- 4 -

8 0 00

- 4 -

ران على المنزل سكون حزين. أقيم فيه الحداد. ارتدت أمي ملابس سوداء أضفت عليها مزيداً من الجلال والمهابة. أنظر إليها فأكاد لا أعرفها لفرط تغيرها. فقد علا وجهها شحوب ينم عن حزن كظيم. ذبلت عيناها، وفارقتها ابتسامتها العذبة، وتوارث خصلات شعرها الفاحم التي كانت تزيد من نضارة محياها، تحت منديل أسود، قلما تزيحه عن رأسها .

اعتكفت في بيتها لا تبرحه. وبدت منطوية على نفسها تبثها الحزن والشجن. زاهدة في لقاء الناس أو التحدث إلى أحد. لقد أمست أرملة، وهي لما تزل في ريعان صباها.

" أرملة..! يا لها من كلمة كئيبة. لم تحسب يوماً أنها سوف تحملها لقباً أبدياً. ولكن ها هي ذي منذ اليوم سوف تحمل من هموم الحياة وأعبائها ما لم يكن يخطر لها على بال. كان سليم يملأ عليها حياتها، بشخصيته القوية الآسرة. تشعر في كنفه بالحماية والأمن. لقد ذهب الآن، تاركاً إياها منكسرة القلب والجناح، مع أطفالها الأربعة، لكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها كعهدها بها فيما سلف. بل إن الكون كله يبدو الآن موحشاً مخيفاً، وكأنه قد خلا من كل شيء" .

لم يترك لنا الشيء الكثير، اللهم إلا هذا المنزل العتيق. لم يكن سيئاً، على أية حال. غرفتان تمتد أمامهما شرفة. هي في الواقع مصطبة مرتفعة مدت بالأسمنت الأسود. وقد بني البيت من الحجر الرملي، المتوافر في محاجر القرية مجاناً لمن يشاء. أما السقف فمن القرميد الرمادي. وقد ارتفعت أرضها جميعاً عن سائر فناء الدار، فبدت منها أزقة القرية المنخفضة عن مستواها، والمنازل القديمة المفضية إلى البيادر، التي تبدو عن بعد وسط نطاق أخضر من بيارات البرتقال. وقد اعتاد الفلاحون جمع محاصيلهم من القمح والذرة في تلك البيادر، حيث يدرسونها بواسطة الدواب، فيما تتردد أصواتهم بأهازيجهم ومواويلهم، يقطعونها بين آونة وأخرى، لينتهروا دوابهم ويحثونها على مواصلة السعي.

فضلاً عن هذا كان بيتنا ينطوي على شيء غير قليل من العلل. من ذلك أن بعض قرميده قد تشقق أو تكسر منذ زمن، مما يتيح لقطرات المطر التسرب إلى داخله. أما جدرانه فمتآكلة، ذهب طلاؤها وبعض طينها. كما أن فناءه حافل بالحفر. صحيح أن أبي كان يزمع ترميمه منذ سنين، إلا أنه كان يرجئ ذلك من الشتاء إلى الصيف، عاماً بعد عام، منتظراً أن يأتيه الله برزق يوسع عليه بعض الشيء، يمكنه من إصلاحه مرة واحدة. بيد أن توقيت الأجل كان الأسبق. كما نملك أيضاً قطعة أرض صغيرة، في منطقة (أم الذهب) وقد أسموها كذلك - فيما يروى - لخصوبتها ووفرة محصولها. كانت تزرع قمحاً في عام وذرة في العام الذي يليه، تبعاً لتقاليد الفلاحين المرعية في هذا الشأن.

ليس معنى هذا أننا كنا نحسب في عداد الفلاحين أو الملاكين الموسرين. بيد أنها كانت تقينا الحاجة و العوز. ولم يكن أمر تعهد الأرض بالأمر الهين، لا سيما أن والدي لم يكن يمارس مهنة الفلاحة بنفسه. كان يعهد بها إلى (مرابع) هو العم عبد الغني، لقاء حصة من نتاجها. أما عمل أبي فقد كان موسمياً، شأنه شأن الكثيرين، في فصل الشتاء، موسم قطاف البرتقال .

كانت أمي في ذلك الصباح منشغلة البال. فلقد خلت إلى نفسها تماماً، لأول مرة، عقب انقضاء أيام العزاء بضجتها و زحمتها. أحست كمن يهبط من قطار بعد رحلة طويلة مضنية، والطنين لا يزال يصم أذنيه. انصرف الناس - بمن فيهم الأقارب - كل إلى شأنه. لا ريب أنهم سوف يذكرون محاسن الفقيد من آن لآخر، لاسيما في المناسبات العامة، كالأعياد مثلاً، إلا أنهم سوف ينسونه، بالتأكيد، على مر الأيام. أما هي فاليوم تبدأ مأساتها الحقيقية. وهي التي لن تنسى قط. بل إن مرور الأيام لن يزيدها إلا حنيناً وشجى لذكريات عزيزة خلت، امتزجت بدمها وروحها، وأضحت جزءاً من حياتها وكيانها. من ثم، فهي سوف تتمثلها بحجمها الحقيقي في كل لحظة منذ الآن، وتعيشها في أحلام يقظتها على الدوام. أفاقت من هذه الدوامة على واقعها المرير، الذي لا علاج له، حتى ولا بالصبر الذي كانت الجارات يتحذ لقن فيوصينها به. على الرغم من ذلك حاولت أن تصرف نفسها عن أحزانها - ولو إلى حين - كيما تفكر فيما سوف يؤول إليه أمر بنيها من بعد. قفزت إلى ذهنها صورة أكبرهم (سعيد) لكنها ما أن تذكرته حتى أصابها القنوط. قطبت جبينها، واكفهر وجهها، وألمت بها مشاعر الأسى من جديد :

".. صحيح أنه قد بلغ الثالثة عشرة من عمره، وأنه يمكن أن يعمل عند بقال، أو حلاق، أو فران - لكنني لا أنتظر منه خيراً كثيراً.. ولد شقي منذ طفولته.. أدخلناه المدرسة فهرب منها وأذاقنا الويل.. أجل كان يهرب من المدرسة، ليقضي سحابة نهاره بين الحقول مع مثيل له من رفاقه الملاعين.. يكسِّر أغصان الأشجار.. يسرق البرتقال من بيارة العطار لكي يتخذ من حباته كرة يلعب بها.. يتسلل عبر السياج فيأتيني بثيابه ممزقة.. يتعلق بالسيارات العابرة التي أو شكت إحداها أن تدوسه ذات مرة في طريقها من يافا إلى غزة..!

".. تصورنا أول الأمر انها مجرد نزوة عابرة.. (ولدنة).. وأن الأيام كفيلة بإصلاحه .و لكن الأيام لم تزده إلا شقوة كلما شب ونما. ".. أخرجناه من المدرسة ليعمل عند (ابو درويش) الوافد من يافا، ليفتح دكاناً للحلوى عند السوق، قائلين أن (الصنعة) خير وأبقى له من دراسة لا يرغب فيها ومن أجل مستقبله قلنا (صنعة في اليد أمان من الفقر). ولكن شكاوي الرجل بدأت تصلنا تباعاً. كان آخرها قبل أيام، وهي بمثابة إنذار بالفصل، إذا ما وجده يعود للعب الورق مع بعض أترابه، في عقر حانوته أثناء غيابه عن الدكان.. ".. فإذا كان هذا شأن سعيد، يوم كان الأب الصارم فوق رأسه، فكيف به اليوم وقد غدا بغير حسيب و لا رقيب ..! خطر لها ثاني أبنائها أمين. الولد العاقل المتزن - كما كانت تدعوه - هادئ وديع. حتى ليبدو أكبر من سنه التي لم تجاوز الثامنة. وهي راضية عن سلوكه. إذ هو على النقيض من أخيه الأكبر تماماً. ولربما كان الفضل في هذا لذلك الأخ نفسه - وإن يكن عن غير قصد -. كان يؤلم أمين أن يرى ما يحيق بأبويه من كدر بسبب أخيه، فجاءت تصرفاته مختلفة عنه. وكان في ثناء أبويه الدائم عليه، فضلاً عن إطراء الجيران له ما يدفعه إلى العمل على إرضائهما .

لم يكن هذا - على أية حال - مدعاة لتخفيف آلام عائشة، وإنما كان سبباً آخر يضيف إلى أحزانها الشيء الكثير. إنها حزينة من أجله لأنه كذلك. ولما يعنيه فقد أبيه في سنه المبكرة هذه من تغيير في مسار حياته المقبلة، في اتجاه مستقبله برمته. لقد خطت الرصاصات المجرمة بالدم النازف طريق مستقبلهم جميعاً .

" أما أحمد فما الذي ينتظره هو الآخر..! كان ممكناً أن يشب في أحضان أبويه، شأنه شأن أي طفل في هذا العالم. كان ذلك ممكناً تماماً، لو لم تبتلنا الأقدار بهؤلاء الانكليز.. ولكن ما ذنبه هو؟ وأيُّ يدٍ أو خيارٍ له في هذا الذي يجري من حولنا ..؟

".. وعلياء الأثيرة عند أبيها، ربما لأنها الوحيدة بينهم، فضلاً عن أنها أصغرهم. من يأتيها، بعد اليوم (بحلاوة) أبو درويش، (وملبَّس) أبو العبد الرملاوي في المساء؟ تهرول عندما تراه قادماً عند ناصية الزقاق، فتلقي بنفسها بين أحضانه، وهو يجلس القرفصاء في انتظار وصولها إليه. تناغيه بكلمات غير مفهومه.. لكنها حلوة.. كالعسل.. كما يقول ...!

" وهي تعرف دالتها عليه، فتصر على الجلوس في حجره، تعبث بأطراف عباءته، أو تخطف مسبحته، وتدخلها كالقلادة في رأسها، وعندما تعلق بشعرها الكستنائي الغزير تشرع في الصراخ، فيما هو يضحك جذلاً، لأنها تكرر ذلك كل يوم دون أن ترعوي ...!

دلف أمين إلى المنزل في تلك اللحظة، متأبطاً كتبه ودفاتره. تجلدت. أمسكت دموعها التي أوشكت أن تنهمر. وتكلفت ابتسامة تواري بها مشاعرها. لكن مسحة الحزن على وجهها الممتقع، وفي عينيها الذابلتين، لم تفلح في إخفاء مكنونات صدرها .قالت أخيراً بصوت خافت مبحوح :

- وكَّلت أمري إليك يارب.. على رأي الحاجة : العبد في التفكير والرب في التدبير.. وكَّلت أمري إليك.. أنت حسبي ونعم الوكيل .