الفصل الثالث
الجــــــــــــزيــــــــــرة الخضـــــــــــــــــــــراء
الجزيرة الخضراء هي واحده من الجزر الهامه التي تقع في خليج السويس ، وهي تقع في اقصي الشمال من خليج السويس ولها اهميه استراتيجيه وعسكريه كبيرة جدا حيث انها تشرف وتتحكم في المدخل الجنوبي لقناه السويس تحكما كاملا ، وهي لا تبعد عن شاطئ مدينه السويس سوي خمسه كيلومترات وعن شاطئ بورتوفيق وسيناء سوي سبعه كيلومترات .
وتاريخيا اكتشف البريطانيين اهميه هذه الجزيرة فوضعت فيها قوة مسلحه دائمه لتأمين الملاحه في المدخل الجنوبي لقناه السويس وبعد انتهاء الاحتلال البريطاني لمصر ، وضعت مصر بها قوة مسلحه خفيفه زادتها بعد النكسه خوفا من استثمار العدو لنجاحه وقيامه باحتلا ل تلك الجزيرة الهامه ، مما يمكنه من تهديد جنوب السويس وطريق البحر الاحمر وميناء الادبيه .
ورغم صغر حجم هذه الجزيرة التي لا يزيد عن كيلومتر واحد ، فقد تمسكت بها مصر بضراوه وحاول الطيران الاسرائيلي كسر مقاومه الجزيرة اخضاعها لكنه فشل في ذلك ، وكانت من اكثر المواقع تعرضا للغارات الجويه .
وصل خيري الي مدينه السويس في مارس 1968 ، وكان الدخان الاسود يغلف سماء المدينه بصورة رهيبه جدا ، وكان صوت ضرب المدفعيه مسموع من بعيد ، وتحولت حاله الهرج والضحك في صندوق السيارة الي حاله صمت وترقب ووجوم ، فقد دخلوا الي الجبهه بكل ما تحمله من قتال وضحايا واصابات ومعاناه كل يوم ، كانت رائحه البارود تملئ الجو بصورة مكثفه من جراء القصف المدفعي الاسرائيلي علي المدينه ، وبينما السيارة تسير ببطء في طرق السويس ، تطلع خيري ورفاقه الي حجم الدمار الهائل الذي حل بالمدنيه ، فالمباني شبه مهدمه ومن النادر ان تجد منزلا غير مصاب بطلقات او شظايا عديده ، او تجد طريقا ممهد فكل الطرق بها فجوات ناتجه من القصف المعادي .
كان خيري مجبرا ان يقارن بما يراه في السويس وبين مشاهد الحقول الممتده حول مسار القطار ، او بين قريته التي تنعم بالهدوء التام والسلام بينما السويس تعاني من الحرب والخراب، كان الاحساس الذي لازمه في تلك اللحظه انه خرج من عالم الي عالم اخر مختلف تماما عما يعرفه .
كانت الحرب تطل بوجهها القبيح علي السويس وتعلن انها مدينه اشباح فالعدو علي بعد امتار قليله منه الان ، لا يفصل بينهم سوي قناه السويس ، فها هو المسرح قد ُاعد والمواجهه مع العدو ستحدث لا محاله ، ومع السير البطئ الاجباري لسيارة الجنود تطلع خيري الي مظاهر الحياه في السويس ، فرغم هذا الدمار الهائل ورغم التهجير الاجباري لاهل السويس الا ان عددا كبيرا منهم رفض مغادرة منزله واثر التمسك ببيته ولو حتي معرضا حياته للموت ، فها هي سيده تقف تشتري حاجيات منزلها من منفذ التموين ، وهذا اخر يقف في محله ليبيع الخردوات ، مظاهر تظهر علي استحياء لحياه تحت القصف المعادي المتقطع .
دلفت السيارة الي جوار احد المباني ، وتوقفت وُطُلب منهم النزول ، فنزل الجنود من السيارة وهم واجمون مما هم فيه
وتم تقسيم الجنود بواسطه احد العرفاء ، فجزء سينطلق الي منطقه الشط ، وجزء اخر سيتجه مع السيارة الي قياده الجيش الثالث وجزء اخر سيتحرك سيرا الي احد مواقع المدفعيه المضاده للطائرات والمخصصه للدفاع عن مدينه السويس نفسها وتبقي خيري وثلاثه أخرين ، واخبرهم العريف بأنهم سينتظرون في شقه صغيره مهجورة في نفس المكان حتي هبوط الظلام ثم يتحركوا تجاه شاطئ البحر حيث سينقلون بحرا الي الجزيرة .
دلف خيري الي تلك الشقه المهجورة داخل المبني الخالي من السكان، والتي اتخذها العريف نقطه للراحه حتي التحرك ليلا ، وضع خيري المخله التي تحتوي علي حاجياته الشخصيه والعسكريه ، ومدد جسده علي الارض واضعا رأسه علي المخله وتسلل النوم الي عينيه رغما عنه .
وقرب المغرب أستيقظ خيري مرعوبا مفزوعا وهو يسمع دوي انفجار رهيب قريبا منه اهتز علي اثرة المبني بشده ، وتطاير من النوافذ ما تبقي بها من زجاج و عم الفرغ ارجاء الشقه ، وبدأ الذعر علي خيري وعلي زملائه الثلاثه ، أما العريف فكان هادئا يحتسي كوبا من الشاي ويجلس في احد اركان الغرفه باسما وهو يقول (( اهلا بيكم علي الجبهه )) فأنفعل احد الجنود غاضبا من هدوء العريف فانفجار القنبله كان قريبا جدا وكاد يودي بحياتهم ، فأرتشف العريف بعضا من الشاي بلا اكتراث بغضب الجندي واستكمل باسما
(( من الحاجات اللي هتتعلموها في الحرب ، ان القنبله اللي هتموتك مش هتلحق تسمع صوتها ، وطالما انك سمعت صوت الانفجار يبقي انت عايش ، وانا واحد بعرف ربنا وعارف ان لكل اجل كتاب ، فبلاش قلق وكلها كام يوم وتتعودوا علي الضرب واعصابكم تهدأ ))
لم يستطع خيري ورفاقه ان يستوعبوا الكلام الباسم المطمئن من العريف ، فالانفجار كان قريبا كبيرا ومدويا .
خرج خيري مع رفاقه بعد ثوان من الانفجار يتابعون تبعاته ، فوجدوا ان الانفجار اصاب الطريق العام وبدأ الدخان في التلاشي تاركا فجوة عملاقه في وسط الطريق .
وقف خيري ورفاقه ينظرون الي رد فعل اهالي السويس بعد الانفجار ، فوجدوا ان احدا لم يهتم بالتجمع قرب الانفجار كعادته المصريين في التجمع والتجمهر عند اي حادث ، لكن احدا من اهل السويس لم يبالي .
فقط سيارة دفاع مدني جاءت مسرعه تشق الطريق شقا ومن خلفها سيارة اسعاف وتوقفتا قليلا قرب الانفجار ، وعندما تأكد من فيها بأن الانفجار لم يخلف ضحايا او حرائق ، عادتا مسرعتين من نفس الطريق.
مالت الشمس خلف جبل عتاقه وبدأ الظلام يحل تدريجيا علي السويس وبدأت معالم المدينه تختفي امام عيني خيري وهو يقف يتأمل في شرود ويحاول ان يستوعب الواقع الجديد الذي اصبح فيه
نادي العريف علي خيري ورفاقه بان يستعدوا للرحيل، فقد اوشك الظلام ان يملئ ارجاء المكان تاركا ستارا يمكن للرجال التحرك في ستارة بهدوء ، وبعد دقائق كان الرجال يتحركون سيرا حاملين المخالي متجهين تجاه شاطئ خليج السويس
سار الرجال خلف العريف في صمت يتابعون ما يستطيعون متابعته من مباني المدينه المهدمه ، وقرب الشاطئ أشار العريف تجاه الشرق قائلا (( الصبحيه تقدروا تشوفوا العلم الاسرائيلي علي الناحيه التانيه من هنا )) أحس خيري علي الفور بالدم يندفع في عروقه حارا حارقا ، فالكلاب لا يبعدون عنه الان سوي امتار ، لابد وانهم الان يضحكون ويمرحون ومستمتعون في مواقعهم علي ارضنا المحتله ، ياله من شعور قاسي بالعار والخزي والمهانه وقله الحيله والذي يجتاح كل مصري يري العلم الاسرائيلي امامه يوميا بدون ان يستطيع ان يحرقه او ينكسه ويضع علم مصر محله .
وصل خيري الي شاطئ الخليج علي بعد عده مئات من الامتار فقط من عدوة ، وامرهم العريف ان يتجهوا معه تجاه احد لنشات الصيد الراسيه علي احد المراسي ، وجد خيري لنشا قديما متهالكا يعلوه صاري وعلي الصاري علم صغير لمصر مقطع الاوصال ، وبعد لحظات كان الرجال يتخذون مواقعهم علي سطح اللنش في انتظار الابحار .
لكن الانتظار طال وبدأ الرفاق في الاحساس بالملل خاصه وان الجو أصبح باردا جدا، لكن خيري كان معهم جسدا فقط وروحه هائمه فوق ذلك الموقع الاسرائيلي الغارق في الظلام فوق ضفه القناه ، تمني لو معه سلاحا يستطيع ان يمحو ذلك الموقع من الوجود محوا ولا يترك مكانه حجرا فوق حجر .
مر الوقت والرجال مازالوا في انتظار ابحار اللنش وتعالت الاعترضات من الجنود بسبب بروده الطقس ، لكن العريف اخبرهم بأنه تم رصد دوريه مدرعه اسرائيليه عند بورتوفيق ، ومن الممكن ان تقوم برصد اللنش و فتح نيرانها عليه في اي وقت لذلك هم في انتظار ابتعاد الدوريه عن شاطئ الخليج.
وبعد فترة صعد رجل الي سطح اللنش يلبس ملابس رجال الصيد ، ومع صعوده بدأت الحركه تدب علي اللنش ، وظهر من الظلام جنود يحملون صناديق لتحميلها علي اللنش استطاع خيري تمييز صناديق ذخيرة المدفعيه المضاده للطائرات بسهوله ، وصناديق التعينات والمهمات وصناديق اخري مختلفه الاحجام لكافه متطلبات الموقع .
عاد الرجل بكل خفه ونشاط من قاع اللنش وبدأ في اعطاء اوامرة يمينا ويسارا للرجال والجنود علي السواء والكل ينفذ في طاعه وسرعه فقد كان الجميع يستعد للابحار ، وفي إنعكاس لضوء احد المصابيح الخافته علي وجه الرجل استطاع خيري ان يري ملامح العجز وتقدم السن علي وجه الرجل والذي قدر خيري عمرة بأنه اكبر من سبعون عاما علي اقل تقدير ، ورغم ذلك فأن الرجل يتمتع بحيويه ونشاط شاب في العشرين من عمرة .
وبعد قليل دار محرك اللنش بصوت عال جدا معلنا عن محرك يعاني من تقدم العمر وقله الصيانه ، وبدأ اللنش يتحرك رويدا رويدا مغادرا الشاطئ وتاركا قلوب الرجال تودع اضواء السويس الخاقته في خوف وترقب مما يمكن ان يقابلونه في المستقبل علي تلك الجزيرة .
ومع مغادره اللنش الشاطئ تحرك خيري الي المقدمه حيث كان شوقه الي موقعه والي سلاحه ، ودار عقله برفاقه الثلاث الجالسين في صمت يدخنون السجائر وفكر أيعقل ان يكون احدهم صديقا له او قريبا من نفسه كمحمد ، لكنه رد علي نفسه بسرعه تلقائيه رافضا تلك الفكرة رفضا باتا ، وتساءل مرة اخري في نفسه عن حال هؤلاء الثلاثه والذي لا يختلف عن حاله كثيرا .
فمن المؤكد ان كل منهم كان يخطط للمستقبل بشكل مختلف تماما ولم يكن يضع في حساباته او توقعاته ان يكون مستقبله في الحرب والقتال ومواجهه الموت من كل جانب .
مستقبلهم اصبح بين عشيه وضحاها قاتما اسودا لا امل فيه في القريب ، فتمتم خيري من اعماق قلبه وهو ينظر تجاه نقطه العدو (( الله يخرب بيوتكم بيت – وييتم عيالكم قادر يا كريم ))
ووسط ظلام حالك سواء من السماء الملبده بالغيوم الكثيفه او من البحر الساكن بلا حركه كالسجاده الثقيله، تحرك اللنش مسرعا تجاه الجنوب وخيري يقف علي مقدمته هائما في الماضي متحفزا للمستقبل ، ومع تعالي صوت اللنش في ارجاء البحر جاءته من خلفه يد ممدوه بسيجارة مشتعله ، فرفض بأدب وسار بعينيه ليري وجه صاحب هذه اليد ، فوجده الريس غريب صاحب اللنش وربانه ، والذي قال وهو يشعل لنفسه سيجارة (( سمعتك بتلعن ابو اليهود ، فقلت اجي معاك العن ابوهم )) وسحب الرجل نفسا من سيجارته بينما لم يتجاوب خيري مع الحوار
فأردف الرجل سائلا ((انما انت منين يا دفعه ؟؟))
فرد خيري (( منيا القمح – شرقيه )) فتهلل وجه الريس غريب (( أجدع ناس واهل الكرم والجود كله )) فتبسم خيري علي مجامله الريس غريب ، في نفس الوقت تعالي صوت الحديث بين الجنود الثلاثه المرافقين لخيري علي سطح المركب ،فألتفت اليهم الريس غريب معاتبا وطالب منهم عدم رفع صوتهم خشيه ان يسمع صداه في البحر ويسمعه اليهود من الناحيه الاخري ، فرد احد الجنود مداعبا (( ياريس انت صوت مركبك بيتسمع في اسوان )) وضحك الجميع وتبسم الريس غريب من مداعبه الجندي له ثم تحولت نظرته المبتسمه الي جديه (( انتم اصلكم لسه صغيرين ومتعرفوش اليهود كويس ، احنا بقه السوايسه عارفنهم كويس جدا ، انا حاربتهم في 48 وكنت مع الشهيد احمد عبد العزيز ، الله يرحمه كان مجننهم بجد، وفي سنه 56 كنا شايفنهم علي البر التاني وشفنا عملوا ايه في العمال الغلابه اللي ملهمش في الطور ولا الطحين ، ياولداه العمال ادفنوا عايشين ،وطبعا اللي حصل في يونيو اللي فات ده ملوش وصف،دول ناس ميعرفوش دين او اخلاق ))
اصطدمت كلمات الرجل الحاده بعقل كل منهم بقوة جعلت العقول تعمل في تصوير ما يقوله ، لكن الرجل أستطرد بدون ان يترك لهم فرصص للحوار (( بس علي فكرة الحرب لسه مخلتصش ، انا كل يوم بشوف رجاله زي الورد ، زيكم كده بالضبط ، الرجاله دول بيعدوا الكنال للناحيه التانيه بالقوارب وساعات عوم كمان ، بيموتوا منهم كتير وبيضربوا دباباتهم ، ومن كام اليوم الولد الرفاعي رجع وهو معاه اسير من ولاد الكلب، وبعد ساعه كانت السويس كلها عرفت ان الرفاعي جاب اسير )) تساءل خيري في عقله سريعا عمن يكون هذا الرفاعي الذي تعرف السويس عملياته وتتابع اخبارة ، التقط الرجل انفاسه ثم استطرد ((الرفاعي ده ولد مجبتوش ولاده ، ومعاه رجاله ياكلوا الظلط ، ربنا يكرمه ويكرمنا معاه ، لكن انا بقه واللي في سني ..... خلاص راحت علينا البركه فيكم بقه ، لو كل واحد فيكم عمل اللي عليه ، صدقوني هنرجع الارض ))
جاء صوت احد مساعدي الريس غريب ليقطع استرسال الريس غريب في الحوار.
وتحرك الريس بسرعه واستلم دفه القياده ، وانتبه الجميع لما يحدث ويبدأ اللنش في الانعطاف في اتجاه اخر ، حاول خيري ان يفهم مغزي هذه التحركات البحريه ، فاللنش يسير وسط ظلام تام سواء في السماء او البحر علي السواء ، وبعد لحظات صعد الريس غريب الي مقدمه اللنش مرة اخري وفي يده مصباح ، وبدأ يعطي اشارات ضوئيه متقطعه وتعجب خيري عندما شاهد اشارات رد تلك الاشارات من وسط الظلام وتساءل بتعجب عن كيفيه اهتداء الريس غريب الي مكان الجزيرة في سط هذا الظلام .
وبعد قليل صاح الريس غريب في الرجال (( لما نربط ، كل واحد منكم يشيل صندوق وينزل بيه بسرعه ، انا مقدرش اقف في الجزيرة كتير والا هيسمعونا وهننضرب علي طول ، لكن قبل ما نربط انا عايز اقولكم حاجه واحده بس تحطوها حلقه في ودانكم من واحد شاف اللي مستحيل واحد منكم يشوفوه من اليهود ، الجزيرة دي أمانه في رقبتكم واوعوا تخلوا رجل كلب يهودي تلمس ارضها الطاهرة ، الجزيرة دي حته من مصر ومتخلوش حد ياخذ مصر منكم الا علي جثثكم ))
أحس خيري برجفه مع كلمات الريس غريب ، فكلمات الرجل المشجعه لمست وجدانه تماما .
أقترب الضوء المتقطع من الجزيرة ومن خلفه بدأت معالم الجزيرة تظهر شيئا فشيئا وسط الظلام الحالك ، فرغم الظلام الحالك الا ان داخل هذا الظلام يقبع رجال ساهري الاعين ، متقدي الحماس ،شديدي الايمان برغبتهم في الصمود ومنع العدو من النيل من جزيرتهم الصغيرة .
رسي اللنش علي الشاطئ وسرعان ما حمل كل جندي صندوقا كما قال لهم الريس غريب ونزل به بسرعه بينما صعد جنودا اخرين ليقوموا بعمليه التفريغ لبقيه الصناديق، لم يري خيري من اين ظهر هؤلاء الجنود الا انه وجدهم فجأه علي حافه اللنش خارجين من وسط الظلام في خفه وسرعه .
وما هي الا لحظات الا وغادر اللنش شاطئ الجزيرة تاركا خيري وسط رفاقه الجدد في وسط ظلام الجزيرة .
ومع بدء صوت محرك اللنش في الاندثار ، صاح صوت اجش يحمل نبرة أمرة لا تجعل من الممكن تجاهلها
(( أقف انتباه يا عسكري منك له )) فوقف خيري ورفاقه في وضع الانتباه بسرعه .
وضع الرجل ذو الصوت الاجش الضوء في اعين الجنود وخاطبهم (( حمد الله علي السلامه يا رجاله ، انا اسمي الشاويش عباس انا حكمدار الموقع ، اللي محتاج حاجه يجيلي وانا اعملهاله واللي هيعمل حاجه غلط ومش هيمشي معايا زي الساعه هطين عيشه اللي خلفوة )) حاول خيري ان يتعرف علي ملامح الرجل ذو اللهجه الحاده ، لكنه فشل فقد اعماه ضوء المصباح المسلط علي اعينهم ، وبعدها أستكمل الشاويش عباس حديثه بنبرة هادئه لا تخلو من صيغه الامر
(( دلوقت الرائد منعم قائد الموقع هيقابلكم )) واستدار الشاويش وسار ومن خلفه الجنود الي قلب الموقع
تعثر احد الجنود وقاوم خيري الا يتعثر ، فهم يسيرون فوق صخور حاده بارزة في الظلام خلف ضوء الشاويش والذي مثل لهم الدليل، وبعد عده خطوات احس الشاويش بتعثر الرجال فقال لهم (( خلاص وصلنا )) فتمتم احد الجنود غاضبا في هدوء بينما تساءل خيري في نفسه (( وصلنا ازي ؟؟!ّ!!!!!)
أشار ضوء الشاويش الي ضوء اخر يبرز خافتا بين الصخور وامرهم بالنزول ، نزل الجنود ومن بعدهم خيري وفي النهايه الشاويش عباس
كان الضوء يقترب بينما خيري يهبط درجات صناعيه مصنوعه من شكائر الرمل الصلبه بينما جانبي الدرج من صخور الجزيرة ناريه اللون ، ومع نزوله عده درجات زاد الضوء جدا ووجد امامه خليه نحل لا تهدأ فعلي يمينه وجد رجلا يجلس امام جهاز لاسلكي وهو يضع السماعات علي اذنيه ويدون ما يسمعه ، وعلي يسارة رجلا اخرا يجلس امام جهاز مختلف ويحرك بيده مؤشره في صمت ويستمع بالسماعات بحثا عن اشارة ما ، سار خيري خلف رفاقه عده خطوات ليجد نفسه وسط قاعه كبيرة تتوسطها طاوله موضوع عليها خريطه كبيرة وبجانبها خرائط اخري للجزء الجنوبي من قناه السويس ، ومعلق علي الحائط علم كبير لمصر وصورة الرئيس عبد الناصر ، أيقن خيري انه يقف في غرفه عمليات الموقع، وتلي تلك القاعه ممر مظلم لم يستطع خيري أن يستنتج الي أين يؤدي .
وقف الجنود انتباه بينا دخل الشاويش عباس متأخرا ، وتحت الاضواء البراقه استطاع خيري ان يميز صاحب هذا الصوت الاجش ، فوجد رجلا متوسط القامه في الاربعينيات من عمرة يخط الشعر الابيض في جزء من شعرة بقوة بينما تكفل الصلع بباقي أجزاء رأسه ، بدين وغير متناسق الجسد بشكل ملفت للنظر ، يخط شارب سميك وجهه ويغطي فمه تماما
دلت هيئه الشاويش عباس انه امضي ردحا من الزمان في الاعمال المكتبيه ومثله مثل عشرات اخرين فقد تم سحبهم من مكاتبهم للخدمه علي الجبهه مباشرة بدون اعاده تأهيل بدني .
تفحص خيري الرجل حتي سمع وقع اقدام علي الارضيه الاسمنتيه ، تأتي من داخل الممر، ونادي الشاويش عباس بصوته الاجش (( أأأأنتبــــــااه )) فوقف الجميع انتباه بمن فيهم الشاويش عباس نفسه ،
ودخل القاعه رجل في اوائل الثلاثينيات من عمرة مهندم الملابس حليق الزقن ، جسده متناسق مع طوله المتوسط ، ، حذائه لامع ، وشعره قصير مهندم ، وعينيه تحمل قدرا كبيرا من الثقه تظهر رغم معالم الاجهاد والهالات السوداء حولها من فرط الارهاق وقله النوم ، ويحمل علي كتفيه رتبه الرائد .
تفحصه خيري جيدا فهو الرائد منعم قائد الموقع واول قائد ميداني له ، قام الرائد منعم بقراءه ورقه موضوعه علي خريطه العمليات وقام بمكالمه تليفونيه مع احد الضباط وبصوت لا يكاد يكون مسموعا ، ثم انتصب ناظرا بعيون حاده كعيون الصقر في وجوه الجنود الجدد ، وبعد ثوان من الفحص قال الرائد (( أحب ارحب بيكم علي الجزيرة ، انا الرائد عبد المنعم قائد الموقع ، والجزيرة هنا فيها تحت قيادتي برضه سريه مشاه بقياده النقيب مصطفي ابو سديره)) ثم تحولت لهجته للشده والحزم قائلا (( الجزيرة هنا تعتبر اقرب موقع لقواتنا من قلب مواقع العدو في سينا ، والارض قدامنا مفتوحه عشان كده بنقدر نلقط اتصالاتهم بسهوله اكبر من باقي الجبهه ، واليهود عارفين كده كويس عشان كده موقعنا حيوي جدا وكمان بنحمي ميناء الادبيه وشاطئ السويس ، يعني بالمختصر احنا لقمه في زور اليهود ، وعشان كده احنا بننضرب ليل نهار ))
وازدادت لهجته حزم (( العساكر اللي بيشتغلوا معايا مش مجرد عساكر وبس لا – دول وحوش ، عارفين يعني ايه وحوش ؟؟، يعني مفيش نوم او اكل كفايه وفيه قتال كل يوم تقريبا ، ولو مفيش قتال لازم نكون جاهزين لاي قتال ،لان اليهود اولاد الكلاب مش هيعدوموا حيله الا وعايزين يفجئونا بأي شكل ، وهما عارفين اننا في كل مرة بنكون صاحيين لهم تمام وعشان كل ده انا متوقع كل واحد فيكم يكون وحش زي زملائه القدام اللي هنا ويكون قد المسئوليه زيهم ))
وأستكمل (( في كل غارة لازم علي الاقل نصيب لهم طيارة او اتنين ، وعلي فكرة انا قريت ملف كل واحد منكم وعارف قدراتكم )) ثم تقدم متفحصا وجوه الجنود عن قرب بنظرات فاحصه قويه ثم استطرد
(( التعليمات اللي عندي اني ادافع عن موقعي لاخر طلقه واخر راجل ، وانا معنديش استعداد رجل يهودي تنزل علي الجزيرة الا علي جثتي فاهمين ؟؟ ))
ثم وقف امام خيري متفحصا عينيه واردف سائلا (( ولا ايه يا خيري ؟؟))
فوجئ خيري بأن القائد يعرف اسمه بالتحديد ، لكنه رد بكل حزم وقوة (( تمام يا فندم ، لاخر طلقه ولاخر راجل ))
ظهرت ابتسامه خفيفه علي شفتي القائد الذي عاد لطاوله العمليات ودعا الجنود للاقتراب منها ايضا وبدأ في الشرح عليها
(( زي ما قلت لكم الجزيرة قوتها الاساسيه عبارة عن سريه مشاه تحت قياده النقيب مصطفي وملحق عليها سريه مدفعيه مضاده للطائرات (م-ط) السريه دي فيها مدفعين تقيل 14.5 بوصه متمركيز في القلب ، وعلي الاطراف ست مدافع عيار 85 مليمتر ، العبء الرئيسي حاليا في الدفاع عن الجزيرة بيكون علي قوات الدفاع الجوي لان كل الهجمات دلوقت بتكون من الجو بس احتمال الانزال البحري وارد جدا في اي وقت، وده معناه يقظه تامه 24 ساعه علي مدار ايام السنه )) ثم اختلفت نظرته وكسا الحزن صوته (( من يومين خسرنا مدفع وخمس شهداء ، واتعطل مدفع تاني ورحلنا 3 جرحي للسويس )) ثم تحولت نبرته للحده مرة اخري (( عارفين ده معناه ايه ؟؟ معناه ان القياده مستعده تقبل اي حجم من الخسائر في الموقع بس ميقعش في ايد اليهود )) ثم استدار للشاويش عباس (( عباس .... خذ الرجاله علي ملجاءهم ، يلحقوا يريحوا شويه عشان ورانا شغل كتير بكرة )) ادي الشاويش عباس التحيه لقائده وامر الجنود بالانصراف بالخطوة السريعه .
وبعد دقائق كان الشاويش عباس يصطحب خيري عبر الظلام الي ملجأة وتساءل خيري عن مدفعه وموقعه
(( مدفعك رقم سبعه يا خيري ، ده في وش اليهود علطول )) واشار الي هيكل معدني غارق في الظلام
(( اهوة مدفعك يا وحش ورينا الهمه يا بطل )) هام خيري مع منظر مدفعه القابع في الظلام كالسيف في غمده منتظرا ضوء النهار او هجوم العدو لكي يخرج من غمده ويذيق طائرات العدو من نارة .
لمح خيري رجلا يقف علي المدفع في ورديه حراسه وهم ان يتقدم تجاهه الا ان عباس قطع تفكيرة مشيرا الي ملجأ تحت الارض قائلا (( ده ملجأك يا خيري هتلاقي تحت جنب سريرك الشده والبندقيه بتاعتك ، بكرة الصبح تبقي تيجي لي تمضي علي استلام الشده والسلاح ))
ترك الشاويش عباس- خيري بمفرده يتأمل ذلك الشبح الحديدي الغارق في ظلام الجزيرة ،أراد ان يلمسه ويتحسسه ويناجيه ، اراد ان يعتليه فورا لكن بروده الجو وتعب ومشقه السفر طوال اليوم حالت دون ذلك فاثر ان يستريح قليلا ويستيقظ مبكرا لكي يناجي مدفعه طوال اليوم كيفما شاء ،
فنزل درجات الملجأ تحت الارض والغارق هو الاخر في الظلام وبصعوبه تحسس طريقه في الظلام حتي تعثر في الشده الميدانيه الخاصه به ، وعلي الفور أستيقظ احد الجنود واضاء مصباحه في وجه خيري مستفسرا في حده عما يكون .
عرفه خيري بنفسه ورد الاخر بأنه يعرفه حيث ابلغهم الشاويش عباس بموعد حضورة ، وقام الجندي واضاء مصباحا صغيرا متدلي من سقف الملجأ ، ولاول مرة يشاهد خيري ملجأ قتال حقيقي ، فها هو منزله الجديد ، ودار بعينيه في انحاء الملجأ ذو السقف الحديدي المنخفض و المكسو بشكائر الرمل لتحمل القصف وكذلك جوانبه مكسوة بنفس نوعيه الشكائر في تناسق وعلي الارض وضع اربع اسرة ميدانيه وبجوارها عدد من الدواليب ، فتسال خيري عن مكان سريرة فأشار اليه الجندي الي سرير في اخر الملجأ ، فشكرة خيري وسأله عن اسمه فرد الرجل الملتحف بعدد لا بأس به من البطاطين
(( انا بولس زميلك علي المدفع ، واللي نايم جنبك ده عبد الحميد )) واشار الي شخص نائم وقد غطي كل جسده بعدد من البطاطين لكي تقيه من البرد الذي يحيط بجو الجزيرة ، ثم اكمل بولس مشيرا الي اخر لا يظهر من جسده شئ هو الاخر من كم الاغطيه التي تغطيه (( وده شديد واد مجدع وابن بلد )) ثم بدأ بولس يهز في جسد شديد في عنف طالبا منه الاستيقاظ لاستلام نوبه الحراسه من زميله وحيد ،فاستلق خيري علي سريرة بعد ان جمع حاجياته بجوار سريرة وشاهد شديد وهو يستيقظ من نومه متثاقلا لاستلام خدمته علي المدفع ، ونصحه بولس بالنوم قليلا حيث قارب الفجر علي الظهور ووافقه خيري في حاجته لقليل من الراحه
وما هي الا ثوان والا وكان خيري في سبات عميق بعد ان غطي نفسه بكل ما وصلت اليه يديه من الحفه وبطاطين .
افاق خيري في الصباح التالي علي يد تهز كتفه ، فنظر بأستغراب لصاحب اليد ، فوجدها يد زميله شديد الذي طلب منه سرعه التوجه لمقر القائد سريعا ، وانصرف خارجا من الملجأ.
احتاج خيري الي لحظات لكي يقوم ويلبس ملابس القتال ويعتمر خوذته ويمسك بسلاحه الالي ويسرع خارجا من الملجأ الخالي من الجنود ، وفور خروجه من الملجأ أصابه ضوء الشمس اللامع فأعمي عينيه لثوان ، بعدها استطاع ان يري جيدا ، وان يري ملامح الجزيرة واضحه في ضوء الشمس ، فوجد الجزيرة شبه بيضاويه يتوسطها تبه صغيرة من الصخور الناريه الحاده في منتصف الجزيرة الصغيرة وفي اعلي التبه برجا للملاحظه يقف عليه جنديين ينظران بنظارتهم المعظمه في جميع الاتجاهات لانذار الجزيرة من اي هجوم ويعلو البرج علم مصر ، وتحت برج الملاحظه سلسله من الخنادق المتصله وقد غطيت حوافها بشكائر الرمل وتمركزت عليها بعض الرشاشات الاليه ، وتجاه الشاطئ حول التبه رصت المدفعيه المضاده للطائرات المتوسطه كما شرح له القائد امس ، والمدفعين الثقيلين علي جانبي التبه في منتصف الجزيرة تماما، وكان مدفعه يقع في الشمال من الجزيرة في مواجهه شاطئ مدينه السويس ومدخل قناه السويس
، سمع خيري صوت يأتيه مازحا (( صباحيه مباركه يا عريس )) وتعالي بعدها صوت ضحك جماعي ، فنظر تجاه الصوت فأذا هو احد رفاقه علي المدفع ، فأشار اليهم خيري محييا بأبتسامه صغيرة وهرول تجاه مركز القائد .
وفي الطريق الي مركز القائد الذي استطاع خيري تحديد موقعه بخبرته القرويه ، شاهد الجزء الجنوبي من الجزيرة والذي يمثل ارضا منبسطه نوعا ما أستغلها رجال سريه المشاه في تدريبات بدنيه عنيفه وقرب الشاطئ الاخر مدفعي متوسطي العيار مثل مدفع خيري وعلي مسافه قصيرة منهم تجمع كم كبير من الحديد المحترق والذي استطاع خيري تمييزة بسرعه ، فهذه مدافع مدمرة ومحترقه تماما لابد وانها اخر خسائر تعرضت لها الجزيرة وتنتظر الاخلاء كما قال القائد ،وهرول خيري نازلا درجات مقر القائد ووقف امامه انتباه ودوي صوت كعبي حذائه في ارجاء المقر وهو يؤدي التحيه العسكريه بشكل محترف صارم .
كان القائد منكب علي الخريطه وبجوارة شاب يحمل علي كل كتف ثلاث نجوم ، فلابد انه النقيب مصطفي قائد سريه المشاه وبجوارهم الشاويش عباس متابعا الحديث الذي يدور حول تشديد الدفاع عن الجزيرة بصورة اشد احكاما
تابع خيري ملامح النقيب مصطفي ، فهو في العقد الثاني من العمر ذو جسد متناسق يميل الي الطول ، عينيه تشع بريقا من الثقه والهدوء ولديه شارب رفيع .
وقف خيري قليلا حتي انتهي الحوار بانصراف النقيب مصطفي والشاويش عباس ، فأدي خيري التحيه لقائده مره اخري ورد القائد التحيه ودعاه الي الاقتراب منه وسأله اذا ما كان قد استلم مهماته وسلاحه ، فرد خيري بالايجاب ، فعاد وسأله القائد عما اذا كان هناك شيئا ينقصه فرد خيري بالنفي شاكرا للقائد اهتمامه .
وتطرق القائد بعدها الي الشرح العسكري موضحا لخيري ان التحذيرات قد وصلت اليهم هذا الصباح بأن الجزيرة معرضه لقصف جوي مركز في القريب مع احتمال قيام العدو بأنزال بحري وشيك ، وتطرق القائد الي العجز الواضح لديه في الحكمداريه لادارة وتنسيق النيران ، واردف بأنه قرأ ملف خيري جيدا واعجب بقدراته لذلك عينه حكمدارا لمدفعه رقم 7 والذي يقع في اتجاه الهجوم الجوي المعادي ، ومن الضروري ان يكون المدفع رقم 7 هو اول من يضرب واخر من يتوقف عن الضرب ، كان خيري مركزا كل حواسه في اذنيه فكل كلمه تسجل بالحفر في عقله لكي لا تمحا ابدا ، ثم اردف القائد بأن خيري مسئول ايضا مؤقتا عن المدفع رقم سته والمجاور لمدفعه لحين استعواض خسارة العريف رضا والذي اصيب من يومين ، واضاف القائد ان حاله المدفع سته هي 50% فقد اصيب تروس الحركه به ولم يعد قادرا علي الضرب علي الاجناب ، واضاف القائد حانقا بان قطع الغيار كان من المفترض وصولها امس علي نفس اللنش الذي جاء فيه خيري لكنها لم تأت معه .
ثم تقدم من خيري وامسك كتفيه (( انا عندي نظرة في الرجاله اللي معايا والنظرة دي عمرها ما خيبت ، انا عارف انك هتكون قد المسئوليه يا خيري )) ثم تبسم (( توكل علي الله عايزين نملي ملفك بحاجات حلوة ))
تبسم خيري وادي التحيه لقائده بنفس الدقه والانضباط واسرع منصرفا .
كانت كلمات القائد المشجعه بالاضافه الي حماسه الداخلي وفرحته بأول ايامه علي الجبهه دافعا لكي يركض ركضا الي مدفعه وفور ان امتطاه واحتل موقعه كفرد رقم اثنين حتي بدأ في التعود علي المدفع وتحريك ماسورته لبيان مدي قوته ودقته وصلاحيته ، فقد كان ينتظر هذه اللحظه بشوق بالغ وتجاوب معه افراد المدفع بكل دقه واعجبوا فيما بينهم بسرعه تحريك خيري لماسورة المدفع وضبط زوايا الضرب علي اهداف وهميه سريعه ، كذلك كان خيري يحتاج الي ان يتعرف علي موقع مدفعه وسط بقيه المدافع لكي يعرف الزويا الحرجه والاتجاهات التي يجتاج ان يركز عليها اكثر .
وبعد حوالي نصف ساعه من التدريب السريع أحس بالاطمئنان الي مدفعه فأنصرف تجاه المدفع رقم سته تاركا عبد الحميد مكانه .
وعلي المدفع رقم سته دار حوار قصير بين خيري وبين طاقم المدفع حول صلاحيه المدفع ووجد ان ماسورة المدفع لا تتحرك يمينا او يسارا كما قال القائد ، وكان ذلك يعني بالنسبه للموقع ان هناك ثغرة في السماء يمكن للطيران الاسرائيلي ان يخترق منها ولا يمكن للمدفع ان يغلقها مما يعرض بقيه الموقع للخطر ، واسقط في يد خيري فهذه بدايه غير مبشرة علي الاطلاق ، ووجد خيري الحل سريعا في عقله ، في نفس الوقت كان الشاويش عباس يقف بجوار احد الخنادق يرتشف كوبا من الشاي ويتحدث مع احد الجنود ، فاسرع اليه خيري طالبا منه الاذن بمغادرة موقعه الي حيث يرقد المدفعين المدمرين ، تلكأ الشوايش عباس في اعطاء الامر وظهر تردده واضحا ، مما جعل خيري يطلب منه اخذ الاذن من القائد بنفسه ، فوافق الشوايش علي الفور وظهر لخيري ان الرجل الصارم ذو الصوت الاجش يخشي اعطاء موافقه بدون علم القائد رغم انها من صلاحياته المباشرة ، وعلي الفور دار اتصال بين القائد وبين الشاويش عباس ، ووافق القائد وارسل مع خيري اثنين من جنود الصيانه لمرافقه خيري .
ووسط دهشه زملائه علي المدفع رقم سبعه مما يحدث هرول خيري تجاه الجانب الاخر من الجزيرة
وصل خيري الي حيث يرقد ما كان يقال عنهم من قبل مدافع ، فوجد كومه من الحديد المنصهر والمختلط بزيوت الحركه،
لم يكن لاي فرد يري تلك القطع المعدنيه المنصهرة ان يتوقع انها كانت فيما مضي مدافع تطلق نيرانها بشده وقسوة تجاه طائرات العدو ، لا يستطيع احد ان يعقل ان هذا المنظر البشع حمل الموت الي طائرات العدو ، وفي لحظه من الزمان تمكنت منه طائرات العدو واسكتته الي الابد .
وجد ان احد المدافع قد تدمر به كل ما يمكن استخدامه كقطع غيار اما المدفع الاخر فبه ما يمكن استخدامه ، فبدأ خيري فك ما يمكن فكه من الحديد المنصهر وبعد نصف ساعه وجد خيري نفسه وسط كميه من قطع الغيار المختلفه التي تعتبر كنزا للموقع في مثل هذا الوقت الحرج وقله الامدادات
كانت عقارب ساعته تشير الي السابعه صباحا عندما هرول عائدا الي المدفع رقم سته يحمل مجموعه كامله من التروس الصالحه ومن خلفه احد جنود الصيانه يحاول اللحاق به بينما انشغل جندي الصيانه الاخر بحمل باقي قطع الغيار الي المخزن تحت الارض ، وبينما وقف القائد اسفل برج الملاحظه يتابع ما يجري علي فترات ، فأن طاقم مدفعه بدأ في تشجيعه عندما أستنتجوا ما يحدث .
خلع خيري عده القتال ووضع سلاحه جانبا وبدأ في فك اجزاء المدفع رقم سته واختفي تحته وبجوارة جندي الصيانه يناوله الادوات ، وسرعان ما تمكن خيري من فك علبه التروس والتي ظهرت مهشمه تماما بفعل شظيه من احد قنابل العدو
مازالت الشمس تصعد في السماء ، وعقارب الساعه تتحرك وخيري يعمل بسرعه البرق لتركيب التروس الجديده ، فلو هاجم العدو الان لكان وضعه لا يحسد عليه .
ومع دقات الثامنه صباحا كان خيري قد انتهي من تركيب التروس وبدأ في تجربتها وتحرك المدفع في سهوله ويسر وسط فرحه افراده وتشجيع طاقم المدفع رقم سبعه ، ومن بعيد كانت عيني القائد تلمع في سعاده واسر بعده كلمات في اذن النقيب مصطفي الواقف بجوارة فأومأ الاخير موافقا علي ماقاله القائد .
عاد خيري الي مدفعه وانفاسه تكاد تتقطع من فرط المجهود الذي بذله طوال ساعه كامله ، وفور امتطائه المدفع أخبر شديد بأن يبلغ القائد بأن المدفع رقم سته جاهز للاشتباك الكامل مع العدو ، فهو لم يلاحظ ان القائد يتابع كل ما يدور من مركز قيادته الخارجي تحت برج الملاحظه .
مرت فترة من الزمن وخيري شلمخ علي مدفعه ، يتابع بنظراته المعظمه سماء الموقع والافق البعيد مثله مثل اي حكمدار اخر ، فالعدو من الممكن ان يهاجم من اي اتجاه وفي اي وقت .
دق جرس الانذار فجأه ودوي صوته في انحاء الجزيرة ، وعلي الفور وبسرعه رهيبه ظهر جنوب المشاه في الخنادق وخرجت رشاشات ثقيله لتوضع في اماكنها ، واعتلي الرائد منعم مكانه في القياده بينما بدأ جنود المدفعيه في مسح السماء بحثا عن اهداف .
مسح خيري السماء فلم يجد الا طائرة تطير علي ارتفاع شاهق جدا مخلفه ورائها ذيلا من العادم الابيض ، كان واضحا انها طائرة استطلاع تستطلع قواتنا علي الجبهه ، ولا يمكن لمدي مدفعه ان يصل الي منتصف ارتفاع تلك الطائرة .
احس خيري بالغضب والحنق يملئ كل جوارحه ، فها هي اول طائرة اسرائيليه يراها ، ومدفعه عاجز ان يصل اليها ويحرقها حرقا ، تمني لو مد يده لتلك الطائرة وعصرها بأصابعه التي تعتصر مقود التوجيه ، ان الالم الذي يحس به في اصابعه الان من فرط قوة قبضته علي مقود التوجيه ، ما هو الا نتاج البركان الداخلي الذي يملئ كل جوارحه .
صاح وحيد ساخرا (( هما كده يا خيري يا خويا ، كل يومين يبعتوا طيارة استطلاع ، تمسح الجبهه من الجنوب للشمال ، ولاد الكلب خايفين نكون دخلنا صواريخ للجبهه وعايزين يكونوا عاملين حساب كل حاجه ))
رد بولس (( الطيارة دي هترجع ويشوفوا الصور ويطمنوا وبعدين يبدأوا الضرب فينا زي كل يوم ))
تدخل عبد الحميد في الحوار (( يعني هما خايفين من ايه ؟ هييجوا ويطحنوا فينا زي كل يوم واحنا نطحن فيهم ))
تساءل خيري عن اصابات طائرات العدو في الغارات الاخيرة ، فرد عبد الحميد (( بقالنا كام يوم مش عارفين نضرب لهم اي طيارة ، كلها اصابات بس ، امبارح مدفع حسين اصاب لهم طيارة ودخنت علي طول بس الطيار كمل بيها ورجع علي طول)) فتدخل شديد (( يارب يكون مات ومقدرش يوصل بيها للمطار ، ربنا يلعنهم ))
احس خيري بالبروده تسري في اوصاله بسرعه ، فالحديث عن الحرب مختلف في الموقع عن الحديث في معسكر التدريب
ففي معسكر التدريب كان الحديث مرسلا اما الان فهو واقع امامه ورغم البركان الكامن داخله في قوة الا ان البروده سرت في اصاله تدريجيا حتي وصلت لاطراف اصابعه التي تجمدت علي مقود التوجيه واحس بقدميه تتجمد ايضا علي بدال الضرب .
لاحظ الرجال حوله حالته وتغامزوا فيما بينهم فهو جندي مستجد وهو امر طبيعي له في اول قتال ، لكن علقه كان يعمل بلا هواده ، طلب منهم ان يعيدوا التأكد من جاهزيه المدفع لكي يحرك اطرافه ، وفي عقله كان يعاتب نفسه بشده ، ايعقل ان تتجمد اطرافه ويحس بذلك الخوف الكامن من الموت ، فماذا يفعل اذن لو كان خائفا ؟؟ اليس هو من اراد الانتقام ؟؟؟ ،
إن الانتقام لابد له من قلب قوي لا يعرف الخوف او الرحمه قلب ميت من الحواس ، وها هي الفرصه لاخراج البركان ولابد من استغلالها جيدا ،وردد مرة اخري(( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي ارض تموت )) ، ومع هدير محركات عقله بأيجابيه تامه وثقه ، عاد الدفئ مرة اخري الي اوصاله وعاد تركيزة مرة اخري الي عينيه متطلعا باحثا مدققا منتظرا طائرات العدو .
الغـــــــــــارة الاولــــــــــــــي
مضي وقت طويل منذ ان دق انذار الامان ، وعادت قوات المشاه الي دشمها وملاجئها تحت الارض بينما ظل رجال الدفاع الجوي في مواقعهم ، مع مرور كل دقيقه كان خيري يزداد توتر فعقله يريد ان يشتبك وعينيه تبحث عن هؤلاء الكلاب الطائرة .
فأين هم ولماذا تأخروا ؟ الم يقل عبد الحميد منذ قليل ان موعد غاراتهم يبدأ عاده في العاشرة صباحا وها هي الساعه قد تجاوزت الحاديه عشر بقليل ولم يرصد طائرة واحده ؟
احس بالخذر في ذراعه ، فقد كانت اطراف اصابعه تطبق علي مقود التوجيه والتنشين بقوة ، ربما من فرط التوتر او التحفز الزائد .
لم يحس مثل ما احس به طاقم مدفعه من راحه وخمول والاستمتاع بشمس الربيع الدافئه ، بل كان متعجلا مشاهده طائرات العدو تطبق علي الجزيرة، اطلق بصرة تجاه ارجاء الجزيرة راصدا ملامح الحياه عليها في انتظار الموت الطائر .
كان اول ما وقع بصرة عليه عددا من جنودا من المشاه يرتشفون الشاي في استمتاع ويدور بينهم حوار هادئ يتخلله عدد من الضحكات العاليه والتي تخرج من قلب منتظر الموت ويريد ان يمتص من الدنيا كل ما بها من رحيق ويستمتع بكل ثانيه ممكنه و بجوارهم اخرون ينظفون اسلحتهم الشخصيه في مهارة تامه ، بينما جلس احد الجنود يغسل ملابسه واخر يكتب خطابا .
وفي مشهد اخر القائد منعم ومعه النقيب مصطفي يتحدثان مع احد الجنود ومن خلفهم الشاويش عباس لا يفارق ظلهم .
حياه عاديه لموقع مثل مئات المواقع علي الجبهه ، حياه لجنود وضباط تعودوا علي أطلاله شبح الموت حولهم في كل لحظه وكل ثانيه ، فأستغلوا كل لحظه من اوقات الراحه في الاستمتاع بمظاهر الحياه المتوافرة لهم في ارجاء الجزيرة وعدوهم لا يبعد عنهم سوي ثوان .
تلاقت عيني خيري مع عيني قائده ورغم بعد المسافه الا ان القائد يحفز جنوده فنظراته تحمل قدرا من الثقه في خيري
وفي عقل خيري تردد صدي قول قائده (( الدفاع عن الجزيرة لاخر جندي واخر طلقه ))
وحيد يطلق دعابه في وسط الصمت (( براكاتك يا خيري ،شكلها النهارده اليهود مش ناويين يزورونا ))
وفجأه يضرب جرس الانذار رافضا صدق نبؤه وحيد ، وتتحول الجزيرة الي الحركه الشديده ، فالكل يعرف موقعه تماما ودورة محفوظ عن ظهر قلب .
يأتي التبليغ عبر حكمدار المدفع رقم 1 ويسمعه شديد في التليفون الميداني ويبلغه لخيري (( اربع اهداف من الشرق المسافه 7 كيلو )) ينظر خيري تجاه الطائرات فيرصد بنظراته المعظمه الطائرات الاربع تحمل الموت تحت بطنها تسرع تجاه الجزيرة علي ارتفاع منخفض .
تبليغ من القائد عبر تليفون شديد بحبس النيران ويجيب خيري بالعلم وعقله يعمل كمحرك نفاث
– الطائرات تقترب بسرعه والثوان ترفض ان تمر
- بدأت الطائرات في الدخول الي مدي الضرب المؤثر له
– قدمه تكاد تضغط بدال الضرب
– الاوامر تمنعه من الضرب
– ولاد الكلاب محملين قنابل علي الاخر
– ولا واحده منهم هتلمس الجزيرة بأذن الله
– محمد مات وسابني اخذ بتارة
- مدفعي اول مدفع يضرب
- ولاد الكلب في دايرة الضرب القائد منتظر ايه ؟ انا بتحرق يا فندم من جوة ، أدي الامر بقه ، بقالي أشهر في عذاب
يصيح شديد معلنا الامر السعيد (( اضرب – أضرب – أضرب ))
ما بين لحظه سماعه الامر وانطلاق اول طلقه كسر علي مائه من الثانيه ، وتلت الطلقه الاولي عشرات الطلقات ، بل المئات من مختلف مدافع الجزيرة لتحول سماءها الي كتله من النيران والشظايا الي تصيب في دائرة كبيرة اي شئ يمر بينها .
ضرب خيري مركزا طلقاته علي طائرة في مدي مدفعه كما تدرب في معسكر التدريب ، كان معدل ضربه سريع جدا مقارنه بباقي المدافع ، وتجاوب شديد ووحيد في امداده بالذخيرة طوال الوقت بينما تعاون بولس وعبد الحميد مع مناوراته للتنشين
ورغم كثافه النيران الا ان خيري لم يستطيع اصابه اي طائرة معاديه ، لكنه نجح مع زملائه في طرد طائرات العدو من سماء الجزيرة وعدم دقه توجيه قنابلها التي انفجرت كلها في المياه خارج الجزيرة ، وسرعان ما ايقنت الطائرات ضرواة الدفاع عن الجزيرة فأبتعدت تجاه الشرق مؤثرة سلامتها .
وبدأت المدافع في التوقف علي التوالي بعد خروج الطائرات الاسرائيليه من المدي ، الا مدفع خيري الذي مازال يضرب،
عينيه مرتكزة داخل دائرة التصويب فمازالت هناك طائرة اسرائيليه في مدي مدفعه ، نظر الرائد منعم تجاه الهدف الذي يضرب عليه خيري وتعجب من بعد المسافه بينها وبين الموقع ورغم ذلك مازالت الطلقات المتفجرة تنفجر حولها في تركيز ، وعلي المدفع كان خيري يردد في رتابه (( لسه – لسه )) وقدمه لا تتوقف عن الضرب المستمر ، ورغم تعجب رفاقه من موقفه الا انهم تجاوبوا مع معدل ضربه العالي ، وعم الصمت ارجاء الجزيرة تاركا لمدفع خيري الحريه لان يزغرد بمفرده ، وفجأه تصاعد دخان اسود كثيف من فتحه عادم الطائرة دليل علي اصابتها ، ليتعالي اثرها التكبير في انحاء الجزيرة ليعلو علي صوت مدفعه الذي تباطأ معدل ضربه حتي توقف بعد ان خرجت كل الطائرات من مرماه .
احس خيري بالحرارة علي وجهه ، فقد انسابت دموع الخلاص من عينيه ، فها هو البركان قد بدأ يطلق حممه ويا ويل من يقترب من نيرانه ، يا لها من راحه يحس بها ، فقد بدأ بالفعل في الوفاء بقسمه تجاه مصر وتجاه محمد .
ربت بولس علي كتف خيري مهنأ ، بينما صاح وحيد مداعبا (( الف مبروك يا خيري ، اديك عًلمت علي واحد منهم ))
وقال شديد ضاحكا (( زمان الطيار عمال يلعن اهلك كلهم )) وضحك الجميع عدا خيري الذي ارتعشت اصابعه علي المقود وهو يحاول ان يلم شتات مشاعرة المتابينه ، ولمحه عبد الحميد فتدخل في الحوار مشجعا اياه
(( زمان الطيار محتاس دلوقت ومش عارف هينزل ازاي ، شكلنا كده يا رجاله كسبنا وحش بحق وحقيق ))
دار خيري برأسه ناظرا لقائده الذي كان وجهه متهللا ، وتلاقت العيون ، وبوجه باسم اشار له القائد بأشارة الاجاده
عم الفرح ارجاء الموقع وأستمر التكبير والتهليل فترة حتي جاء انذار اخر بأقتراب تشكيل معادي اخر ، تغلب خيري علي مشاعره سريعا وتوجهت كل حواسه الي السماء بحثا عن تلك الاهداف ،
وصاح وحيد (( دول جايين لك مخصوص يا خيري ))
رصد خيري طائرتين تأتيان من اتجاه الشرق مستغله ضوء الشمس ، وتذكر البيان العملي الذي قام به امام رئيس الاركان
وبدأت المدفعيه كلها في الضرب علي الاهداف المعاديه ، لكن طائرة ميراج استطاعت النفاذ من النيران المعاديه واسقاط قنبله انفجرت علي سطح الماء قرب شاطئ الجزيرة ، لكنها لم تسلم من طلقات المدفعيه التي لاحقتها ، حاول الطيار الارتفاع السريع والخروج من مدي المدفعيه المركزه عليه الا ان احد الطلقات اصابت جناح الطائرة وأشتعلت فيها النيران بقوة وأستمات الطيار في محاوله التحكم في الطائرة للابتعاد عن الجزيرة ونجح في ذلك وقفز بالمقعد القاذف الي الماء علي مسافه امنه بعيدا عن الجزيرة
اما الطائرة الاخري فقد تخلصت من الاشتباك سريعا وعادت تجاه الشرق مسرعه وطلقات خيري تطارها بدون جدوي
وببطء هبطت مظله الطيار الي الماء ، ومن بين تكبيرات الجنود أعلن برج الملاحظه خلو السماء من الطائرات المعاديه .
ركز خيري بصرة تجاه المظله التي تهبط علي مسافه لا تقل عن خمسه كيلومترات من موقعه ، ود لو أن معه قارب يستطيع به ان يأسر الطيار ويعود به كهديه لمصر ، لكن عاده لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن ُ فبعد نصف ساعه أقتربت طائره هيلكوبتر اسرائيليه والتقطت الطيار وعادت به لقاعدته سالما وسط لعنات المقاتلين علي الجزيرة .
مضي جزء كبير من النهار بدون غارات اخري علي الجزيرة فلابد وأن (( اليهود اخذوا كفايتهم من الضرب)) كما علق وحيد مازحا وشاركه شديد وعبد الحميد وبولس في الضحك ، وعند المغرب ترك خيري مدفعه هو ورفاقه تاركين بولس بمفرده في الحراسه ، لكي يتناولوا طعام الغذاء ويستريحوا قليلا حتي يأتي دور كل منهم في تناوب الحراسه .
في طريقه الي دشمه الطعام حيث موائد الطعام تحت الارض كما هو كل شئ اخر في تلك الجزيرة ، كان خيري صامتا في سيرة ، هائما في عالمه تاركا لاذنه الاذن فقط بسماع الانذار لكي يستجيب العقل ، أما غير ذلك فالاذن صماء والعقل شارد في ذكرياته والعين لا تري الا الطريق فقط .
واثناء تناول الطعام تحدث عبد الحميد ، ورد شديد ، وعقب وحيد ضاحكا كعادته لكن خيري لم يسمع كلمه ، فقد كانت محركات عقله النفائه تعمل بلا كلل محاوله لفهم تلك المشاعر المتضاربه داخله ، فلاول مرة يكون قريبا جدا من الموت لهذه الدرجه ، فالقنابل التي انفجرت حوله داخل المياه كان الممكن ان تكون فوق رأسه تماما لو اطلقها الطيار نصف ثانيه مبكرا او استطاع التركيز اكثر اثناء التصويب ، مع اول انفجار ارتعش جسده لكنه لم يحس بالخوف وقتها ، لكنه الان يسأل نفسه لماذا لم يخاف ؟؟
أما مشاعرة الاخري فهي مشاعر حقد وكراهيه تقطع امعاءه وصدرة وقلبه من الداخل ، فهو ينتظر الغد والذي قد يحمل معه غارة ثانيه والموت له ، لكنه ينتظرة بشوق كما ينتظر الطفل لعبه من والده ، فهو في شوق بالغ لكي يري طائرات العدو تحترق حوله في الجزيرة وتتحطم بمن فيها ، وتساءل في نفسه أين كانت تلك المشاعر الدمويه الصلبه قبل استشهاد محمد ، فقد كان شخصا وديعا مسالما بكل معاني الكلمه ، لا يدخل في مشادات او خلاف ويحاول ان يحكم عقله ويستخدم اخلاقه الطيبه في حل الخلاف ايا كان .
كانت خطوات بسيطه تلك التي سارها خيري من مدفعه الي الميس حيث تناول طعامه علي عجل كعاده الحياه في الجيش وخرج مسرعا ليصلي المغرب ، وبعد ان انهي صلاته جلس فوق صخرة لا تبعد عن مدفعه الا امتار قليله ، ووضع سلاحه بجوارة واخرج الراديو الصغير من جيبه .
كانت الاغاني والموسيقات الوطنيه تملئ كافه المحطات المصريه ، وهي عاده تتبعها الاذاعه قبل اذاعه بيان عسكري ، وانتظر خيري سماع البيان وعينيه لا تفارق صفحه المياه السوداء والمتحركه بانتظام .
وجاء صوت المذيع يعلن البيان العسكري والذي يصف اغارات العدو الجويه علي الجبهه بدون ان يحدد مواقع وعن نتائج تلك الغارات وعدد الشهداء الذين سقطوا وفي النهايه اعلن عن اسقاط طائره للعدو واصابه اخري .
بيان عادي مكرر في تلك الاوقات لا يحمل اكثر مما قال ، لكن لاول مرة يستطيع خيري ان يقرأ ما بين السطور ، فموقعه كان مشاركا في تلك الاحداث ومدفعه اصاب تلك الطائرة ، ومدفع اخر هو الذي اسقط الاخري ، سطور هائله ومشاعر رهيبه تم اختزالها في سطر او اثنين ليخرج بيان يسمعه الاهالي في البيوت والمقاهي ، ففيما مضي كان مستمعا والان اصبح مشاركا في صنع تلك البيانات ، فيما مضي كان يدعو للجنود علي الجبهه بالصبر والنصر ، والان اصبح ممن يدعو له الشعب ، تغير هائل في حياته وفي احساسه وفي مستقبله يحس به الان بكل قوة .
تمني لو محمد يسمعه ويحس به الان من مكانه في جنه الفردوس ليراه وهو يأخذ بثأر مصر وثأرة في صبر وجلد .
وبعد انتهاء البيان واصل خيري شروده الدائم والمستمر ، ومر وقت من الزمن لم يقسه ولم يعره اهتماما لكنه تنبه الي اغنيه يسمعها لاول مرة ، كلمات الاغنيه شدته فأستمع اليها في تركيز ، كانت الاغنيه لمطرب شاب لم يسمع عنه من قبل يدعي محمد نوح ، وكان نوح يصدح بكل قوة و عزيمه
(( مدد مدد – مدد – مدد شيدي حيلك يابلد/ مدد مدد – مدد – مدد شيدي حيلك يابلد
لو النهادره مات لك شهيد – بكرة الف هيتولد – مدد مدد ))
كانت كلمات جديده ومعاني جديده جدا علي خيري والذي الف نبرة الحزن في صوت المطربين ، لكن الان تلك الاغنيه تصيح بكل قوة ان الشعب قد عرف ان جيشه يصمد ويقاتل وان الشعب صامد معه ، فأغاني الهزيمه لم تستمر طويلا وايقن الشعب ان الجيش يحتاج لاغاني تحسه علي الصمود والقتال ، فالجميع يتقدم للثأر وليس خيري فقط ، فهو واحد من ضمن الوف وملايين لهم أب او اخ او ابن او حتي جار قد أستشهد والكل يتقدم للثأر فالمعركه لم تنته بعد ولن تنتهي الا بالنصر .
احس بالبرد يسري بسرعه في اوصاله ، فليل الجزيرة قارس البروده كما علم من شديد ، ولابد من اتخاذ كافه التدابير للوقايه منه .
افاقه البرد من شروده وطاف بعينه في انحاء الجزيرة الغارقه في الظلام ، نعم سطح الجزيرة غارق في الظلام والهدوء كما رأه بالامس ، لكنه يعرف الان ان تحت السطح يقبع وحوش كاسرة واجهزة وعقول تعمل بلا كلل للقتال والنصر .
تناهي الي سمعه صوت يأتي من بعيد ، انه صوت محرك لنش الريس غريب ،فتبسم عندما تذكر خوف الريس من حديث الرجال علي متن اللنش حتي لا يكتشفه احد ، وها هو الصوت الان يتردد في انحاء الخليج ويمكن سماع صوته علي مسافه كبيرة جدا ، ومع اقتراب صوت لنش الريس غريب بدأت الحركه تدب علي سطح الجزيرة ، فالرجال يستعدون لاستلام ما باللنش من امدادات .
وبدأ الشاويش عباس في اعطاء اشارات التعارف ، وعاد الرد بأشارات اخري خافته من وسط ظلام المياه ، وتزايد الصوت تدريجيا حتي توقف تماما الصوت وظهر اللنش تدريجيا منعكسا علي صفحه المياه وضوء مصباح الشاويش عباس ، وعلي مقدمه اللنش وقف الريس غريب بقامته الممشوقه يدير امور التفريغ والتحميل
وبعد دقيقتين من الحركه السريعه عاد صوت اللنش عاليا وهو مبحر عائدا الي السويس ومع ابتعاده عاد الهدوء والصمت لانحاء الجزيرة تاركا لصوت رياح بارده ان تصدح بمفردها في زهو .
ظل خيري جالسا هائما لفترة حتي في الهدوء وعقله يعمل بلا توقف حتي أحس بحاجته الي النوم ، فنزل الي الملجأ ملتمسا قليلا من النوم قبل موعد حراسته علي المدفع بعد الفجر بقليل ، وما ان اغلق عينيه حتي غرق في سبات عميق .
لم يمر الا دقائق حتي أستيقظ خيري من نومه مفزوعا علي جرس الانذار ، ولم يفكر في شئ الا في الوصول الي مدفعه في اسرع وقت ممكن ، أفادته ملحوظه عبد الحميد بضرورة النوم بملابس القتال الكامله تحسبا لاي طوارئ فهرع سابقا زملائه ليعتلي المدفع ويبدأ في البحث عن الاهداف التي من اجلها تم اطلاق الانذار ، ومن خلفه أستيقظ الموقع كله في ثوان معدوده واتخذ كل الجنود اماكنهم.
دار ببصرة وارهف سمعه بحثا عن طائرات العدو ، لكن السماء كانت خاليه ولا يُسمع الا صوت الرياح والامواج المتكسرة علي صخور الجزيرة في هدوء .
وتعجب الجميع من الأنذار وظن خيري ان خطأ قد حدث ، او انه نوع من التدريبات لضمان جاهزيه الموقع ، لكن جاء الخبر من شديد والذي أبلغ برصد زورق بحري معادي يحوم حول طرف الجزيرة الجنوبي تجاه خليج السويس .
نظر خيري خلفه واستخدم نظارته المعظمه وبالفعل استطاع رصد انوار الزورق الواضحه تماما في ظلام الخليج ، وتعجب الجميع خلال حديثهم عن ظهور الزورق بمثل هذه الطريقه الواضحه وبدون اي محاوله منه لتجنب الكشف .
أستمر الرجال في مواقعهم حتي انبلاج ضوء الفجر ، ومازال الزورق يحوم حول طرف الجزيرة الجنوبي بمسافه ، ومع تدفق اشعه الشمس علي صفحه المياه بهدوء ، ظهر الزورق واضحا علي مسافه خمسه كيلو مترات ، وقام الرائد منعم بأبلاغ الموقف الي قياده الجيش الثالث وطلب توجيه ضربه جويه او مدفعيه ضد هذا الزورق ، وكان تحليل النقيب مصطفي ان الزورق يجس نبض دفاعات الجزيرة ودرجه الاستعداد بها ، واتفق الرائد منعم مع النقيب مصطفي علي حبس النيران وضبط النفس حتي لو دخل اللنش مدي رشاشات الموقع المتوسطه والثقيله لكي لا يعطي الفرصه للاسرائيليين في معرفه مواقع الرشاشات او خطط النيران .
في نفس الوقت وفي احد قواعد القوات الجويه المتقدمه ، خرج اثنان من الطيارين من غرفه قائدهم متجهين الي دشم طائراتهم علي عجل ، وبعد لحظات خرجت طائرتين ميج 21 محملتين بصواريخ جو ارض ، وعلي اول الممر أنتظرت الطائرتين ثوان معدوده حتي جاء صوت قائدهم من برج المراقبه (( علي بركه الله يا ولاد )) واقلعت الطائرتين في سرعه وتناسق ، واتخذتا مسارهم تجاه الشرق ، وجاء صوت قائدهم في اللاسلكي مرة اخري معيدا اليهم تعليمات الطلعه
(( طيران ارتفاع منخفض – دورتين هجوم علي الهدف- دورة بالصواريخ ودورة بالرشاشات )) ورد قائد التشكيل بالعلم .
وفي الجزيرة الخضراء دق انذار اخر ، فقد تم رصد طائرتين تقتربان من الغرب ، ورغم ان غرب الجزيرة اراضي مصريه الا ان خيري ادار مدفعه وبسرعه وضع احد الطائرتين داخل دائرة تصويبه ، وعندما أستفسر عبد الحميد عن تصرف خيري ، تمتم خيري (( ولاد الجنيه دول ملهومش امان ، خليني منشن عليه لحد ما نعرف نميًزه))
وجاء التأكيد من وحيد وكررة مرتين (( ميج 21 مصري – اوقف الضرب )) فأرتخت اصابع خيري من علي مقود التوجيه ، وتهلل قلبه وهو يرصد نسور مصر لاول مرة .
أرتفعت الطائرتين قرب الجزيرة واتخذتا زاويه الضرب علي الزورق الذي اطلق لمحركه العنان هاربا من الطائرات المصريه ، واطلق عده ستائر دخان لكي تستر انسحابه ، لكن الطائرات المصريه أستطاعت تنفيذ الدورة الاولي للهجوم ،
صورة من كاميرا المدفع لطائرة مصريه وهي تصوب نحو زورق اسرائيلي
واطلقت ثمان صواريخ غير موجهه تجاه الزورق والذي اختفي داخل الدخان الرمادي الذي اطلقه بكثافه كبيرة ،
أرتفعت الطائرات مرة اخري ودارتا تمهيدا لتنفيذ دورة الهجوم الاخر .
لكن في نفس الوقت ظهرت 4 طائرات اسرائيليه من وراء الافق فتم رصدها بسرعه من المدفع رقم 3 ، ووجهه خيري ماسورة مدفعه تجاهه الطائرات المقتربه ، لكن امر لحبس النيران صدر بسرعه البرق من الرائد منعم ، فسماء الجزيرة بها طائرات صديقه ، وكان واضحا ان الطائرات الاسرائيليه كانت علي مقربه وتنتظر اقتراب الطائرات المصريه
فتابع الرجال في ترقب ما ستسفر عنه اللحظات القليله القادمه الحاسمه ، ودار خيري بعينيه في ارجاء الجزيرة والتقطت عينيه مشاهد عديده .
* القارب ما زال مبحرا باقصي سرعه تجاه الجنوب يحاول الهروب ومن حوله دخان رمادي كثيف يحجبه عن الرؤيه ،
لكن ظهر وسط الدخان الرمادي دخان اسود بسيط ، فلابد وان احد الصواريخ قد اصاب الزورق
* القائد يتابع سماء الموقع بنظراته المعظمه وبجوارة النقيب مصطفي يتحدث في التليفون الميداني
* جميع افراد الموقع اعينهم في السماء تتابع ما سوف يحدث
* قائد التشكيل المصري رصد طائرات العدو ، فألغي دورة الهجوم الثانيه واتجه تجاه طائرات العدو والتي تفوقه عددا
بالضعف .
* طائرات العدو اطلقت صاروخين تجاه طائراتنا ، وانتشرت في سماء الموقع محوله الالتفاف حول طائراتنا لاسقاطها
ولم تتمكن صواريخ العدو من اصابه اي من طائراتنا وبدأت حلقه الصراع تحتدم فوق رأس الجنود ، فطائراتنا تحاول ان تلتف حول طائرات العدو وطائرات العدو تحاول نفس الشئ ، وبعد ثوان قليله تصاعد الدخان من طائرة اسرائيليه وانسحبت من سماء المعركه وسط تكبير رجال الموقع ، فهاهي اصابه محققه من نسورنا ، وتقلص عدد طائرات العدو ،
لكن في نفس الوقت بدأت النيران تشتعل في طائرة مصريه ، واضطر الطيار للقفز بالمظله قرب شاطئ السويس تاركا قائده بمفرده في سماء المعركه وسط ثلاث طائرات إسرائيليه .
كان الجميع متوقعا انسحاب الطيار المصري من سماء المعركه لان فرصته مستحيله ، لكن الطيار الشجاع رفض ترك سماء المعركه لعدوة وفضل ان يستمر في المناورة محاولا اصابه طائرات العدو ، وبدأ يستخدم مناورات رأسيه وافقيه حاده للهرب من صاروخين اخرين اطلقا عليه .
أيقن قائد التشكيل ان فرصته للنجاه قليله جدا ، لكنه لم يفكر في الانسحاب وترك سماء المعركه لعدوة ورغم ان فرصته ضعيفه جدا للافلات ، لكن صمم علي البقاء لاخر نفس في المعركه .
في نفس اللحطه كاد خيري ان يقفز من مكانه من غيظه ، فالطائرات الاسرائيليه في متناول يديه ولا يستطيع الضرب عليها وفي نفس الوقت الطيار المصري مستميت في المناورات وامله ضعيف جدا ، فنظر الي الرائد منعم وتلاقت النظرات ودار حوار سريع وحاسم ، خيري يستعطف قائده في الضرب لانقاذ الطيار المصري والقائد يريد ذلك لكنه خائف علي اصابه الطيار ، ثم اومأ القائد لخيري ووصل الرد الحاسم ، التقط الرائد منعم تليفونه وامر بأستمرار حبس النيران ، بينما بدأ في تلك اللحظه مدفع خيري في الضرب بمعدل نيران عال جدا وبتوجيه دقيق ، جعل شديد ووحيد يعملان بسرعه رهيبه لمحاوله التجاوب مع معدل ضرب خيري .
عم الذهول جميع من في الموقع فور بدء خيري في الضرب ، فخيري لم يكن يوجهه طلقاته الي طائرات العدو ، انما يوجهها في المسافه الضيقه بين طائرات العدو والمصريه ، فهو يريد تشتيت تركيز الاسرائيليين ، وان يترك للطيار المصري فرصه للنجاه تحت ستر نيرانه .
مرت ثوان قليله حتي ادرك الطيار المصري ما يقوم به خيري فصاح فرحا بكل جوارحه (( ينصر دينك )) وبدلا من الانسحاب فقد بدأ في عمل مناورات حاده لادخال الطائرات الاسرائيليه في مرمي نيران خيري وكانت معركه كرامه قبل اي شئ فلا طرف يريد الانسحاب من المعركه وترك السماء لعدوة ، وبدأت بوادر نجاح خيري تظهر حيث تراجعت الطائرات الاسرائيليه وتوقف اطلاقها للنار علي الطائرة المصريه وزادت المسافه بينهم مما جعل الرائد منعم يعطي امرة بالضرب علي طائرات العدو ، وسرعان ما اصبحت سماء الجزيرة جحيم لا يطاق لطائرات العدو ، فالانفجارت تملئ كل شبر من السماء ووجود طائرات العدو فيها اصبح مستحيلا ، وانسحبت طائرات العدو تجاه الشرق تحاول النجاه بنفسها من طلقات المدفعيه .
لم يكن امرا عاديا ان تنسحب طائرات العدو بهذه السرعه وعدم التنظيم ، وحير ذلك الرائد منعم ، لكن حيرته لم تستمر طويلا فقد جاءته تبليغ بوجود سته طائرات تقترب من الغرب ، وبعدها بثوان تأكيد انها طائرات مصريه ، ومع توقف اطلاق النار لانسحاب الطائرات الاسرائيليه عم التكبير سماء الموقع فطائرتنا استطاعت طرد الطائرات الاسرائيليه من سماء الموقع وفرضت وجودها .
دخلت ست طائرات مصريه ميج 21 سماء الجزيرة ودارت دورة تجاه الشمال ، وشارك فيها الطيار المصري ، وقبل ان ينضم للتشكيل ويعود لقاعدته اخذ الاذن وطار منفردا فوق الجزيرة ومال بجناح طائرته مرة ناحيه اليمين ومرة ناحيه اليسار في تحيه للدفاعات الارضيه والتي انقذته من الموت وساهمت معه في السيطرة علي سماء الجزيرة ،
وتابع الرجال الطائرة وهي ترتفع لتلتحم بباقي التشكيل وهم يغادورا سماء الموقع تجاه مطاراهم
وكانت تحيه عسكريه يعرفها كل من بالموقع وفسرها بولس لخيري فتبسم الاخير في تواضع .
(( كان ذلك أقل ما يمكن عمله لهؤلاء الرجال المهرة )) هكذا كتب الطيار في تقريرة بعد عودته بسلام
مر باقي اليوم علي الرجال تحفزهم الدائم لكن الحديث لم ينقطع عما حدث في الصباح ونال خيري استحسان قائده وتشجيعه علي كفاءه تصويبه ودقته ودار بينهم حوار فني بحت حول المعركه ، وكمكافأه من الشاويش عباس لخيري وطاقمه فقد امر ((بـ دور شاي )) لكامل الطاقم علي حسابه الخاص ، وتهلل الجميع من تلك البادرة النارده الحدوث من الشاويش عباس.
ومع هبوط الليل وقرب انتهاء خيري من ثاني يوم له في الحرب ، أثر ان يظل علي مدفعه بعد ان تناول طعامه سريعا وصلي المغرب ، وشاركه زملاءه علي المدفع في السهر بجوار المدفع وحديثهم لا يتوقف عن معركه الصباح تخلله عده نكات من وحيد تجاوب معها الجميع في روح معنويه عاليه جدا .
مرت عده ايام بدون اي اغارات علي الموقع وان كان الجميع يشاهد طائرات العدو تغير علي السويس ليل نهار ، مما اثار اعصاب الرائد منعم ، فتوقف غارات العدو غريبا عما اعتادوا عليه في الاشهر الاخيرة ، ولا بد وان العدو يدبر لهم شيئا في الخفاء ، وهو ما اثار اعصابه .
واذا كان الرائد منعم قد توجس خيفه مما يدبرة العدو لموقعه ولجنوده في الخفاء فأن خيري قد كان يشعر بالملل والغضب في نفس الوقت ، فرؤيه طائرات العدو في هجماتها ضد مواقع قواتنا حول السويس بعيدا عن مدي مدفعه كان يثير غضبه وحنقه وتمني لو ان مدي مدفعه يستطيع ان يصل الي حيث تلك الطائرات لكي يحرقها بمن فيها ويقطع اوصالها في عنف .
ومع مرور الاسابيع بهدوء عرف جنود الموقع جميعهم خيري ، وعرفوا ان لديه ملكات كبيرة جدا في صيانه السلاح وفي التصويب الدقيق ، وعرف الكل رغبته الشخصيه في الانتقام و الانعزال التام وعدم ترحيبه بأي صدقات مع اي زميل ، كان الوحيد الذي يحاول ان يتقرب منه رغم فشله المتكرر هو بولس ، والذي وجد في خيري مستمعا جيدا واستطاع ان يفتح معه حوارا هادئا بعيدا عن امور خيري الشخصيه ، وعرف عن بولس ان لديه زوجه واطفال بالصعيد وانه وجد نفسه مطلوب للتجنيد بعد النكسه مباشرة هو وشقيقه الاكبر ، فترك أرضه لاسرته ترعاها وتقتات منها ، وان شقيقه قد جُند في الجيش الثاني ، وكثيرا ما حاول بولس ان يخترق حاجز الصمت لدي خيري وان يتوغل داخله الا انه كل مرة كان يواجهه بحوائط عاليه من الرفض جعلت حياه خيري الخاصه شيئا غامضا بالنسبه للجميع في الموقع ، حيث جرت العاده بين الجنود في مواقع القتال ان يبوحوا بتفاصيل حياتهم ويشاركوها لزملائهم في محاوله للقضاء علي رتابه وصرامه الحياه العسكريه ومن شبح الموت المحيط بهم .
وقوبل انعزال خيري في اول الامر بفتور وتساؤل من جانب بقيه الجنود ، لكنهم في النهايه رضخوا لرغبته وطوت الايام تسأولاتهم ، وكانت الجمله الوحيده التي قالها خيري عن حياته الشخصيه في احد ليالي الربيع بجوار المدفع
(( محمد مات ............... مات وسابني لوحدي )) وكانت تلك الجمله مثيرة للفضول اكثر للرجال ، فتسألوا فيما بينهم عمن يكون محمد ومدي قرابته لخيري ، وهيهات حاول الرجال تجاوز حوائط خيري المنيعه بعد جملته المثيرة للفضول .
ومع حلول الربيع عادت الغارات علي الموقع وتفاوتت تلك الغارات بين المكثفه وبين غارات تقوم بها طائرة او اثنين وعلي ارتفاع عال واطلق عليها الرجال في الموقع غارات ازعاج ، في تلك الفترة استطاع خيري اصابه طائرتين ،واستطاعت احد الطائرات ان تصيب احد المدافع ويستشهد عدد من افراده
لكن مع حلول صيف 68 هدأت الغارات تماما ، وبدأت تمر ايام واسابيع كامله بدون رؤيه طائره معاديه واحده في السماء
ورغم استغلال الجنود والضباط حاله السكون في الاستمتاع بجو الصيف والاستمتاع بمياه الخليج الدافئه وقضاء الوقت في صيانه السلاح والاستمتاع بيوم اخر من الحياه وامتصاص رحيقه لاخر قطرة ، في كل ذلك الجو الهادئ بالجزيرة الخضراء كان هناك بركانا داخل خيري ، فالغضب تصاعد مع سماعه اخبار القتال علي انحاء الجبهه وتواصل حرب الاستنزاف التي بدأتها مصر وسارت فيها رغم الخسائر المتبادله مع العدو .
وكانت اخبار القصف المدفعي ودوريات العبور المقاتله قاسم مشترك في كل بيانات الجبهه اليوميه وهو ما اثار اعصابه اكثر .
فالذي لم يكن يعرفه خيري وقتها ان الطيران الاسرائيلي مشغول بمهاجمه تلك المنشات الخرسانيه عجيبه الشكل التي يقوم عمال صعايده مدنيين ببنائها ، في بادئ الامر لم يكن الاسرائيليين يعرفون ماهيه تلك المنشأت العجيبه التي بدأت تقام بطول الجبهه ، لكن حل هذا اللغز وصل للقياده الاسرائيليه عبر صور اقمار صناعيه امريكيه ، فتلك المنشأت التي تقام قرب جبهه القناه ، مطابقه لتلك المنشات الموجوده في فيتنام الشماليه ، وما هي الا دشم لمنصات صواريخ ارض- جو
وفور تحليل الصور ومطابقاتها اضيئت كل الانوار الحمراء في القياده الاسرائيليه وعم الفزع والهلع القوات الجويه لديهم فوجود صواريخ سام بالقرب من القناه سيقوض دور القوات الجويه الاسرائيليه في قصف القوات المصريه وفي حريه الحركه فوق القناه .
وعلي الفور بدأت عجله القصف الجوي لتلك المنشات بصورة مكثفه وشديده من بورسعيد شمالا حتي السويس جنوبا
وتحولت الجزيرة الخضراء الي هدف ثانوي بالمقارنه بتلك المنشأت الخرسانيه
ودار سباق اقل ما يوصف بأنه رهيب جدا ، فالطيران الاسرائيلي يهاجم تلك المنشأت اثناء بنائها وفي بعض الاوقات كانت المنشأت تضرب قبل ان يجف الاسمنت ويتصلب ، وكان المطلوب من القوات المصريه سرعه بناء تلك المنشأت والدفاع عنها لادخال الصواريخ الي الجبهه ، وأستشهد المئات من عمال البناء المصريين تحت الانقاض ومن تأثير القنابل لاسرائيليه الثقيله ، ورغم سقوط العديد من الطائرات الاسرائيليه في عمليات القصف المتواصل الا انه نجح تماما في تدمير كل الدشم الخرسانيه وفرض سيطرته الجويه تماما علي الجبهه مما اعتبره نصرا ساحقا اخرا لذراعه الطويله .
في تلك الفترة فكر خيري كثيرا في ان يتقدم بطلب للنقل الي موقع متقدم اخر يستطيع من خلاله القتال ، فالنار في داخله اصبحت لا تطاق ، وفاتح الشاويش عباس في هذا الموضوع ، وعلي عكس المتوقع من الشاويش عباس المتجهم دائما ، فأن الرجل بحنان ابوي نادر الظهور منه ، طلب من خيري التمهل في طلبه والا يتسرع لان ذلك سيقابل بالرفض وسيترك انطباع سئ امام القائد .
وبدلا من ان يترك خيري حزينا ، فان الرجل نصح خيري بأن يأخذ اجازة ، فهو قد رفض الاجازة مرارا وقد مر قرابه سته أشهر منذ وصل للجزيرة ، ووافق خيري علي مضض .
وبعد يومين كان خيري يستقل لنش الريس غريب متجهها للسويس بعد حوالي 170 يوم قضاها علي الجزيرة ، وبدلا من ان يقف علي مقدمه الزورق فأنه وقف علي مؤخرة الزورق يشاهد ملامح جزيرته وهي تختفي في الظلام
احساس غريب انتابه في تلك اللحظات القليله التي شاهد فيها الجزيرة تختفي من امامه في الظلام ، أحساس المسافر بعيدا عن بيته وليس العكس ، فالجزيرة اصبحت هي منزله وبيته والحضن الدافئ الذي يرتمي فيه ، وزملاءه أصبحوا اهله وعشيرته ، احساس غريب جدا بأنه بدأ يفتقد زملاءه ومدفعه وملجأه وسريرة ، أحاسيس غريبه متضاربه يحس بها واللنش يبحر مقتربا من شاطئ السويس .
بعد عده ساعات كان خيري داخل صندوق سيارة نقل عسكري يخترق شوارع القاهرة الساهرة ، شتان الفارق بين السويس والقاهرة ، وبين الحرب الدائرة وبين اضواء المدنيه وضخبها ، تطلع لما يدور في الشوارع وركز حواسه علي ما يراه في شوارع وسط المدينه ، رجال ونساء يقضون اوقاتهم في التنزة في الشارع ومشاهده واجهات المحلات ، وهذا اخر يعتصر يد صديقته وهو يعبر بها الطريق ، وهذا تجمهر من الرجال امام شباك تذاكر احد دور السينما والتي تعرض فيلما اجنبيا ، وهذا اخر يتناول مخروطا من الايس كريم في أستمتاع تام ، لا شئ يدل علي ان حربا تدور رحالها علي مسافه قصيرة جدا
، حرب يموت فيها في كل يوم رجال وشباب في عمر الزهور ، حرب تقطع اوصال الرجال وتحولهم الي معاقي حرب
حرب يحاول فيها العدو كسر صمود الجيش ، بينما القاهرة غارقه في الانوار والضخب والسهر .
اراد ان يقفز من الصندوق ويصيح في الناس ، بأن الناس تموت علي الجبهه لكي تكونوا في أمان ، وانتم لا تهتمون بما يحدث في الحرب ومستمرون في الصخب والسهر ، أراد ان يمسك بتلابيب ذلك الفتي الذي يكاد يحتضن تلك الفتاه في الطريق ، أراد ان يقول له ان عليش مات وهو في مثل سنك ، لكنه مات وهو يدافع عنك ، مات وهو ممسك بسلاحه وليس بكتف تلك الفتاه ، كانت صدمته كبيرة مما يراه ، فلا شئ يدل علي ان البلد في حرب سوي بعض مصابيح السيارات المطليه بلون ازرق داكن ، والتي تظهر بين الحين والاخر ، فلا احد يبدو انه يهتم بما يحدث .
كانت نظرات خيري وتعابير وجهه الغاضبه فاضحه جدا لما يدور في عقله ، فأنحني احد الجنود المرافقين له قائلا
(( احنا بنموت علي الجبهه ومحدش هنا حاسس بينا )) فتدخل اخر قائلا معترضا (( يعني يعملوا ايه يعني ؟؟ يقعدوا في بيوتهم ولا يبطلوا يخرجوا ويتفسحوا ؟؟ )) فرد الاول (( امال يعني ايه البلد في حرب ؟؟ ))
فرد الثاني (( ما الناس دي هيه اللي بتشغل المصانع والمصالح ، هما دول الناس اللي بيعملوا الاكل اللي بناكله علي الجبهه واللبس اللي بنلبسه والرصاص اللي بنضربه ، ماهم برضه بيحاربوا لكن في ميدان تاني وبطريقه مختلفه خالص ، الفرق عننا انهم بيقدروا يخرجوا بليل يتفسحوا واحنا لا )) كان الحوار بين الاثنين وخيري مستمع وعينيه تشاهد ما يحدث في شوارع العاصمه ، وعقله يخزن كل ما يراه ، لكنه اقتنع تماما ان دورة هو القتال بينما دور باقي الشعب هو تدعيم الجيش بما يمكن ان يقدمه ، فليس من الضروري ان يحمل كل فرد السلاح ، فهناك من يكون سلاحه قلم او مطرقه او حتي لحن
لكن الجميع يصب عمله في مصلحه الوطن .
كانت صورة ورديه تلك التي اراد ان يرسمها خيري في عقله لصمود الشعب ،
لكن الحقيقه ان هناك فئه كبيرة من الشعب قد هُزمت بالفعل وضاع عندها الايمان بالقضيه واختفي لديها مفهوم تحرير الارض ورضخت تماما للدعايه الاسرائيليه الغربيه وانتشرت تفسد في البلد من الداخل بكل اشكال الفاسد الخلقي والاجتماعي ، والغريب ان تلك الفئه رفضت القبول بان الجيش صامد ويقاتل وأصبحت كالخنجر في ظهر الشعب والجيش علي حد السواء .
وصل خيري الي محطه مصر ، حيث استقل القطار الي قريته ، وبعد ساعتين كانت قدماه تطأ عزبه المراكبيه مره اخري ، حيث عاد اليها والي محبوبته والي ذكريات الايام الجميله ، لا يستطيع ان يري مكانا في قريته الا وارتبط بذكريات جميله مع محمد .
أمضي خيري يومين ونصف في احضان بلدته وجو السلام والهدوء الذي يغلف كل مكان فيها ، فلا شئ يدل بالمرة علي ان الوطن في معركه مصيريه في تلك اللحظات ، فالهدوء والسكينه يغلفان جو القريه ، وسير العمل في الحقول يسير بنفس دورته المعتاده ، وأستمتع بدفء وحنان والدته وشقيقتيه والاتي اغرقته في اصناف الطعام المختلفه والحوارات المتعدده ، ولم يضع اي فرصه في امتصاص مشاعر الحب والعشق من محبوبته ، فقط كان يعيد ملئ مستودعات قلبه بمشاعر انسانيه كثيرة افتقدها كثيرا في الاشهر السته الماضيه ، فقد كانت مشاعره علي الجبهه من وجهه نظرة غير انسانيه بالمرة فكلها حقد وكراهيه وقتل ،اما الان فهو يعيد التوازن لنفسه المسالمه قليلا قبل ان يعود للجزيرة
وخلال حديثه مع والدته ارتاح فؤاده عندما علم ان مرتبه يصل لوالدته بأنتظام تام ، فقد كان يشك في ذلك وكثيرا ما سأل والدته عبر الخطابات المتواصله بينهم ولم يرتاح من تأكيدتها له فقد احس بأنها لا تريد ان تزيد من اعباؤة .
وعندما زار منزل عمه في اليوم الاخير لاجازته ، واجه صورة محمد المتشحه بالاسود بنظرة مختلفه تماما عما نظر اليها اخر مرة قبل توجهه الي الجبهه ، فنظرته هذه المرة تحمل قدرا من الطمأنيه والراحه ، فهو يسير في طريق الثأر بكل ما يستطيع من قوة وليس هناك ما يمكن ان يتم فعله ولم يقم به، ورغم ان الصورة هي نفسها التي شاهدها وناجاها عده مرات من قبل ، الا ان احساس غريب جدا تسلل اليه رغم عنه ، احساس عميق بالراحه ، وكأن وجه محمد يبتسم له .
وتعجب خيري من نفسه وهو يودع قريته ومحبوبته ، تعجب من تلك القدرة العجيبه التي اصبح يمتلكها في وضع الاحلام والامنيات الخاصه بعائله والمستقبل وراء ظهرة فور اختفاء محبوبته وقريته من الافق ، ففور ان اختفت قريته من امام انظارة ، ظهرت شخصيه خيري الجندي المقاتل مرة اخري علي السطح ، فأخرج جهاز الراديو الصغير والذي غاب عن يده طوال مده الاجازة وبدأ تدير مؤشر الترددات لمتابعه اخر الاخبار وعقله مع رفاقه في الجزيرة وتمني من كل قلبه ان يكونوا بخير كلهم .
وقرب اذان الظهر كان خيري يدخل مدينه السويس مرة اخري ، تنشق رائحه الهواء المعبئ برائحه البارود وملئ رئتيه بهذه الرائحه التي تذكرة بالموت الجاثم علي بعد مئات الامتار منه ، فها هو قد عاد لخط المواجهه ولواجبه المقدس الذي ينتظرة في شوق .
وبحلول الليل استقل خيري اللنش متجها للجزيرة وهو في شوق لمدفعه ولرفاقه ولقائده ، وخلال الطريق علم من الريس غريب ان الاحوال هادئه تماما خلال اليومين الماضيين ، فحمد خيري الله علي سلامه رفاقه .
الفصــــل الخـــــــــامــــــــــس
الدمنــــــــــــــــهوري
عاد خيري لموقعه ليلا وبعد ان غادر لنش الريس غريب شاطئ الجزيرة حاملا معه عدد من الجنود المتجهين الي منازلهم في اجازات ، وجد خيري ان الجنود مازالوا في حاله الراحه التي تركهم عليها قبل اجازته، فرغم ان سطح الجزيرة ليلا يكون عاده صامتا خاليا من الحركه ، الا انه في اوقات الهدوء وخاصه مع اعتدال المناخ يكون ساهرا عامرا بدوائر من الجنود الساهرة في حديث مستمر حول اكواب الشاي الثقيل ودخان السجائر، رحب الجنود بعوده خيري وزادت سعادتهم بكميات الفطير والجبن الطازج التي اصطحبها خيري معه لهم ، وعلي الفور تم عمل مائده سريعه لطاقم المدفع في الملجأ لتناول اصناف الطعام المتعدده ، وقبل انتصاف الليل كان الطعام قد اختفي من علي سطح المائده تماما .
ووسط الحوار المرح تسأل خيري عن احوال الموقع في الايام الماضيه ، فأفاض بولس وعبد الحميد في الشرح المفصل لاي حدث قد يكون هاما لخيري ، وانحصرت تلك الاحداث في متابعه عمليه قصف جوي معادي للسويس ، ورد المدفعيه المصريه بقصف مكثف لمنطقه بورتوفيق والتي تقع شمال الجزيرة تماما .
وفي الصباح التالي اعتلي خيري مدفعه مرة اخري بكل همه ونشاط كعادته دائما ، وتطلع ببصرة في السماء باحثا متطلعا ومتمنيا رصد اي اهداف جويه ، لكن بصرة عاد اليه بخيبه امل كبيرة ، وقرب منتصف النهار سمع صوتا مميزا ، انه صوت محرك الريس غريب ، فما الذي يجعله ياتي للجزيرة صباحا ؟ واين ذهبت تحذيرات الريس غريب وحرصه الشديد علي الحضور ليلا ؟
رسي اللنش ونزل منه عده جنود يحمل عدد منهم الكثيرمن العلب صغيرة .
فور نزول الجنود اجتاح الموقع حاله من السعاده فجأه ، وتساءل خيري وجاءة الرد من وحيد بأن الدمنهوري قد حضر
وتسأل خيري في دهشه عمن يكون هذا الدمنهوري ، فرد عبد الحميد شارحا بينما خيري يتابع بعينيه قائده وهو يسرع ويستقبل احد الجنود الذين نزلوا من اللنش في سعاده .
قال عبد الحميد (( الدمنهوري ظهر من فترة قبل ما انت تيجي هنا ، وكان بيجي لنا كل اسبوع تقريبا ومعاه هدايا كتير وبتكون قعدته معانا حلوة ومرحه جدا ))
والتقط بولس طرف الحديث (( احنا مش عارفين هو رتبته ايه ، عمره ما جالنا وهو حاطط رتب ، بس من الواضح انه رتبه كبيرة لان القائد بيقابله بأحترام جامد ، وشكله كده انه من قياده الجيش الثالث))
فسر حديث الرفاق ما يراه خيري بعينيه من حديث ودي باسم بين الرائد منعم والنقيب مصطفي وبين ذلك الدمنهوري ، ذلك الرجل نحيف الجسد ممشوق القوام أسمر اللون خفيف الشعر .
وبعد لحظات اختفي الثلاث داخل مقر القياده وعاد الهدوء الي سطح الجزيرة مرة اخري ، وبعد فترة دعا الرائد منعم عددا من الجنود لتناول الغذاء في الميس بصحبه الدمنهوري ، وكان خيري واحدا ممن وقع عليهم الاختيار .
دلف خيري الي الميس وجلس في مكانه المفضل وبعد لحظات دخل الدمنهوري ضاحكا وبعده الرائد منعم والنقيب مصطفي
وجلس الجميع ، وبدأ وضع اصناف الطعام والتي تميزت بوفرة اللحوم والدجاج علي غير العاده .
واطلق الدمنهوري عده نكات متتاليه ضجت لها القاعه ضحكا وتبسم خيري مجامله وان كانت عينيه تتابعان الدمنهوري في تركيز وتتسائل عمن يكون هذا الرجل الغامض .
وبدون اي مقدمات يتجه الدمنهوري الي خيري بحديثه وكأنه يعرفه منذ سنوات (( مالك يا خيري مش بتضحك ليه ؟؟))
نظر خيري الي عيني الدمنهوري والتي بدت لاول وهله انها اعين ميته بلا شعور ، وفكر خيري في الرد قليلا ، وتسائل كيف عرف الدمنهوري بأسمه وهو لم يقابله من قبل ، الا ان الدمنهوري لم يمهله اي فرصه وباغته ضاحكا وهو يمسك فرخه بيده (( اللي ياكل الفرخه دي الاول يترقي عريف ؟ ))
كان اقتراحا شهيا ضجت له القاعه ضحكا وشاركهم الرائد منعم في الضحك ،
الا ان خيري رد علي الاقتراح بأقتراح اخر (( لا يا فندم ، أراهنك علي فك وتركيب المدفع 14ونص )) وعم الصمت ارجاء القاعه من رد خيري الحاد وتلاقت عيني خيري مع الدمنهوري في تحد ، وعلا صوت الرياح عبر فتحات التهويه وسط الصمت والترقب من الجميع ، وبدلا من أستمرار نبرة الضحك في حوارة ،
قال الدمنهوري في تحد اخر لخيري مستفزا (( بس ده مش مدفعك يا دفعه ، انت عاوز تطير الترقيه من أيدك ولا ايه ؟؟))
تبسم خيري في ثقه قائلا (( يبقي ساعتها ربنا مش كاتبلي نصيب في الترقيه ))
فتبسم الدمنهوري ووافق علي اقامه المسابقه بعد الغذاء ، واختار الحكمدار عبد الفتاح كمنافس لخيري ،وكان ذلك تحديا اخر فعبد الفتاح حكمدار مدفع ثقيل 14.5 بوصه وهو متخصص فيه ، مما جعل التحدي صعب جدا
وبعد انتهاء الغذاء ، انطلق الخبر في ارجاء الموقع وتجمع الجنود حول المدفعين في انتظار بدء المسابقه ، وبعد اشارة من يد الرائد منعم ، بدأ السباق في فك المدفعين وسط تشجيع الجنود وهتافاتهم المشجعه ، وبعد دقائق انتهي الاثنين في فك المدفعين في توقيت متزامن ، وبدأا في التركيب بنفس القوة والنشاط ، لكن خيري كان الاسبق في تركيب المدفع بسرعه اثارت دهشه واعجاب الجميع وخاصه ان هذا المدفع ليس تخصصه ، وبعد مرور دقائق انتهي خيري من تركيب المدفع وبعده بدقيقه استكمل عبد الفتاح مهمته ايضا ، وسط عبارات الاعجاب والاشاده بخيري من الجميع ووسط نظرات الاعجاب من الدمنهوري ، أُعلن الرائد منعم فوز خيري بالمسابقه وبالترقيه .
وبعد انتهاء المسابقه اقترح الدمنهوري اقامه مبارة كرة بين جنود المشاه وجنود الدفاع الجوي ، وتحمس الجميع واعتلي خيري احد الصخور يتابع المباراه في صمت وتركيز .
وانتهت المبارة بفوز فريق المشاه وسط جو احتفالي من الرجال ، وفي ظل جو البهجه والمرح الذي صنعه مجئ الدمنهوري وكسرة لروتين العمل اليومي بدأ ظلام الليل في الانتشار معلنا انتهاء نشاطات اليوم ، وتحت برج الملاحظه اتخذ الدمنهوري له مكانا وبدأ يتحدث مع الجنود حوله في احوال البلد والجيش والمعارك التي تدور رحاها حاليا علي الجبهه ، ومع كل كلمه من فمه كان عدد الجنود يزيد من حوله ، ووسط عدد من اكواب الشاي ودخان بعض السجائر المشتعله ، قص عليهم الدمنهوري اخبار اخر اغارة لقواتنا علي مواقع العدو شرق القناه ، و بكلمات مختارة بعنايه قص عليهم تفاصيل تلك الاغارة لدرجه ان خيري احس بأنه كان مع جنود الصاعقه في تلك الاغارة من دقه وصف الدمنهوري ، وتعالت التكبيرات من فم الجنود كلما وصف لهم عملا بطوليا قام به احد الجنود ، وازدادت بهجه الرجال عندما انتهي الدمنوري من وصف تلك الاغارة بذكرة ان كل الرجال قد عادوا الي قواعدهم سالمين .
ومرة اخري يظهر صوت لنش الريس غريب ، لكن هذه المرة قابل كل الرجال صوت اللنش بفتور بالغ ، فهذا يعني ان الدمنهوري سيغادر الموقع ، ولا احد يعلم متي سيعود اليهم مرة اخري ، ووسط مشاعر الوجوم بدأ الدمنهوري في توزيع عدد من العلب الصغيرة التي حملها معه علي افراد الموقع ، وكان من نصيب خيري احد الصناديق الصغيرة والتي سلمها له الدمنهوري بابتسامه غامضه لم يفهمها خيري قبل ان ينصرف مودعا الجميع .
دلف خيري الي ملجأه وصلي العشاء وهم ان يخلد الي النوم ، لكنه تذكر الصندوق الصغير الموضوع علي سريرة ، فمد يده وبدأ في فتح الصندوق وفجأه ظهرت علامات التعجب والاندهاش علي وجهه ، فبداخل الصندوق كان يوجد عدد من البطاريات التي يستعملها خيري في الراديو الصغير ، ووجد بها ايضا عدد من الايصالات باستلام اهله لمرتبه ، ثم كانت المفاجأه الكبري له فبداخل مظروف صغير بني اللون وجد خيري خطابا بترقيته الي رتبه العريف ومعه شارات الرتبه
وأسقط في يد خيري ، فالدهشه تجتاح كل جوانبه والاسئله تتلاطم في عقله كموج هادر ، وكان السؤال الاعظم هو
من هو الدمنهوري ؟؟؟ من هو لكي يعرف ان خيري سيفوز في المسابقه وسيستحق الترقيه حتي قبل ان تقام المسابقه ، وكيف عرف نوعيه البطاريات التي يستخدمها في الراديو الصغير، ومن اي اتي بايصالات استلام المرتب ؟؟ فمن يكون هذا الدمنهوري ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
نام خيري والسؤال يتردد في عقله وأستيقظ قرب اذان الفجر لاستلام ورديه الحراسه علي المدفع ، وبعد وقت طويل ظهرت تباشير الصباح ومع اول خيوط الصباح تم استدعاء خيري ورفاقه حكمداريه المدافع الاخري الي مقر القائد
والذي دخل القاعه بعد لحظات من دخول الجميع ، وبعد اداء التحيه بدأ القائد يشرح لهم الوضع العسكري علي الجبهه ، ثم تطرق الي اخر تقارير المخابرات التي وردت اليه والتي تشير الي احتمال تعرض الجزيرة لغارات قويه مكثفه في الايام القادمه ، بعد ان استطاعت ان تدمر كل تجهيزات حائط الصواريخ واستطاعت ان تعيد فرض سيطرتها علي سماء الجبهه
وبدأ القائد في شرح خطه الدفاع عن الجزيرة في المرحله المقبله وكذلك خطط النيران ، في اثناء الشرح كان خيري يكاد يطير فرحا ، ففترة الركود الحاليه لم تستمر ، وها هي طائرات العدو ستعود الي سماء الجزيرة مرة اخري لكي تذوق من نيرانه .
وبعد انتهاء التلقين من القائد ، اثني علي دور الرجال في المرحله السابقه وشد من ازرهم لان
(( المرحله اللي جايه هتكون أشد من اللي فاتت )) هكذا قال لهم بالحرف ، ثم هنأ خيري بالترقيه التي تكلل ذراعه وأمرهم بالانصراف
خرج خيري من مقر القياده مسرعا متهلهلا حاملا الاخبار الجديده الي رفاقه ، وعلي عكس المتوقع فقد قابل رفاقه تلك الانباء بقتور كبير ، فرغم سعاده كل منهم عند اصابه طائرة او اسقاطها الا ان الغارات تحمل لهم ايضا الموت ، مما جعلهم لا يتجاوبون مع فرحه خيري والذي ظل منتشيا بتلك الانباء طوال اليوم وهو يتطلع الي السماء محدقا ومنتظرا ومتمنيا ، وزادت حاله التأهب علي مستوي الموقع كله وظهرت علامات الترقب علي كل الرجال ، لكن الليل زحف سريعا بدون اي غارات .
ومر اليوم التالي والذي يليه ايضا بدون غارات ، مما اعاد خيري الي حاله الحنق مرة اخري والتي كان عليها قبل الاجازة
وفي اليوم الثالث حضر قائد الجيش الثالث الميداني ومعه قائد التشكيل في زيارة للجزيرة ، وكانت دهشه الجنود بالغه فكبار رجال الجيش حضروا في طائرة هيلكوبتر ، فلابد وان الامر اصبح خطرا لدرجه استدعت ان يخاطر القاده بالحضور الي الجزيرة جوا في ظل احتمال اكتشافهم من قبل العدو .
دخل قائد الجيش سريعا الي مقر القياده ومن خلفه كبار القاده المرافقين له ، وبعد حوالي الساعه خرج الرجال متجولين بين الجنود والضباط في انحاء الموقع ، وعندما وصلوا الي مدفع خيري قام الرائد منعم بتعريف خيري ورجاله ونوهه بأنهم اصابوا ثلاث طائرات خلال الاشهر الماضيه ، فأثني قائد الجيش علي ادائهم وتمني لهم التوفيق ، وربت علي كتف خيري سائلا (( كله تمام يا وحش ؟ مش ناقصك حاجه ؟)) فرد خيري في (( تمام يا فندم كلنا تمام ومدفعي تمام ))
فتبسم الرجل ومرافقيه وحيا الرجال مودعا ، واستكمل جولته علي باقي الجنود ثم أمر بصرف خمسه جنيهات لكل جندي للترفيه ، وبعد دقائق أقلعت طائرة قائد الجيش مغادرة الجزيرة وتاركه الرجال في حيرة وشوق لمعرفه ماذا تخبئ لهم الايام القادمه .
في الصباح التالي مباشرة دق جرس الانذار في الصباح الباكر ، وتم علي الفور رصد اربعه طائرات معاديه علي ارتفاع متوسط ، وتم اعطاء الاوامر سريعا بفتح النيران ، وبدأت المدافع كلها في الضرب عدا مدفع خيري ، ففي تلك اللحظات احس خيري بفطرته بأن هناك شيئا خطأ ، فطائرات العدو تقترب بطريقه مكشوفه جدا وعلي ارتفاع مناسب جدا لضربها وهذا ليس من طبع عدو رضع المكر وفطم علي الغدر ، فأستدار بعينيه ماسحا السماء باحثا عن اهداف اخري ، وبينما عيني خيري تبحثان في السماء ، كان الرائد منعم غاضبا منفعلا متسائلا لماذا لا يتعامل خيري مع الاهداف القادمه ، ولم يرد خيري علي تساؤلات قائده عبر التليفون الميداني والذي ينقلها له شديد .
دارت عيني خيري في سماء الجزيرة الملتهبه من جراء النيران المندفعه ، حتي رصدت طائرتين تحلقان علي ارتفاع منخفض في الاتجاه الغربي للجزيرة ، اي انهما تأتيان من اتجاه السويس وهو اتجاه غير متوقع الا من عدو ماكر خبيث ، وعلي الفور بدأ خيري في الضرب علي هاتين الطائرتين مبكرا وبمعدل عال ، لكن المسافه كانت قربيه جدا للتعامل مع الهدفين بالتناوب ، فركز كل مجهوده علي احد الطائرتين محاولا اصابتها مبكرا للتعامل مع الاخري ، وبينما المدافع الاخري كلها مشتبكه مع الاهداف الاربعه الاخري رصد القائد ما يقوم به خيري وسريعا امر المدفع رقم 4 معاونته في صد تلك الطائرات قبل اختراقها لستار النيران ، وبالفعل زادت قوة النيران تجاه تلك الطائرات واستطاع خيري ان يصيب احد الطائرات اصابه مباشرة قرب شاطئ الجزيرة لتنفجر الطائرة الي اشلاء ويتناثر حطامها علي صفحه المياه وبعض اجزاء الموقع محترقا وناشرا دخان اسود كثيف في سماء الموقع بشده ،
لكن وفي نفس اللحظه تقريبا استطاعت الطائرة الاخري الاختراق واسقاط قنبله ، تابع خيري تلك الطائرة محاولا اصابتها، لكن الموقع اهتز في عنف نتيجه انفجار قوي جدا ، وطار خيري ورفاقه من فوق المدفع نتيجه قوة الانفجار ،
وبسرعه افاق خيري من صدمه الانفجار الذي اطاح به لمسافه عشر امتار تقريبا من مكانه ، وعاد الي مدفعه بسرعه وهو يبعد كما من المخلفات التي اطاح بها الانفجار علي مدفعه وسارع معه رفاقه في العوده لمواقعهم ، لكن السماء فوقهم كانت سوداء كاليل الحالك نتيجه انفجار الطائرة والقنبله التي اصابت الموقع ، فلم يستطع خيري او رفاقه رصد اي من الطائرات التي ُيسمع صوتها واضحا فوق الموقع مختلطا باصوات انفجارات طلقات المدافع ، فحزم خيري امرة وبدأ في الضرب الاعمي بدون تصويب ، ومع مرور الوقت أستمرت غارة العدو القويه وتطايرت طلقات وشظايا قنابل العدو حول الموقع في جنون تام ، فوسط الدخان والظلام لم يكن احدا يري شيئا ، وأصبح التنفس صعبا مع تزايد الدخان الثقيل ، لكن الذي استنتجه عبد الحميد ان ذلك الدخان يحجب مواقعنا ايضا عن طائرات العدو ، لذلك يكون تصويبها غير دقيق ، وبعد فترة صعبه بدأ الدخان يتلاشي رويدا رويدا ، وبدأت طائرات العدو في الانسحاب من سماء الموقع ، أستطاع خيري ان يلمح بنظرة سريعه من طرف عينه ان المدفع رقم 6 ، قد أصيب وان النيران مشتعله به بشده ، فزاد غضبه غضبا وتعالت وتيرة الضرب ضد طائرات العدو التي انسحبت بعد ان خسرت طائرة وفشلت في اسكات دفاعات الجزيرة .
بعد لحظات تعالي صوت صافرة الامان وتوقف الضرب ، وفور توقف الضرب خلع خيري خوذته وهم ان يجري تجاه المدفع رقم سته محاولا انقاذ اي من طاقمه ، لكن يد وحيد أمسكته في قوة وبنظرة يعتصرها الم هز وحيد رأسه لخيري مخبرا اياه بعدم جدوي ما يفكر فيه ، فنظر اليه خيري غاضبا محاولا الافلات ، لكن وحيد تمسك به اكثر قائلا والالم يعتصرة
(( دي كانت اصابه مباشرة يا خيري مفيش فايده )) فنظر خيري تجاه النيران المشتعله وهو في حسرة شديده .
وبعد دقائق اليمه صعبه أستطاع رجال جماعه الاصلاح من اطفاء النيران فيما تبقي من المدفع ، كان منظرا اليما لذلك المدفع والذي انصهر حديده وتكور داخل الفجوة التي تكونت من انفجار القنبله ، حيث امتزاج الحديد المنصهر مع عظام الرجال وذابت الدماء الطاهره مع زيوت المدفع في مشهد بشع بكل ما تحمله الكلمه من معاني ، فالقنبله اصابت المدفع اصابه مباشرة جعلت ما تبقي منه من اجزاء لا يمكن التعرف عليها .
وقف الرجال حول ما تبقي من مدفع ، والدموع تنهمر في صمت من الاعين الحاقده الغاضبه ، فمنذ دقائق قليله كان سته رجال يملئون سماء الموقع بنيرانهم ، والان فقد لاقوا ربهم في اطهر وانبل لقاء يمكن ان يلاقي فيه المرء ربه.
وطافت ذكري محمد علي عقل خيري بكل ذكرايتها ، فهي هي أسماء جديده تضاف الي قائمه طويله من اسماء الشهداء الذين يجب الاخذ بثارهم .
تقدم الرائد منعم من جمع الرجال وملامح الاسي تجتاحه ، وبصوت حزين أمر الشاويش عباس بعمل تقرير خسائر لابلاغه لقياده التشكيل ، وانصرف منكسا رأسه في ألم .
بعد دقائق قليله عاد الجنود الي مواقعهم تاركين جماعه الاصلاح يقومون بازاله اشلاء الشهداء من موقع الانفجار ، وجماعات الاسعاف تعالج عدد من الجرحي .
وبعد فترة صمت طويل ، دق جرس الانذار مرة اخري معلنا عن غارة اخري ، وانطلقت الاعين كلها الي السماء باحثه عن تلك الطائرات تتوعدها بالانتقام ، فالنار داخل كل جندي وضابط اصبحت في قمتها ، وبدأت المدفعيه في الضرب وأخذ خيري علي نفسه تغطيه مكان المدفع المدمر ، وبكل الحقد الموجود في العالم بدأ خيري في الضرب ضد طائرات العدو المغيرة ، وتكاد قدمه ان تكسر بدال الضرب من شده الضرب ، فهو يضرب ويصوب ويكبر في نفس الوقت وعينيه لا تفارق طائرات العدو التي تحمل في قلبها الموت لهم .
تجاوب شديد ووحيد مع امداد عبد الحميد بالذخائر للتجاوب مع معدل خيري العالي في الضرب ، وضع خيري طائرة معاديه داخل دائرة تصويبه وواصل الضرب عليها ، لكن احساس ما طفا علي عقل خيري في تلك اللحظه ، احساس بأن الطيار ينظر له وهو يناور بعيدا عن طلقاته ، فالطائرة محاصرة بالطلقات المنفجرة في عنف ، وازداد الاحساس داخل خيري بان الطيار فعلا ينظر له ، فخوذه الطيار البيضاء واضحه جدا لخيري داخل دائرة التصويب لكن الطيار ماهر جدا ، فهو يناور بكل ما اوتي من مهاره في الخروج من دائرة نيران خيري .
وبعد عده محاولات استطاع الطيار الخروج من حصار طلقات خيري مستغلا ارتفاع طائرته وابتعادها عن مدي طلقاته ،
لكن بتصميم قوي ورغبه جامحه في القتل ، أستطاع خيري ان يصيب تلك الطائرة وبدأ يتصاعد من فتحه عادمها دخان اسود كثيف ، أراد خيري ان يستمر في الضرب عليها ، لكن عبد الحميد نبهه الي طائرة اخري تقترب من الموقع ، فصوب خيري تجاهها علي عجل ، تاركا الطائرة المصابه تنسحب مخلفه ذيلا من الدخان الاسود الكثيف .
أستمر في الضرب بمصاحبه بقيه المدافع ضد طائرات الاخري والتي كانت تحاول بأستماته ان تخترق حاجز النيران علي ارتفاع منخفض ، بينما حاولت احد الطائرات قصف الموقع من ارتفاع عال جدا بعيد عن مدي دفاعات الموقع ، لكن صغر حجم الجزيرة جعل التصويب الدقيق شبه مستحيل ، فوقعت قنبلتين وانفجرتا في المياه حول الجزيرة .
أستمرت محاولات طائرات العدو لقترة ثم ما لبثت ان انسحبت تجر اذيال الخيبه .
هدأت طلقات المدفعيه مع خروج طائرات العدو من مدي الضرب وتوقف خيري عن الضرب وهو يحاول ان يلتقط انفاسه بصعوبه ، فمال علي مقود التصويب ليسند رأسه قليلا ، وبينما انفاسه تعود لطبيعتها ببطء ، طاف بعينيه الي حيث المدافع الاخري والتي مازال الدخان يتصاعد من فوهات مدافعها ، ومثل مدفعه فقد تناثرت من حولها فوارغ الطلقات المستخدمه ، بينما كل الجنود والضباط يلتقطون انفاسهم ويعيدون الاطمئنان علي اسلحتهم .
كان وحيد اول من تحدث متعجبا (( غارتين في يوم واحد ، والله زمان يا رجاله ))
فرد عليه شديد (( ولاد الكلب ناويين يدكونا ولا ايه ؟؟))
فتدخل عبد الحميد (( بس مش قبل ما نموت منهم اللي نقدر عليه ، يا احنا يا هما ))
فتدخل خيري بصوت حاد (( أحنا طبعا ........ احنا معندناش حل تاني غير اننا ناخذ بتار الشهداء بتوعنا ))
وقطع الحوار صوت الشاويش عباس يطلب اعطاء تمام المدافع ، وبدأ الجميع في اعاده التأكد من كفاءة المدافع لاعطاء تمام التجهيز .
مضي النهار منذ تلك الغارة ولم تظهر اي طائرات معاديه في السماء ، وقرب حلول الليل بدأت جماعه الاصلاح في الخروج مرة اخري ، لكن هذه المرة خرجت تجاه بقايا الطائرة الاسرائيليه المحطمه علي شاطي الجزيرة ، تعجب خيري مما تقوم به جماعه الاصلاح في حطام الطائرة ، وتجمع الرجال حول الجماعه يتابعون عملهم .
قامت جماعه الاصلاح بقلب بقايا كابينه الطيار والتي تناثرت اجزاء كبيرة منها علي الشاطئ ، واستخرجت جثه الطيار ولفتها في احد البطاطين وسط دهشه بالغه من الجميع.
تساءل خيري غاضبا مما يحدث ولماذا يحدث ، فرد عليه الشاويش عباس والذي تصادف وقوفه بجوارهم ، بأن هناك اتفاق مع الصليب الاحمر باعاده جثث القتلي وفق الاعراف والمواثيق الدوليه في حالات الحروب ، فتعاظم غضب خيري مما يسمعه وانفعل صائحا بأن عدونا لا يعرف اي اعراف او مواثيق ، فهو يقتل اسرانا ويستخدم افظع الاساليب في قتالنا فلماذا نعامله بالحسني ؟؟ وتعالت اصوات التأييد لخيري من باقي الجنود .
جاء صوت النقيب مصطفي من خلف خيري في هدوء وثقه ، موضحا وشارحا للجنود ان الاسلام يامرنا بحسن معامله اسري وقتلي العدو واننا لا يجب ان نعمل مثلهم ، بالاضافه الي ان جثه هذا الطيار لن يتم تسليمها للعدو مجانا ، بل ان ثمنها غال جدا عند العدو ، ففي مقابل هذه الجثه سيتم تسليمنا اعدادا من الاسري المختلفين عندهم ، اي اننا الرابحين من كل النواحي ، فالطيار الاسرائيلي الميت ثمنه لا يقل عن خمسون او مائه أسير حي .
كانت كلمات النقيب مصطفي شارحه ووافيه ومهدئه للجميع ، فعلي الاقل هناك خمسون روحا مصريه يمكن ان تعاد للحياة من السجون الاسرائيليه مقابل تلك الجثه العفنه ، الا ان خيري كان مازال غاضبا فسأله بولس بعد فترة عن سبب استمرار غضبه رغم ان النقيب مصطفي شرح الفوائد التي ستعود علينا من مبادله جثه لذلك الطيار ، فرد خيري ان بداخله نار تزداد أشتعالا كلما حاول اطفائها، وان فكرة عوده جثه هذا الطيار الي اهله بينما الالاف من جثث الجنود المصريين مازالت تملئ صحراء سيناء بدون ان تدفن لتنهشها الضباع ، قد زادت نيرانه خاصه مع استشهاد سته من رفاقه في الصباح ،
ولمده من الزمن تناقش الرفاق في احداث اليوم وصدق توقعات القاده بعوده كثافه الغارات مرة اخري علي الموقع .
انفصل خيري عن دائره الحوار مع رفاقه وبدأ يتجول في انحاء الموقع ، واخرج الراديو مستمعا للاغاني الوطنيه التي تبث بلا توقف علي عدد من الموجات الاذاعيه ، فأستمع الي صوت عبد الحليم يصدح بأغنيه (أحلف بسماها )
وهي الاغنيه التي أقسم ان يشدو بها كلما غني في حفل حتي تعود الارض المحتله ، ووسط صمت الرجال وشرودهم وقلقهم من الغد وما يحمله لهم تعالي صوت المذيع من الراديو معلنا عن اغنيه جديده لعبد الحليم ، وتعالي صوت العندليب يشدو بكل قوة
(( أبنك يقولك يا بطل ، هات لي نهار ........ أبنك يقول لك يا بطل هات لي انتصار )) ووسط جو الاغنيه الحماسي وانغامهم القويه ، ردت صخور الجزيرة كلماتها علي اذان الرجال كلما مر خيري بجوارهم ،
وبداخل كل منهم أشتعلت الحماسه مرة اخري ، فلا فرار من الموت الا بالانتصار ، ولا وجود للانتصار الا بالقتال المستمر الشرس ضد العدو ، والانتصار لا يأتي الا بالتدريب الشاق والايمان القوي بالنصر من عند الله
مر خيري بجوار الرائد منعم القابع في مركز قيادته المتقدم يرتشف كوبا من القهوة الثقيله، وأستمع الي صوت عبد الحليم من راديو خيري ، وهام في التفكير في تلك الحرب الدائرة ، وفي أسرته وطفلته التي لم يراها منذ سته اشهر تقريبا ، فكيف يأخذ اجازة ويترك الموقع ؟؟ لقد رفض تفكيرة منذ فترة كبيرة فكرة ان يترك الجزيرة ، واخرج صورة طفلته وشرد مع الصورة ، فهل قدر الله له ان يراها مرة اخري ؟ هل سيعيش ليراها مهندسه كما تمني ؟ هل ؟ هل ؟ هل ؟
عشرات الاسئله التي لا اجابه لها ، فهي كلها في علم الغيب ولا يعلم اجابتها الا الله ، لكنه القلق الصعب من المستقبل المجهول ، فربما شظيه طائشه من احد القنابل او احد الطلقات تجد طريقها الي رأسه او قلبه ويكون مصيرة كمصير العشرات او المئات او الاف الذين سبقوة والذين سيلحقون به ، ان احساسه بالقلق قبل القتال يكون قاتلا له ، فهو مسئول مسئوليه كامله عن كل فرد في الموقع ، مسئول عن اعاشته وتدريبه وقتاله واصابته وموته بشكل مباشر ، فربما يختار جنديا للنزول في اجازة ، ويكون بذلك قد وضع جنديا اخر في مكانه ومن الممكن ان يستشهد في مكانه ، فياله من قلق يجتاح كل جوانبه ، فموقعه المتقدم جعله هدفا مثاليا لاطماع العدو التي لا تتوقف ، وفكر في هاجس غريب طاف برأسه ، ففي القتال يكون شخصيه مختلفه تماما عما هو عليه قبل جرس الانذار ، ففي القتال لا وقت للتفكير والقلق القاتل ، فهو لا يفكر في اسرته وفي طفلته اثناء القتال ، وضحك عندما توصل الي ان القتال اصبح هو المهرب الوحيد له من التفكير القاتل.
أستمر خيري سائرا هائما سارحا في ذكرياته مع محمد ، وطافت به احلامه مع محبوبته وشكل المستقبل بينهم ، الا انه طرد هذا الهاجس من تفكيرة تماما ، فكيف يقاتل ويستعد للموت في كل لحظه وهو يفكر في المستقبل ،تفكيرة هذا لا بد وان يعيقه عن تنفيذ مهمته الوحيده والتي كرس لها نفسه وهي الانتقام من الاسرائيليين في كل لحظه، حتي التحرير او الموت .
وبعد فترة من الشرود اتجه داخل الملجأ واخرج مرتبه النوم وضعها بجوار المدفع ، فقد قرر ان يكون مكانه بجوار مدفعه في كل وقت فالثانيه اصبح لها حساب ، ومن المحتمل ان يقوم العدو بغارات ليليه مفاجئه ويجب ان يكون جاهزا للتصدي لهم .
في الصباح التالي تم اخلاء جثث الشهداء السته ومع الجثامين تم جمع حاجياتهم الشخصيه بواسطه لنش الريس غريب ، وودع الرجال رفاقهم الشهداء في صمت واجلال ، وعاد الرجال الي سلاحهم مرة اخري فالحرب لم تنتهي بموت رفاقهم السته ولابد من الانتقام لهم .
كان الانتقام هو القاسم المشترك بين احاديث الرجال واحساسهم ، حتي دق جرس الانذار في الثامنه صباحا من اليوم التالي
غارة اسرائيليه جديده بطائرات الميراج فرنسيه الصنع ، واستمرت تلك الطائرات تغير علي الموقع طوال اليوم، مستخدمه الصواريخ غير موجهه للضرب علي الموقع من بعد ، ورغم ان تلك الصواريخ لم تكن مؤثرة بالقدر الكافي الا ان عددا من الجرحي سقطوا وتم اخلائهم لخندق العياده لعلاجهم ، وكان ذلك تكتيكا جديدا من الطيران الاسرائيلي ووضح جليا ان فكرة قصف الموقع بالقنابل قد ادت الي خسائر لدي الاسرائيلين فحاولوا تعديل اسلوب هجومهم ، ونظرا لطبيعه الصخريه للجزيرة ، فقد كانت الصواريخ تصطدم بالصخور وتنفجر بدون ان توقع اصابات مؤثرة بالجنود المشاه في الخنادق او بالمدافع المحميه بشكائر الرمل .
هذا الاسلوب الجبان من الطيران الاسرائيلي جعل خيري يستشيط غضبا وحنقا ، فالطائرات تطلق من مسافه بعيده عن مدي مدفعه ، وليس من السهل عليه ان يري طائرات العدو تغير علي موقعه وهو لا يستطيع ان يصيب منها واحده علي الاقل .
في تلك الليله جلس بولس مع شديد يلعبان عشرة طاوله كعادتهم ، وبينما خيري جالس بجوارهم صامتا مفكرا كعادته ،
الا انه صاح غاضبا ومفاجئا من حوله من الرجال قائلا (( أصله مش معقول اني ابقي شايف ولاد الكلب بيضربونا وانا مش قادر اعلم عليهم بطلقه ولا اتنين ))
فرد شديد وهو يهز نرد الطاوله في يده (( متقلقش يا وحش ، لما يلاقوا ان صواريخهم مش عامله حاجه هيرجعوا تاني للضرب بالقنابل ))
فتدخل عبد الحميد في الحوار بعد ان اشار الي وحيد لاستلام الحراسه قائلا (( ولاد الهرمه دول مش هيعدموا حيله الا وهيعملوها عشان ياخذوا الجزيرة ، انا سمعت الشاويش عباس بيقول انهم ممكن يحاولوا ينزلوا علي الجزيرة بعساكر من عندهم ))
فضحك وحيد وهو يغادر الخندق قائلا (( ساعتها هنهرب نروح منهم فين ؟؟ ))
فرد خيري غاضبا (( نهرب ليه، ايه الكلام ده ؟؟؟ ساعتها مش هيكفيني اني ادبحهم واحد واحد بأيدي دي))
فضحك شديد وهو يقول (( عاجبك كده يا سي وحيد ، أديك نرفزت لنا خيري ، مين عارف هيرجع يضحك تاني أمتي )) فضج الملجأ بالضحك ولم يجد خيري بدا من التبسم علي قفشه شديد المحكمه .
ونام خيري تلك الليله وهو يتخيل مواجهه بينه وبين جنود اسرائيليين وجها لوجه ، وبدأ يشرد مع تخيله لاحداث تلك المواجهه الداميه .
في الصباح التالي أسرع خيري الي احد الرقباء في سريه المشاه ودار بينهم حوار سريع قبل ان يعود سريعا الي مدفعه ، وبعد عده ايام كان الرقيب يسلم خيري خنجرا كبيرا ذو طرف متعرج وطرف اخر مذبذب الاطراف ، فنظر خيري الي هذا الخنجر الكبير بأعجاب شديد وشكر الرقيب علي تلك الخدمه .
وليلا تناقش الجنود في أمر هذا الخنجر في حيرة ،وعندما عاد خيري من مركز القائد لجوار المدفع حيث جلسه السمر الليلي لهم ، افصح لهم عن سر هذا الخنجر ، واوضح لهم ان الرقيب طعيمه لديه صديق في احد مجموعات الصاعقه ، وقد طلب منه ان يأتي له بخنجرا من الذي يستخدمه رجال القوات الخاصه وخاصه من النوع الذي يكون قاتلا .
وعندما تسائل عبد الحميد عن سبب حاجه خيري الي هذا الخنجر ، كان رده مقتضبا وحادا
(( انت فاكر لو اليهود نزلوا علي الجزيرة ، هأستعمل الالي معاهم ؟؟ لا طبعا دول لازم يموتوا بايدي ومش هيكيفيني اني ادبح كل واحد منهم )) فنظر الجنود لبعضهم البعض في صمت وتعجب ، فحتي الان ورغم مرور قرابه العام علي معرفه خيري ، فأنهم لا يعرفون من اين يأتي بكل هذا القدر من الحقد والكراهيه الشديده والرغبه في القتل .
استمرت غارات الطيران الاسرائيلي علي الموقع لمده اسبوعين متواصلين والرجال يقاتلون بكل ثبات ، وخلال هذين الاسبوعين تمكن خيري من اصابه طائرتين اخرتين للعدو ، وتمكنت طائرات العدو من تحقيق عدد من الاصابات المؤثرة علي الموقع ، قتم تدمير ميس الطعام بقذيفه مباشرة وأستشهد عدد من جنود المشاه ، ودمر احد المدافع الثقيله وزاد عدد الجرحي الذين يتم اخلائهم ليلا كل يوم واستبدالهم بأخرين .
كان الجنود يمضون النهار في القتال المستمر ، ويقضون الليل في اصلاح الاعطال وازاله بقايا قنابل العدو ومخلفات الهجمات ، في تلك الاونه كان الرجال يتناولون وجبه طعام وحيده فقط حين يكون الوقت يسمح بتناول تلك الوجبه المعلبه ، لم يكن الطعام والشرب بالنسبه لخيري سوي مجرد ملئ للمعده الخاويه لكي يستطيع ان يكمل قتاله ، حتي النوم أصبح نادرا فالخطر أصبح قائما ليل نهار ، ويجب الاستعداد الدائم لمواجهه هذا الخطر .
وفي احد ايام شتاء عام 1968 هاجمت طائرات العدو الموقع ، وكان هجوما عنيفا بكل معاني الكلمه ، فالطائرات تغير بتواصل طمعا في اسكات دفاعات الموقع ، وسقط الشهداء الواحد تلو الاخر ، وأصبح الموت قريبا جدا من الرجال ، لكن احدا لم يتحرك من موقعه او يحاول الهرب والاختباء ، فرغم الاعطال والاصابات الا ان المدفعيه كانت تعمل بكل قوة وتركيز في حمايه سماء الجزيرة ، وتمكن خيري من اصابه طائرة اخري وأستكمل مدفع اخر تدميرها ، وقتل الطيار الذي بها فورا
وكانت قياده التشكيل تلقي بكل دعم ممكن الي الموقع سواء دعم معنوي او مادي ، وتحول الموقع الي ماده اساسيه في البيانات العسكريه الصادرة كل يوم في الاذاعه المصريه ، والشئ الذي تعجب من الرجال ، هو اصرار العدو علي تحطيم دفاعات الموقع وكان تفسير الدمنهوري للرجال في احد الزيارات ان موقعهم هو اكثر المواقع مشاغبه وازعاج لطيران العدو وان الطيران الاسرائيلي مجروح الكرامه من موقعهم واصبح تدمير الموقع مسأله كرامه وشرف بالنسبه لهم
وهو ما استدعي هذا التركيز الجوي ضدهم ، فلا يوجد موقع اخر علي الجبهه يزعج طائرات العدو في مسارها او في قصفها كما يقوم موقع الجزيرة الخضراء .
كانت تلك الكلمات رغم قسوتها ترفع معنويات الرجال الي عنان السماء ، فجرح كرامه العدو المتغطرس نجاحا لهم رغم ان ذلك يعني ان الموت سيظل هائما حولهم لفترة اخري قادمه .
وفي احد اليالي حضر لنش الريس غريب حاملا معه الامدادات اليوميه للموقع وكانت ذخائر فقط ، ورغم النقص الشديد في تعيينات الطعام ، الا ان الرجال كانوا في حاجه الي ذخائر اكثر من حاجاتهم للطعام .
وتعود خيري علي وجوه الجنود الجديده التي تحل محل من جرح او استشهد ، وتعود علي ان الوجوه تتغير بأستمرار مع توالي القصف المعادي وتوالي الخسائر ، كان كل ما ركز فيه هو طائرات العدو وجاهزيه مدفعه الدائمه للتعامل معها .
ومع توالي الايام والقصف الجوي المستمر من العدو ، توالت زيارات الدمنهوري علي الموقع وكذلك زيارات التفتيش من قاده التشكيل وضباط الجيش الثالث ، وأصبح خيري علما من اعلام الجزيرة ، ففي كل زيارة تفتيش او زيارة دعم معنوي لابد وان يسأل الرجال عن خيري بالاسم ، ويشيدوا بدورة في اصابات طائرات العدو ، وعندما يسالونه عما يحتاجه لا يطلب شيئا بالمرة ..
وتوالت المكافات الماديه علي الجنود بعد كل اصابه محققه لطائرات العدو ، وكان لخيري نصيب الاسد في هذه المكافات والتي تصل اليه عن طريق الدمنهوري في صورة ايصالات استلام من اهله ،وكان الدمنهوري دائم امداد خيري ببطاريات الراديو ، وتوارت حيره شخصيه الدمنهوري من عقل خيري ، فلم يعد مهما من يكون الدمنهوري او رتبته ، لكن اصبح مهما جدا لخيري ان يري الدمنهوري اسبوعيا ، وفي بعض الاوقات كان الدمنهوري يزور الموقع اكثر من مرة في الاسبوع واصبحت تلك الزيارات علامه بارزة جدا في حياه الجنود ، الذين استطاعوا الربط بين زياراته وبين تزايد هجمات العدو الجويه ، وكان طبيعيا ان يكون الدمنهوري متواجدا بعد اصابه اي من طائرة العدو ليشد من ازر الرجال ، وفي احد الايام القاسيه تمكن خيري من تدمير طائرة ميراج اسرائيلي بدفعه مركزة من طلقاته ، وفي المساء حضر الدمنهوري واهدي خيري راديو جديد بخواص جيده ، وتبسم وهو يسلمه لخيري قائلا (( ده صوته احسن من اللي معاك )) وشكره خيري
وبالفعل كان خيري فرحا بهديه الدمنهوري ، وجلس ليلا بجوار مدفعه وادار الراديو ليسمع الي صوت عبد الحليم يشدو
(( يا بلدنا لا تنامي )) وتفاعل الجنود مع كلمات الشاعر عبد الرحمن الابنودي القويه ، وتلاها عدد اخر من الاغاني الوطنيه القويه التي رفعت حماس الرجال الي عنان السماء .
حل عام 1969 علي الرجال وهم في قتال مستمر منذ ما يقرب من اربعه اشهر مع العدو ، ومع كل صباح يأتي العدو مصمما علي تدمير مواقع الجزيرة ، ويقابلهم رجال أشد اصرارا علي الدفاع عن مواقعهم بكل قوة .
كانت ملاحظه شديده الذكاء تلك التي لاحظها خيري وناقشها مع الرائد منعم ، فطائرات العدو المهاجمه تكون عاده من الانواع الغير متقدمه رغم ان لديه طائرات اكثر تقدما ، فعاده يقوم بالهجوم بطائرات المستير والارجون الاقدم عمرا وتسليحا من الميراج ، وان درجه كفاءة الطيارين المهاجمين تكون عاديه ، ففي اوقات كثيرة يقوم الطيار المهاجم بأخطاء ساذجه لا يقوم بها طيار متمرس ، وخلص خيري في ملاحظاته بأن العدو يستخدم الموقع كميدان تدريب لطيارينه الصغار للرمايه بالذخيرة الحيه وهذا ما يفسر توالي الهجمات بشكل يومي وفي توقيتات متقاربه .
كانت تلك ملاحظه ذكيه تلك التي ذكرها خيري ، استدعت بقائده ان يرسل بها تقرير الي قياده التشكيل بالسويس، ولم ينس القائد ان يذكر ان تلك الملاحظه قد ذكرها العريف خيري زكي ، والذي اصبح اسمه معروفا جدا في اروقه قياده التشكيل .
مع حلول عام 69 كان قد مر علي خيري عاما كاملا بالموقع لم ينل خلاله الي اجازة واحده ، ورفض باقي الاجازات بحده ، ولم تشفع توسلات والدته ومحبوبته له عبر خطابات البريد في ان يلين ويسمح لنفسه بأجازة اخري ، فكيف يغادر موقعه وينام في سريرة بالمنزل وهو يعلم ان رفاقه في الجبهه تحت القصف الجوي المعادي ؟ كانت تلك هي فلسفته الشخصيه
ومع حلول ابريل 69 لاحظ خيري نشاط مكثف لقوات المدفعيه حول السويس في قصف قوات العدو شرق القناه ، وتعالت الانفجارات في خطوط العدو ،
ولاحظ الجميع ولاول مرة طائرات الميج 17 المقاتله القاذفه تدخل سيناء وتعود بعد ان تهاجم مواقع العدو ، وبدأت حده الهجمات تقل علي الجزيرة مع النشاط الملحوظ لقواتنا الجويه ، فطائراتنا بدأت تعود للظهور في السماء مرة اخري بعد فترة اختفاء .
هذه المرة كانت البلاغات تأتي للموقع قبل اي هجوم جوي مصري في قطاع الموقع ، لكي تنسق القوات الجويه مع مدفعيه الموقع لعدم فتح نيرانها علي طائرتنا التي يكون مسارها فوق الموقع ، وأصبح احد هوايات الجنود الجديده هي احصاء عدد الطائرات المهاجمه واحصاءها وهي عائده مره اخري ، ومن بين الهجوم والعوده كانت دعوات الرجال علي الارض مستمرة لهؤلاء النسور ولا تتوقف .
في احد الايام مر تشكيل ميج 17 فوق الموقع متجها الي سيناء ، وبعد 3 دقائق عاد التشكيل بسرعه كبيرة ومن خلفه تشكيل من أربع طائرات ميراج معاديه ، وعلي الفور اصدر القائد منعم اوامرة بفتح النيران لحمايه طائراتنا ، الا ان الامر كان متأخرا ، فقد مرت طائرات العدو بسرعه خلف طائراتنا القاذفه العائده وخرجت من مدي المدفعيه ، ولم ينل الاحباط من خيري ، ففي لحظه محدده ظهرت طائرتنا المقاتله من خلف جبل عتاقه لتشتبك مع طائرات العدو ، فمن الواضح ان طائرتنا اقلعت لنجده تشكيل القاذفات العائده وكانت بالمرصاد لطائرات العدو والتي دارت علي الفور وبدأت الاشتباك مع طائرتنا المقاتله ، أستمرت المعركه الجويه حوالي نصف دقيقه وتابعها الرجال الي ان اختفت الطائرات عن الانظار بعيدا خلف جبل عتاقه ، وتحمس الرجال لمعرفه نتيجه هذا الاشتباك الجوي ، وبعد دقيقه اخري تعالت التكبيرات من حناجر الرجال ، فقد مرت طائرة ميراج أسرائيلي عائده وهي مخلفه ورائها ذيلا من الدخان الاسود ، فقد اصابها احد نسورنا في الاشتباك
وبعد ثوان عادت طائرتنين اخرتين ، وظل الرجال في ترقب يدعون الله الا تعود الرابعه ، وبعد مرور خمس دقائق ايقن الرجال بخبرتهم ان الرابعه قد سقطت فأرتفعت الروح المعنويه للرجال الي عنان السماء بشكل لا يصدق .
في تلك الايام المشبعه بالطلقات والدماء حضر الدمنهوري للرجال ، وبدأ يشرح لهم ما تقوم به القوات المسلحه بطول الجبهه والبطولات المتعدده ، ولم ينس ان يجيب علي سؤال خيري المعتاد (( الرفاعي عمل ايه ؟؟)) فقص عليهم اخر عمليات الرفاعي والمجموعه 39 البطوليه ، وبدأ يسرد لهم عمليات اعاده بناء قوات الدفاع الجوي مرة اخري لكنه أخبرهم بأن الرجال قد تعلموا من الدرس الذي تلقوة منذ اشهر ، فبدأوا يعملون بنظام الزحف البطئ في انشاء تحصينات الدفاع الجوي واخبرهم انه اصبح من المهم جدا دخول تلك الصواريخ الي الجبهه باي ثمن كان
وعاد السباق مرة اخري بين الطيران الاسرائيلي وبين رجال البناء المصريين ، فالطيران الاسرائيلي اصبح مجنونا في مهاجمه تلك المنشأت بكثافه كبيرة كما قال الدمنهوري ، وخاصه بعد ان زودته امريكا بطائرات الفانتوم القاذفه والتي تتفوق علي احدث طائرة عندنا بسبع مرات علي الاقل من حيث الحموله او التكنولوجيا او حتي مدي العمليات ، وتبسم الدمنهوري وهو يعلق علي ما يقوله للرجال (( كلها كام يوم وتقابلوا الفانتوم )) وأردف بأن ضباطا من الدفاع الجوي سيزورون الموقع قريبا لعمل دورة نظريه سريعه في التعامل مع الفانتوم والسكاي هوك وخصائص وعيوب كل منهم .
واستوعب الجميع ما قاله الدمنهوري ، فقله الهجمات الجويه عليهم لابد وانها تعني ان العدو يركز مجهوده الجوي في قطاع اخر ، فهي وسيلته الوحيده للرد علي ما تقوم به افرع القوات المسلحه المختلفه من هجمات استنزاف للعدو .
وبعد ايام من زيارة الدمنهوري بدأ الرجال يلاحظون نمطا جديدا من غارات العدو علي الجبهه عامه ، ومن خلال الراديو عرف خيري ان الفانتوم قد ظهرت في القتال بصورة مكثفه وانها تصول وتجول في سماء الجبهه وان هجمات العدو بدأت تأخذ طابع التوحش ، واصبح واضحا ان اسرائيل تريد تركيع مصر من خلال ضرب دموي لاهداف متعدده ومؤثرة .
واستمر السباق مع رجال البناء المسلحين بالايمان والاصرار فقط ، ورغم انف الذراع الطويله الاسرائيليه فقد نجح رجال البناء المصريين من اقامه النسق الاول للدفاع الجوي حول القاهرة ودخلت الصواريخ الي دشمها الحصينه لاول مرة ، تلك الصواريخ التي رشح خيري للانضمام اليها منذ اكثر من عام ورفض .
ولم تكن الجزيرة الخضراء بمنأي عن هجمات العدو المتكررة ، فهي كانت وما تزال شوكه في حلقه ، ونقطه ازعاج رئيسيه لاي طائرات تحاول الاغارة علي السويس ، لذلك حاول العدو مرارا وتكرارا دحر دفاعتها من الجو وفشل بفضل ثبات الرجال ودفاعهم المستميت عنها .
في تلك الفترة العصيبه من القتال ، توطدت العلاقه جدا بين خيري وبين الرائد منعم ، ورغم تركيبه خيري الغريبه علي قائده ومعرفته بمدي الكبت والرغبه في الانتقام لديه ، فان خيري كان يعتبر القائد منعم بمثابه القائد والاخ والقدوة ، فقد كان بالفعل القائد هو القدوة الحسنه في كل شئ لدي جنود الموقع ، قدوة في الانضباط والايمان والطاعه وفي القتال ، فهو لا يترك الصلاه ومحبوبا من كل الجنود ، لكن عند القتال فهو شخصيه شرسه حازمه واعيه .
وكان الشاويش عباس عندما يتحدث الي الجنود يقص عليهم الحال قبل النكسه قائلا ان القائد وقتها كان معروفا عنه أمر واحد فقط وهو (تقدم ) اي يدفع جنوده للتقدم وهو خلفهم ، لكن الحال تغير بصورة كامله بعد النكسه فالقائد يتقدم وجنوده يتبعونه ، ولعل الرائد منعم هو المثال الواضح امامهم جليا ، ففي كل غارة تجده في مركزه المتقدم وسط الموقع يقود رجاله في القتال ويعدل ادائهم وهو يقف وسطهم معرضا حياته للموت مثلهم
كانت هذه هي الروح الجديده التي ظهرت بعد النكسه والتي وضعت القائد المناسب والمدرب والكفء في المكان المناسب عكس الحال قبلها ، حيث ان الولاء يسبق الكفاءة والمحبه تتفوق علي الدراسه ، قتجد دائما ان القائد الغير مناسب يكون في القياده والقاده الاكفاء ملقون في الصحراء في تجاهل تام
اما الان فالكل يعمل ويتدرب لرد الاعتبار وللانتقام ، ومن لا يتدرب فأنه يقاتل العدو بكل ما لديه من علم وخبرة
الفصل الســـــــــــــــادس
الغــــــــــــــــــــــزو
مضت ايام الربيع علي الرجال في قتال شبه مستمر ، وتساقط الرجال حول خيري ما بين جرحي او شهداء ، وأصبح الامر بالنسبه له عاديا جدا ،وبدأ حوار الرجال ليلا عن رفاقهم يتحول الي فعل الماضي ، واصبح القاسم المشترك كلمه الشهيد والتي تسبق اسم اي زميل لهم ، لدرجه ان خيري عقب مرة بأن (( اللي الله يرحمهم كتروا اوي ))
ومع حلول صيف 69 بدأ قيظ الصيف يعلن عن نفسه بقسوة ، وفي شهر يوليو تم استعواض مدفعين من الذين دمروا في الفترة السابقه ، وعادت قوة الجزيرة الي قوتها الكامله مرة اخري .
وجاء يوم 19 يوليو 1969 ليعلن للرجال ان حدثا مهما قد قارب علي الحدوث ، فقد جاء قائد التشكيل لزيارة الجزيرة صباحا ومعه الدمنهوري وبصحبتهم كما من الهدايا .
وقف قائد التشكيل اعلي صخرة يخطب في الرجال في حماس وقوة ، ويشد من ازرهم بعبارات الاشاده والمسانده ، واخبرهم بأن قياده الجيش في القاهرة تتابع نتائج اعمال الموقع في اعجاب ، وان القياده تعتبر الموقع من اكثر المواقع ازعاجا للاسرائيليين ، ونظر قائد التشكيل الي خيري قائلا بمداعبه (( عايزين طيارات كتير يا خيري )) وضحك الجميع وتبسم خيري ورد (( ان شاء الله يا فندم وياريت يكون دلوقت )) ضحك قائد التشكيل بصوت عال ، فقد حصل علي ما يريده من خيري .
أستمر القائد في حوارة مع الجنود قليلا ثم انصرف تاركا الدمنهوري ليمض بقيه اليوم مع الرجال في حوار خفيف باسم ملئ بالنكت والقفشات التي دأب الدمنهوري علي اطلاقها .
ومع حلول الظلام حضر لنش الريس غريب بصوته المميز حاملا صناديق عديده من الدخائر وعدد من قطع الغيار وعلما جديدا لمصر لكي يوضع محل العلم الذي تمزق وملئته ثقوب الشطايا المتناثرة فوق برج الملاحظه .
غادر لنش الريس غريب حاملا الدمنهوري معه ، وظل خيري واقفا يتابع اللنش حتي اختفي وسط الظلام وهو ممسك بهديه الدمنهوري التي سلمها له ، لم يكن خيري محتاجا ان يعرف ما بداخل العلبه ، فبداخلها بطاريات الراديو وايصال استلام المرتب ، فوضعها خيري في دولابه وخرج الي جوار المدفع وجلس ينظر الي الماء
مر الوقت عليه وهو جالس علي صخرة هائما مفكرا ، أغلق الراديو عندما وجد اغاني عاطفيه واخبار خفيفيه متنوعه لا تتناسب مع ما يحس به ، ومن خلفه تحت المدفع مدد رفاقه اجسامهم حول المدفع في كسل وخمول .
مر الوقت علي الرجال في صمت او حوار خافت ،وببطء اختفت الاصوات وعم الهدوء اركان الجزيرة ، بعد فترة استيقظ بولس من نومه لاستلام خدمته من وحيد ، ففوجئ بخيري مستيقظ ويجلس علي صخرة قرب المدفع
فتساءل بولس وهو ينظر لساعته (( بتعمل ايه يا عم خيري ، مش كنت تنام لك شويه ، ده الفجر قرب يطلع ))
فرد خيري بهدوء (( هاصلي الفجر وانام لي شويه ))
فأتجه بولس تجاه وحيد لاستلام الخدمه فقال وحيد مازحا (( تلاقي خيري مستني عروس البحر تطلع له ))
فنظر بولس معاتبا وحيد (( يا اخي انت مش تبطل كلامك الدبش ده ، ما انت عارف خيري من زمان هو ده جديد عليه؟؟ ))
وبعد حوالي عشرون دقيقه من الحوار ، القي خيري بعدد من الحصي في يده علي صفحه المياة وتابع تموجات الماء ، وبدأ يفكر فيما حدث له وفي صورة محمد المتشحه بالسواد في غرفه الضيوف بمنزل عمه ، وتذكر وصف حسن لواقعه استشهاد محمد ، وبينما الافكار تتلاطم في عقله ، لاحظ ان المياه امامه تتلاطم امواجها بقوة اكثر مما كانت عليه وهو يلقي الحصي ، فتنبهت حواسه فجأه فلم يكن هناك ريحا والبحر ساكن كالسجاده منذ الصباح فتوقف عن القاء الحصي ، لكن الامواج استمرت في قوة بل وزادت حدتها ، فهب واقفا خلف الصخرة واخرج المصباح في يده ليري من حوله ، فشاهد عدد من اللنشات تشق طريقها الي الجزيرة في صمت ومن فوق تلك الزوارق عددا من الاجسام السوداء .
صرخ خيري بأعلي صوت له (( حرس سلاح )) لكي يوقظ الموقع وينبهه الجميع ، في تلك اللحظه التي خرج الصوت من حنجرته قاطعا صوت الصمت ، أنطلقت تجاهه عدد من طلقات مدفع الي .
أخذ بولس وضع التصويب سريعا وبدأ في الرد علي النيران ، في الوقت الذي ركض فيه خيري متجاهلا شلال الطلقات حوله تجاه المدفع ، عشرة امتار ركضها في ثانيه واحده وبقفزة سريعه منه كان علي المدفع المضاد للطائرات ، فماذا يفعل علي المدفع والطلقات تتراقص من حوله ، ثانيه اخري مرت ووجد عبد الحميد ووحيد وشديد في اماكنهم القتاليه ، فصاح بصوت عال وبنبرة لا تدع اي مجال للتفكير او التراجع (( عَمَرَ المدفع)) وعلي الفور بدأ شديد ووحيد يتجاوبان مع خيري بينما استمر بولس في اطلاق نيران المدفع الرشاش علي الاشباح السوداء التي تطلق نيرانها من مسافه .
ثلاثون ثانيه مرت منذ ان صاح خيري حرس سلاح ، كانت ثلاثون ثانيه كافيه جدا لكي يأخذ رجال المشاه والمدفعيه مواقعهم ويبدأ رجال المشاه في الضرب علي الاهداف المقتربه بصورة اليا برشاشتهم الثقيله والمتوسطه فهذا ما تدربوا عليه واتقنوه ، في نفس الوقت وصل الرائد منعم الي موقعه مستفسرا عما حدث ،
فرد النقيب مصطفي (( محاوله انزال يا فندم ، اليهود شكلهم عايزين ينزلوا ))
فرد القائد بصرامه (( علي جثتي )) وبدأ يعطي الاوامر للنقيب مصطفي ، وفجأه يظهر صوت مدفع خيري ليتداخل مع صوت الرشاشات الاليه ، وبدأت طلقاته المشتعله تضيئ صفحه المياه ، ترك بولس موقعه وعاد الي مدفع خيري ليؤدي واجبه الاساسي ، وتجاوبت عده مدافع مضاده للطائرات مع خيري وبدأت تطلق نيرانها في شراسه .
وبدون اي مقدمات ظهر صوت طائرات مقاتله وجاء صوت الانذار الجوي بوجود طائرات معاديه في السماء ، فهاهي المعركه قد بدأت ، قرر خيري بسرعه وصاح مبلغا شديد
(( بلغ القائد اني هتعامل مع الطيارات لوحدي ، خلي بقيه المدافع تضرب علي البحر )) وبدون تردد وافق القائد علي ما قاله خيري رغم ان ذلك ليس احد افضل الخيارات لكنه اصبح يثق في حكم خيري وفي قدرته علي التعامل مع طائرتين .
دارت الطائرات حول الموقع علي ارتفاع منخفض ، فرفع خيري ماسورة المدفع وبدأ في الضرب السريع علي تلك الطائرات مستغلا خبرته في متابعه مسارها عبر صوتها .
مازالت اللنشات تقترب من شاطئ الجزيرة من عده اتجاهات وهي تطلق نيرانها الخفيفه بينما بدأ عدد من القذائف في التساقط علي الجزيرة ، فلابد ان عدد اخر من اللنشات يقوف بقصف قنابل هاون من مسافه لتمهيد الطريق امام قوة الانزال ، هكذا فسر القائد ما يحدث ، وبدأ في اعطاء اوامرة الي الجنود عبر الهاتف بينما تكفل النقيب مصطفي بتصحيح نيران قواته .
كان سباقا بين خيري وبين تلك الطائرات ، فخيري لا يريد اصابتها فقط بل يريد ان يبعدها عن بقيه المدافع الاخري لكي تستطيع التعامل مع اللنشات المهاجمه بسهوله ، زاد معدل الضرب لدرجه ان رفاقه كانوا يجاهدون بكل الطرق للتجاوب مع معدل الضرب العالي الذي يقوم به ، ففي بضع دقائق من الاشتباك كان خيري قد اطلق خمسه الاف طلقه وهو رقم كبير جدا ادي الي احمرار ماسورة المدفع ، واوشكت علي الانصهار تماما مما سيؤدي الي تعطل المدفع تماما ، فأبطيء خيري من معدل الضرب قليلا ولاحظ الرائد منعم ذلك فتوقع ان يكون أحد طاقم المدفع قد اصيب من احد الشظايا او الطلقات فاسرع نحوهم للمساعده ، في تلك اللحظه بدأت طائرات العدو في الدوران بعيدا عن الجزيرة تفاديا لطلقات خيري والتي فأجئت الطيارين بدقه تصويبها .
أستغل خيري ابتعاد الطائرات قليلا فأوقف الضرب وقفز لتغيير الماسورة الملتهبه والتي قاربت علي الانصهار ، وعلي الفور بدأ يفك الماسورة بيده العاريه ، فأصابت الحروق يده سريعا ، لكنه لم يحس بتلك الحروق فحروق نفسه وقلبه اشد ضراوه واكثر قسوة من اي الم اخر يمكن ان يحس به ، وهرع بولس حاملا الماسورة الجديده من جوار المدفع ، ووصل الرائد منعم متفسرا عما يحدث ، وعندما وجد ان الماسورة الجديده قد تم تركيبها فشجع الرجال وركض عائدا وسط شلال من الشظايا المتطايرة في كل اتجاه ويقفز داخل خندق لجنود المشاه مجاور لمدفع خيري وبدأ في اطلاق النيران من رشاشه الشخصي.
عاد مدفع خيري الي الضرب بمعدل عال مرة اخري تجاه تلك الطائرات التي عادت تطلق نيرانها تجاه الموقع ، وبعد لحظات اختفي صوت الطائرات ، وتوقف خيري عن الضرب لثوان لكي يلتقظ رفاقه انفاسهم المتقطعه ، واثناء توقف خيري
أقترب لنشين معاديين من شاطئ الجزيرة مستغلين انشغال قوات المشاه في الضرب علي احد اللنشات الاخري .
قدر الرائد منعم الموقف فورا ، وأيقن ان المعركه ستأخذ مسارا اخرا لو لمست قدم جندي اسرائيلي شاطئ الجزيرة ، فصاح في الجنود المجاورين له (( هجوم )) واندفع منطلقا تجاه الزورقين ومن خلفه حوالي عشرين جنديا بأسلحتهم .
لمح خيري قائده يركض وخلفه الجنود فأدار ماسورة المدفع تجاه احد اللنشات والذي يطلق نيرانه من بعيد محاولا حمايه قوة الهجوم ، وذلك لكي يستر قائده في هجومه علي اللنشات المعاديه ويشتت طلاقاتهم
اندفع الرائد منعم في بساله تجاه اللنشات واعتلي احدها بينما انقسم الرجال خلفه ووزعوا انفسهم سريعا علي اللنشين
ودارت معركه حاميه الوطيس علي سطح اللنشات وفي جوفها ، أستخدم بعض رجال المشاه السلاح الابيض والقنابل اليدويه في قتالهم ، وبعد لحظات عاد الرجال يحملون ثلاث من رفاقهم المصابين بينما بقيتهم تطلق نيرانها لستر الارتداد تجاه الخنادق وتكبيرات الرجال تمتزج مع اصوات المدفعيه والرشاشات ، وتعالت النيران من احد اللنشات سريعا وبعدها انفجر بقوة مضيئا شاطئ الجزيرة وكاشفا عدد من اللنشات خلفه بمسافه كبيرة .
اتاح انفجار اللنش الي خيري ورفاقه ان يقوموا بتعديل نيرانهم والتصويب بشكل اكثر فاعليه ،وببطء انسحب اللنش الاخر من شاطئ الجزيرة عائدا الي مسافه كبيرة للخلف وقد ُمِزق بدنه بالعشرات من الطلقات .
عاد الرائد منعم الي مركز قيادته، ووجد ان النقيب مصطفي انتقل الي داخل احد الخنادق الجنوبيه المتقدمه يقود معركه علي الطرف الجنوبي للجزيرة بنفسه، وعلي الفور بدأ الشاويش عباس يشرح الموقف عن الدقائق التي ترك فيها القائد مركزة
(( بيحاولوا يتقدموا من كذا اتجاه ، تقديري انهم اكتر من 20 لنش منهم حوالي 4 او 5 شغالين ضرب هاون من بعيد،
انا شفت سيادتك عملت ايه ، والله العظيم انت بطل يا فندم )) لم يكترث القائد بملاحظه الشاويش عباس الاخيرة وسأل عن الاتصالات مع القياده ، فرد الشاويش (( الخط الصغير اتقطع بس عماد بتاع الجماعه الفنيه بيصلحه دلوقت )) واثناء الحديث اضاءت احد الطلقات المضيئه سماء الجزيرة فبهت الشاويش عباس قائلا (( ايه ده ؟!!!!!!!! يا فندم انت مصاب في كتفك )) فنظر القائد الي الدم المنساب من كتفه ولم يكترث بتلك الشظيه التي اصابته في كتفه والتي لم يحس بها في غمرة انفعاله ، ثم لمح الجندي عماد منبطح علي الارض وهو يحاول اصلاح السلك التليفوني ، فمن المهم جدا ان يتم الاتصال بالقياده ، كانت الشظايا الملتهبه تتطاير حول الجندي المسكين والذي يعمل بكل جد لاصلاح العطل لكي يؤمن الاتصال بالقياده ، فأشفق القائد عليه جدا ودعا له الله في سرة بالسلامه والتوفيق .
كانت المعركه حاميه الوطيس حول الجزيرة بكل معاني الكلمه فالعدو يحاول بكل الطرق انتزاع موطئ قدم علي شاطئ الجزيرة لكي يعزز هجومه ويحتل الجزيرة ، وكانت اللنشات تقترب من كل اتجاه محاوله النزول ، لكن طلقات قوات المشاه والمدفعيه التي تعاونها اصابت عدد من اللنشات المقتربه وجعلت اقترابها من الشاطئ شبه مستحيل .
توقف تبادل اطلاق النيران لمده دقائق اتاحت للجنود التقاط انفاسهم ، وبدأت جماعات الاسعاف في اسعاف الجرحي والذي كان معظمهم من قوات المشاه ، وعاد النقيب مصطفي الي مركز القياده وهو يلتقط انفاسه بصعوبه قائلا
(( ولاد الكلب شكلهم ناويين ينزلوا علي الجزيرة باي شكل )) فرد القائد (( ده ُبعُدهم ))
وبعد دقائق بدأ ضوء الفجر في البزوغ وبدأت لنشات العدو في الظهور علي مسافات متفاوته وكان عددهم كبيرا بالفعل وايقن القائد ان ما قاله مصطفي صحيحا ، فرغبتهم في احتلال الجزيرة كبيرة جدا ، ولم ينسحبوا رغم تكبدهم خسائر كبيرة
وبعد فترة تم رصد اقتراب لنشات معاديه من الاتجاهات المختلفه بينا تكلف اربعه زوراق ببدء قصف الجزيرة مره اخري بقذائف الهاون تمهيدا لاحتلال الجزيرة .
قدر القائد الموقف جيدا وادرك ان احتمالات نجاح العدو في تزايد خاصه مع بدء نفاذ الذخيرة خاصه لدي قوات المشاه نتيجه الاستهلاك العالي للضرب منذ فترة قربت من الساعتين ، وعلي الفور التقط سماعه التليفون وطلب قياده التشكيل
في السويس ، وبعبارات قاطعه (( اضرب الجزيرة بالمدفعيه بعيده المدي- فورا ، احتمالات نزول العدو علي الجزيرة كبيرة والذخيرة قربت تخلص- عايزين دعم فوري – انتهي )) تلقي القائد تأكيد بوصول أشارته وبأن الدعم المدفعي سيصله بعد قليل ، كان قرارة خطيرا ذلك الذي اتخذه القائد لكنه مدروس ومخطط مع قيادته ، فالطبيعه الصخريه للجزيرة تسمح للجنود بالاحتماء من شظايا المدفعيه في حين ان جنود العدو سيكونون في العراء واكثر تعرضا للضرب المدفعي فضلا علي التنسيق مع قوة المدفعيه في السابق في ضرب محيط الجزيرة مع وجود توجيه للمدفعيه بواسطه قياده الموقع .
بدأ خيري يبطئ من معدل نيرانه فاللنشات المعاديه اقتربت مسافه اقرب مما يمكن ان يوجه لها ماسورة مدفعه وهي مسافه ميته بالنسبه له ، فصاح ان يتم ابلاغ القياده بأن العدو سيهبط علي الجزيرة رغم النيران ،
ولم يرد شديد بتأكيد الاشارة كالعاده ، فأستدار خيري معيدا الاشارة من جديد ، لكن لسانه عجز عن النطق عندما فوجئ بشديد ملقي علي الارض ووجه غارق في الدماء من تأثير شظيه اصابت رأسه ليسلم بعدها الروح فورا ، فأستدار خيري وبدأ يطلق نيرانه في غضب وحنق وقد طفت الدموع في عينيه .
ومن مكانه ببرج القياده لمح الرائد منعم الجندي عماد الذي يحاول اصلاح خط التليفون مع قياده التشكيل يتألم وظهرة مغطي بالدماء ، فأراد ان ينقذه مما هو فيه ويحميه من سيل المدفعيه المصريه المتوقع في اي لحظه ، وبنظرة سريعه وجد القائد ان كل ضباطه وجنوده مشتبكين مع العدو بشكل او بأخر مع العدو ، فركض بنفسه تجاه الجندي المصاب في نفس الوقت الذي بدأ فيه قصف المدفعيه المصريه وتحول محيط الجزيرة الي نيران رهيبه ودخان اسود وأتخذ الجميع طبقا للتعليمات سواتر للحمايه ، وتوقفت نيران القوات المصريه تاركه لقذائف المدفعيه المركزة تقوم بعملها بينما تكفل الشاويش عباس بتصحيح نيران المدفعيه عبر الهاتف
شاهد خيري من مكانه خلف شكائر الرمال قائده يعدو تجاه الجندي عماد والذي اختفي جزء من جسده تحت عدد من الصخور والرمال نتيجه انفجار قذيفه مدفعيه .
أقترب القائد سريعا من الجندي عماد ونزح الصخور والرمال المختلظه بالدماء من علي ظهرة ، وادار وجه الجندي ليفاجأ بان الجندي البطل قد أسلم الروح بعد ان أصلح عددا من الاسلاك وربطها جيدا وما تبقي منها وصله سريعا وأمسك بهم بأسنانه بقوة .
توقف الزمن بالقائد وهو يري الجندي الشهيد بملامحه المبتسمه بينما الاسلاك تمر عبر اسنانه لتؤمن اتصال الموقع بقياده التشكيل في فدائيه وتضحيه ، فترقرقت دمعه وهو يغمض عينيه ويقرأ له الشهاده و يعيده مكانه مرة اخري بهدوء كأنه طفل نائم ويخاف ان يوقظه ، كان مشهدا مؤثرا لكل من يتابعه وخاصه خيري وهم يرون قائدهم وهو يغمض عيني زميلهم الجندي في حنان ابوي ، وبعد ثوان مرت كالدهر علي الجميع وسط تساقط قنابل المدفعيه وتطاير الشظايا ، انتصب الرائد منعم ليتجه الي مركز قيادته ليستمر في ادارة المعركه الشرسه ، وفور انتصابه انفجرت احد قنابل العدو بالقرب منه فيرتج جسده بعنف ، ويسقط القائد علي ركبتيه وعلي ملامحه نظرة الم سرعان ما تتحول لابتسامه باهته يتبعها تساقط خيط رفيع من الدم من تحت الخوذه في هدوء ثم يسقط بقيه الجسد علي جثمان الجندي عماد ، ليقف الزمن بجميع من في الموقع وهو يشاهدون قائدهم المحبوب يستشهد وهو يحاول انقاذ جندي من جنوده، وامتزجت دماء القائد والجندي واستشهدا وهم يدافعون عن موقعهم ببساله وفدائيه وبطوله لا فرق فيها بين قائد وجندي .
عادت الاصوات لتعود الي اذن خيري من جديد بعد ان اختفت لحظه استشهاد قائده ، وترقرقت الدموع وهو يمسح المنطقه حوله بسرعه ، فجثث زملائه وقائده تملئ ارجاء الموقع ، ومشهد استشهاد الرائد منعم امامه كان مشهدا مؤثرا ، فتعالي الغضب اكثر في عروقه وبدأ يطلق النيران علي اللنشات المقتربه من مدفعه الالي في هيستريه .
كان تركيز نيران المدفعيه المصريه شديدا وغير متوقع من الاسرائيلين الذين اصيب لهم لنشين واشتعلت النيران فيهم سريعا ولاذت بقيه اللنشات بالفرار ، وفور انسحاب اللنشات هرع الشاويش عباس طالبا من القياده وقف الضرب فورا
و توقف الضرب وانسحبت القوات الغازيه بعد فترة و دق جرس الامان معلنا انتهاء اسوأ غارة تتعرض لها الجزيرة الخضراء ، وجلس الجميع محاولين التقاط انفاسهم، واعينهم حائرة خائفه غاضبه حاقده لاعنه .
وساد صمت غريب انحاء الموقع فور تناقل خبر استشهاد الرائد منعم وسط اوساط الرجال في كافه انحاء الموقع ، وبدأ عددا من الجنود في تضميد جراح الجرحي وفي جمع القتلي في الساحه الجنوبيه والتي اصبحت مليئه بالحفر والشظايا نتيجه القصف طوال الساعات الماضيه.
ارتكن خيري علي سلاحه محدقا في جثه شديد والتي لا تبعد عنه سوي امتار قليله ومن بعدها بمسافه جثه قائده وهي تكاد تحتضن جثه الجندي عماد.
ومع تصاعد الشمس في كبد السماء ، بدأ النقيب مصطفي في اعطاء اوامرة بتمام استعداد اطقم المدفعيه تحسبا لهجوم جوي أخر
، واعطي اوامر اخري بتنظيف الموقع من مخلفات عمليات القصف تمهيدا لعوده الموقع لكفاءته مرة اخري
وكان يرمي من وراء هذه الاوامر هو الهاء الجنود عن الحزن الذي يعتصر كل منهم ولكي يعود التركيز مرة اخري الي العقول والي استعاده كفاءه القتال بسرعه ، ورغم الامه الشخصيه من فقدان قائده وصديقه الا ان النقيب مصطفي يعرف حجم المسئوليه الملقاه علي عاتقه الان كقائد الموقع والذي يعاني من خسائر عاليه في وقت اصبح فيه الاسرائيليين قاب قوسين او ادني من احتلال الجزيرة بالكامل وربما يستثمر نجاحه في انهاك دفاعات الموقع ويحاول مرة اخري احتلال الموقع .
مر الوقت علي الرجال في هذا الصباح بطئ وثقيل ، وما بين متابعه عمل جماعه الاصلاح والانقاذ وعمل فريق الاسعاف وبين متابعه سماء الموقع تحسبا لغارات جويه جديده .
صعد احد جنود المشاه برج الملاحظه ونزع علم مصر ، ورغم اعتراض عدد من الجنود الا ان الجندي اصر علي تغطيه القائد بعلم الموقع فأذعن الجميع واثنوا علي الفكرة، وبعيون دامعه شاهد الجنود قائدهم لاخر مرة قبل ان يغطيه علم مصر .
اما طاقم المدفع رقم سبعه فكان مثل بقيه الجنود ، صامتا مفكرا حزينا فقد خسروا زميلهم شديد وانعكس ذلك علي ملامح الجميع ، وكان وحيد اول من تحدث بعد فترة قائلا في نبرة حزينه
(( لله الدوام ، من شويه كان معانا ودلوقت مع اللي خلقه ))
فرد عبد الحميد (( تعرفوا ان الشهيد يتشفع لسبعين من اهله ولا يحاسب يوم القيامه ؟))
خيري وعينيه تمسح السماء (( يا بخته ، ياريت احصله ))
فقطع بولس الحوار الحزين بنبرة لائمه (( مالكم يارجاله ، هو شديد او القائد او اي شهيد تاني مات النهارده هيكونوا اول ناس او اخر ناس يموتوا ؟؟ هو مش احنا في حرب برضه ؟؟ يعني احنا ممكن نموت في اي لحظه زينا زي اي حد من الميت الف اللي علي خط النار زينا كده ، مش مهم هنموت أمتي او ازاي طالما كلنا مؤمنين اننا هنموت يبقي نقابل الرب واحنا عاملين واجبنا تالت ومتلت ))
لم يرد احد علي جمله بولس لكن العقول عملت بكد لكي تحاول ان تستوعب وتعي الحقيقه .
ومع ارتفاع الشمس الي كبد السماء وصل قائد الجيش الثالث يرافقه قائد التشكيل والدمنهوري وعددا من الصحفيين الي الجزيرة بحرا ، وكانت وجوههم مستبشرة خيرا ومعهم الكثير من الهدايا الرمزيه ، مر قائد الجيش علي كل الجنود وحياهم علي بطولاتهم وكفاحهم واثني علي ادائهم ، وبعد فترة من تفقده الموقع وانزوي بالنقيب مصطفي للحظات تاركا الصحفيين يلتقطون صور الموقع وخاصه لنشات العدو المحترقه قرب الشاطئ ويجرون حوارات مع الجنود في وجود الدمنهوري ، ثم جمع قائد الجيش الجنود المتبقين جميعا حوله عند مقر القياده المتقدم اسفل برج الملاحظه ، فتجمع الجنود علي عجل حوله ، ووضح تأثر الدمنهوري الشديد من أستشهاد الرائد منعم ، الا انه حاول بصعوبه ان يظهر سعيدا مبتسما امام الجنود ، الا ان خيري نفذ الي عينيه ولاحظ الحزن يغلفهما بوضوح .
بدأ قائد الجيش الثالث حديثه الي الجنود مهنئأ ومادحا صمودهم امام غزو العدو ونجاحهم في التصدي لهم ، واثني علي بطوله الرائد منعم وكل من في الموقع ، واعلن لهم ان النقيب مصطفي سيكون قائدا للموقع من هذه اللحظه ، ثم طلب منهم ان يقصوا عليه ما حدث منذ اكتشاف قوة الغزو ، وتباري الرجال في شرح ما حدث ، كل يحكي ما شاهده في ترتيب ، ونسب الجميع الفضل لخيري في اكتشاف الهجوم وتعامله بمفرده مع الطائرتين ليلا ، وتبسم الرجل ابتسامه رضا عندما اعاد حديث القتال الحماس الي الرجال ،واخرجهم من الصمت المطبق
ثم اضاف (( عندي لكم خبر هيفرحكم جدا )) فظهرت نظرات التساؤل من اعين الجنود ، فما الذي يمكن ان يفرحهم وجثث زملائهم التسع عشر ترقد علي مقربه منهم .
اخرج الرجل ورقه صغيرة من جيبه وبدأ يقرأ بصوت عال ما فيها
(( ده خبر من جرنال هارأتس الاسرائيلي النهارده الصبح ، الخبر بيقول - قامت القوات الخاصه لجيش الدفاع بغارة ناجحه علي جزيرة يطلق عليها المصريون الجزيرة الخضراء شمال خليج السويس ، وقد بدأت الغارة قرب منتصف الليل عندما بدأت عناصر القوات الخاصه بمعاونه القوات البحريه والطائرات القاذفه ، بمهاجمه الجزيرة وسط تراشق كثيف للنيران ، وقد استطاعت القوات الجويه والبحريه تمهيد الطريق للقوات الخاصه والمدربه تدريبا عاليا ، والتي استطاعت النزول علي شاطئ الجزيرة من عده مناطق ، وسط دفاع عشوائي من قوة الدفاع الجوي المصري المرابطه في الموقع ، وفور اقتحام الموقع ، أستسلم عدد من الجنود المصريين فورا لقواتنا ، بينما قاتل اخرين حتي لقوا حتفهم ، وقد استطاعت قواتنا أسر 27 جندي وقتل حوالي 118 أخرين ، في حين أصيب فقط 19 جندي لقواتنا الخاصه وجاري علاجهم.
صمت الرجل وطوي الصفحه واضعا اياها في جيبه مرة اخري منتظرا رد فعل من الجنود والضباط الذين لم يستوعبوا ما قاله قائدهم ، وظهرت علامات عدم الفهم علي الجميع فأستطرد القائد كلامه
(( من الواضح انهم جهزوا الخبر قبل بدء العمليات وكانوا واثقين جدا من النصر واحتلال الموقع وكمان عايزينه يكون خبر صفحه اولي النهارده وملحقوش الطبع ، وطبعا الجرايد سافرت كل حته قبل ما المعركه تخلص، والخبر ده يوريكم قد ايه اليهود عايزين يحتلوا الجزيرة وقد ايه هيه مهمه لهم ، وبعد العلقه السودا اللي اخذوها منكم امبارح اكيد هيحاول الانتقام منكم ، وتوقعوا هجمات غبيه منهم في الايام اللي جايه))
ثم اشار الي جثث الشهداء المسجاه بجوارهم
((الشهداء بتوعنا مامتوش هدر ، لا دول ماتوا وهم بيحاربوا بشرف ورجوله ونجحوا في منع العدو من النزول علي الجزيرة ، ودول احياء عند ربهم يرزقون ، مش عايزكم تزعلوا انهم ماتوا عايزكم تاخدوا بتارهم لما اليهود يهاجموكم تاني ، المصورين والصحفيين هينقلوا بكرة لكل جرايد الدنيا ان الاسرائيليين كدابين وان الجزيرة الخضراء مصريه وهتفضل مصريه )) وصمت لثانيه ثم هتف باعلي صوته (( تحيا مصر )) ورد خلفه كل الجنود في حماس وغضب (( تحيا مصر )) ومعهم هتفت صخور الجزيرة ومياه الخليج لتتحول الجزيرة مرة اخري الي موقع قتال مستعد ومنتظر عدوة في تحفز.
بعد قليل دعي الدمنهوري كل الجنود الي الصلاه علي الشهداء قبل نقلهم خارج الجزيرة ، ووقف الجنود والضباط أمام جثث الشهداء يصلون في خشوع وصمت ، وبنظرات دامعه ودع الجنود والضباط رفاقهم وهم ينقلونهم الي لنش الريس غريب .
وبعدها غادر القاده الموقع بعد ان وعدوا الجنود بسرعه امدادهم بذخائر ومدافع جديده بدلا من المدمر منها لكي لا يستثمر العدو ضعف الموقع مؤقتا ، ولم ينس الدمنهوري ان يقوم بتوزيع علب الهدايا علي الجنود والضباط واهدي النقيب مصطفي علما جديدا لمصر ليرفعه اعلي برج الملاحظه في اعلي مكان علي الموقع .
ومع حلول الظلام سمع خيري صوتا لمحرك زورق ثقيل ، وتنبه الي اشارات التعارف المتعارف عليها ، ورسي علي الشاطئ احد زوارق هيئه قناه السويس سابقا والذي يستخدم الان في المجهود الحربي ، وبواسطه رافعه الزورق الكبيرة ، تم انزال 3 مدافع جديده ، وعددا من الجنود الجدد وكما لا بأس به من الذخائر والتعينات .
وبعد انصراف الزورق جلس خيري وسط رفاقه بجوار المدفع يرتشفون الشاي في صمت ، وكل منهم في فلكه الخاص هائما مفكرا .
قال بولس (( بأذن الله ننتصر ، احنا كويسين والله، وعاملين شغل كويس اوي ، شفتوا كلام قائد الجيش النهارده ؟))
صاح عبد الحميد بعد فترة منفسا عما في داخله (( ما هو صحيح يا رجاله ، مقدمناش الا النصر او الشهاده ، يعني يا نكسب يانموت ملهاش تالت ))
رد وحيد متهكما (( النصر او الشهاده ........................... ده شعار المدرعات انا عارفه كويس ))
تدخل خيري (( مدرعات مدفعيه طيران جن ازرق كله أسمه مصر ولما ننتصر كلنا هنرفع رأسنا تاني ، تخيلوا بقيه المواقع علي الجبهه لما تسمع عن اللي عملناه امبارح ، اكيد هيحسوا بأحساسنا لما بنسمع عن اللي بيعملوة او لما الرفاعي بيضرب ضربه من ضرباته ، يا ناس مصر كلها بتحارب ، واكيد هييجي وقت الناس هتعرف فيه الرائد منعم وشديد وقناوي وكل الشهداء عملوا ايه عشان يعيشوا هما في امان وراسهم مرفوعه ))
فرد وحيد ظهرة علي الارض واخذ نفسا عميقا من سيجارته وتسأل (( هو الطيران بتاعنا ماجاش ليه ليله امبارح يساعدنا؟))
رد عبد الحميد بصوت ملئ بالمرارة وهو ينظف سلاحه الالي (( للاسف يا اخ وحيد ، الطيران بتاعنا ميقدرش يطير بالليل، الطيارات اللي عندنا لازم تكون في المطارات قبل اخر ضوء ومتقدرش تعاونا بأي شكل بليل ))
فتساءل بولس (( أشمعنا اليهود ولاد الجزمه بيضربونا بليل؟ ))
رد عبد الحميد بينما ظل خيري مستمعا (( ياعم اليهود عندهم طيارات جامده مش الخرده اللي عندنا ))
وظل الرجال في حوارهم فترة حتي قطعها وحيد متسائلا (( تفتكروا اليهود هيضربونا تاني ؟ ))
جاء الرد علي سؤال وحيد في اليوم التالي ، فمنذ الصباح الباكر تعددت غارات العدو علي الموقع بصورة عصبيه جدا ، فتوالت موجات الهجوم الواحده تلو الاخري تلقي بقنابلها بلا تصويب او تركيز ، ورغم الدفاعات المحكمه الا ان كثافه الغارات ادت الي وقوع بعض الخسائر خاصه في اطقم المدافع الجديده والذين لم يكتسبوا بعد خبرة في التعامل مع غارات العدو القويه .
ولاحظ خيري اثناء تلك الغارات ان طائرات العدو تلقي اكبر قدر من القنابل حتي ولو كانت في وضع غير جيد للتصويب مما يعني ان هناك روحا من الانتقام تتملك الطيارين الاسرائيلين للانتقام لقتلاهم من القوات الخاصه عند غزو الجزيرة مما يعني انه بمساعده رفاقه قد تمكنوا من التاثير علي معنويات العدو وايلامه بشده .
في تلك الغارةاستطاع خيري اصابه طائرة ، وازعاج عدد كبير من طائرات العدو وعدم تمكينها من قصف الموقع .
اثناء الغارات شاهد الجميع النقيب مصطفي يجري من مدفع لاخر حاثا الرجال علي الاجاده وباعثا فيهم التحدي خاصه عندما تكرر تذكيرة لهم بأستشهاد قائدهم ورفاقهم أمس مما دفعهم للقتال بصورة اعنف .
كان خيري وما تبقي من زملائه القدامي يعرفون تمام المعرفه ان تلك الغارات المتواليه علي موقعهم وبتلك الشده شيئا جديدا في التكتيك الاسرائيلي ضد مواقعهم حيث استخدموا كما كبيرا من القنابل لقصف الموقع وهو اسلوب غير معهود من اليهود ، لكن غاراتهم الهيستريه قابلها صمود كبير من الجنود.
وبعد انتهاء الغارة ليلا بدأ الرجال في حصر الخسائر البشريه والتي كانت عبارة عن شهيد وعده جرحي وتقييم الاضرار الماديه والتي لم تكن كبيرة ، وكان نجاح الموقع في الصمود امام هذه الغارة القويه جدا دافعا لرفع الروح المعنويه للجنود
شئ اخر ساعد علي رفع الروح المعنويه للرجال الي عنان السماء ، ففي اليوم التالي نشرت معظم الجرائد في اخبارها الرئيسيه تفاصيل المعركه وصمود الموقع ونجاحه في صد غزو بحري معادي بقوة كبيرة ،وبرز اسم المقاتل خيري في عده مقاطع من الخبر .
حضر الدمنهوري ذاك الصباح حاملا عددا كبيرا من الجرائد والتي تحمل عناوين تتعلق كلها بالجزيرة الخضراء وبها العديد من الصور للموقع وخاصه لنشات العدو المحترقه وصورة لعناوين الجرائد الاسرائيليه التي تبرز نجاحها في احتلال الجزيرة ، وشرع في توزيعها علي الجنود رافعا روحهم المعنويه الي عنان السماء ، فما قاموا به يعرفه الان العالم اجمع فما اجملها من لحظه ، وامضي الجنود وقتا يطالعون الجرائد ويعيدون قراءه المقالات أكثر من مرة ، وأمضي الرجال يوما سعيدا رغم غارات العدو المتقطعه والتي اصبحت بالنسبه لهم شيئا معتادا تعودوا عليه تماما
مرت الايام علي الرجال في الموقع يقاتلون يوميا طائرات العدو وتزايدت الاصابات في طائرات العدو الا انه كان يعود اكثر تصميما علي القضاء علي هذا الموقع ، وتردد صيت الجزيرة في انحاء مصر من شرقها لغربها وتابع الشعب اخبار المعارك يوما بيوم، وتحول الموقع الي بؤرة اعلاميه للصحافه في مصر مثلها مثل رأس العش وإغراق ايلات وعمليات الرفاعي السريه
وأما الجزيرة والتي تعادل مساحتها مساحه مربع سكني في حي صغير بوسط القاهرة ، فقد مثلت رمز الصمود في هذه الفترة وظهرت بطولات الرجال كبقعه ناصعه البياض علي ثوب مصر الاسود في تلك الايام، وتوافدت الرسائل علي قياده الجيش الثالث تطلب عمل مقابلات اذاعيه مع الجنود وخاصه خيري زكي والذي اطلقت عليه احد المذيعات لقب صائد الطائرات ، لكن القياده رأت ان الجنود يقومون بعملهم وواجبهم علي اكمل وجه ، وتسليط الاعلام علي عملهم لن يخدم الموقع بقدر ما سيجعل العدو اكثر تحفزا علي تدميرة .
كانت الجزيرة هي رمز مصر في الصمود في تلك الفترة واقترن اسم خيري دائما بالجزيرة وبالرمز ، حيث اصبح خيري والجزيرة الخضراء أسمين لا يفترقان ، فطالما ذكرت الجزيرة الخضراء ذُكر خيري ،والذي ذاع صيته في اروقه الجيش الثالث أيضا .
وبعد عده أيام حضر الملازم اول احمد ليتولي قياده قوة المشاه تحت قياده النقيب مصطفي قائد الموقع ، وظهر من اول لحظه ان احمد يمتلك مقومات عسكريه كبيرة وثقافه عاليه ، وهو ما ظهر من دسته الكتب التي حملها احد الجنود الي غرفته ، ووضح ايضا مع تلك التدريبات البدنيه المبتكرة التي نفذها مع رجاله ببراعه تامه ، فلاحظ الجميع ان احمد لديه النشاط والحماس اللازمين لقياده قوة المشاه .
في تلك الاثناء كثرت زيارات الدمنهوري والذي ظهر تركيزة علي معنويات الجنود في هذا الموقع المتقدم والذي يعاني من تركيز العدو الجوي عليه بصورة كبيرة ، واثناء حوارات الدمنهوري عرف الجنود بأن دشم الدفاع الجوي بدأت في التقدم تجاه الجبهه رغم القصف الجوي المستميت عليها ، وذكر لهم عده قصص عن تفاني العمال المدنيين في عملهم وعدم تركهم امكانهم في حاله وجود انذار بغارة جويه معاديه ضاربين المثل والقدوة في التفاني والوطنيه ، فقد أدركوا مثلهم مثل بقيه اطياف الشعب مدي ضراوة تلك المعركه التي تدور رحاها ، ومدي اهميه عناصر الدفاع الجوي فوق القوات لكي تتحرك بحريه لتحرر الارض ، فتواصل العمل ليل نهار لكي يتم الانتهاء من تلك الدشم في اسرع وقت ، وذكر لهم ان النسق الثاني قد اكتمل منذ ايام في حمايه النسق الاول شرق القاهرة وفي ظل ضغط جوي كبير ورغم المئات من الشهداء والمصابين فقد دخلت الصواريخ تلك الدشم في امان، وزاد حديث الدمنهوري من صمود الرجال ومن اصراراهم علي تحقيق شئ ملموس يخدم مجهود المعركه ويقلل العبء عن بقيه القوات .
وتطرق الدمنهوري ان دخول تلك الصواريخ الي الجبهه سيقلل ان لم يكن سيمنع غارات العدو الجويه علي موقعهم تماما
مما جعل خيري يشعر بالحنق ، وبدأ التفكير فعليا في طلب النقل الي موقع اخر متقدم ، فما فائدته في موقع لا يتعرض لغارات العدو ولا يقاتل فيه ، فقد وضع لنفسه هدفا وهذا الهدف لن يتحقق الا بالقتال المتواصل العنيف ، لكن ملحوظه الدمنهوري التي قالها وسط حديثه ان تلك الصواريخ لن تصل للجبهه قبل عام علي الاقل بعد ان يكون النسق الرابع قد انتهي ، تلك الملحوظه اراحت خيري قليلا وجعلته يرجئ تفكيرة في النقل مفضلا التركيز علي القتال بكل كفاءة .
الفصل الســــــــــــــابـــــــــــــع
الشــــــــهـــــــــــيــــــــــــــــــد
في تلك الايام من خريف 1969 كان الوضع يميل الي الاشتعال علي الموقع لايام ثم يعود ليهدأ ايام اخري ، ولم يمر يوما علي خيري بدون ان يتذكر محمد ولحظات الوداع الاخيرة في محطه القطار ، ثم صورته المتشحه بالسواد ، كان يمني نفسه بان النصر قريب وان قواتنا تذيق العدو كل يوم من نيرانها وانه اصاب واسقط العديد من الطائرات التي لم يعد يحصيها ، لكنه عاد وتسأل عن تلك النار التي لا تنطفأ داخله ابدا ، فقد اصبحت كالنابالم الذي حكي عنه حسن رفيقه منذ ما يقرب من عامين ونصف ، فنار قلبه كالنابالم تزداد اشتعالا كلما حاول اطفائها بالمياه .
في تلك الفترة ترقي النقيب مصطفي الي رتبه الرائد ، وهدأت حده الغارات علي الموقع ، فتوقع الجميع ان الطيران الاسرائيلي يركز اهتمامه الان علي موقع اخر، وسعد الجميع بهذا الهدوء عدا خيري بالطبع .
وفي احد الايام ، فاتح خيري الرائد مصطفي في رغبته في الزواج في تلك الفترة مستغلا الهدوء الحالي ، ورحب القائد بذلك جدا ووعده بتلبيه طلبه فور وصول تصديق من قياده التشكيل ، وهو اجراء متبع لمن يرغب في الزواج في وقت الحرب ،
وارسل خيري لعمه خطابا يشرح فيه الموقف ويطلب منه اتمام عقد القران في اسرع وقت ، وبعد ايام جاءة الرد من عمه بأنه علي اتم استعداد لانهاء الاجراءات فور نزول خيري اجازة ، وظل خيري منتظرا وصول تصديق القياده علي زواجه .
ولعل اهم اسبابه الشخصيه في سرعه انهاء اجراءات الزواج ، انه وجد ان نارة لن تنطفئ مهما حارب ومهما حاول بينما لا يبدو ان لتلك الحرب نهايه ، فأثر ان يتزوج ويضم محبوبته الي كنفه في اسرع وقت خاصه مع هذا الهدوء المشوب بالحذر داخل موقعه ، وبعد اسبوع تقريبا جاء التصديق (الموافقه) علي زواجه ، وكان الرائد مصطفي كريما معه لابعد الحدود عندما اعطاه اجازة لمده 5 أيام وهو يعلم ان السفر ذهابا وايابا يقتضي يومين علي الاقل ، وكانت اجازه الثلاث ايام كامله تعتبر منحه غاليه في تلك الفترة لاي جندي او ضابط في هذا الموقع .
وصل خيري الي قريته قرب الظهر ليجد ان قريته تستعد لحفل العرس وان الجميع يتكاتف انهاء الترتيبات ، ووضح ان عمه يهتم جدا بأن تكون ليله عرس يتذكرها الجميع .
وفي المساء التالي تم عقد القران وسط العشرات من الزغاريد ، وكان احساس خيري بالسعاده غريبا جدا عليه ، فهو لم يحس بالسعاده منذ فترة طويله ، فأحساس السعاده دخل نفسه ووجد نفسه غريبا وسط احاسيس الحقد والكراهيه والانتقام التي تملئ جوارحه لدرجه ان خيري الف تلك الاحاسيس وتعود عليها واصبحت جزءا منه ، لذلك كان احساس السعاده غريبا عليه ، لكنه ترك هذا الاحساس يتجول داخله في سعاده وتركه يملئ كل جوارحه في شوق الظمأن وسط الصحراء .
بعد ثلاثه ايام من زفافه علي محبوبته ، غادر خيري منزله بملابسه العسكريه عائدا الي وحدته ، فقد امضي ثلاثه ايام في الجنه كما احس ، كانت سعادته بزوجته تعادل سعادته بعودته الي وحدته ، فيا له من تناقض غريب مؤلم ذلك الذي يحس به وهو يركب العربه تجاه محطه القطار ، فكيف يتساوي لديه الاحساس بالجنه والنار ، كيف يتساوي احساس السعاده والكراهيه داخله ، كيف تحول خلال عامين من انسان مسالم الي شخصيه تحمل حقدا وكرها لا نهايه له .
احس بالسعاده تنسحب من داخله تدريجيا كلما أقترب من السويس ، وعندما دخل ضواحي السويس عاد احساسه كمقاتل كما كان ، فرائحه القتال التي كاد ان ينساها تعبئ جو المدينه ، وسرعان ما اختفت ذكريات الثلاثه ايام الماضيه مع كل خطوة يخطوها تجاه الجزيرة ، وعادت ذكريات الشهداء والمصابين والحرب مرة اخري الي ذاكرته بعد ان انزوت لثلاث ايام
وعلي شاطئ الخليج كان الخبر القاسي ، فقد رحل الريس غريب الي جوار ربه الليله الماضيه ، وتأثر خيري جدا بهذا الخبر فالريس غريب كان بالنسبه له ولزملائه في الجزيرة رمزا كبيرا في الوطنيه والاخلاص للبلد والتضحيه بنفسه وباللنش لكي يوصل الامدادات للموقع .
هام خيري في تفكيرة وهو يعتلي مقدمه اللنش ، فكل من حوله يقابلون ربهم سريعا واصبح لقب شهيد او مرحوم يقترن بأسماء كثيرة لاناس أكل وشرب معهم بل وقاتل معهم ، وما من صداقه في الدنيا اقوي من صداقه الحرب والدم ، لكنه تعود علي ذلك منذ أستشهاد محمد ، فأي صداقه مع زميل مرفوضه تماما من عقله وقلبه والحدود لا تتعدي زماله السلاح فقط ، لكنه في نفس الوقت كان يحس داخليا بحب قوي لكل رفاقه في الموقع ، حب طاهر جامد صلب لا يتأثر بالقتال ، وتعود علي سقوط الزملاء شهداء حوله في اي وقت ، وكثيرا ما فكر في دورة ومتي سيأتي الدور عليه لكي يلحق بهم ، لكنه كان دائما يحس بالخوف عندما يفكر في مكانه بطابور الشهداء ، ليس الخوف من الموت في حد ذاته رغم ان الموت يرعب اي فرد ، لكن خوفه كان في ان يموت بدون ان يؤدي واجبه تجاه ربه وبلده ومحمد ، ورغم انه لم يستطع تعريف الحد الذي يرضيه ، ويقول وقتها لنفسي انني اديت واجبي ، الا ان ذلك لم يقف امامه كثيرا ، فعشرات او مئات الطائرات المعاديه المحترقه بمن فيها لن ترضي نفسه ولن تكون معادله لشعرة من شعر محمد او الرائد منعم او اي جندي او ضابط اخر استشهد وهو يقوم بواجبه في صد العدوان عن بلده واهله .
فور ان وطأت قدمه الموقع ، وجد خيري زملائه يلتفون حوله ويحتفلون به وبزواجه ، وتعالت التعليقات من الرجال
والتف حوله رفاقه يغنون له فرحين بعوده زميلهم العريس الجديد ، ورغم انه كان متجهما فور نزوله من اللنش ، الا ان احتفال جنود الموقع به ، أضفي نوعا من البهجه علي نفسه اعادته الي وقت الزفاف ، وبعد دقائق كان خيري يدلف الي الملجأ ليضع حاجياته ، ففوجئ بصندوق هدايا من تلك التي يحضرها الدمنهوري لكنه اكبر حجما قليلا ، فتبسم خيري سعيدا بأن الدمنهوري لم ينساه ، فتح العلبه ليجد قطعه مستطيله من القماش الاصفر الفاقع ، يتخللها حروق في عده اماكن ، ونقش علي طرف القطعه رقم 101 ، أمسك خيري تلك القطعه الملساء ناعمه الملمس وهو يفكر في ماهيتها ، وتاه في التفكير للحظات ، ثم فتح المظروف المعتاد الموضوع بالصندوق ، لكنه وجد في المظروف مع ايصالات استلام المرتب ، وجد خطابا ، وعندما فتحه لاحت الابتسامه السعيده علي وجهه فورا ، فبالخطاب وجد تهنئه من قائد التشكيل ومن الدمنهوري نفسه بالزفاف ، وتوضيح بأن قطعه القماش الصفراء ما هي الا كوفيه طيار اسرائيلي اسقطه خيري فوق خطوطنا ، وان هذه الكوفيه هي هديه زواج الجيش الثالث له ،وان سبب هذه الهديه لخيري انه اسقط احد طياري النخبه الاسرائيلي والمعروف بالسرب 101 .
أمسك خيري الكوفيه واعتصرها عصرا بيده ، فمنذ وقت قريب كانت تكلل عنق طيار اسرائيلي ، كان يتباهي بها وهو يسير وسط زملائه في المطار وخارجه ، وربما كان يعرضها لاصدقائه ايضا متفاخرا بانه من النخبه ، كان فخورا بها بأنه ذاهب لقتل المصريين ، وها هي الان في يد من أسقط هذا القاتل المغرور ، ها هي الان في موقع الجزيرة الخضراء لكن اين الطيار ؟ واين طائرته ، فالطيار الان جثه متفحمه ، وطائرته عادت الي اصلها كمئات الالاف من القطع الصغيرة التي يصعب تميزها .
كانت هديه بالغه المعني من الدمنهوري وقياده التشكيل ، فقرر خيري ان يرسلها الي زوجته لتحتفظ بها ، وغير ملابسه وارتدي ملابس القتال والخوذه وامسك بسلاحه وغادر الي حيث يقف مدفعه شامخا ، وفور اعتلائه المدفع واحتلال مركزه عليه ، تلقي عده قفشات متتاليه من وحيد ضحك علي اثرها الجميع .
وفور انحسار موجه الضحك ، امسك خيري في المقود وهو يفكر في احساسه وفي كفاءته متسائلا اذا كان زواجه واحساسه القصير بالسعاده سيؤثر علي ادائه ، فهل أطفئت تلك السعاده بركان الغضب والحقد داخله ؟
اسئله كثيرة توالت علي عقل لا يكل ولا يمكل من التفكير العمل ، وكان نتيجه تفكيرة ان الغارة الجويه القادمه ستكون الجواب المثالي علي كل شكوكه وهواجسه .
مر وقت بدون غارات وفي هدوء كامل علي الموقع وحل فصل الشتاء مبكرا وكانت بوادره انه سيكون شتاءا قاسيا ، فأخذ خيري أحتياطاته مبكرا ، واستعد بملابس ثقيله بجوار المدفع ، ما لبست ان تطورت الي عدد من البطاطين ثم اعلن خيري استسلامه للبرد القارص ونزل الي الملجأ يلتمس الدفء في اوقات الراحه ، ومني نفسه بعدد من الغارات تعيد الدفء الي اوصاله .
عادت الغارات مع نهايه عام 1969وعاد خيري للقتال بكل كفاءه وعادت ثقته مرة اخري لنفسه وهربت الشكوك منهزمه امام طلقاته المحكمه وتصويبه الرائع .
لم يفهم احد من الضباط او الجنود سبب اختلاف وتيرة هجمات العدو ففي اوقات تكون شديده جدا واوقات تكون خفيفه واوقات اخري يمضي الموقع اياما بدون ان يروا طائرات العدو في السماء، ولم يكن عند الدمنهوري اجابه شافيه تريح الرجال ، وايضا احتار الرجال في موضوع فتحه خيري في احد جلسات السمر في حضور الدمنهوري والرائد مصطفي ،
حيث لاحظ خيري ملاحظه جديرة بالدراسه ، الا وهي ان مستوي الطيارين الذين يهاجمون الموقع مختلف ، فتارة يكونون شديدي الخبرة والكفاءة ويكون من الصعب جدا عليه وضع ايا منهم في دائرة تصويبه ، وتارة اخري يكونون عديمي الكفاءة وكأنهم لازالوا طلبه ، فيكون من السهل اصابه اكثر من واحد في الغارة الواحده .
ولم يكن لاحد اجابه عن تساؤلات خيري والذي نضج كجندي دفاع جوي متمرس لديه خبرة كبيرة بطائرات وتكتيكات العدو لكن اجابه تساؤلاته لم تكن الا علي الجانب الاخر من القناه حيث قيادات العدو .
وعاد الهدوء لفترة اخري علي الجزيرة لكن لم تتوقف طائرات الاستطلاع المعاديه عن التحليق لاستطلاع الجزيرة ، فقد كان العدو متوقعا ان يتم ادخال وحده صواريخ الي الجزيرة ، ورغم ان القياده المصريه فكرت في ذلك الا انها عدلت عن ذلك لصغر حجم الجزيرة ولكي لا تكون مبررا لتزايد الهجمات مرة اخري علي هذا الموقع المعزول .
ودق جرس الانذار في احد الايام المشمسه من شهر نوفمبر عام 1969 ، وبدأ الضرب المدفعي ضد طائرات العدو المغيرة بشده علي الموقع ، ووسط عبارات التكبير والتهليل والتشجيع من الرجال ، توالت طلقات المدفعيه لفترة طويله تزود عن سماء الجزيرة ذلك الموت القابع في السماء والذي يحاول بشتي الطرق اسكات الموقع ، ونجحت احد الطائرات في اسقاط قنبله بجوار شاطئ الموقع ، وادي تأثير تفريغ الهواء الناتج من الانفجار الضخم الي انقلاب احد المدافع علي جانبه ، وكان طاقمه من الرجال حديثي العهد بالقتال ، فهرع الرائد مصطفي يقود جماعه الاصلاح لعوده المدفع الي مكانه والقتال مرة اخري حيث لم يصاب بأي اضرار ظاهرة وعلي الرغم من بساطه الموقف الا ان الرائد مصطفي فوجئ بأحد الجنود يمسكه في ملابسه وهو في حاله صدمه صائحا فيه بحده (( قولي هنا يا فندم ، احنا بنصلي وهما لا ، احنا بنصوم وبنقرأ قران وهما لا ، يعني احنا مؤمنين وهما كفرة ، ليه ربنا مخليهم يضربونا كده )) تقدم الشاويش عباس لكي يرفع ايدي الجندي عن القائد الا ان الرائد مصطفي واقفه صائحا في الجندي بكل قوة (( عايز تعرف ليه يا فندي ، عشان هما بيشوفوا شغلهم كويس وسيادتك قاعد تعيط))
وازاح يديه من علي قميصه ولم يترك له فرصه للرد او المجادله ، وارتقي المدفع الذي عاد الي مركزة وبدأ في الضرب
بنفسه علي طائرات العدو المغيرة ، ولم يتمالك الجندي نفسه من هذا الموقف وبدأ يغالب دموعه وهو يسلم الذخيرة الي المدفع لكي يقوم قائده بالضرب عليه بنفسه .
وبعد انتهاء الغارة الفاشله للعدو ، عاد الرائد مصطفي الي مقرة والجندي خلفه يحاول ان يعتذر لقائده ، وتوقف القائد مكانه صائحا في الجندي (( انت اللي عملته ده يخليني احاكمك عسكريا واضربك بالنار كمان ، عشان انت عرضت الموقع كله للخطر ، انت مكانك مش هنا ، انا عايز هنا رجاله مش عيال )) ثم انصرف بينما ظل الجندي واقفا في ذهول وصمت .
ومع حلول الليل كان هذا الحدث هو محور الحديث بين الجنود الذين اتفقوا علي تفويض الشاويش عباس في التحدث مع القائد محاولين استسماحه في العفو عن هذا الجندي ، وفوجئ الشاويش عباس برد القائد المتسامح جدا ، فهذا الحدث يمكن ان يحدث لاي فرد لم يكتسب خبرة قتال بعد ، لكنه اصر علي ان تعنيف الجندي بهذا الشكل كان ضروريا لكي لا يتكرر هذا الموقف مرة اخري من اي جندي ، وحمله تحذيرا لاي جندي سيتراخي عن تأديه واجبه ، سيواجهه عقوبات قاسيه تصل الي الاعدام .
وفي الخامس من ديسمبر وبعد ما يقرب من شهر من الغارات المتقطعه بدأ العدو غارة مكثفه وبعدد كبير من الطائرات احصاها عبد الحميد بثمان عشر طائرة تهاجم الجزيرة في وقت واحد ، وعلي شاطئ مدينه السويس وقف عدد من الجنود يشاهدون في تعجب هذا الكم الكبير من الطائرات يدور في حلقات حول الجزيرة التي اختفت خلف نيران المدفعيه المضاده للطائرات ، ومن خلفهم عدد من اهل السويس والذين لاحظوا ما يحدث .
كان من الواضح ان الامر قد صدر من القياده الاسرائيليه بإسكات هذا الموقع للابد ، وتوالي الضرب من الدفاع الجوي ، وكان خيري مندهشا من هذا العدد الكبيرمن الطائرات
كان مشهدا رهيبا ما يحدث علي الارض او في السماء ، حيث يضرب رجال المدفعيه بغزارة ضد اهداف مختلفه، ففي لحظه يصوب خيري علي طائرة ويجد طائرة اخري تقفز داخل دائرة تصويبه وتخرج سريعا ، لم يكن من السهل علي الرجال التعامل مع هذا العدد الغير معهود من الطائرات فوقهم ، وادرك الملازم احمد ذلك فأمر رجاله العاملين علي الرشاشات الثقيله والمتوسطه بالضرب ضد الطائرات المنخفضه للمساعده ، وبعد لحظات من بدءهم الضرب شاركهم باقي جنود المشاه في الضرب برشاشاتهم الصغيرة ، في تلك اللحظات لم يكن هناك فرد لا يقاتل في الموقع حتي الضباط منهم فقد تعاملوا بأسلحتهم الشخصيه وتم اطلاق عدد من الصواريخ المضاده علي الدبابات .
نظر خيري بنظره خاطفه خلفه فوجد كل رجال المشاه يصوبون سلاحهم تجاه طائرات العدو ويطلقون نيرانهم في غضب فزاد معدل ضربه فقد كان الجميع يعلم ان تلك المعركه مختلفه وانها معركه حياه او موت لكل منهم ، وتزايد الغضب وقرر الجميع بالاجماع وبلا اتفاق ان النصر لا بد وان يكون حليفهم .
وبرز ذلك الجندي الذي اشتبك وهو منهار مع الرائد مصطفي منذ شهر ، برز في تسديداته السريعه المحكمه والتي صدت طائرات العدو ونال ثناءاَ سريعا من قائده ، اما خيري فقد غير ماسورة مدفعه مرتين اثناء الاشتباك لاعنا تلك المواسير التي لا تتحمل الضرب المكثف وكان تجاوب رفاقه معه سريعا في عوده المدفع الي الاشتباك فورا ، لم يكن هناك مكان في السماء يمكن ان تعبر منه الطائرات المعاديه من كثافه تلك النيران.
تابع وحيد طائرة ميراج معاديه تنفصل تجاه السويس وتنخفض وتستدير عائده الي الموقع ، فحذر خيري علي الفور، وتجاوب خيري معه سريعا وزاد من معدل الضرب تجاهها ، وظل يطلق نيرانه حتي اصابت احد الطلقات خزان الوقود الاضافي في بطن الطائرة ، وانفجرت الطائرة علي مسافه قريبه من شاطئ الجزيرة ، وتطايرت الاف الشظايا منها لتصيب احدها كتف بولس والاخري ساق عبد الحميد ، وتندفع مقدمه الطائرة محترقه علي سطح الماء وتنقلب عده مرات بسرعه كبيرة حتي تتوقف بجوار مدفع خيري بقليل
ويغالب بولس وعبد الحميد اصابتهم الطفيفه ويعود المدفع الي معدله العالي مع صياح خيري المتوالي في رجاله وتحميسه المستمر لهم للقتال .
وبعد فترة قصيرة تنفجر طائرة اخري بحمولتها كامله وسط تكبير الرجال بعد ان تلقت عده طلقات من مدفع ثقيل
مر زمن ولم يكن من الواضح متي تنتهي هذه الغارة العنيفه ، حتي الجنود الواقفين علي شاطئ السويس يتابعون الموقف عن كثب انضم اليهم عددا كبيرا من الاهالي وتعالت الدعوات من النساء وسط قلق الرجال ، كان الامر اشبه بمتابعه مباراه مصارعه بين عده رجال وبين رجل صغير ، فكانت الدعوات في اتجاه نجاه الموقع ، وتعالت زغاريد النساء مع تحطم طائرات العدو الاثنتين وانفجارهم المدوي الذي هز الارض تحت اقدامهم علي شاطئ السويس .
وبعد فترة طويله جدا علي الرجال في الموقع ، انسحبت الطائرات الاسرائيليه ، وتذكر خيري قائده السابق الشهيد وهو يأمرة (( اول مدفع يضرب واخر مدفع يضرب)) فأستمر في اطلاق نيرانه وبولس ينصحه بالتوقف وهو يئن من اصابته
حتي خرجت الطائرات من مدي مدفعه ليتوقف عن الضرب ، ويسمع اصوات التكبير والتهليل بين الرجال ، بينما ركع هو علي الارض وسجد لله شاكرا علي النصر في هذه الغارة الفريده والقويه من نوعها ، وشاركه عدد اخر من الجنود في السجود شكرا لله علي توفيقه بينما رفع احد الجنود يديه عاليا حامدا الله .
ووسط التهليل والفرح والاحضان المتبادله من الرجال يأمر الرائد مصطفي الجميع بسرعه حصر الخسائر وتضميد الجرحي واعطاء تمام الاستعداد في اسرع وقت ، ليعيد الرجال الي ارض الواقع مرة اخري .
وعلي شاطئ السويس احتضن الرجال بعضهم البعض في فرح كأنهم هم من كانوا يقاتلون وأستمرت زغاريد النساء تسمع كل السويس لفترة فرحا .
وعلي الفور وصل الموقع برقيه تهنئه من قياده التشكيل الي الرائد مصطفي تثني عليه وعلي رجاله شجعاتهم وكفاءتهم وتطلب منهم الاستمرار في العمل القوي وتكبيد العدو اكبر قدر من الخسائر .
وفي المساء أستطاع خيري اختلاس عده لحظات للراحه والتمشيه قليلا ، فتجول في الموقع بين الجنود المرابطين في تحفز وبين الجرحي الذين يتم علاجهم علي سطح الجزيرة بعد ان اكتظت دشمه العياده بالمصابين ، ويحيي خيري رفاقه ويبث بعض عبارات التشجيع وهو يسير متباطئا والراديو يبث الموسيقي الوطنيه بصوت عال
ويسمع صوتا خافتا من خلفه يقول (( هموتك لو بلغت عني )) فيستدير تجاه الصوت ليجد احد الجنود الجرحي مصابا في ساقه ويستند علي احد الصخور و يمسك بقميص احد رجال الاسعاف وعينيه تحدق في غضب في جندي الاسعاف ، كان الجندي المصاب ضخم الجثه قوي البنيان ذو عضلات مفتوله وكأنه بطل رفع اثقال ويستكمل الجندي المصاب قائلا في نبرة حاسمه
(( سمعتني؟ لو بلغت اني اخرج للعلاج هموتك قبل ما رجلي تخطي برة الموقع ، انا مش هسيب الناس هنا الا علي جثتي )) ويتلعثم جندي الاسعاف صغير الجسم قصير القامه في رعب خوفا من نظرات الجندي المصاب ولهجته الحاده القاطعه، ويتبسم خيري رغم الموقف الصعب ففي نفس الوقت أعيد اذاعه اغنيه (( ابنك يقول لك يا بطل هات لي نهار ، ابنك يقول لك يا بطل هات لي انتصار)) وتصادف وقت اذاعتها مع هذا الحوار الساخن بين الجندي المصاب وجندي الاسعاف في ترتيب الهي عجيب وكأن هذا الجندي ينفذ تماما ما يطلبه منه اهله ، فهو يرفض اخلائه من الموقع للعلاج ويؤثر ان يستمر مع زملائه يقاتل للوصول الي النصر رغم الموت المحيط بهم ، سار خيري متابعا احوال رفاقه والراديو الخاص به يُسمع كل من في الموقع ، وفجأه ينقطع سيل الاغاني في الراديو ليعلن عن بيان عسكري من قياده القوات المسلحه ، فيصمت الجميع وتنطلق الاذان مرهفه السمع متابعه لما سوف يقال في تركيز ، وجاء البيان عن اعمال قتال اليوم وبه اشارة الي اسقاط طائرتين معاديتين واصابه ثلاث اخري علي مستوي الجبهه ، وخص البيان الموقع ببعض العبارات عن الاغارة علي الجزيرة الخضراء وحيا قتال الرجال ، فتعالي تكبير الرجال عند سماعهم البيان وتعالي بعدها الصياح (( تحيا مصر- تحيا مصر )) ومع كلمات البيان المشجعه والتي تلتها اغاني وطنيه حماسيه ، ترقرقت الدموع مع اعين الرجال في صمت وبعيدا عن عيون الاخرين ، فما تعرضوا له اليوم من وحشيه للعدو كانت تفوق الوصف ، فقد كان الموت فاتحا ذراعيه لهم في اي لحظه ولو ستر الله وتوفيقه لهم في القتال لكان الموقع قطعه صخر صماء غارقه في دماء الرجال ، وعلا صوت المذياع بعد البيان ليشدو صوت عبد الحليم (( جيش الظلام في يوم ما هاجم فجرنا ، جرح السلام زرع الالام في ارضنا ، وقلوبنا داست علي الجراح وحلفنا ما نسيب السلاح ، الا ان رجعنا بشمسنا ، وضحك لنا تاني الصباح )) وسمع تلك الجمله من الاغنيه الجندي المصاب الذي مر عليه خيري ، قأمسك بقميص جندي الاسعاف مرة اخري وجذبه نحوة صائحا (( سمعت حليم بيقول ايه ؟؟ وقلوبنا داست علي الجراح وحلفنا ما نسيب السلاح ، ... وانت عايزني اروح مستشفي عشان اتعالج ؟؟))
فهز جندي الاسعاف رأسه نفيا في هلع .
أستمر خيري في سيرة حول ارجاء الموقع وهو ممسك بسلاحه الالي بيد والراديو بيد اخري ، وقرب احد اطراف الجزيرة
شاهد عدد من جنود المشاه ينظفون احد الرشاشات الثقيله فتبسم له وحياهم وردوا عليه التحيه .
سار خيري وعينيه تتابع الاستعدادات والتجهيزات لاستقبال غارة جديده للعدو ، وانتهي المسير بخيري بجوار بقايا كابينه الطائرة الميراج المحطمه، والتي مازال الدخان يتصاعد من اجزاء منها رغم مرور وقت طويل علي تحطمها
وقف خيري وفي يده الراديو ، اقترب خطوات من كابينه الطيار المحطمه وكانت جثه الطيار مازالت داخلها ، فمد خيري يده من خلال زجاج الكابينه المحطم ورفع غطاء الشمس من علي خوذه الطيار والذي يغطي عينيه ، فوجد شابا في اواسط العشرينيات ، ملامحه غربيه كأنه اروبي ، وكان اول انطباع قفز لعقل خيري ان الطيار نائما ، فالاعين مغمضه والملامح مستريحه ، ووبطء نزع خيري خوذه الطيار ليظهر شعرة الاصفر من تحتها ، ثم نزع كوفيه الطيار الزرقاء والمنقوش عليها ايضا رقم 101 فتبسم من داخله فقد قتل حتي الان اثنين من سرب النخبه الاسرائيلي ، فحمل الخوذه والكوفيه عائدا الي الدشمه وهو يفكر في الداعي لكي يرسل الاسرائيليون خيرة طياريهم لتدمير الجزيرة ، فما هي اهميه هذه الجزيرة المتناهيه الصغر لاسرائيل ، فقد عرف انهم احتلوا مساحات تعادل سته اضعاف مساحتهم الاصليه .
وعندما تحدث خيري عما فكر فيه بعد قليل اثناء تناول العشاء ، رد عليه الرائد مصطفي والذي سمع الحوار مصادفه
(( يا خيري اليهود مش عايزينا نحارب ، عايزنا نفضل مستسلمين علي طول ، واول ما بيشوفوا موقع بيصمد وبيضرب ضدهم لازم يعموه ضرب عشان يبطل ، وساعتها الروح المعنويه عندنا هتنهار ومش هنفكر خالص في تحرير الارض ))
فتدخل الملازم اول احمد في الحوار وهو يدخن سيجارة بعد تناوله الطعام (( فاهمين يا وحوش ؟ دي مسأله حرب نفسيه
وكرامه ، يعني هما تعودوا من 67 اننا هنهرب كل ما حد يقرب منا ، ولما الجيش عندنا سمع ان رجاله راس العش صمدوا
معنويات الجيش كلها كانت في السما ، وهما مش عايزين كده خالص، عايزين نفضل راكعين مستسلمين لهم ومعنوياتنا في الطين وعمرنا ما نفكر نحرر ارضنا ))
تبسم الرائد مصطفي قائلا (( احنا مع كل طيارة بنوقعها لولاد الكلب دول ، بيرجعوا عايزين ياخذوا بتارهم ، زي ما احنا بناخذ بتار رجالتنا بتوع 67 ورجاله الموقع هنا وتار مصر كلها ، يعني المسأله مش حرب بس ده حقد وكراهيه وتار بايت عمرة ما هيروح ))
قبل اول ضوء من اليوم التالي كان الموقع في حاله استعداد قصوي ، وأمر القائد جماعه الاصلاح بأستخراج الجزء المرسوم عليه نجمه داود من حطام الطائرة ، ووضعه تحت برج الملاحظه تحت علم مصر لكي يشاهده كل من بالموقع .
وبعد ظهور شعاع الشمس بقليل ، وصل للموقع قائد التشكيل يرافقه الدمنهوري وعدد من الضباط وكميه لا بأس بها من الهدايا ، وبينما تكفل عدد من جنود الموقع من تفريغ اللنش من الذخائر والتعيينات التي تصل بأنتظام الي الموقع مع كل زيارة ،
فأن الرائد مصطفي أستقبل زوارة مندهشا بالقرب من خيري والذي سمع قائده يقول لقائد التشكيل
(( يا فندم فيه خطر عليكم هنا ، احنا متوقعين غارات جامده النهارده ))
فرد قائد التشكيل باسما بأنه يجب ان يكون مع رجاله في اي وقت واي مكان وأردف مازحا
(( هو أحنا برضه مش من حقنا يا حضرات اننا نحارب معاكم ، ولا انتوا عايزين توقعوا طيارات اليهود لوحدكم ))
وبدلا من دخول القاده الي مقر القياده ، فقد زاروا دشمه العياده لزيارة المصابين وأمر قائد التشكيل بإخلاء الحالات الخطرة الي السويس ، ثم مر قائد التشكيل ومرافقيه علي الجنود ، ولم يتركوا جندي الا وحيوة واعطوة هديه رمزيه
وعندما اقتربوا من مدفع خيري ، هرع خيري فجأه الي دشمته وعاد بخوذه الطيار الاسرائيلي وكوفيه الطيران الخاصه به
وقدمهم هديه الي قائد التشكيل وللدمنهوري ، وسعد الاثنين جدا بهذه الهديه ، وخاصه عندما وجدوا انه طيار سرب النخبه وقال قائد التشكيل لخيري مازحا (( كل مرة اجي هنا يا خيري عايز هديه زي دي )) وضحك كل من حوله عدا خيري
الذي رد (( باذن الله يا فندم وياريت يكون دلوقت )) فضحك القائد بصوت عال واردف واضعا يده علي كتف خيري
(( مش وقته دلوقت ، احنا دلوقت نرقيك الاول لرتبه وكيل رقيب وبعدين نبقي نشوف موضوع الطيارات )) فتبسم خيري وكل من حوله وهم يشاهدون قائد التشكيل يسلم خيري رتبته الجديده وخطاب الترقيه ، بينما قدم الدمنهوري علبه هديه الي خيري مردفا وهو ينظر الي عيني خيري (( هتلاقي فيها بطاريات زياده ، أكيد هتحتاجم الايام الجايه ))
ووصلت الرساله الي خيري، فالايام القادمه من الواضح انها ستكون حاسمه ، وهم القاده بالانصراف وأمر قائد التكشيل بصرف مبلغ خمسون جنيها لكل جندي تقدريرا لجهودهم ، وقبل ان يهم القاده بركوب اللنش دق جرس الانذار ن فهرع الجميع الي الخنادق ، وتطلعت الانظار الي السماء باحثه عن طيارات العدو القادمه تحمل الموت اليهم .
وجاءت التبليغات من كل افراد الملاحظه بانها طائرة استطلاع علي ارتفاع عال
فتبسم الرائد مصطفي (( الجبنا بيصورونا كل يوم قبل ما يبدأوا ضرب ))
فربت قائد التشكيل علي كتف الرائد مصطفي (( كلها كام يوم ومش هتشوفوا طيارات يهودي خالص ، احنا بس ندخل الصواريخ للجبهه وانتوا ساعتها هترتاحوا ))
فرد النقيب احمد (( مش عايزين نستريح يا فندم ، عايزين نعدي بقي الناحيه التانيه ))
فتبسم الدمنهوري قائلا (( كل حاجه في وقتها يا بو حميد ))
أستدار قائد التشكيل الي الرائد مصطفي قائلا (( يا درش اعمل حسابك ان نص الشهر هيكون فترة حاسمه لكم ، عشان كده عايزك تعمل حسابك وتكمل مرتبات كل الاسلحه اللي عندك وتجهز نفسك لكام يوم نار ))
فتدخل الدمنهوري (( المعلومات اللي عندنا ان القرار صدر من رئاسه الاركان الاسرائيلي بأن الموقع هنا لازم يتشال من علي الخريطه )) تجهم الرائد مصطفي من تلك المعلومات وبدأ عقله يعمل بقوة ، بينما تحمس الملازم احمد جدا لهذا الخبر
وبعد مغادره جميع الزوار ومعهم عدد قليل من الجرحي ، أجتمع الرائد مصطفي بحكمداريه المدافع وضباط الموقع وأخبرهم
بالمعلومات التي وصلت اليه ، واخبرهم بأن القتال سيكون مختلفا تماما في الايام القادمه وان الاستعدادات يكون ان تكون في اعلي مستوي لها ، وطلب من كل منهم كشفا بما يحتاجه خلال الايام القادمه ، وكان القاسم المشترك للجميع هو ذخائر اضافيه ، بينما طلب خيري مواسير زياده للمدفع فتبسم الرائد مصطفي قائلا (( المصنع مش ملاحق عليك يا وحش )) وضحك الجميع من مداعبه القائد .
وفور انصرافهم من غرفه عمليات الموقع ، شرع كل منهم في اخبار جنوده بالانباء ، وتعالي الحماس علي الجميع في الموقع بينما الخوف يدق قلب كل منهم مما قد تحمله الايام القادمه .
وطوال الاسبوع الذي تلي ذاك الاجتماع شهدت سماء الجزيرة غارات متفرقه غير كثيفه ، استنتج خيري ووافقه القائد انها غارات انهاك هدفها استهلاك دخائر الموقع ، فصدر الامر سريعا بالاقتصاد في استهلاك النيران .
وخلال هذا الاسبوع استطاع خيري اصابه ثلاث طائرات وكانت هذه اعلي نتيجه له خلال اسبوع واحد
وفي يوم الثاني عشر من ديسمبر 1969 أصاب خيري طائرتين ميراج في غارة واحده ، وفي المساء حضر الدمنهوري حاملا ترقيه اخري استثنائيه لخيري فتم ترقيته لرتبه رقيب ولم يكن قد مضي علي ترقيته السابقه اكثر من اسبوع فقط ، وكانت هذه سياسه الجيش الجديده في تشجيع الجنود علي الاجاده ، ولم يكن للترقيه اي تأثير علي معنويات خيري بالذات
فسعادته الشخصيه عندما يري طائرات العدو تهوي محترقه او علي الاقل يتصاعد منها الدخان دليل علي اصابتها .
وأقترب الموعد الذي حدده قائد التشكيل كأيام حاسمه ، وشاهد الجميع في الموقع امدادات يوميه تقريبا تأتي علي غير العاده ، ومع اقتراب الموعد زادت وتيرة الهجمات الجويه من اول ضوء الي اخر ضوء ، فأخرج خيري الراديو الصغير ووضعه علي المدفع ليبث الاغاني الوطنيه والمارشات العسكريه طوال اليوم .
وعلي شاطئ السويس تعود عدد من الاهالي والجنود علي متابعه الغارات اليوميه علي الجزيرة ، وسط دعاء وقلق بالغ
وجاء يوم السابع عشر من ديسمبر يوما شتويا باردا ملبدا بالغيوم وموج عال في مياه الخليج وايضا مفاجئا الرجال بغارة لم يسبق لها مثيل بعدد اربع وعشرون طائرة اسرائيليه من انواع مختلفه أي ان العدو كلف سربين كاملين من اسرابه القاذفه للقضاء علي الموقع ، وتحول القتال الضاري بين الطائرات وبين المدافع الي تحدي خاص ، فمع تساقط الشهداء من قنابل طائرات العدو يستميت الرجال في القتال علي الارض اكثر واكثر ، ووسط انين المصابين والشظايا المتطايرة في ارجاء الموقع يغير خيري وبولس ماسورة المدفع مرة اخري ، ويعود المدفع للضرب بصورة هيستريه ، فالطائرات في كل مكان وجميع الجنود مشتبكين بكل ما يتسير لديهم من سلاح ، ومع مرور الوقت تأتي طائرات اخري لتستكمل الغارة بينما تعود الطائرات الاولي لقرب نفاذ الوقود ، ويبدو في الافق ان الغارة لن تنتهي وان العدو مصمم علي القضاء علي الجزيرة
ويتذكر خيري الرائد منعم وهو يشد ازرهم فيكرر خيري قول قائده صائحا في سماء الجزيرة ويُسمع صوته عاليا صارخا بين الحين والاخر (( يا رجاله أفتكروا ، لاخر طلقه واخر راجل )) فيزداد حماس الرجال ومع كل طلقه يردد (يارب) طالبا الغوث والتوفيق من الله ، وتختفي السماء والسحب من سماء الجزيرة ويحل محلها دخان طلقات المدفعيه ، وتسقط قنبله يراها الجميع تسقط بالقرب من احد خنادق المشاه ، وتهتز الجزيرة في عنف وترتفع درجه الحرارة فجأه ويحس بها الجميع من تأثير الانفجار والنيران ، ويسقط الملازم اول احمد شهيدا ومع سته من جنوده وهو يقاتل طيران العدو ، ويتعالي الحماس من الجميع مع تردد صوت الرائد مصطفي (( هاتوا ابن الكلب اللي موت أحمد )) وتزداد كثافه الضرب اكثر واكثر
ويمر الوقت والعدو يأبي ان يترك سماء الجزيرة ، ويتلقي القائد مكالمات دعم وتحفيز من قياده التشكيل ، ويطلب القائد دعما جويا من قيادته لكن الرد كان بالا يتوقع دعما جويا هذا اليوم ، فالقوات الجويه مشتبكه مع طيران العدو في قطاعات مختلفه .
ارتفعت الشمس الي كبد السماء وبدأت في الاتجاه للغروب ، والغارة لم تنتهي بعد ، وبين فترات التقاط الانفاس القليله النادرة ، لابتعاد طائرات العدو قليلا او انتظارا للغارة التاليه ، كان خيري يحاول التقاط انفاسه ويجول ببصرة سريعا حول الموقع الذي تعرض للقصف طوال اليوم ، فيجد جماعات الاسعاف منتشرة في كل مكان دليل علي كثرة الاصابات ، جماعه الاصلاح تحاول اصلاح احد المدافع سريعا ، ثم يعودوا للاشتباك ، الوجوه يملئها غبار المعركه والاعين تنطق تصميما ووعيدا للعدو ، ومع بدء الضرب مرة اخري بعد توقفه لحوالي الدقيقه ، يستمر خيري في الضرب بكثافه وسرعه ،
ويصيح عبد الحميد في خيري وسط اصوات الانفجارات (( أهدي شويه يا خيري احنا مش قادرين نلاحق عليك ، انت ضارب سبعه الاف طلقه لغايه دلوقت ))
ومع استمرار الغارة كان خيري قد اصاب حتي الان طائرتين واصابه اخري غير مؤكده ، لكن طائرات العدو تملئ دائرة التنشين ولا مجال للتأكد او التدقيق ،
وتنبه خيري الي شئ لفت انتباهه جدا ، فأذنه تلتقط اصوات مدافع الموقع بطريقه مختلفه ، فصوت دفاعات الموقع والذي ليد موسيقي مميزة في اذنه قد اختلف تماما عن صوته في بدايه الغارة ، فلابد ان عددا من المدافع قد تعطلت او دمرت ، فزاد معدل ضربه أكثر ، وجاهد الرجال حوله في امداده بالذخيرة ومتابعه الضرب ، ومع مرور الوقت خفت اصوات المدافع اكثر واكثر حتي وصل قرب المغرب الي ان مدفعه فقط هو الذي يطلق نيرانه بعد ان توقفت باقي المدافع عن الضرب ، ولكي لا يتيح فرصه للعدو لملاحظه ذلك واستغلال الفرصه فقد زاد معدل ضرب نيرانه اكثر لدرجه ان عددا من جنود المدفعيه الاخرين هرعوا لمساعده طاقم المدفع الوحيد الذي يدافع عن سماء الموقع ، وللمرة الثالثه يقفز من مدفعه وبيده العاريه يغير ماسورة مدفعه التي انصهرت تماما ولم تصبح صالحه لاي استخدام ، وتحترق يديه ويتأكل اللحم بدون ان يشعر بشئ فقد كان همه الوحيد حمايه الموقع ، وكأن روح الرائد منعم تناجيه يقفز خيري علي المدفع وهو يتمتم (( تمام يا فندم لاخر طلقه واخر راجل )) ويستكمل ضربه حتي غربت الشمس وانسحبت طائرات العدو بعد ان فشلت تماما في اخضاع صمود الموقع وكسر دفاعاته.
وبعد توقف الضرب واطلاق جرس الامان ، ينهار طاقم المدفع علي الارض يحاولون التقاط انفاسهم من عناء يوم لم يمر عليهم من قبل ، وبينما استند خيري علي المقود يلتقط انفاسه المتتابعه ، يأتيه صوت عبد الحميد لاهثا متقطعا
(( احد عشر الف طلقه يا مفتري )) ويتبسم خيري علي استحياء ، فهو رقم اكبر بمراحل عن اي رقم سمعه من قبل علي طلقات اطلقها مدفع علي الجبهه ، ووسط بعض الامطار الخفيفه ، جلس الرجال علي الارض منهكين تماما ومن حولهم جبل من فوارغ الطلقات وعددا كبيرا من صناديق الذخيرة الخاليه .
وبعد لحظات يسأل خيري (( هيه المدافع وقفت ضرب ليه بدري ؟؟ )) فيرد عثمان احد حكمداريه المدافع والذي هرع لمساعدتهم في نهايه الغارة بعد توقف مدفعه (( المدفع رقم 3 بقي في سوي الرصيف اخذ قنبله مباشره علي نافوخ العيال اللي عليه.... الله يرحمهم ، ورقم 4 الطاقم بتاعه استشهد كله كمان والمدافع 2 و5 و6 عطلوا وقت غارة العصر ، ورقم واحد انفجرت طلقه جوه الماسورة زي ما سمعت ونص الطاقم مصابين ومكنش فاضل غيركم هنا ))
فيقول وحيد وهو يسند رأسه علي احد الصخور الناريه (( هنعمل ايه بكرة ؟؟ دا احنا كده اتكسحنا ))
وينظر خيري تجاه قائده مستشفا ما قد يقوم به فيجده يمر علي المصابين وقد لف رأسه بعدد من الضمادات الطبيه .
وبعد دقائق يبدأ الجنود في اكتشاف حجم الخسائر ، فالشهداء اكثر من خمس وعشرين ما بين ضباط وجنود والمصابين بالعشرات منهم الشاويش عباس .
ويرسل القائد تقريرة التفصيلي الي قياده التشكيل منوها بدور خيري والملازم اول شهيد أحمد
وتأتي اشارة من القياده وينتشر خبرها وسط الجنود كالنار في الهشيم مفاد الاشاره
(( البحر العال ويتعذر ارسال امدادات لكم هذه الليله ..... الله معكم ))
ثم تلاها اشارة اخري بترقيه خيري ترقيه استثنائيه ثالثه خلال اسبوعين الي رتبه رقيب اول ، والتي لم يفرح بها تماما او يتأثر بها وكأن تلك الترقيه تخص شخصا اخرا .
ويسقط في يد الجميع ، فالظروف قد تهيأت كلها لكي يقوم العدو غدا بتدمير الموقع واكتساح دفاعاته واعلان انتصارة
لكن خيري لم يقبل الواقع المر ويصيح في الرجال بكل حماس كأنه قائد عظيم (( يا رجاله هنحارب ومش هياخدوا الموقع))
ويقابل صيحته فتور من الرجال العالمين بصعوبه الموقف فيهرع الي حيث المدافع المعطله
ووسط البرد القارس وقطرات المطر المستمر في هدوء ، يبدأ خيري بكل حماس في اصلاح المدفع الاول ويعاونه رجال من جماعات الاصلاح ، ويمر الوقت ولا يحسب احد الوقت ، فالغد يحمل لهم موت مؤكد بدون مدفعيه مضاده للطائرات يمكن لطائرات العدو ان تفعل ما تشاء ، وينجح الرجال في اصلاح ثلاثه مدافع قرب الفجر تقريبا ، لترتفع قوة نيران الجزيرة الي اربع مدافع فقط أي نصف القوه الفعليه ، لكنها مازالت في موقع اقل ما يقال عنها انه موقف خطير .
أشرق صباح الثامن عشر من ديسمبر مشمسا دافئا ، ومع اول ضوء وعلي الفور أستطاعت قياده التشكيل دفع لنش يحمل كما من الذخائر مع وعد بسرعه تدبير مدافع وافراد لكي يتم تدعيم موقف الموقع .
رفعت امدادات الذخيرة من معنويات الرجال ، وطالب خيري بأن تكون الذخائر أقرب ما تكون الي مدفعه فتمتم عبد الحميد
(( ناوي علي ايه يا خيري )) فيرد خيري بقوة (( مش ناوي اخليهم يقدروا علينا ))
وبنظرة سريعه الي قائده في مركز القياده المتقدم والذي تهدم جزء كبير منه ، تابع خيري قائده للحظات فوجده متوترا للغايه ويدخن سيجارته في عصبيه .
كان الرائد مصطفي يعلم ان موقف الموقع صعب للغايه في ظل الاصابات التي لحقت به ، وكان يعصر عقله عصرا محاولا
إيجاد طريقه لرفع درجه النيران خاصه بعد ان اعلمته قياده التشكيل بعدم وجود دعم سريع فيما يخص المدافع المدمرة.
وكان الموقف مشابها في قياده الجيش الثالث ، فالمطلوب امداد الجزيرة الخضراء بأربع مدافع مضاده للطائرات لكن لا يوجد وسيله لنقل تلك المدافع التي جري سحبها من احد التشكيلات علي الفور وتجميعها قرب شاطئ الخليج تمهيدا لنقلها ، وحيث ان قارب هيئه قناه السويس الثقيل معطل ، فأنه لا توجد وسيله لنقل تلك المدافع ، فأسقط في يد القياده تماما وعجوزت عن ايجاد حل سريع لانقاذ الموقف ، فعامل الوقت ليس في صالحهم .
وكم كان قائد الجيش وقائد التشكيل منهمكين في ايجاد حل لهذا الموقف ، وتدخل احد اركان قائد الجيش مقترحا النقل الجوي رغم خطورته ، الا ان قائد التشكيل اخبره بأن المدافع كبيرة عن ان تسعها الطائرات ، فعادوا لنقطه الصفر مرة اخري ، الي ان صاح قائد الجيش غاضبا (( يعني هنسيب الرجاله كده هناك لوحدهم ؟؟))
وتوالت الاقتراحات ، وتسأل قائد التشكيل عن القوات الجويه ودورها في دعم الموقع ،رد قائد الجيش بأن القوات الجويه منهكه في الدفاع عن المطارات والقواعد الجويه وان تخصيص قوة من المقاتلات تستطيع التصدي لاعداد طائرات العدو الكبيرة سيكون خطيرا جدا لانه سيعرض باقي المطارات للخطر المحدق
اما خيار الانسحاب المؤقت فقد كان مستبعد تماما من الدراسه حيث ان موقف القياده العامه واضح وصريح في هذا الشأن بان القتال يكون لاخر طلقه واخر رجل وعدم الانسحاب من اي مواقع مهما كانت صغيرة او غير مهمه ، ولم يتبق غير خيار القتال بما هو موجود ، وعندما سمع الدمنهوري نتيجه الدراسه ووجد ان الجزيرة علي شفا الغرق ،قال لقائد الجيش
(( من المحتمل ان ينقطع الاتصال معاهم في اي لحظه زي ما بيحصل كتير ، انا هاخذ عربيه ومعايا لاسلكي وهكون علي الشط وعلي اتصال دائم مع سيادتك )) وصدق القائد علي اقتراح الدمنهوري والذي كان يحس بأنه يجب ان يكون اقرب ما يكون من رجال الموقع ، وتمني لو استطاع ان يلحق بلنش الامدادات الذي ابحر فور اعتدال حاله البحر .
اما علي الجزيرة فكان الوضع عبارة عن حاله ترقب دائم فور اشراق الشمس ، وكم تمني الجميع لو ان الشمس لم تشرق في ذلك اليوم ، ليس خوفا علي ارواحهم كما قال وحيد ووافق بولس ، لكنه الخوف من ان يسقط الموقع في يد اليهود ، فهو بيتهم وارضهم وشرفهم ولن يتركوه الا وهم موتي ، فقد علموا ما يمثله هذا الموقع بالنسبه لشعب مصر ، ولم يستطع أحد ان يتخيل صدمه الشعب لو سقط الموقع الذي أصبح يمثل لهم صمود مصر كلها كما قال عبد الحميد .
صلي خيري ورفاقه الصبح في خشوع تام ، ودعا خيري ربه كما يفعل في كل صلاه بأحدي الحسنتين ، النصر او الشهاده
وبعد ان فرغ من صلاته بدأ في اعاده التأكيد من جاهزيه مدفعه وجال بعينيه في ارجاء الموقع مرة اخري ، فبين شكائر الرمل المتنثرة علي جانبي الخنادق يقبع رجال المشاه القليلين المتبقين ، وعلي اعينهم علامات الارهاق والقلق واضحه جدا ، بينما سار بينهم الشاويش عباس رابطا ساقه وهو يبث فيهم الحماس ، وتابع مئات الطلقات الفارغه التي تملئ ارجاء الموقع ، ووصل بصرة الي حيث المدفع رقم واحد والذي يقف وماسورته كالورده المتفتحه بالضبط ، واشار له زميل علي مدفع مجاور بعلامه النصر فرد له التحيه وأستمر يجول ببصرة في انحاء الموقع وكأنه يريد ان يحفظ تلك الصور في عقله
شاهد احد جنود المدفعيه ممسكا بصورة في يده يقبلها ، فتذكر صورة محمد المتشحه بالسواد ومع بدء تذكرة لذكرياته الجميله مع محمد وقصه استشهاده بدأ شريط الذكريات سريعا في تذكر عشرات الشهداء الذين سقطوا حوله وبالقرب منه ، وتذكر تلك الذراع المحروقه التي ظلت ممسكه بمقود المدفع حتي اخر لحظات صاحبها حتي الموت وتذكر زميله شديد وقائده منعم والجندي عماد والملازم احمد وبدأ الشريط يعرض صورا عديده لشهداء ومصابين كثيرون جدا قاتلوا حتي اخر لحظه ، لم يهربوا ولم ينسحبوا بل قاتلوا طمعا في نصر يبدو الان بعيدا جدا ، وطاف خيال زوجته بمخيلته ، وتبسم عندما تذكرها معه في تلك الايام الثلاث التي اعقبت الزواج والتي اعتبرها اسعد ايام عمرة ، وتمني بكل شده ان يعود حيا في تلك اللحظه لكي ينجب ولدا واثنين وثلاثه يكونوا ضباطا في الجيش ليدافعوا عن بلدهم كما يفعل هو .
في تلك اللحظه وفي احد القواعد الجويه في سيناء المحتله قبعت طائرات تحمل نجمه داوود اللعينه ، وهي تحمل الموت تحت أجنحتها انتظارا للاقلاع ، وبجوار احد الطائرات وقف عدد من الطيارين يتدارسون هجمتهم القادمه ، وكان واضحا القلق والخوف علي العيون ، ثم مر عليهم قائد السرب ودار بينهم حديثا سريعا ، سرعان ما انصرف بعده كل طيار الي طائرته يتأكد من جاهزيتها .
وعلي شاطئ الخليج وقف الدمنهوري بنظارته المعظمه يراقب الجزيرة والتي تبدو له مثل الخط الاصفر الرفيع فوق صفحه المياه الزرقاء ،ورصد علم مصر واضحا خفاقا فوقها في شموخ ، ثم جاءته اشارة لاسلكيه بأن الرادارات قد رصدت اقتراب اهداف جويه معاديه وانها في اتجاه الجزيرة الخضراء ، فبدا القلق يتسرب الي عقله بسرعه وهو يدعو الله ان يمر هذا اليوم العصيب علي الرجال بسلام .
علي الجزيرة كان الوضع مازال متوترا في العقول والقلوب ، وبينما خيري يضبط مؤشر الراديو ليلتقط ارسالا أوضح
ودق جرس الانذار معلنا اول غارات اليوم ، وتم رصد اربع طائرات معاديه ، وبدأ اطلاق النيران بغزارة علي الطائرات ، والتي القت كل ما تحمله تجاه الجزيرة ، وانقجرت جميع القنابل حول الموقع في الماء نتيجه عدم دقه تصويب الطائرات بينما انفجرت احداها علي الشاطئ البعيد في تجمع للمدافع المدمرة ، وعادت ادراجها سريعا وسط تعجب الرجال علي الارض من تلك الغارة الساذجه .
لم يتحرك الرجال من أماكنهم ولم يفرح احد ، فاليوم مازال في بدايته والطائرات المعاديه لابد وان تعود حامله الموت للرجال ، نظر الرجال لبعضهم البعض لتحميس بعضهم البعض ، واشار خيري لاحد حكمداريه المدافع بأشارة معينه فهمها الاخر ، فالتنسيق بين المدافع الاربع اصبح امرا لا يحتمل اي تأخير ، فلو حدث خطأ او ارتباط لفتحت في سماء الموقع ثغرة يستطيع ان يدخل منها العدو والقاء قنابلها .
عاد الانذار مرة اخري ليدق بعد ربع ساعه معلنا عن اغاره اخري للعدو ، وتم رصد اثني عشر طائرة تقترب واضعه الشمس في ظهرها ، احصي عبد الحميد ست طائرات فانتوم ، وبهت الجميع عندما خرجت كلمه فانتوم من فم عبد الحميد فهم يعلمون كميه القنابل التي تحملها تلك الطائرة القاذفه المقاتله والتي تبلغ سبع اطنان من القنابل اي ما يعادل حموله سبع طائرات مصريه قاذفه ، وفكر خيري سريعا فلو طائرة واحده من الفانتوم اخترقت الدفاعات لانتهي الامر في ثوان
وتذكر تهكم وحيد عندما علموا بحموله الفانتوم من الدمنهوري عندما قال (( دي طيارة واحده منهم لو رمت قنابلها علينا هنرجع السويس طايرين ))
نظر خيري تجاه الطائرات القادمه وبدأ في الضرب السريع عليها بمساعده بقيه المدافع ، وفور بدءهم الضرب استطاع خيري اصابه طائرة فانتوم قبل ان تقترب من هدفها ، وكم كان منظرا رائعا للرجال وهم يرون الفانتوم وهي تدور حول نفسها محترقه وهي تسقط بزاويه حاده تجاه مياه الخليج لتنفجر علي صفحه المياه .
ويأتي صوت الرائد مصطفي صائحا من بعيد وصت اصوات الضرب (( تسلم ايدك يا خيري ، هو ده الشغل ))
بينما الدمنهوري علي شاطئ الخليج يعتصر فلتر السيجارة بأسنانه وهو يري المعركه تدور امامه بدون ان يستطيع ان يساعد ، كل ما يمكنه هو الدعاء ، وسرعان ما تجمع الناس بجوار الدمنهوري كعادتهم في تلك الايام لمتابعه المعركه والدعاء للرجال المقاتلين
وبدأ الراديو يذيع اغنيه البندقيه لعبد الحليم حافظ ، وهي من الاغاني التي عشقها خيري جدا ، فسعد بهذا الترتيب الالهي
وفي كل فاصل بين طلقات خيري يعلو صوت الراديو ليسمعه طاقم المدفع واضحا يشدو بأسم مصر
ويشير خيري لاحد جنود المشاه بالاقتراب ويأتي الجندي مهرولا وسط الغارة المستمرة ووسط الضرب المستمر
ويصيح فيه لابلاغ القائد (( خليك ورا الفانتوم ، هيه اللي عايزة تخش )) وتصل المعلومه في ثوان الي جميع المدافع ، حيث ان جميع الاتصالات بين القائد وبين رجاله قد تقطعت اثناء الغارة السابقه وتم الاتفاق علي وجود عساكر اتصال بين المدافع وبين قائدهم ، فتجد الجندي يجري من مدفع لاخر ثم للقائد ويعود وهكذا ، كل ذلك وسط الشظايا الساخنه المتطايرة في كل اتجاه والتي تحمل الموت او البتر .
وتدخل طائرة ميراج دائرة نيران خيري ويسقطها في سرعه ومهارة ، لكنه يبحث عن الفانتوم التي تدور من بعيد محاوله اختراق الدفاعات ، ويأتيه من القائد (( سيب طيارات للناس التانيه ولا ناوي توقع كل الطيارات لوحدك )) فينظر خيري للقائد فيجده مبتسما مداعبا ، واشار له خيري بأشارة النصر .
وعلي شاطئ الخليج يبلغ الدمنهوري قيادته (( الموقع وقع تاني طيارة – ربنا معاهم ))
وترتد طائرات العدو لمسافه ، ويصيح خيري وهو يقفز من فوق مدفعه (( غطوني )) فيهرول الجندي للمدفع المجاور لكي يغطي مكان مدفع خيري الذي بدأ في تغيير ماسورة المدفع التي قاربت علي الانصهار
وبينما يصعد علي مدفعه يخرج صوت عبد الحليم
(( بلادي – بلادي – بلادي – انا نار تحرق اعاديكي ))
ويعلو تعليق وحيد (( الله عليك يا حليم ))
ويعود خيري الي الضرب مرة اخري بمعدل عال جدا ضد طائرات العدو ، وبينما طائرات العدو تأبي ان تترك الموقع الا ارض ميته ، تلتقط اجهزة التصنت بقياده الجيش حديث احد الطيارين مع قيادته
الطيار- ((من الصعب الوصول الي درجه تصويب محكم ، الريح عاليه هنا ، واي قذف من ارتفاع عال سيكون فاشل ، هؤلاء المصريين الملاعين لا يمكن الدخول وسط نيرانهم ، اطلب الاذن بالعوده – حول ))
وبعد فترة صمت جاءه الرد من القياده (( أستمر في القتال ، يجب القضاء علي كل من الجزيرة اليوم – انتهي ))
وبينما يتوقف خيري للحظات لكي تبرد ماسورة مدفعه قليلا يعود صوت عبد الحليم مدويا
(( بلادي – بلادي – بلادي – انا دمي نيل يرويكي ))
وتستمر الغارة بشده ، وتنفجر احد القنابل علي الشاطئ بصوت مدوي ويسكت معها صوت احد المدافع ويلتقط خيري ذلك باذنه ويزيد من معدل نيرانه ويصرخ فيمن حوله بسرعه تلقيم الذخيرة ، وها هي طائرة تسقط محترقه من جراء دفعه مركزة من احد المدافع ويعلو صوت خيري صارخا بكل ما اوتي من قوة (( الله اكبر يا مصر )) فطائرات العدو لا تكف عن الضرب حوله ، ومن خلفه رجال المشاه والرائد مصطفي يتابع خيري ، الموقع كله يتابع خيري وهو يقاتل بكل خلاياه .
وفي السويس يكاد قائد الجيش ان يقفز من مكانه غاضبا لاعنا ، فالرادارات تلتقط موجات متتابعه من طائرات العدو تتجه نحو الجزيرة .
ورغم اسقاط طائرتين للعدو الا ان الغارة مازالت مستمرة وهاهي الثالثه تنفجر في الجو بما تحمله ، ويهلل الجميع في الموقع ويشتبك التكبير من الرجال مع طلقات المدافع المتبقيه ، وينسحب ما تبقي من الفانتوم بحمولته الكامله .
وبدأ الرجال يلتقطون انفساهم قليلا لكن ذلك لم يستمر كثيرا ، فالفانتوم انسحبت ليدخل مكانها تشكيل من طائرات سكاي هوك الاخف وزنا واكثر مناورة .
ويعود صوت عبد الحليم مع توقف الضرب لثوان
(( بلادي – بلادي – بلادي – مين غيري اللي هيفديكي ))
ويختفي صوت الاغنيه خلف طلقات صوت طلقات خيري التي خرجت لتعلن للوجود ان الموقع لن يسلم ولن يموت
لكن العدو الذي رضع مكرا وفطم علي الخداع ادرك ان دفاعات الجزيرة ليست بنفس القوة التي كانت عليها
فتحمس اكثر لكي يقضي نهائيا عليها في ذلك اليوم ، وتلقي طائرة بقنبله ثقيله من مسافه بعيده ، يرصد خيري القنبله ويحاول التصويب عليها بدون جدوي لتسقط خلف مركز القياده مباشرة وتنفجر لتهتز الجزيرة في عنف ويسقط الرجال من علي مدافعهم ويتوقف الضرب لثوان فالانفجار كان قويا، وسط الدخان الذي غلف الموقع ظهر صوت عبد الحليم مرة اخري
(( بلادي – بلادي – بلادي – هستشهد فدا اراضيكي ))
في نفس اللحظه كان العديد من الرجال يقابلون ربهم في اطهر وانبل ما يكون اللقاء ، فقد سقط جزء من برج الملاحظه وتهدم مركز القياده المتقدم ، وانهارت دشمه العياده علي من فيها من جرحي وافراد اسعاف .
وبعد ثوان من الصمت يعود خيري للضرب مرة اخري وسط الدخان الاسود الكثيف لكل بدون احكام تصويب ، ويسمع صوت مدفع اخر يضرب معه فيزيد من نيرانه .
وعلي شاطئ الخليج يتصل قائد الجيش من غرفه العلميات ومعه قائد التشكيل ويستفسر عن الموقف ، فقد انقطع الاتصال مع الموقع ويرد الدمنهوري (( قنبله تقيله ضرب وسط الموقع بس خيري لسه بيضرب )) لا يعلم الدمنهوري لماذا كان مدركا ان مدفع خيري هو الذي مازال يضرب تجاه طائرات العدو ، لكنه احساس قوي جدا
مازال خيري يطلق نيرانيه طوال الفترة الماضيه وقام بتغيير ماسوره مدفعه مره اخري ، وتأكد مع انقشاع الدخان انه تبقي مدفع اخر فقط معه للدفاع عن الجزيرة ، وطائرات العدو تأبي ان تترك سماء الموقع ، وتعالي صياح رجال المشاه في خيري لتحميسه ، واشتبكت عبارات الحماس مع عبارات الاشاده من الرجال ، وترقرقت الدموع من طاقم المدفع عندما أدركوا انه تبقي لهم في الدنيا ساعات ان لم تكن دقائق وكان كلماتهم اثناء الضرب تحمل نفس الاحساس ، فكل منهم يوصي الاخر بوصيه ينقلها لاهله ، ويأبي خيري ان يتلقي وصيه أحد ويصيح بصوت مسموع (( الشهاده يارب ))بينما عينيه لا تفارق دائرة التصويب وقدمه لا تكف عن الضرب
وعلي الطرف الاخر من الخليج وقف الدمنهوري وحوله العشرات من اهالي السويس يتابعون الجزيرة التي اختفت وسط الدخان والنار التي تملئ كل جناباتها .
أستمرت الغارة ساعتين كاملتين بلا توقف ، وخيري ورفاقه يستميتون في الدفاع عنها كأنها اخر موقع في مصر ، كانت هذه هي الروح التي ظهرت بعد النكسه والتي ولدت مقاتلين مؤمنين أقوياء مدربين جيدا علي اسلحتهم ، خلال الغارات صمت المدفع الاخر ، وتبقي مدفع خيري فقط يصدح بكل قوة ومن خلفه الرجال يشدون من ازر الرجال ، وتعاون رجال المشاه في امداد المدفع بالذخيرة
وأستغلت طائرات العدو ضعف دفاعات الموقع وبدأت في الهجوم الغاطس من ارتفاع عال واطلاق نيران مدافعها علي الموقع بصورة عشوائيه
وفجأه علا صوت الراديو مرة اخري ، لكن هذه المرة دب الفزع في كل اوصال خيري ، فهو لم يتوقف عن الضرب فلماذا توقف المدفع عن الضرب ؟، ادار عينه سريعا علي اجزاء المدفع فوجدها سليمه لكنه احس أيضا بسخونه في اعلي ساقه ، فنظر فأذا ساقه قد بترت من فوق الركبه من احد الشظايا المتطايرة ولم يحس الا مع توقف مدفعه عن الضرب .
تسمرت نظرات خيري ورفاقه علي باقي ساقه التي القيت فوق رمال الجزيرة بجوار المدفع ، الا ان خيري وبعزيمه واصرار عجيب ، انحني وبدأ يضرب بيده بينما يده الاخري تمسك بالمقود ، وذهل كل من يشاهد هذا المشهد ، فأحساسه بالغضب والحقد والكراهيه ورغبته في الانتقام والشهاده طفت علي اي احساس اخر بالالم يمكن ان يحس به .
واصل الضرب المتقطع وهو يصيح (( الله اكبر – الله اكبر – تحيا مصر ))
لم يكن من الممكن ان يحل احدا محله في ذلك التوقيت وسط طلقات طائرات العدو وقنابله التي انهمرت بغزارة ، فخرجت طلقاته متقطعه تائهه لكنها تعلن للعدو ان الموقع حي وان رجاله لن يستسلموا بأي حال من الاحوال، ومن خلفه كانت نظرات الاسي والتعاطف تضخ من عيون رجال المشاه لكنهم يعرفون خيري جيدا انه مقاتل لا يستسلم ابدا ، فواصلوا دعمه وتشجيعه
(( اضرب يا خيري ، اضرب يا وحش ، ماتخليهومش يقربوا منا ))
دارت احد طائرات العدو بالقرب من الجزيرة وهو ما لم يكن ممكنا لو كان خيري في حالته ، كانت الطائرة قريبه جدا لدرجه انه خيل الي خيري ان الطيار ينظر له ويبتسم ابتسامه المنتصر الشامت ، فتعالي الغضب داخله وانفجرت كل خلايا جسده تحاول ان تعمل بأكبر قدر ، وزاد معدل الضرب بينما النجمه السداسيه اللعينه ظاهرة لكل من في الموقع علي جناح الطائرة
في تلك اللحظه كان الدمنهوري علي اتصال بالقياده شارحا لهم ما يراه بنظاراته وكان علي يقين تام ان خيري هو من يقاتل الان طائرات العدو ، وكل من في غرفه عمليات الجيش تدعو للموقع بالنجاه ، فقد طغي احساس اليم بالعجز علي كل القاده جعلهم لا يملكون الا الدعاء .
دارت الطائره الاسرائيليه اللعينه حول الموقع وارتفعت لتبدأ هجومها ، ومن خلفها طلقات خيري ، ادرك طاقم مدفعه ان تلك الطائرة تحمل لهم الموت المحقق لكن احدا منهم لم يهرب او يحتمي ، بل استمروا في العمل وفي توجيه خيري وتحميسه
، ودارت الطائرة دورتها الكامله وتلاقت عيني خيري والطيار وكل منهم يحمل الموت للاخر ، مع الفارق الرهيب ان شهدائنا في الجنه وموتاهم في النار
الطائرة تقترب في سرعه واصبع الطيار مستعد علي زر الضرب ، وطلقات خيري تنفجر من حوله والعيون متقابله تحمل حقدا وكرها متبادلا ، وضغط الطيار مبتسما علي زر الاطلاق وسقطت القنبله وارتفع بطائرته خارجا من دائرة النيران .
شاهد الجميع القنبله تسقط وكتموا انفاسهم ، استمر خيري في الضرب علي الطائرة غير عابئ بالقنبله المتجهه له ، وفجأه يحس براحه غريبه وسكون عجيب ، مدفعه مازال يضرب والطائرة المعاديه تصاب في مقتل وهي تحاول الهرب ، لكن فجأه برزت امامه صورة محمد وسط السحاب ، لكنها ليست صورته المتشحه بالسواد في منزل عمه ، انها صورة محمد يبتسم له فاتحا ذراعيه راحه عجيبه تملئ كل جوانحه في صمت عجيب ملئ الموقع وبينما يده تطلق النيران بصورة اليه ، تختفي صورة محمد لتظهر له محلها صورة زوجته تحمل طفلا علي يدها وهي مبتسمه فيتعجب مما يراه وفجأه تختفي كل الصور والمشاهد والمدفع والجزيرة والحرب والدنيا كلها من امامه ، فقد انفجرت القنبله في مدفعه مفجرة المدفع ومحوله كل من عليه الي اشلاء ومخلفه انفجارا رهيبا وفجوة كبيرة بين الصخور .
وعلي الشاطئ الاخر شاهد الدمنهوري الانفجار وتبعه توقف الطلقات المضاده للطائرات ، فسقطت دموعه رغما عنه فقد ادرك ان خيري ورفاقه قد استشهدوا ، ووسط صدمه كل من حوله من اهالي السويس ، امسك بسماعه اللاسلكي وابلغ قيادته بأن دفاعات الموقع الجويه قد توقفت تماما .
نكس قائد الجيش وضباطه رؤسهم في حزن ، فهم يعلمون ان ارواحا كثيرة قد لاقت ربها في تلك الدقائق .
لكن الجزيرة لم تسقط رغم تدمير دفاعاتها الجويه ورغم غارات العدو الجويه التي استمرت فترة ضد كل شئ في الجزيرة
لم تسقط الجزيرة لان رجالها لم يتركوا طائرات العدو تنال من عزيمتهم او صمودهم ، صمدت الجزيرة حتي المغرب حيث بدأ تدفق الامدادت تحت جنح الليل ، وطبقا لاوامر القياده العامه للقوات المسلحه ، فقد تم تجميع قوات بديله لقوة الجزيرة ، واثناء الليل بدء تدفق الامدادات بغزارة وساعد علي ذلك هدوء حاله البحر .
كان الدمنهوري اول من نزل علي الجزيرة باسما كعادته من الخارج ، رافعا معنويات الرجال ، مشجعا ومشيدا بهم
كان اول انطباع له ان الموقع ضرب بسلاح نووي للدلاله علي حجم الدمار والخراب الذي حل بالموقع ، فبرج الملاحظه مدمر وكذلك مقر القياده المتقدم وعدد من الخنادق ردمت تماما ، وتدمرت ملاجئ اطقم المدافع وميس الطعام والعياده
وتناثرت اشلاء الشهداء في كل مكان ، كان المتبقي عددا قليلا من الجنود واطقم المدافع المصابين ، ومازال دخان الحرائق يتصاعد من بين فجوات القنابل وحرائق الدشم ، ورائحه البارود تملئ الجو ، فور نزوله علي الجزيرة تبعه عده جنود مهمتهم اخلاء الجرحي للنش سريعا ، تبعه عده لنشات تحمل جنودا ومدافع تبعا لاوامر القياده .
وبينما يصافح الدمنهوري الناجين من الغارة ، كان وجهه مبتسما لهم لكن عقله كان باحثا عن شخص بعينه ، لم يجده بين الاحياء او بين المصابين ، فسأل عنه وجاءه الخبر ، ومع الخبر قصه استشهاده خرافيه بالتفصيل لتطفو الدموع علي عينيه وتنهمر وهو يسمع كيف قاتل وكيف استشهد ، واضاف الجنود واصفين ما حدث بكل تفصيل ، واقسم احد الجنود انه لم يكن يصدق ذلك لولا انه رأه بعينيه ، ورغم كل احزانه الداخليه الا ان الدمنهوري ابتسم قائلا (( محدش يموت كده الا خيري ))
وقرب منتصف الليل رفع الرجال بقايا مدفع خيري من المياه الضحله وبجوارة وجدوا جثه خيري طافيه ، وعلي الفور أخبروا الدمنهوري فركض سريعا الي حيث اشار الجندي وبدأ مع الجنود يسحب الجثه من المياه ، ووضعه علي ظهرة علي الشاطئ ، وتفحص الدمنهوري ملامحه في صمت وخشوع ، فملامح خيري مبتسمه وعينيه تبرق كأنها تشاهد شيئا جميلا خلابا ووجه أبيض كالثلج ، فتساءل الدمنهوري في نفسه عن الذي رأه خيري في اخر لحظاته ليترك هذا الانطباع الرائع علي وجهه ، وبهدوء اغلق عينيه وهو يقرأ الشهاده بصوت مسموع ثم نزع السلسه التي تحمل رقمه العسكري ، وامر بأن يلف جسده بعلم مصر .
بعدها بدقائق تم استخراج بقايا جثث عبد الحميد وبولس ووحيد وتم اخلائهم الي اللنش سريعا مع رفاقهم الاخرين .
في اليوم التالي كان قرار الدمنهوري امام قائد الجيش (( انا اللي هبلغ اهله ، دي اقل حاجه لبطل زي خيري ))
وانطلق الي عزبه المراكبيه يحمل معه بقايا متعلقات خيري ، ويفكر بالطريقه التي سيبلغ بها اهله وخاصه زوجته التي لم تتزوج الا لثلاث أيام فقط ، لم يكن يعرف ماذا سيقول او كيف ، او بماذا سيبدأ ..............................
مرقت السيارة الي داخل عزبه المراكبيه وسأل السائق عن منزل خيري واشار له احد الفلاحين الي الطريق ، وبعد لحظات توقفت السيارة امام المنزل ، كان عم خيري هو اول من شاهد السيارة العسكريه وبعدها زوجته من نافذه المنزل ، لم يكن الامر يحتاج الي قول أي شئ ، فالقدر كان رحيما بالدمنهوري .
فتح العم باب المنزل ودخل الدمنهوري صامتا ، ووقف بعد الباب بخطوة كأنه يأبي ان يدخل ،وخرجت الام من احد الحجرات مستفسرة عما يحدث ، بينما الدمنهوري يمد يده بحقيبه خيري، لم يتمالك العم نفسه ولم تحتمله قدميه فسقط جالسا علي احد الارائك صامتا ممسكا بالحقيبه ، جال الدمنهوري بعينه سريعا في انحاء المنزل بينما العم يمسك بالحقيبه ويحتضنها في صمت ، لمح خيري فتاه في اوائل العشرينات فلابد انها زوجه خيري وهذه السيده العجوز المستفسرة والدته ،
بينما صورة خيري علي الحائط بملابسه العسكريه وجوارها صورة متشحه بالسواد ، (( اذن هذا الشهيد محمد )) هكذا قال عقل الدمنهوري
فيالحظ هذا البيت الذي يخرج منه اثنين من الشهداء الي الجنه
كانت اعين الزوجه والام متستفسرة حائرة صامته خائفه مما سيقوله لسان الدمنهوري ، وعندما رأو دموع العم وهو ممسك بحقيبه خيري ، دارت الدنيا بزوجته وحاولت ان تستند علي الحائط فأطاحت يدها بقنديل معلق علي الحائط ، فسقط متحطما علي الارض ، وجلست هي تمسك ببطنها في حنان ، فأدرك الدمنهوري علي الفور بأن هناك جنينا ينمو في احشائها ، بينما سقطت الام علي الارض مصدومه غير مصدقه ما لم يقله الدمنهوري ، فهرع اليها الدمنهوري ليسندها لتقوم ، وبينما يساعدها سألته بصوت مبحوح
(( يا بني هو مش كده برضه خيري يبقي شهيد ))
كان سؤال الام قاسيا وخارقا لكل دفاعات الدمنهوري الذي يحاول ان يكون متماسكا لابعد حد ، ففتح يد الام المكلومه ووضع بها سلسله الرقم العسكري في راحه يدها ، فسألته مرة اخري
فرد بصوت لا يكاد يخرج من حنجرته (( ايوة يا حجه ، خيري شهيد بأذن الله )) فنزلت دمعه سريعه من عينيها ورفعت يدها المرتعشه تجاه فمها واطلقت زغروده مبتورة انتهت بسرعه
ومن بين زغروده الام وبكاء الزوجه ، أجتاح الدمنهوري رغبه رهيبه في الهروب من المنزل ، فهو في موقف لا يستطيع تحمله وسط حاله الصدمه .
قالت الزوجه وسط دموعها المنهمرة وبلهجه يملئها التحدي والانتقام والرغبه في الثأر وهي تضع يدها علي بطنها
(( بأذن الله أبنه هياخذ بتارة وتار خاله وتار مصر كلها ))
كان ذلك قاتلا للدمنهوري ، كل ما يريده هو الخروج من المنزل ، وبصوت خافت استأذن للانصراف ، وبينما يهم بالانصراف أمسكت الام يده بقوة وسالته (( هو انت كنت تعرفه يا بيه ؟؟؟))
حدق في وجهه الام ومسح عده قطرات دمع ملئت وجهه ليفكر في الرد ، أراد ان يقول لها نعم ، كنت اعرفه جيدا ، وانه هو الذي صدق علي زواجه وتابع ترقياته وكان يعرف كل شئ عن محمد ، فعمله يحتم عليه معرفه كل شئ عن خيري ،
لكنه وبصوت منكسر حزين قال لها (( لا يا حاجه للاسف مكنتش اعرفه ))
وانطلق خارجا من المنزل والالم يعتصرة ، وامر السائق بأن ينطلق بينما الدمع ينهمر من عينيه في هدوء مبللا نافذه السيارة .
النهايه
احمد عبد المنعم زايد
7 يوليو
2005