال قوة وسيطرة. كانت مثلاً للعافية والرشاقة والجمال, وكنت أشعر وأنا إلى جانبها بأنها تمتلك قوة سحرية تسيطر بها على من يكون معها. وهي أصغر إخوتها وأبعد ما تكون عن القيود والتقاليد, مرحة النفس طيبة القلب, ذات ميل طبيعي إلى الروائع وما ثمن من الأشياء, فكل ثمين في المنزل ملك لها, ولكن هذا الميل فيها لم يكن يدفع بها إلى الكبرياء.

كانت تناديني في بعض الأحيان وهي جالسة وحدها في غرفة الاستقبال, حتى إذا ما أسرعت إليها أخذتني بين ذراعيها تحدثني في دعابة وخفة. وكان وجهي يحاذي وجهها فأشعر بدافع غريب يرغمني على تأمل محاسنها: عيناها الدعجاوان الواسعتان الضاحكتان, جيدها الناعم الطويل الذي طالما دفنت فيه وجهي, خدها الأسيل المورد, صفحة وجهها الساحرة الملساء, وشعرها الكستنائي المتموج, ووجهها المشرق الصبوح.

كنت أذهب معها في بعض الأحيان إلى المسرح فيقابلنا شاب أنيق عند مدخله, ولست أستطيع أن أنكر أنني كنت أضيق بهذا الشاب وأستنكر وجوده, خصوصا حينما أجدها منصرفة إليه في الحديث, فقلت لها ذات مساء بعد أن فارقناه:

- أنجي, من هذا الرجل?

- لماذا تسأل عنه? إنه صديقي, ألا يروقك أن يكون لي صديق?

- نعم يروقني, ولكن هذا الرجل لا يعجبني.

- ولماذا لا يعجبك?

- لست أدري لماذا.

- ألم أقل إن الطفل المستقيم يحب الناس جميعا?

- بلى, ولكن الطريقة التي يكلمك بها!

- ولكنه صديقي.

- إنني أخاف أن يهرب بك فلا تثقي به, ألم تنتبهي إلى الطريقة التي يكلمك بها? إنه ماكر.

ما كدت أنطق بهذه الكلمات التي كانت تعبر عن شعوري نحو هذا الشاب, حتى لاحظت عليها الشرود, وكانت قد أثرت فيها, ولذلك ضمتني إلى جانبها قائلة:

- يا لك من طفل مشاكس.

ولما رجعنا إلى المنزل, سمعتها تحدث أختيها عن هذا الحوار, وختمت حديثها قائلة: إنها تخشى أن يكون ذلك إنذارا على لسان الطفل الصغير.

هؤلاء هم آل باترنوس, وذلك هو منزلهم الذي قضيت فيه وقتا ليس بالقصير من الطفولة, فإذا لم أوجد عندهم فأنا في منزلنا.