-10-
تحرك التاكسي اللندني خارجاً من "كارلايل سكوير" إلى "كنجزرود" يدرج على مهل في طريقه إلى مطار (هيثرو). ومن داخله كان الدكتور نادر وإلى جانبه تاج ينظران إلى الشوارع المكسوة بالثلج، وإلى السيارات وهي تخوض الوحل البارد، وتلقي به على الأرصفة.
كان الثلج قد تساقط الليلة السابقة، وتراكم على سطوح البيوت وحيطان الحدائق المنزلية القصيرة وظهور السيارات الواقفة.
وكان المارة يخوضون المزيج المتذاوب بأحذية المطاط الشتوية بحذر بالغ خوف الانزلاق.
والتفتت تاج إلى الدكتور نادر:
- هل أنت نادم على مغادرة لندن؟
فمط شفته السفلى، ثم قال:
- لندن كالزواج، من فيها يريد الخروج منها، ومن خارجها يريد الدخول إليها.
واتسعت عينا تاج، ووضعت يدها على صدرها في مفاجأة واندهاش.
- أهذه فكرتك عن الزواج؟
- لا يا آنسة، هذا مثل فقط!
- لا أريد أن أقول إنه تعريف متشائم، ولا أعتقد أنه صحيح بالنسبة لجميع الزيجات.
وابتسم الدكتور نادر ففركت يديها، وهي تقول في مرح صبياني يعجب الدكتور نادر:
- بعد بضع ساعات ستشرق الشمس ثم لا تغرب إلا في الليل!
ثم أضافت:
- في لندن تشرق الشمس غاربة!
ونظر الدكتور نادر إليها بافتتان أخجلها.
قامت النفاثة الضخمة في الميعاد تاركة وراءها مدارج مطار "هيثرو" تلمع من بلل الثلج الذائب، وارتفعت شبه عمودية إلى عنان السماوات تجر وراءها ذيلاً مستقيماً من البخار والزئير الحاد.
أطلَّ الدكتور نادر من النافذة، عبر صدر تاج الناهد، لينظر إلى النفاثات الضخمة الجاثمة على أرض المطار وهي تبتعد لتصبح كلعب من الورق الفضي.
ووقع بصره على صدر تاج منعكساً شكله على ضوء السماء الداخل من النافذة المستديرة، فرآها عارية كما كانت في حلمه الغريب. ونش العرق جبينه، وكادت تضبطه تاج، وهو يحملق في صدرها وفي عينيه رعب، فأشاح بوجهه في اللحظة المناسبة، وكأنما أحست هي بما كان يجول في ذهنه، فوضعت يدها الدقيقة الأصابع على صدرها بحركة بناتية لا إرادية.
ومرت مضيفة برزمة جرائد ومجلات، فتناولت تاج جريدة ومجلة. وحرك هو رأسه بالنفي، وهو يضغط على الزر، ويدفع الكرسي بظهره إلى الوراء ويغمض عينيه.وفسخت تاج حزامها، وسهمت بعينيها نحو الغرب.
كانت الشمس على وشك الغروب حمراء كبيرة، أسفلها غارق في ضباب أزرق تجر تحتها ذيلاً ذهبياً فوق صفحة المحيط.
ورغم ارتفاع الطائرة فقد ظلت حجوم الأشياء وأضواء القرى تبدو واضحة متلألئة كالجواهر في منجم طين أسود.
ولم يفق الدكتور نادر إلا على صوت الوصيفة تسأله هل يريد عشاءه. فاعتدل في كرسيه ونظر من النافذة نحو الأفق الغربي. كان الشفق ما يزال يلون الفضاء بلون القرمز والبنفسج. وفي الشرق كانت النجوم تلمع كبيرة في خميلة من السندس الداكن.
الطائرة ضاربة بأجنحتها الضخمة في عرض الفضاء وقوراً شامخة الأنف.
وهدأت الحركة داخل الطائرة بنهاية العشاء. وانطفأت الأنوار إلا ما كان من المصابيح الفردية فوق رؤوس من فضلوا القراءة والكتابة.
ودخلت الطائرة سماء الصحراء تاركة وراءها المدائن والأضواء. واختفت علائم الأنس البشري، وحلقت السمكة الفضية سابحة بين فيافي السماء والصحراء كجرم من الأجرام السماوية.