الفصل الثاني

7 0 00

الفصل الثاني

كنيسة الله

كان فوني يعمل بالخشب، أمامه على طاولة العمل قطعة خشب ملساء بنية اللون. قرر أن يصنع تمثالاً نصفياً لي. الحائط مليء بالرسوم التخطيطية. وأنا لست هناك.

أدواته على الطاولة. وهو يتحرك حول الخشب، وجِلاً. لم يكن يرغب بلمسه. يعرف أنه يتوجب عليه أن يفعل، لكنه لم يكن يرغب أن يشوه هذا الخشب. حدق وحدق، كان على وشك الصراخ. تمنى لو أمكن للخشب أن يحدثه. كان بانتظار أن ينطق. ولن يستطيع الحراك قبل أن يسمعه ينطق. كنت مسجونة في مكان ما داخل صمت ذلك الخشب، وكذلك هو.

أخذ إزميلاً، ثم أعاده. أشعل سيجارة، جلس على كرسي عمله، حدق، عاد وأخذ الإزميل.

وضعه وذهب إلى المطبخ ليصب لنفسه كأساً من البيرة. عاد ومعه البيرة. جلس ثانية على كرسي عمله، وحدق في الخشب.

حدق الخشب فيه بدوره.

قال فوني: «أيها الأبله.»

أخذ الإزميل ثانية، ودنا من الخشب المنتظر. لمسه بيده بعناية فائقة، ربت عليه. أصغى. وضع عليه الإزميل بحركة ضاغطة، وبدأ الإزميل يتحرك. وباشر فوني.

ثم صحا.

كان وحده في الزنزانة، في الطابق الأعلى من السجن. وهو وضع مؤقت. سينزلون به قريباً إلى زنزانة أكبر، مع آخرين. هناك دورة مياه في زاوية الزنزانة. كانت تصدر رائحة كريهة.

وفوني يصدر رائحة كريهة.

تثاءب، ملقياً بذراعيه خلف رأسه، واستدار، بعصبية، على الفراش الضيق. أصغى. لم يستطع أن يقدّر كم كانت الساعة، لكن هذا لا يهم. فالساعات متشابهة، والأيام متشابهة. نظر إلى حذائه، الملقى على الأرض إلى جانب الفراش، دون رباط. حاول أن يجد لنفسه سبباً يبرر وجوده هنا، سبباً ليتحرك، أو لكي لا يتحرك. كان يعلم أن عليه الإتيان بشيء ليحمي نفسه من الغرق في هذا المكان، كان يحاول ذلك كل يوم، ولكن دون جدوى. فلا هو يستطيع الارتداد إلى ذاته، ولا هو قادر على الخروج منها. إنه موقوف أخلاقياً، إنه هادئ، هادئ وخائف. نهض، مشى نحو الزاوية، تبول. لم تكن مجاري المياه تعمل جيداً، وهي ستفيض قريباً، وهو لا يعرف كيف يمكنه أن يتصرف حيال ذلك. إنه خائف، هنا وحده. لكنه خائف أيضاً من اللحظة التي سينتقل فيها إلى الأسفل، مع الآخرين، الذين رآهم في وقت الطعام، ورأوه. إنه يعرف من هم، ولو أنه التقاهم في الخارج، لعرف إذاً بماذا يتحدث إليهم. أما هنا، فهو لا يعرف شيئاً، إنه مغفل، إنه في منتهى الخوف. كان هنا تحت رحمة الجميع، بل حتى تحت رحمة هذا الحجر والمعدن. في الخارج، لم يكن يشعر أنه صغير. أما هنا، فقد اكتشف أنه صغير، صغير جداً، متناهٍ في الصغر. ولكن... هل سيكبر هنا؟

نظر من خلال الفتحة الصغيرة في باب الزنزانة إلى ما يمكن أن يراه من الممر. كل شيء ساكن وهادئ. لا بد وأن الوقت مبكر. تساءل إن كان هذا هو اليوم الذي سيؤخذ فيه للاستحمام. وفكر: سوف أسأل أحدهم اليوم، وبذلك أتذكر. علي أن أتذكر. لا يمكنني ترك نفسي هكذا. حاول أن يستعيد كل ما قرأه في حياته حول الحياة في السجن. لكنه لم يتذكر شيئاً. كان رأسه خاوياً، يرن مثل قوقعة، بصوت خالٍ من المعنى، لا أسئلة، لا أجوبة، لا شيء. كان يصدر رائحة نتنة. تثاءب ثانية، وتمطى، وبقوة كبيرة كبت صرخة، أمسك بقضبان النافذة العالية ونظر من خلالها إلى ما يمكن له رؤيته من السماء. ملامسة المعدن هدأت من روعه نوعاً ما، والحجر القاسي البارد الذي لامس جلده منحه شيئاً من الراحة. فكر بفرانك، والده. فكر بي. تساءل، ترى ماذا نفعل الآن، في تلك اللحظة بالذات. تساءل كيف يسير العالم، عالمه، بدونه؟ لماذا تُرك هنا وحيداً، حتى الموت ربما؟ كان لون السماء بلون المعدن. وسالت الدموع ببطء على وجه فوني، مسببة حكة في لحيته التي لم تحلق منذ أيام. لم يستطع استجماع دفاعه لأنه لم يجد لنفسه سبباً واحداً يبرر وجوده في هذا المكان.

عاد واستلقى على الفراش. بقي لديه خمس سجائر. وهو يعرف أنني سأجلب له السجائر هذا المساء. أشعل سيجارة، حدق في الأنابيب الممدودة في السقف. ارتعش. حاول أن يسيطر على روعه. يوم واحد آخر. لا ترهق نفسك به. فلتهدأ.

امتص السيجارة. انتعظ ذكره. ضربه من فوق بنطاله، بذهول. إنه صديقه الوحيد. أطبق أسنانه، وقاوم، لكنه شاب وهو يشعر بالوحدة، إنه وحيد. ربت على ذكره بلطف، مغمضاً عينيه، كأنه في صلاة، واستجاب ذكره القاسي، ملتهباً، تنهد وهو يمص سيجارته ثانية. هدأ، لكن يده لن تهدأ، ليس بمقدورها أن تهدأ. عض بأسنانه على شفته السفلى، لكن اليد لن تهدأ. خلع بنطاله وسحب الغطاء إلى ذقنه. لن تهدأ اليد، شدت، شدت، بحركة متسارعة، وفوني يهبط ويعلو. أوه. حاول أن لا يفكر بأحد، حاول أن لا يفكر بي، فهو لا يرغب أن يكون لي أية علاقة بهذه الزنزانة، أو بهذا الفعل. أوه. استدار، مرتفعاً، متلوياً، وبدأ بطنه يهتز. أوه. وتجمعت كمية كبيرة من الدموع وراء جفونه المطبقة. إنه لا يريد لهذا أن ينتهي. يجب أن ينتهي. أوه. أوه. أوه. رمى سيجارته على الأرض الحجرية، واستسلم كلياً، تخيل أن أذرعاً بشرية تحمله، تأوه، كان على وشك الصراخ، وتقوس ظهره بسبب ذكره المنتفخ والملتهب، وتصلبت أطرافه. أوه. لا يريد لهذا أن ينتهي. بل يجب أن ينتهي. تأوه. أمر لا يصدق. قَطَرَ ذكره، تدفق، تفجر على يده وبطنه وخصيتيه. وبعد فترة طويلة فتح عينيه فأطبقت عليه الزنزانة، بمعدنها وحجرها، لتنبهه أنه وحيد.

أنزلوه ليراني في الساعة السادسة.

تذكر أن يرفع سماعة الهاتف.

- «مرحباً!» وابتسم. «كيف حالك يا صغيرتي؟ قولي شيئاً.»

- « ليس لدي ما أقوله، كما تعلم. كيف حالك أنت؟»

قبّل الزجاج. وقبّلت الزجاج.

لكنه لم يكن على ما يرام.

- «سوف يأتي هيوارد ليراك غداً صباحاً. يظن أنه تمكن من تحديد موعد أكيد للجلسة.»

- «متى؟»

- «قريباً، قريباً جداً.»

- «ماذا تعنين بقولك قريباً؟ غداً؟ الشهر القادم؟ السنة القادمة؟»

- «وهل كنت لأقول لك يا فوني لو أن موعدها لم يكن قريباً؟ هل كنت لأفعل؟ كما أن هيوارد طلب مني أن أخبرك.»

- «قبل أن يأتي الطفل؟»

- «آه، نعم، قبل أن يأتي الطفل.»

- «ومتى يتوقع ذلك؟»

- «قريباً.»

وهنا تغير وجهه، وضحك. ورفع إحدى قبضتيه في إشارة تهديد مازحة.

- «وكيف حاله؟ الطفل؟»

- «نشيط وهو يركل. صدقني.»

- ضحك ثانية وقال: «سوف أضربك على مؤخرتك، هاه؟ تيش العجوز.»

وتغير وجهه ثانية، وأشرق إشراقة أخرى، كان جميلاً جداً.

- «هل رأيت فرانك؟»

- «نعم. إنه يداوم وقتاً إضافياً طويلاً. سوف يزورك غداً.»

- «سوف يأتي معك؟»

- «لا. سيأتي مع هيوارد، صباحاً.»

- «كيف حاله؟»

- «إنه بخير، يا صغيري.»

- «وأختاي الجذابتان؟»

- «كما هما دائماً.»

- «ألم تتزوجا بعد؟»

- «لا فوني، ليس بعد.»

انتظرت السؤال التالي:

- «وأمي؟»

- «لم أرها. أحوالها عادية. يبدو أنها بخير.»

- «لم يقض عليها قلبها الضعيف بعد، هاه؟ هل عادت أمك من بورتوريكو؟»

- «ليس بعد. لكننا نتوقع وصولها في أية لحظة.»

تغير وجهه ثانية.

- «لكن إن أصرت تلك الفتاة على القول بأنني من اغتصبها، فإن بقائي هنا سيطول مجدداً.»

أشعلت سيجارة، وأطفأتها. تحرك الطفل، كأنه يحاول أن يلقي نظرة خاطفة على فوني.

- «أمي تظن أن باستطاعة هيوارد أن يدحض شهادتها. فهي تبدو امرأة هيستيرية. وتعمل عاهرة بدوام جزئي. وبكل الأحوال فإن ذلك لا يخدمها في قضيتها. وأنت كنت الشخص الأسود الوحيد في صف الرجال ذلك الصباح. كان هناك بعض الأشخاص البيض، وبورتوريكي وزوج من الإخوة ببشرة بنية فاتحة. لكنك كنت الرجل الأسود الوحيد.»

- «لا أدري إلى أي حد يمكن لذلك أن يفيد.»

- «حسن، إنه يفيد في أمر واحد، وهو إلقاء القضية خارج المحكمة. هي ادعت أنها اغتصبت من قبل رجل أسود، وهكذا فقد وضعوا رجلاً واحداً أسود في صف من الأشخاص الفاتحين. مما يجعل من البديهي أن تقول بأنك أنت من اغتصبها، إذا ما كانت تبحث عن شخص أسود، لأنه لا يمكن أن يكون أياً من الآخرين.»

- «وماذا عن بيِل؟»

- «حسن، سبق له وأن قتل طفلاً أسود، كما أخبرتك من قبل. وهيوارد سوف يعمل على إخبار هيئة المحلفين بذلك.»

- «اللعنة. لو عرفت هيئة المحلفين، لأعطته وسام استحقاق. فهو يحافظ على أمن الشوارع.»

- «فوني، لا تفكر بهذه الطريقة. صغيري. لقد اتفقنا عندما بدأت هذه المشكلة، أن علينا أن نسايرها يوماً بيوم، فلا نفقد أعصابنا، ولا نفكر إلى مدى بعيد جداً. أنا أفهم بالضبط ما تعنيه، حبيبي، ولكن لا فائدة من التفكير بالأمر بهذه الطريقة.»

- «هل تشتاقين إلي؟»

- «آه. يا إلهي. نعم. لهذا عليك ألا تفقد أعصابك. إنني أنتظرك، والطفل ينتظرك!»

- «أنا آسف يا تيش، آسف. سوف أستجمع أعصابي، سأفعل بالتأكيد. لكن الأمر يكون صعباً في بعض الأحيان، لأنني أجلس هنا دون أن أقوم بأي عمل، تعلمين؟ وهناك بعض الأمور التي تعتمل في داخلي ولا أفهمها؛ بدأت مثلاً أرى أشياء لم يسبق لي أن رأيتها. ولا أجد أية كلمة تصف هذه الأشياء. وأنا خائف. أنا لست صلباً كما كنت أظن نفسي. أنا أصغر مما كنت أظن. لكنني سأستجمع قواي. أعدك، أعدك يا تيش. عندما أخرج، سوف أكون أفضل مما كنت قبل أن أدخل. أعدك. أعرف ذلك يا تيش. ربما كان علي أن أرى شيئاً ما كنت لأراه لولا دخولي إلى هنا. ربما. لعل الأمر هكذا. آه. تيش، هل تحبينني؟»

- «أحبك. أحبك. عليك أن تعرف أنني أحبك، تماماً كما تعرف أن هذا الشعر المزبئر ينبت فوق رأسك.»

- «هل أبدو بغيضاً؟»

- «حسن. أتمنى لو ألمسك بيدي. إنك تبدو لي جميلاً.»

- «أنا أيضاً أتمنى لو ألمسك بيدي.»

وعم الصمت، أخذنا نتأمل بعضنا. وبينما كنا ننظر إلى بعضنا انفتح الباب وراء فوني، وظهر الرجل. إنها اللحظة الأسوأ دائماً، عندما يكون على كل منا أن يقف ويستدير. كان فوني هادئاً. وقف، ورفع يده. ابتسم ووقف هناك للحظة، مركزاً نظره بـشدة في عيني. وانتقـل شيء ما من لدنه إلي، إنه الحب والشجاعة. نعم. نعم. سوف ننجز ذلك، بطريقة ما. بطريقة ما. وقفت، وابتسمت، ورفعت يدي. استدار هو نحو الجحيم. ومشيت أنا باتجاه الصحراء الكبرى.

هناك في هذا العالم حالات كثيرة يحكمها سوء التقدير. فمكتب نيابة المقاطعة، وجهة الادعاء، والمحكمة - أي كل الناس الذين يقفون ضد ألونزو هانت - تمكنوا مجتمعين من إقصاء وإبعاد أو إرهاب كل شاهد لصالح ألونزو هانت. لكن هذا كله ذهب هباءًً، وذلك بناء على ما أخبرتنا به شارون النحيلة في الليلة التي استعارت فيها إرنيستاين سيارة الفنانة لإحضار أمي من مطار كينيدي:

«انتظرت هناك يومين آخرين. قدرت أن الأمور لا ينبغي أن تسير بهذه الطريقة. لا يمكن أن تأخذ معالجة المسألة هذا المنحى. لكن جيم قال إن هذا جائز، لا بل أن الأمور لا بد لها من أن تأخذ هذا المنحى. كانت القصة قد انتشرت حينها في كل أرجاء الجزيرة، وعرف بها الجميع. وأصبح جيم يعرف عن القصة أكثر مما أعرف أنا نفسي. قال إنني كنت ملاحقة في كل مكان، وفي إحدى الليالي حين كنا في السيارة، أثبت لي ذلك. سأخبركم عن ذلك فيما بعد.»

وجه أمي: هي أيضاً، كانت قد رأت شيئاً لم يسبق لها أن رأته قبل ذهابها إلى بورتوريكو.

- «لم يعد بإمكاني التجول في المدينة. أصبح جيم عملياً، بمثابة حارس لي في اليومين الأخيرين. كانوا يتعرفون على سيارته أكثر مما يتعرفون عليه شخصياً، لا أدري إن كنتم تفهمون ما أعني. فقد تعود الناس على معرفة الخارج أكثر من معرفتهم بالداخل. فإذا ما رأوا سيارة جيم قادمة، فهذا إذن هو جيم. لم يكونوا ينظرون إلى الداخل.»

وجه شارون: ووجه جوزيف.

- «لهذا، فقد استعار سيارة من شخص آخر. وبهذه الطريقة، لم يعودوا يعرفونه حين يكون قادماً. لكنهم مع الوقت أصبحوا يرونه، فلم يجدِ ذلك نفعاً، طالما أنه ليس معي. إنه جزء من المكان، كالبحر، كأكوام القمامة، لقد ألفوه طيلة حياتهم، ولا حاجة بهم للنظر إليه. لم يسبق لي أن فكرت بأمر كهذا من قبل. ربما كانوا لا يجرؤون على النظر إليه، مثلما أنهم لا ينظرون إلى مقالب القمامة، ومثلما أنهم لا ينظرون إلى أنفسهم، ومثلما أننا لا ننظر إلى أنفسنا. لم يسبق لي أن فكرت بالأمر بهذه الطريقة من قبل. أبداً. أنا لا أتحدث الإسبانية، وهم لا يتحدثون الإنجليزية، لكننا على مقلب النفاية نفسه، وللسبب نفسه.»

نظرت إلي.

- «للسبب ذاته. لم يسبق لي أن فكرت بأمر كهذا من قبل. كل من اكتشف حقيقة أمريكا، يستحق أن يُساق إلى موطنه، ويبقى هناك مكبلاً بالسلاسل، حتى الموت.»

نظرت إلي ثانية.

- «أنت حصلت على هذا الطفل، هل تسمعينني؟» وابتسمت. ابتسمت. إنها قريبة جداً مني. وبعيدة جداً عني. - «لن نسمح لأحد أن يكبل هذا الطفل بالسلاسل. هذا كل ما في الأمر.»

نهضت، وأسرعت إلى المطبخ، ونحن نراقبها. لقد فقدت بعض وزنها. عادت وفي يدها جِن وعصير البرتقال. كنت أعرف أنها لم تكن قد أفضت بمكنون صدرها بعد. تبينت ذلك، لأنني شاهدتها وهي تصارع دموعها. إنها في النهاية، صغـيرة فعلاً.

- «على أي حال، كان جيم هـناك، كان هناك حين أبعدوا الفتاة، وكانت تصرخ؛ فقد أجهضت في تلك اللحظة. حملها بيترو بين يديه ونزل بها الدرج، وعندئذٍ بدأت تنزف.»

ارتشفت شرابها، كانت تقف أمام نافذتنا، وحدها.

- «أخذوها إلى الجبال، إلى منطقة تدعى بارانجويتاس. وقال جيم أنها لن تعود ثانية.»

سيحين موعد الجلسة، وجهة الادعاء تفتقد الشاهد الرئيسي. أما نحن، فكان لا يزال لدينا أمل ضعيف في دانييل. لكن، ليس بإمكان أحد منا أن يراه، حتى ولو كنا نعرف مكان تواجده. فقد نُقل إلى سجن في شمال الولاية. وكان هيوارد، الذي يتابع القضية، يحاول أن يجده.

هيئة الادعاء ستطلب التأجيل. ونحن نطلب فصل الدعوى بحجة سقوط التهمة. ولكن علينا أن نحضّر لحسم مسألة إطلاق السراح بكفالة. ولا ندري إن كانت المحكمة ستقبل به، أو إن كنا نستطيع طرح هذا الموضوع أصلاً.

قال جوزيف: «لا بأس،» نهض ومشى نحو النافذة، توقف إلى جانب شارون، لكن دون أن يلمسها. وقفا هناك يتأملان جزيرة الأمان في الشارع.

سأل جوزيف: «هل أنت بخير؟» وأشعل سيجارة وناولها إياها.

- «نعم. أنا بخير.»

- «إذن، لندخل. فأنت متعبة؛ لقد سافرت لفترة طويلة.»

قالت إرنيستاين بحزم: «تصبحون على خير.» وسارت شارون مع جوزيف باتجاه الصالة يحيط كل منهما الآخر بذراعه، متوجهين إلى غرفتهما. بطريقة توحي وكأننا نحن الآن أولياء أمرهما. وركل الطفل ثانية: الزمن!

سيكون وقع ذلك كله على فرانك مفاجئاً، بل كارثياً بالمطلق. كان على جوزيف أن ينقل إليه الأخبار بنفسه.

فضلاً عن ذلك، فإن عائلة هانت كانت تمرّ في تلك الفترة بظروف استثنائية تفترض من جوزيف أن ينقل الأخبار إلى كل من في المنزل.

ودون أن ينبس بكلمة، نجح في منعنا، أنا وإرنيستاين، من إرسال أية كلمة لعائلة هانت.

كان الوقت حوالي منتصف الليل.

السيدة هانت في السرير. أدريين وشييلا دخلتا لتوهما، وهما واقفتان في المطبخ بثياب النوم، تقهقهان وتحتسيان الأوفالتاين. مؤخرة أدريين كبرت قليلاً، أما شييلا فلا أمل منها بالمطلق. وقد قيل لشييلا أنها تشبه الممثلة التافهة ميرل أوبيرون، التي قابلتها في عرض "متأخر متأخر"، لذلك فقد قلمت حاجبيها لتكتسب المظهر نفسه، ولكنها أخفقت في الحصول على النتيجة المرجوة. فالفتاة أوبيرون كانت تتقاضى أجرها، على الأقل، لشبهها البغيض بالبيضة!

على جوزيف أن يكون على رصيف الميناء في الصباح الباكر، لذلك لم يكن لديه وقت ليضيعه، كما لم يكن لدى فرانك وقت يضيعه هو الآخر، إذ ينبغي عليه أن يبكر إلى مركز المدينة.

وضع فرانك كأساً من البيرة أمام جوزيف، وصب لنفسه القليل من النبيذ. أخذ جوزيف رشفة من كأسه، وأخذ فرانك رشفة من النبيذ. نظرا إلى بعضهما لبرهة وهما يصغيان إلى قهقهة الفتاتين في المطبخ. أراد فرانك أن يطلب إيقاف الضحك، لكنه لم يستطع رفع ناظريه عن عيني جوزيف.

قال فرانك: «إذاً؟»

- «استجمع قواك، فأنا سأصدمك بشدة. لقد تأجلت الجلسة لأن الفتاة البورتوريكية، قد فقدت طفلها، و يبدو أنها قد فقدت عقلها أيضاً، يا رجل. على كل حال، هي الآن في مكان ما في مرتفعات بورتوريكو، لا تستطيع الحراك، ولا يمكن لأحد رؤيتها، أي أنها لن تتمكن من المجيء إلى نيويورك حالياً، هناك استحالة في ذلك. لهذا، فقد طلبت المحكمة تأجيل الجلسة إلى أن تتمكن من المجيء.» لم ينبس فرانك ببنت شفة. قال جوزيف: «هل فهمت ما أقول؟»

ارتشف فرانك نبيذه، وقال بهدوء: «نعم. أفهم.»

كانا يسمعان صوت الفتاتين المنخفض في المطبخ، وكاد ذلك الصوت أن يثير جنونهما.

قال فرانك: «تريد إخباري بأنهم سيحتفظون بفوني في السجن إلى أن تعود تلك الفتاة إلى رشدها.» عاد ليرتشف نبيذه، وهو ينظر إلى جوزيف. وتابع: «أليس كذلك؟»

وبدأ شيء ما في ملامح فرانك يبعث الخوف في قلب جوزيف، لكنه لم يعرف ما هو.

- «حسن، هذا ما سيفعلونه. لكننا ربما نتمكن من إخراجه، بكفالة.»

لم يتفوه فرانك بكلمة. في حين أن قهقهة البنتين كانت ما تزال مسموعة من المطبخ.

- «وكم هو مقدار الكفالة؟»

- «لا نعرف. فهذا لم يتحدد بعد.» وارتشف البيرة. كان الخوف يتملك قلبه أكثر وأكثر، بغموض، ولكن بعمق.

- «ومتى سيتحدد ذلك؟»

- «غداً، أو بعد غد.» وكان عليه أن يتابع كلامه: «إذا...»

- «إذا ماذا؟»

- «إذا ما وافقوا على طلبنا، يا رجل. قد لا يسمحون لنا بدفع كفالة.» شيء آخر كان عليه أن يقوله: «إضافة إلى ذلك، وهذا ما لا أظن أنه سيحدث، ولكن من الأفضل أن نأخذه باعتبارنا من باب توقع الأسوأ، ربما يحاولون جعل تهمة فوني أشد، لأن الفتاة فقدت طفلها، ويبدو أنها فقدت عقلها أيضاً.»

صمت الرجلان، وما يزال ضحك البنات يتردد في المطبخ.

حكّ جوزيف إبطه وهو ينظر إلى فرانك، وشعور القلق يزداد لديه شيئاً فشيئاً.

وفي النهاية قال فرانك: «إذاً فقد هزمنا.»

- «ما الذي يدعوك إلى هذا القول؟ الأمر صعب، أوافقك على ذلك، لكنه لم ينته بعد.»

- قال فرانك: «آه، بل انتهى. أمسكوا به، ولن يتركوه إلا حين يكونوا جاهزين. وهم ليسوا جاهزين. ونحن ليس بوسعنا فعل شيء حيال ذلك.»

وبدافع من خوفه، أخذ جوزيف يصرخ: «بل سنفعل شيئاً حيال ذلك!» وسمع صوته يدوي مقابل الحائط، مقابل صوت ضحك البنات الآتي من المطبخ.

- «ما الذي يمكننا فعله حيال ذلك؟»

- «إن سمحوا لنا بالكفالة، سيتغير كل شيء.»

- «كيف؟»

- «يا رجل، أنا لا أعرف كيف! كل ما أعرفه هو أنه يتوجب علينا أن ننجح بذلك.»

- «وإذا ما رفضوا السماح لنا بالكفالة؟»

- «سوف نخرجه! بغض النظر عما يتوجب علينا فعله لإخراجه، فهذا لا يهمني!»

- «ولا يهمني أنا أيضاً! ولكن، ما الذي يمكننا فعله؟»

- «إخراجه. هذا ما علينا فعله. كلانا يعرف أن لا مبرر لوجوده هناك. وأولاد العاهرة الكاذبون أولئك، يعرفون ذلك أيضاً.» وقف، وهو يرتجف. وعم الصمت في المطبخ. «انظر. أعلم ما الذي تفكر به. إنك تفكر بأنهم أمسكوا بنا من يدنا التي تؤلمنا. صحيح. لكن هذا صغيرنا، لحمنا ودمنا. لحمنا ودمنا. لا أدري كيف لنا أن نحقق ذلك. كل ما أعرفه هو أنه يتوجب علينا أن نحققه. أنا أعلم أنك لست خائفاً على نفسك، ويعلم الله أنني لست خائفاً على نفسي أنا أيضاً. ذلك الفتى سيخرج من هناك، وهذا كل شيء. هذا أمر نحن المعنيون بإنجازه. وهذا كل شيء. وأول ما يجب علينا فعله يا رجل، هو أن لا نفقد أعصابنا. علينا أن لا نسمح لقميئي الوجوه، بيض المؤخرات، أولاد العاهرات هؤلاء بأن يستمروا في إلحاق الضرر بنا دون حساب.» هدأ، وارتشف البيرة. «يكفيهم، لقد طال بهم الزمن وهم يقتلون أبناءنا.»

نظر فرانك باتجاه باب المطبخ المفتوح، حيث كانت ابنتاه تقفان.

سألت أدريين: «هل كل شيء على ما يرام؟»

رمى فرانك كأس النبيذ على الأرض، فأصدر صوت رنين وتبعثر منكسراً. - «أيتها الحمقاوتان، ذاتي المهبلين الأبيضين العاطلين عن العمل، اغربا عن وجهي، اغربا عن وجهي. لو كنتما امرأتين حقيقيتين لبعتما العُسيل(*) في ساحة المدينة سعياً منكما لإخراج أخيكما من السجن بدلاً من السماح لأصحاب أنصاف المؤخرات أولئك، الشبيهين بالعصي، أن يحوموا حولكما وكل منهم يتأبط كتاباً. اذهبا إلى السرير! اغربا عن وجهي!»

راقب جوزيف البنتين. ولاحظ شيئاً غريباً جداً، شيئاً لم يفكر فيه قط: لاحظ أن أدريين تحب والدها حباً شديداً وصادقاً. إنها تعلم أنه يتألم. وتتمنى لو كان باستطاعتها أن تخفف عنه، لكنها لم تكن تعرف كيف. كانت تذكّر فرانك بوالدتها من حيث لا تدري.

ودون أن تنبس ببنت شفة، أسدلت نظرها وغادرت، لتلحق بها شييلا.

عم الصمت، كان يهيمن ويهيمن. وضع فرانك رأسه بين يديه. فبدا لجوزيف كم كان يحب ابنتيه.

ودون أن يتكلم فرانك، سقطت دموعه على الطاولة، وسالت فوق الساعدين اللذين غطى بهما وجهه. نظر إليه جوزيف، كانت الدموع تسقط من الساعدين إلى المعصمين، لتتناثر على الطاولة بصوت خفيف خفيف، لا يطاق. لم يعرف جوزيف ماذا يقول. وبعد:

قال: «لا وقت لدينا للبكاء يا رجل.» تجرع ما تبقى من البيرة. ونظر إلى فرانك. «هل أنت بخير؟»

قال فرانك أخيراً: «نعم. أنا بخير.»

قال جوزيف: «خذ قسطاً من النوم. علينا أن نتحرك في الصباح الباكر. وسأراك في المساء. هل فهمت؟»

قال فرانك: «نعم. فهمت.»

عندما علم فوني بأن الجلسة قد تأجلت، وعلم سبب التأجيل، والكارثة التي ألمت بفيكتوريا، وما يمكن أن يكون لها من أثر سيئ عليه، وكنت أنا من أخبرته بذلك، كانت ردة فعله غريبة جداً، كانت مدهشة تماماً. فهو لم يفقد الأمل، بل ازداد تمسكاً به.

وكان كل ما قاله: «لا بأس.»

كانت المرة الأولى التي أرى فيها عظام خديه ناتئة إلى هذا الحد. لعله قد فقد الكثير من وزنه فعلاً. نظر إلي بتمعن. عيناه واسعتان، عميقتان وداكنتان. كان مرتاحاً وخائفاً في آن معاً. تحرك، لم يذهب، تحرك فقط، ووقف في مكان لا يواجه المكان الذي كنت أقف فيه.

وسألني، محدقاً في بتينك العينين الجريئتين الواسعتين:

- «هل أنت بخير؟»

- نعم. أنا بخير.»

- «وهل الطفل بخير؟»

- «نعم. الطفل بخير.»

ابتسم. إنها صدمة إلى حد ما. سوف أرى دائماً ذلك الفراغ الذي خلفه السن الذي كان في فمه يوماً.

- «حسن، أنا أيضاً بخير. لا تقلقي. سوف أعود إلى البيت. سوف أعود إلى البيت، سأعود إليك. أريد أن آخذك بين ذراعي، وأريد لذراعيك أن يضماني. سوف أحمل طفلنا بيدي. سوف يتحقق ذلك. تمسكي بالإيمان.»

ابتسم ثانية، وتحرك كل ما بداخلي. آه. إنه الحب، الحب.

- «لا تقلقي. سوف أعود إلى البيت.»

ابتسم ثانية، وقف وحيّاني. نظر إلي بعمق، نظرة لم يسبق أن رأيت مثلها على وجهٍ قط. لمس قضيبه بسرعة، وانحنى فقبّل الزجاج، وقبّلت الزجاج بدوري.

تكشّف لفوني الآن سبب وجوده هناك، لِمَ زُجَّ به حيث هو الآن. صار يتجرأ الآن على النظر حوله. فهو هنا لذنب لم يقترفه. لطالما عرف ذلك، لكنه صار يعرفه الآن بطريقة مختلفة. في الوجبات، في الحمامات، أعلى وأسفل السلالم، في المساء، وقبل أن يعود الجميع فتقفل عليهم الأبواب مجدداً، كان ينظر إلى الآخرين، ويصغي: ما الذي ارتكبه هؤلاء؟ لم يفعلوا الكثير. أن تفعل الكثير يعني أن تملك القوة لتزج بكل هؤلاء في هذا المكان، وتحتفظ بهم حيث هم الآن. هؤلاء السجناء هم الثمن المستور لكذبة مستورة تقول بأن على المستقيمين أن يحلوا محل الملعونين. أن تفعل الكثير هو أن تملك القوة والرغبة الملحة لوعظ الملعونين. وفكر فوني، يمكن تحقيق ذلك، سواء أكنتَ في الداخل أو في الخارج. لا بأس. أفهم ذلك. يا أولاد العاهرة. لن تشنقوني أبداً.

كنت أجلب له الكتب، وكان يقرأ. ونجحنا بأن نحضر له الأوراق، ليرسم عليها رسوماً تخطيطية. وبما أنه يعرف الآن أين هو، فقد بدأ يتحدث إلى الرجال، ويمكن القول أنه بدأ يتعامل على أنه في بيته. كان يعلم أنه، في ذلك المكان، عرضة لأي شيء. وبما أنه كان مدركاً لهذا الأمر، فهو لا يستطيع تجاهله، كان عليه أن يواجهه، وأن يسخر منه أيضاً، عليه أن يلعب معه، عليه أن يكون جريئاً.

رفض أن يُغتصب، فأدى به ذلك إلى الزنزانة الانفرادية. وفقد سناً أخرى، ولعله يكون قد فقد عيناً أيضاً. شيء ما تحجر في داخله، شيء ما تغير إلى الأبد، وتجمدت دموعه في داخله. لكنه لم يعد يشعر باليأس. كان يصارع من أجل حياته. وكان وجه طفله يرتسم نصب عينيه. كان لديه موعد ينبغي عليه الالتزام به؛ لقد أقسم على أن يكون هنا لدى ولادة الطفل، يعمل ويكدح في الخراء.

رتب هيوارد إمكانية قبول الكفالة لفوني، إلا أن المبلغ كان باهظاً. وحلَّ فصل الصيف: الزمن!

وفي يوم لن أنساه ما حييت، أوصلني بيدروسيتو من المطعم الإسباني إلى البيت. جلست على الكرسي بثقل شديد شديد.

كان الطفل لا يتوقف عن الحركة، وكنت خائفة. فقد قارب موعد الولادة. كنت تعبة، إلى درجة أكاد معها أن أموت. مضى وقت طويل لم أتمكن خلاله من رؤية فوني لأنه كان في الزنزانة الانفرادية. وقد رأيته في ذلك اليوم. كان نحيلاً جداً، يعلوه عدد كبير من الكدمات، مما جعلني أكاد أصرخ. على من، وأين؟ رأيت هذا السؤال يرتسم في عيني فوني الواسعتين، المائلتين السوداوين، تينك العينين اللتين كانتا تلتهبان كعيني رسول. ومع ذلك، فحين ابتسم، عدت ثانية أرى وجه حبيبي، وكأنني أراه للمرة الأولى في حياتي.

قلت: «علينا أن نحظى ببعض اللحم لنغطي به عظامك. رحمتك يا رب!»

- «ارفعي صوتك. لعله لم يتمكن من سماعك.» لكنه قالها باسماً.

- «حصلنا تقريباً على المال الكافي من أجل كفالتك.»

- «توقعت ذلك.»

جلسنا، وكل منا يتأمل الآخر. كنا نمارس الحب عبر كل ذلك الزجاج والحجر والمعدن.

- «اسمعي. سوف أخرج قريباً. أنا قادم إلى البيت لأنني سعيد بعودتي. هل تفهمين ذلك؟»

نظرت إلى عينيه.

قلت: «نعم.»

قال: «أنا الآن صانع ماهر. كأي شخص يصنع الطاولات. أنا لا أحب كلمة فنان. لعلها لم ترُق لي قط. فقد ابتليت بعدم فهم معناها. أنا شخص لطالما عملت بيدي ما يخطر في ذهني الأحمق. لكنني أصبحت الآن أعرف معناها. أعتقد أنني أصبحت أتقن ذلك. حتى وإن مت. لكن لا أظنني سأموت، قريباً.»

كان بعيداً جداً عني. وهو معي، لكنه بعيد عني جداً. وسيبقى كذلك.

قلت: «أذهب معك إلى حيث تقودني.»

ضحك وقال: «صغيرتي، صغيرتي، صغيرتي، أحبك. وسوف أصنع طاولة لنا يأكل عليها الكثير من أقربائنا لوقت طويل من الزمن.»

عن الكرسي الذي كنت جالسة عليه، نظرت عبر النافذة، إلى كل تلك الشوارع المرعبة.

كان الطفل يسأل:

ألا يوجد بينهم من يحق الحق؟

ركل، ولكن بطريقة مختلفة كلياً، وعرفت أن موعدي قد حان. أذكر أنني نظرت إلى ساعتي: كانت الثامنة إلا ثلثاً. كنت وحيدة، لكنني أعرف أن أحداً ما سوف يأتي قريباً. عاد الطفل ليركل ثانية، وحبست أنفاسي، كنت على وشك أن أصرخ، وحينئذ رن الهاتف.

مشيت عبر الغرفة، ثقيلة، ثقيلة، ثقيلة، ورفعت السماعة.

- «ألو؟»

- «ألو.. تيش؟» وكانت أدريين.

- «كيف حالك أدريين؟»

- «تيش.. هل رأيت والدي؟ هل فرانك هنا؟»

وكاد صوتها أن يوقعني أرضاً. لم يسبق لي وأن شعرت بمثل هذا الخوف.

- «لا. لماذا؟»

- «متى كانت آخر مرة رأيته فيها؟»

- «لماذا. أنا لم أره. أعلم أنه قابل جوزيف. أما أنا فلم أره.»

كانت أدريين تنوح. وبدا ذلك مرعباً عبر الهاتف.

- «أدريين.. ما الأمر؟ ما الأمر؟»

أذكر أن كل شيء توقف في تلك اللحظة. توقفت الشمس عن الحركة، وتوقفت الأرض عن الدوران. كانت السماء تحدق نحو الأسفل، مترقبة. وضعت يدي على قلبي لأستعيد نبضاته.

- «أدريين! أدريين!»

- «تيش.. لقد طرد والدي من عمله، منذ يومين، قالوا بأنه كان يسرق، وهددوه بالسجن، وكان مضطرباً جداً، بسبب فوني، وبسبب كل شيء. جاء إلى المنزل وكان مخموراً، وقد تشاجر مع الجميع ثم غادر، ومنذ ذلك الوقت لم يره أحد منا. تيش.. ألا تعلمين أين والدي؟»

- «أدريين، صغيرتي، أقسم بالله، أنا لا أعرف. أنا لم أره.»

- «تيش، أنا أعلم أنك لا تحبينني..»

- «أدريين، أنا وأنت على خلاف، لكن لابأس، فهذا أمر عادي، وهو لا يعني أنني لا أحبك. وأنا بالتأكيد لن أفعل أي شيء يضير بك. فأنت أخت فوني. وحبي له يحتّم علي أن أحبك. أدريين؟»

- «هلا اتصلت بي إن رأيته؟»

- «نعم، نعم، نعم، بالتأكيد.»

- «أرجوك، أرجوك، أرجوك. فأنا خائفة.» قالت أدريين ذلك، بصوت خافت، وبنبرة مختلفة تماماً، وأغلقت الهاتف.

وضعت سماعة الهاتف وفتحت أمي الباب قادمة.

- «تيش، ما بك؟»

عدت إلى كرسيي وجلست عليه.

- «تلك كانت أدريين. إنها تبحث عن والدها. وهي تقول أنه قد طرد من عمله، وأنه كان مضطرباً جداً. وأدريين، تلك الطفلة المسكينة، كانت تبدو وكأنها تتمزق حزناً. ماما»

نظرنا إلى بعضنا، كان وجه أمي هادئاً هدوء السماء.

«هل رآه والدي؟»

- «لا أدري. لكن فرانك لم يأت إلى هنا.»

وضعت حقيبتها فوق جهاز التلفاز وجاءت نحوي ووضعت يدها على جبيني.

- «كيف تشعرين؟»

- «أنا متعبة. شعور غريب.»

- «هل أجلب لك القليل من البراندي؟»

- «نعم. شكراً. ربما تكون فكرة جيدة. لعلها تساعد في تهدئة معدتي.»

ذهبت إلى المطبخ وعادت ومعها البراندي، ووضعته في يدي.

- «معدتك مضطربة؟»

- «قليلاً. ولكنها ستهدأ.»

ارتشفت البراندي، ونظرتُ إلى السماء. راقبتني برهة، ثم ذهبت ثانية. نظرتُ إلى السماء. بدت كأن لديها ما تقوله لي. كنت في مكان غريب، وحيدة. كان كل شيء هادئاً، حتى الطفل كان هادئاً.

عادت شارون.

- «هل رأيت فوني اليوم؟»

- «نعم.»

- «وكيف حاله؟»

- «إنه جميل. لقد ضربوه، لكنهم لم يصرعوه، لا أدري إن كنت تفهمين ما أعني. إنه جميل.»

لكنني كنت متعبة جداً. أذكر أنني كنت بالكاد أستطيع الكلام. شيء ما كان على وشك أن ينتابني. هذا ما شعرت به وأنا جالسة على ذلك الكرسي، أنظر إلى السماء، عاجزة عن الحركة. كل ما كان باستطاعتي فعله هو الانتظار.

إلى أن يأتيني التحول.

قالت شارون وهي تبتسم: «أظن أن إرنيستاين قد حصلت على المبلغ المتبقي من المال، من الفنانة.»

وقبل أن أتمكن من الرد، رن جرس الباب، وتوجهت شارون لتفتح. شيء ما في صوت شارون عند الباب جعلني أقف وأسقط كأس البراندي على الأرض. لا زلت أذكر وجه شارون، كانت تقف خلف والدي، وأذكر وجه أبي.

أخبرنا بأنهم عثروا على فرانك، بعيداً بعيداً في النهر، في الغابة، جالساً في سيارته، والأبواب مقفلة، والمحرك مُدار.

جلست على مقعدي.

- «هل عرف فوني؟»

- «لا أظن. ليس بعد. لن يعرف حتى الصباح.»

- «علي أن أخبره.»

- «لن تتمكني من الذهاب إلى هناك حتى الصباح يا ابنتي.»

جلس جوزيف.

سألتني شارون بحدة: «كيف تشعرين يا تيش؟»

فتحت فمي لأقول: لا أدري، لكنني لم أتمكن من التقاط أنفاسي. غاب كل شيء سوى عيني أمي. تواصلٌ لا يصدق شحن الهواء بيننا. ثم، كل ما استطعت رؤيته كان فوني. ثم صرخت، وحان موعدي.

فوني يعمل بالخشب، بالحجر، يصفّر، مبتسماً. و.. من البعيد.. مقترباً شيئاً فشيئاً، كان الطفل يصرخ ويصرخ ويصرخ ويصرخ ويصرخ ويصرخ ويصرخ ويصرخ، يصرخ كأنه يتعمد إيقاظ الميت.