- 3 -

6 0 00

- 3 -

وقفت أمي قرب باب الدار مع من تجمع من الجارات إثر سماعهن أصوات الرصاص، وصياح الصبية الذين اندفعوا يتراكضون خلال الأزقة. أدركن للتو أنها عملية انكليزية أخرى. استوقفن واحداً من الغلمان، فأنبأهن بأن الانكليز قد أطلقوا الرصاص على الناس في المقاهي والطرقات والسوق.. إنهم يطلقون الرصاص في كل مكان.. أخذن يتساءلن في توجس وقلق عن السبب الذي دعا هؤلاء إلى اقتراف جرائم جديدة في قريتهم في هذا اليوم، خمنت إحداهن قائلة:

- ربما كان ذلك بسب نسف الثوار للخط الحديدي بالأمس على مقربة من القرية .

عقبت أخرى بسخرية:

- ومتى كان هؤلاء ينتظرون سبباً يبرر ارتكاب الجريمة التي يريدون يا حبيبتي ..

تدخلت ثالثة :

- إذا كان الأمر كذلك يا أم مريم فلسوف تأتي اليوم الانذارات بالعقوبات الجماعية التي ابتكروها.. سيفرضون علينا عقوبات فادحة هذه المرة غرامات وجزاءات أيضاً..

قالت أم مريم باستنكار :

- وهل بقي لدينا ما نقدمه يا فاطمة ؟

- من قال لك، يا حبيبتي أن (إنسانيتهم) سوف تجعلهم يقدرون ظروفنا ..؟

- ولكن أليس هذا هو الظلم بعينه؟ الفاعل واحد أو اثنان أو ثلاثة، فما معنى أن يؤاخذ الجميع..؟ هذا إن كان ما فعلوه جريمة حقاً ..!

قالت (أم سعيد) وقد ظلت صامتة طوال الوقت :

- تتحدثن عن الظلم والظالمين، يا نور عيني، ووجودهم هنا، هو منتهى الظلم. بأي حق هم هنا أصلاً ..؟

سادت لحظات صمت. مضت كل واحدة منهن تضرب أخماساً في أسداس، بينها وبين نفسها، إلى أن عبرَّت أم مريم عما كان يساورها من قلق:

ترى من هي المسكينة التي حلت بها المصيبة في هذا النهار ؟

ردت أم عدنان في صوت خافت تشوبه نغمة حزن طال بها العهد:

- كما ترين. نربي أبناءنا الأيام والسنين.. نفني أعمارنا في تنشئتهم يوماً بيوم، ساعة بساعة.. نبني عليهم آمالنا العريضة.. نود لو نفديهم بأرواحنا إذا أصابهم مكروه.. ثم نفقدهم في طرفة عين.. يد غريبة تجيئ من أقصى الأرض، تضغط على الزناد، وينتهي كل ما بيننا..! أطرقت النسوة إجلالاً لأم عدنان التي سبق لها أن فقدت ولدها عدنان في ظرف مماثل منذ شهور قليلة ومابرحت تتشح بالسواد .

- إنهم.. هكذا.. ببساطة متناهية يسلبوننا حق الحياة، ولا يحاسبهم أحد.

- من أجل ذلك قامت الثورة يا عزيزتي. هي التي ستأخذ على عاتقها أمر حسابهم .

قالت أم سعيد، لنفسها وهي تستمع إلى رفيقاتها، أنها سوف تطلب إلى (أبو سعيد) فور عودته، أن يقلل من خروجه منذ اليوم، ما دامت الاستهانة بأرواح الناس قد بلغت هذا الحد.

لكن خوفاً غامضاً يسري في أعماقها. بل إنها تحس بذلك الشيء المبهم يلم بها منذ أيام، دون أن تعرف كنهه أو تجد له تفسيراً. حتى أحلامها كانت في الأيام الأخيرة كوابيس مرعبة. وهي من ثم، تلعن الشيطان تارة، وتعوذ بالرحمن، تارة أخرى، مؤملة ألا يكون مبعث ذلك الانقباض سوى كآبة عارضة لن تلبث أن تزول، أو بسبب مرض خفي يلم بها لم تتبين ما هيته. آه ليت الأمر يكون كذلك..! أو هي تلك الأحداث التي تسود البلاد فتقبض النفس.

تحاول التخلص من ذلك الشعور الممض بالجنوح إلى التفكير في المستقبل، وبما يمكنها أن تتخذ من أسباب الحيطة - في نطاق صلاحياتها المحدودة - بما يضمن سلامة أبنائها، وأبيهم .

أصوات هادرة تترامى عن بعد. تقترب رويداً.. تتعالى.. تتضح معالمها أكثر فأكثر، إلى أن تتحول إلى هدير مرعد. جمهور غفير تبدو طلائعه عند ناصية الشارع. يهرع الأطفال من البيوت المجاورة على جانبي الطريق، يرفدون الموكب بانضمامهم إليه، فيكبر، ثم يكبر، حتى يضيق بهم الزقاق. همت عائشة (أم سعيد) بأن تنادي أحدهم كي تسأله عن ذلك الشهيد المحمول على الأكف والأكتاف. غير أنها أمسكت حين رأت غلاماً يهرول نحوهن، وهو يصيح بأعلى صوته، وكأنه يعلن بشارة سوف ينال عليها مكافأة :

- الانكليز.. قتلوا عم سليم.. أبو سعيد ..!

شق الفضاء صراخها المروع فيما هي تندفع نحو الجموع، والنسوة اللائي ذهلن للحظة، أمسكن بها لمنعها من اقتحام الموكب، وهي في حالة تشبه فقدان الوعي. يخرج من بين الجمهور شقيقها (رمضان) متصدياً لها، محيطاً إياها بذراعيه، زاجراً ومناشداً :

- قضاء الله الذي لا مفر منه.. إنه شهيد يا أختاه.. هنيئاً له.. كفى.. كفى بالله عليك.. أنت عاقلة ياعائشة.. إنه قدره.. !

تصرخ في التياع :

- المجرمون.. قتلك المجرمون.. ويلهم من الله.. أين ولدي.. أين أمين ؟

هتف رمضان كي يُسمعها.. وربما ليسكتها :

- أمين بخير.. أقسم لك أنه بخير..

كنت في تلك اللحظة أهرع إليها.. أرتمي في حضنها.. يهزني النشيج هزاً، كأني ألتمس في حضنها عودة أبي للحياة.. شعرت كأني غبت عنها دهراً.. وها أنذا أعود. طفقت تضمني إليها بعنف.. تقبلني بجنون، كأنها لا تصدق أني بين يديها. غمرت وجهي دموعها.. اختلطت دموعنا معاً، وهي تغمغم بكلمات تضيع بصوتها المبحوح بين البكاء وأصوات الجموع الغاضبة .

تبين أن عدد قتلى ذلك الصباح خمسة، والجرحى ضعف هذا العدد. شيعوا جميعاً في جنازة واحدة، تحولت إلى مظاهرة تندد بالجناة، وتطالب بالاستقلال وسقوط بلفور..! حال بعضهم بيني وبين مشاهدة القبر ساعة الدفن. دعينا مع حشد من الناس إلى الغداء في بيارة أبو جبريل النجار، حيث ذبحت الخراف، وقدم طعام كثير للجميع. في (بواطي) ملأى بالأرز واللحم والرجال لا يكفون عن الحديث حول الحادث وحوادث أخرى كثيرة سبقته في قريتنا، كما في غيرها.

في دارنا واصلت النساء إحضار الطعام، ومواد أخرى كالسكر والقهوة والأزر. ولا يزيد ذلك أمي إلا حزناً وألماً وبكاءً. طفقن يعزينها بكلام كثير. يضربن الأمثال، ويرددن الحكايا من حوادث الأيام الغابرة والراهنة .

صبيحة اليوم التالي لتشييع جثمان أبي، وضعت لنا أمي على (الطبلية) فطوراً من البيض المسلوق والزيتون وخبز الطابون، وصحناً من العسل. هذا الأخير كان مما جاءت به الجارات. لم يكن العسل طعاماً مألوفاً لدينا في وجباتنا المعتادة. دار الجمل يتناولونه، ودار ابو عون وغيرهم من اثرياء القرية، أما نحن..؟

أُحسُّ بفراغٍ يحتلُّ مكان أبي، حيث كان يجلس بيننا، ونحن من حوله.. لكن ها هو ذا أمامي في مكانه المعتاد. صغيرتنا علياء تقبع في حجره. يضحك لها.. يضمها إليه.. يمسِّد شعرها.. يضع اللقمة في فمها بعد أن يغمسها بالعسل.. تسمَّرت يدي في مكانها قبل أن تبلغ الطبق. انفجرت بغتة باكياً، بصوت ارتاعت له أمي الجالسة قريباً منا مع جاراتها، فأقبلت مسرعة، تاركة النسوة اللواتي ملأن المكان صخباً. تبعنها سراعاً. واحتضنتني أمي وبصوت مبحوح : " مالك يمَّة.. " انفجرت علياء أيضاً تنشج بصوت عالٍ. بادرت خالتي الى حملها.. تلصقها بصدرها.. تهدهدها.. تقبلها وهي تردد بصوت يخنقه البكاء .

".. مالك يا حبيبتي.. اسم الله عليكِ.. الله يجازي أولاد الحرام.. أبوكِ مسافر بكره ييجي ياحبيبتي ...

أبي يرمقنا بعينين حزينتين.. يمضي بعيداً يتلاشى في الغمام المائل مابين عينيَّ والسماء..