- 2 -
كان أبي سيد البيت المطاع. كلمته نافذة، ورأيه لا يناقش. شأنه في ذلك شأن سائر الرجال. وكانت أمي، بدورها، كغالبية النساء الريفيات، تجلُّ أبي وتوقره. لا تجادله في أمر، ولا ترد له مطلباً، إيماناً منها بالحكمة المأثورة القائلة بأن الزوج هو "الرب الأصغر" وأن غضبه "من غضب الخالق" جلَّ شأنه.
ولم يغير من هذا الوضع عشرتهما الطويلة الأمد تحت سقف واحد. فهي لم تكن تجد في نفسها الشجاعة الكافية لمفاتحته في شأن من الشؤون العامة أو الخاصة، دون أن تقدم لذلك بشيء من التسويغ او الاعتذار المسبق.
من هنا كانت مهمتها حرجة في ذلك الصباح، مما جعلها تقدم طعام الأفطار وهي في حالة من الاضطراب، مع أن المسألة لم تكن على تلك الدرجة من الخطورة. كان عليها أن تطلب اليه - أو على الأصح أن ترجوه - بأن يصطحبني إلى المدرسة، إذ كنت قد تأخرت في اليوم السابق بضع دقائق عن بدء الدرس الأول، وطلب إليَّ الأستاذ (عبد الخالق) أن أحضر في اليوم التالي بصحبة ولي أمري. ترددت والدتي قليلاً قبل أن تخبره بذلك، خشية أن يصَّب جام غضبه علينا جميعاً، ممثلين في شخصها. أو أن يوجه لها عاصفة من اللوم على تقصيرها في رعاية شؤون أولادها..!
كنت إذاَّك في أواخر السنة الثامنة من عمري. وفي الصف الثالث الابتدائي على وجه التحديد. ولم أكن قد مررت بالصفين الأول والثاني شأن من هم في مثل سني. إذ كنت قد أمضيت عامين في كتَّاب الشيخ (عبد الكريم كرِّيم) قبل أن أنتقل إلى المدرسة الأميرية، وفي أواخر السنة الدراسية أيضاً. وكان ذلك بسب مشاجرة وقعت بيني وبين طفل آخر من أترابي، لطمني على أثرها معاونه الشيخ أسعد - وهو كهل ضرير - على وجهي، فخرجت للتو مهرولاً إلى دارنا القريبة، حتى دون أن أنتظر ساعة الانصراف.
لم تكن الدراسة في ذلك الكتَّاب تنتظم التلاميذ صفوفاً أو فصولاً، بل كنا نجلس، كيفما اتفق، في فناء الدار المظللة بعريش من العنب. ثم نأخذ في ترديد آيات من القرآن الكريم، وراء الشيخ بأصواتنا الرنانة، التي كثيراً ما أقلقت راحة سكان الحي بأكمله. أو نعمد إلى كتابة وظيفة (الخط) طوال النهار حتى يصيبنا الملل بالدوار. وكان ذلك الدرس مجرد نسخ للسور الصغيرة على ألواح من الأجر، دون أن نفقه لما نكتب أو نقرأ معنى. أما في فصل الشتاء فكنا نقبع على حصير في قاعة فسيحة الأرجاء، ارتفع سقفها أمتاراً عديدة كي يزيد من برودتها. ليس لها سوى نافذة واحدة تطل على فناء الدار. وتردد بيننا انها كانت تستخدم من قبل مخزناً للتبن و الغلال، وفي فترة من الفترات كانت اسطبلاً يؤوي عدداً من البغال كان يملكها أصحاب الدار فيما سلف..!
كان أبي - كغيره من الناس في ذلك الوقت - يؤمن بما كان سائداً من نظريات وأفكار بين أهل القرى، تجمع في مجملها على أن التعليم الحق وقف على الكتاب دون غيره. وأن المدارس الحكومية التي أنشأها الانكليز لا تعلم غير البدع والضلال ..عن القط والفأر والثعلب.. وراس روس.. هذا بدلاً عن تحفيظهم القرآن الكريم..! لهذا كان عسيراً إقناعه بجدوى دخولي المدرسة الحكومية لولا تلك الحادثة. من هنا يمكنك أن تدرك مدى حرج والدتي وهي تحاول مفاتحته في ذلك الشأن.
بيد أن والدي - وهذه كانت مفاجأة لأمي لم تتوقعها - استشاط غضباً. لعن الكتَّاب وأصحابه. أمسك بيدي، وانطلق بي إلى دار الشيخ عبد الكريم، ليصب هنالك، وعلى رأس الشيخ أسعد (معاونه) سيلاً من عبارات التأنيب والتنديد. بل وليعلن على الملأ بأن ولده هذا لن يبقى في ذلك الكتَّاب بعد ذلك اليوم. وأن هذا الولد "خسارة فيكم بالله العظيم.. ". فأمثاله من النابهين لا ينبغي لمثل هذا المكان أن يحظى بهم. وهكذا خسر الشيخ عبد الكريم، بسبب الشيخ أسعد، أرغفة الخبز، وأعداداً من البيض المسلوق، ومواد غذائية أخرى كان يتقاضاها أجراً، بمثابة رسوم تعليم..!
لم يكن أبي قاسياً تماماً، لكنه كان حازماً، فما أن غادرنا الكتَّاب، في ذلك الصباح، ثم يممنا شطر المدرسة الحكومية، استجابة لرجاء أمي، حتى أخذ يحادثني، لكأنما يحاول التسرية عني، أو إشعاري برضاه علي، لا أدري. مررنا بدكان البقالة لصاحبها (أبو العبد الرملاوي) الذي سرعان ما هب واقفاً، ليرد تحية الصباح بحفاوة واضحة، داعياً أبي لمشاركته تناول القهوة. ثم مررنا أمام دكان الحلاق (أحمد الجمل). وكان هذا منهمكاً برش الرصيف أمام دكانه بالماء، وذلك على الرغم من مطر الليلة المنصرمة. انعطفنا يميناً لنطل على الطريق العام. سألني عن موعد الامتحانات المقبلة في المدرسة. ثم ربت على كتفي، وهو يشدني بيده من كتفي البعيد عنه، كي التصق به، وهو يقول:
- اذا كان ترتيبك جيداً فلسوف أشتري لك حذاء جديداً..!
لم تكن فرحتي، عند ذاك بالهدية الموعودة بقدر ما كانت من أجل انفراج أسارير أبي.
واصلنا سيرنا المتعرج تبعاً لانعطافات الطريق. رائحة التربة المبللة بمطر الليلة الماضية تنبعث نقية نفاذة، وهدير البحر خافتاً يأتي من بعيد، وغيوم تباينت ألوانها ما بين بنفسجي رقيق، ورمادي داكن تتراكم عند الأفق الغربي. كنت أرقب السحب وهي تسبح من فوقنا، فأنشغل بها لحظات، عن الطريق والمدرسة. أتصورها أشكالاً خرافية عجيبة كتلك التي تتراءى لنا في الأحلام.
تنبهت إلى جلبة وصياح، سرعان ما تبينت مصدرهما. كنا قد بلغنا الطريق العام، نوشك أن نقطعه إلى الطرف الآخر، حيث السوق ثم المدرسة. الناس يتحركون في ذعر. سيارات عسكرية تعبر الطريق مسرعة، ثم تنتشر في اتجاهات مختلفة. بعضها يتوقف، وبعض يتابع السير فيما الجنود يقفزون منها في كل اتجاه. انطلقوا يصيحون بالمارة وبمن هم في المقاهي مشرعين بنادقهم وحراباً لامعة في مقدماتها تثير الرعب. توقف أبي عن السير. بدا عليه القلق. تمتم بصوت خفيض:
- الانكليز.. يافتاح يا عليم.. نعود يا بني إلى البيت.. لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم..!
وعلى حين غرة أخذوا يطلقون الرصاص في مختلف الأنحاء. اجتاحني الذعر. اقتربت من أبي ألوذ به.. سمعت عنهم في المدرسة، وفي كل مكان لكني لم أرهم رأى العين في مثل هذه الحال قبل ذلك.
صرخت في فزع:
- نعود يا أبي ..
وفي ذات اللحظة رأيته يضع يده على صدره، تجحظ عيناه.. يرتجف.. الدماء تنبثق من صدره.. تفلت يدي من قبضته.. يترنح.. يتهاوى.. يسقط.. يعقد الذهول لساني.. يا إلهي.. هذه اللحظة كنت أسمع صوته.. ارتميت فوق صدره ..أضمه.. ألتصق به - أغمره بالدموع.. أصرخ بجنون:
.. يابا.. يابا ..
وجرس المدرسة يدق وسط زخات الرصاص آتياً من مكان سحيق.