الفصل الأول

8 0 00

الفصل الأول

قلقة حول روحي

أنظر إلى نفسي في المرآة. أعرف أنني عُمِّدت باسم كليمنتاين، وهذا يجعل مخاطبة الناس لي بـ «كليم»، أو حتى باسمي «كليمنتاين»، أمراً اعتيادياً ومفهوماً. لكنهم لم يعتادوا على مخاطبتي بهذا الاسم، بل ظلوا ينادوني: تيش. وهذا، حسب ظني، له دلالة أيضاً. إنني متعبة، وقد بدأ يتملكني اعتقاد بأنه ربما كان لكل ما يحدث من حولنا دلالة خاصة. إذ كيف له أن يحدث دون أن يكون له معنى؟ لكن هذه الفكرة رهيبة حقاً، ولا يمكن أن تنجم إلا عن قلق ـ قلق بلا معنى.

ذهبت اليوم لرؤية فوني. وهذا ليس اسمه أيضاً، فقد عُمِّد باسم ألونزو، مما يجعل من المألوف أن يناديه الناس بـ «لوني». ولكن، لا، فقد تعودنا على مناداته بـ فوني. ألونزو هانت، هذا هو اسمه. عرفته طيلة حياتي، وأتمنى أن تدوم هذه المعرفة إلى الأبد. لم أكن أناديه باسمه «ألونزو» إلا حين أكون مضطرة لأن أنقل إليه نبأً سيئاً.

واليوم، قلت له: «ألونزو!»

ونظر إلي تلك النظرة الخاطفة التي كان يرميني بها كلما ناديته باسمه.

إنه في السجن. وهنالك تم هذا اللقاء بيننا. كان جالساً على كنبة وأمامه طاولة، وكنت أنا جالسة على كنبة أيضاً وأمامي طاولة، يفصل ما بيننا جدار زجاجي. وقد درجت العادة أن يكون أمامك جهاز هاتفي وأمام الشخص الذي تكلمينه خلف الزجاج جهاز هاتفي آخر تتكلمان عبرهما. لا أدري لمَ درج الناس على خفض بصرهم إلى الأسفل عندما يتحدثون على الهاتف، لكنهم يفعلون ذلك دائماً. أما هنا، فعليك أن تتذكري بأنك مضطرة إلى أن تنظري إلى الشخص الذي تتحدثين إليه.

من جهتي، بتُّ أنتبه لهذا الأمر؛ لأن ألونزو في السجن، وأنا أحب عيني ألونزو، وفي كل مرة أراه يساورني الخوف بأن لا أراه ثانية. وهكذا، رفعت سماعة الهاتف ما إن جلست على مقعدي. رفعتها فقط، وأخذت أتأمله.

وحين قلت: «ألونزو»، نظر نحو الأسفل، ثم رفع نظره وابتسم وحمل سماعة الهاتف ولبث صامتاً.

لا أتمنى لأحد في العالم أن ينظر إلى من يحب عبر الزجاج.

لم أكن أعني شيئاً حين لفظت اسمه. فقد لفظته بعفوية خالصة، بحيث لا أزعجه، وبحيث يفهم بأنه لا يخامرني ظل من الاتهام نحوه.

أنا أعرفه تماماً. فهو يحمل قدراً عالياً من عزة النفس، كما أنه يحمل الكثير من الهواجس أيضاً. وعندما أفكر بذلك، تنجلي أمام عيني الحقيقة التي تبين بأن هذا هو السبب الأهم وراء وجوده في السجن، أما هو فلا يعتقد ذلك. ولأنه ذو طبيعة قلقة متوجسة، فأنا لم أكن أريد أن أثير قلقه علي. كنت في الحقيقة مترددة في قول ما كان خليقاً أن أقوله له. لكنني اعتقدت بأن علي قوله. ينبغي أن يعرف.

فكرت أيضاً، بأنه حين يتخلص هواجسه، أي وهو راقد في فراشه خلال الليل، وحيداً مع نفسه، غائصاً في أعماق سريرته، مفكراً بالأمر، فإن ذلك سيمنحه سعادة، ولعله يؤنسه في وحشته.

قلت له: «ألونزو، سيكون لدينا طفل.»

نظرت إليه. وابتسمت. بدا وجهه كأنه يغوص في الماء. لم يكن في طوقي أن أعانقه. كانت لدي رغبة جارفة بأن ألمسه. ابتسمت ثانية وتعرقت يداي فوق سماعة الهاتف. تلت ذلك لحظة لم يعد بمقدوري خلالها أن أراه. هززت رأسي، كان العرق يتصبب فوق وجهي وقلت: «أنا سعيدة بذلك يا ألونزو. سعيدة به. المهم أن لا تقلق أنت. فأنا سعيدة جداً».

غير أنه كان قد نأى بتفكيره عني، نأى كلياً. انتظرته أن يعود. ولمحت السؤال يلتمع في عينيه: «طفلي؟» كنت أعرف بأنه سيفكر بهذه الطريقة. لا أعني أنه كان يرتاب بي. لكن من عادة الرجال أن يفكروا بهذه الطريقة. وخلال اللحظات التي يعيشها هنا، وحيداً، بعيداً عني، سيكون الطفل هو الحقيقة الوحيدة في العالم بالنسبة إليه، سيكون حقيقياً أكثر من السجن، وأكثر مني.

لا بد من القول بأننا لسنا متزوجين. كان ذلك يشغله أكثر مما يشغلني. كنت أفهم كيف يشعر. كنا نتهيأ للزواج، حين اعتقل.

كان فوني في الثانية والعشرين. وكنت أنا في التاسعة عشرة.

ثم طرح ذلك السؤال الأبله: «هل أنت متأكدة؟»

- «لا، لست متأكدة. أحاول فقط أن أعبث بأفكارك!»

ابتسم ابتسامة عريضة. أشرق وجهه بتلك الابتسامة، لأنه حينئذ تأكد من الأمر.

سألني بِحَيرة طفل: «ماذا سنفعل؟»

- «حسناً، بما أننا لن نتخلص منه، فأنا أظن أننا سنربيه.»

رجع فوني برأسه إلى الوراء، وضحك. ضحك حتى سالت دموعه. وعرفت حينئذ أن الشطر الأهم الذي كان يقلقني، قد مرّ بسلام.

سألني: «هل أخبرت فرانك؟»

وفرانك هو والده.

قلت: «ليس بعد.»

- «هل أخبرت أهلك؟»

- «لم أخبرهم حتى الآن. ولكن لا تقلق بشأنهم. أردت أن أخبرك أنت أولاً.»

قال: «حسناً، إنه لأمر جيد. طفل!»

نظر إلي. ثم خفض بصره. «ماذا ستفعلين، إذن؟»

- «سأستمر فيما أنا عليه. سأمضي في المواظبة على عملي حتى الشهر الأخير. ثم أضع نفسي تحت رعاية أمي وسيس. لا تقلق أنت. وعلى أي حال، فأنت ستكون عندنا قبل ذلك الحين.»

- «أواثقة أنت من ذلك؟»

- «بالطبع، أنا واثقة من ذلك. ولطالما كنت واثقة.»

عرفت ما الذي كان يدور في خلده، لكن لم يكن بمقدوري أن أظهر شعوري الحقيقي ـ ليس الآن، إذ عليّ أن أبدو واثقة فيما أنا أراقبه.

ظهر الرجل خلف فوني. لقد انتهى وقت الزيارة. ابتسم فوني، ورفع يده، كالعادة، ورفعت أنا يدي، ثم وقف. كنت ما أنفك أشعر بشيء من المفاجأة وأنا أراه هنا داخل السجن. كان طوله يفاجئني دائماً. لقد فقد بعض وزنه بالطبع ، ولعلّ ذلك ما جعله يبدو أطول أمام عينيّ.

استدار وخرج عبر الباب، الذي أقفل وراءه.

شعرت بالدوار، لم أكن قد تناولت طعاماً طيلة اليوم، وقد أصبح الوقت متأخراً الآن.

مشيت خارج جدران السجن، ورحت أسير في تلك الممرات العريضة التي أثارت تقززي. كانت أعرض من الصحراء الكبرى. ليست الصحراء مقفرة أبداً، وهذه الممرات ليست مقفرة أيضاً. إذا ما عبرت الصحراء الكبرى، وسقطت بعد أن أعياك المسير، أحاطت بك حلقة من النسور بعد فترة وجيزة، شاعرة بموتك بعد أن شمت رائحته. تنخفض نحوك شيئاً فشيئاً، وتنتظر؛ فهي تعرف، يعرفون بالضبط متى يصبح اللحم جاهزاً، ومتى تعجز الروح في صراعها الأخير. وبالطريقة نفسها يعبر الفقراء صحراء الحياة الكبرى باستمرار. ليتحلق حولهم المحامون والكفلاء وكثيرون آخرون، يتحلقون حولهم كما تفعل النسور تماماً. والحق أن هؤلاء ليسوا أغنى من الفقراء؛ لهذا فقد تحولوا إلى نسور، إلى حيوانات تقتات بالقمامة، إلى رجال تافهين بذيئين. ولا أستثني الزنوج من وصفي هذا، فهم في كثير من الأحيان، يفوقون هؤلاء التافهين سوءاً في عدة نواحي. ربما كنت سأشعر بالخزي قليلاً، لولا أنني أمعنت التفكير، وانتهيت إلى أن شعوراً كهذا لن يساورني قط. ولا أدري إذا كنت سأمتنع عن فعل أي شيء من أجل إخراج فوني من السجن. لم يسبق لي أن صادفت هنا أحداً يشعر بالخزي، وأقصد خزياً استثنائياً كالذي كنت أقاومه، سوى أولئك السيدات السوداوات النشيطات، اللواتي تعوَّدن على مناداتي: الابنة، والبورتوريكيات المتكبرات؛ اللواتي لم يفهمن ما الذي كان يحدث - لأن كل من تحدث إليهن لم يكن يعرف الإسبانية. وشعور هؤلاء بالخزي ينبع من أنهن أحببن سجناء. ولكنهن مخطئات في ذلك. أحرى بالمسؤولين عن هذه السجون أن يتمرغوا بالخزي والعار.

مهما يكن من أمر، فأنا لم أكن أشعر بالعار لارتباطي بفوني، بل كنت فخورة بذلك؛ فهو رجل حقيقي. ويمكن القول بأنه وقع في هذه المصيبة لأنه رجل. أعترف بأني، في بعض الأحيان، أشعر بالخوف ـ لأن الضيم الذي طالما ألحقوه بنا، كان أفظع من أن يتحمله بشر. ويتعين عليك إذن ترتيب أفكارك ما وسعك ذلك بحيث تعيشين حياتك يوماً بعد يوم. فأنت لو حاولت التفكير بالمستقبل البعيد، فلن يكون ثمة طائل من ذلك. كنت أسير أحياناً تحت النفق حين أعود إلى البيت، وأحياناً أستقل الباص. وقد ركبت الباص هذا اليوم لأنه يأخذ وقتاً أطول بقليل، إذ كان عقلي يغص بالأفكار.

وقوعكِ في مأزق ما، يمكن أن يكون له تأثير هزلي على العقل. لا أدري إن كان باستطاعتي شرح ذلك. تمر عليك بعض الأيام تبدين فيها كما لو أنك تسمعين الناس، وتكلمينهم وتقومين بعملك، أو على الأقل، تشعرين بأنك أنجزت شيئاً، لكنك في الحقيقة لم تكوني ترين أو تسمعين أحداً. وإذا ما سألك أحدهم ماذا فعلت في هذا اليوم، فإنك ستفكرين برهة قبل أن تتمكني من الإجابة. لكنك، في الوقت نفسه، بل وفي اليوم نفسه ـ وهذا ما يصعب شرحه ـ يبدو كما لو أنك ترين أناساً لم تسبق لك رؤيتهم قط. إنهم يلتمعون أمامك فجأة كما تلتمع شفرة الحلاقة. ولعل سبب هذا هو أنك صرت تنظرين إليهم بطريقة مختلفة. لعلك تستفسرين عنهم أكثر، ولكن بطريقة مختلفة، مما يجعلهم غريبين جداً عنك. وربما شعرت بالخوف واللامبالاة، لأنك فقدت الثقة بإمكانية اعتمادك عليهم ثانية في أي شيء.

حتى لو أرادوا المساعدة، فما الذي يمكنهم تقديمه؟ فأنا لا أستطيع أن أقول لأي شخص في هذا الباص: اسمع، إن فوني في مشكلة، إنه في السجن ـ هل تتخيلين ما الذي يمكن لأي من ركاب هذا الباص أن يجيبني به إذا ما عرف، مني أنا شخصياً، بأنني أحب سجيناً؟ رغم أنني على يقين من أنه لم يرتكب أي جرم، وأنه إنسان رقيق، أرجوكم ساعدوني وأخرجوه من السجن. هل بإمكانك أن تتخيلي الجواب الذي يمكن لأي من هؤلاء الركاب أن يقدمه؟ كما أنه ليس بمقدوري أيضاً أن أقول بأنني أنتظر طفلاً وأنا خائفة، ولا أريد لوالد طفلي أن يصاب بمكروه، فلا تدَعوه يموت في السجن، أرجوكم، آه، أرجوكم! ليس بوسعك التلفظ بذلك. وهذا يعني أنك لا تستطيعين في الحقيقة قول أي شيء. فوقوعك في المصيبة يعني أنك ستواجهينها وحيدة، تجلسين لتنظري من خلف زجاج النافذة وتتساءلين إن كنت ستمضين بقية حياتك على متن هذا الباص رائحة غادية. وإذا ما سارت الأمور على هذا النحو، فما الذي سيحدث لطفلك؟ ما الذي سيحدث لفوني؟

وإذا ما كنت قد أحببت هذه المدينة يوماً، فإنك لن تستمري في محبتها. وأنا أقسم بأنني إذا ما خرجتُ من هذا المأزق يوماً، إذا ما خرجنا من هذا المأزق، فلن أطأ تراب نيويورك ثانية.

ربما كنت قد تعودت على محبة نيويورك، منذ زمن طويل، عندما كان والدي يصطحبني أنا وسيس إلى هنا فنراقب الناس والأبنية حيث كان يعرّفنا على بعض المناطق، وربما كنا قد توقفنا في حديقة «باتري» لنأكل الآيس كريم و«الهوت دوغ». كانت تلك أياماً رائعة عشنا فيها سعادة دائمةـ لكن والدي هو الذي كان مصدر سعادتنا، وليست المدينة. ذلك لأننا كنا على يقين من محبته لنا.. أما الآن، فبإمكاني القول، إن المدينة لم تحبنا قط، لأنني أصبحت أعرفها تماماً، أما هي فلم تعرفني قط. إنهم ينظرون إلينا على أننا حمير وحش ـ و.. كما تعلمين، فإن بعض الناس هم أشبه بحمير الوحش فعلاً، أما البعض الآخر فليسوا كذلك. لكن أحداً لا يسأل حمير الوحش عن ذلك.

صحيح أنني لم أر الكثير من المدن الأخرى، فيلاديلفيا وألباني فقط، لكنني أقسم أن مدينة نيويورك هي المدينة الأقبح والأقذر في العالم. لابد أنها تحتوي على الأبنية الأكثر بشاعة وعلى الناس الأكثر بذاءة. فأنت تجدين فيها الذروة في كل القباحات. وإذا ما وجد مكان أسوأ، فهو بلا شك أشبه بالجحيم، حيث تشمين رائحة قلي البشر، وحين نتمعن بالأمر قليلاً، نجد أنها الرائحة نفسها التي تنبعث من نيويورك أيام الصيف.

قابلت فوني في شوارع هذه المدينة. كنت صغيرة، وكان هو فتياً. كنت في حوالي السادسة من عمري، وكان فوني في حوالي التاسعة. كان يعيش في الجانب الآخر من الشارع، هو وعائلته؛ والدته، وأختان أكبر منه وأبوه الذي كان يدير محلاً للخياطة. والآن، عندما أستذكر تلك الأيام، أتساءل لمن كان يخيط في ذلك الحانوت! لم يكن لدى أحد من معارفنا ما يكفي من النقود للذهاب إلى الخياط ـ حسن، ربما ذهبنا إليه بين الحين والآخر، لكن تلك المرات كانت متباعدة جداً بحيث لا تمكنه، حسب ظني، من البقاء صامداً في حانوته. من الصحيح، كما قيل لي، أن أحوال الناس المادية، وأعني بهم الناس الملونين، لم تكن بذلك السوء الذي كانت عليه حين حاول والداي الارتباط كزوجين، فهم لم يكونوا يعيشون حالة فقر كالتي عشناها حين كنا نقيم في الجنوب، لكننا بالتأكيد كنا، ولا نزال، نعيش في حضيض الفقر.

والحقيقة أن فوني لم يلفت نظري إلا بعد شجار وقع بيننا إثر خروجنا من المدرسة. ولم يكن أي منا طرفاً فيه على الإطلاق. كانت لي صديقة تدعى جينيفا. وهي فتاة لعوب كثيرة الصخب، بشعر مضفور على رأسها بإحكام، وركبتين رماديتين كبيرتين، وساقين طويلتين وقدمين كبيرتين. كانت دائمة الانشغال بشيء ما. ولأنني كنت على النقيض منها متفرغة تماماً للدرس، فمن الطبيعي أن تغدو صديقتي المقربة. كنت نحيلة وجبانة، لذلك فقد تبعتها وأقحمت نفسي في كل مشاكلها. ما من أحد آخر كان يتقرب مني، كذلك لم يتقرب منها أحد آخر. حسن، قالت لي مرة بأنها لم تكن تطيق فوني؛ فهو يسبب لها الغثيان كلما نظرت إليه. وما برحت تتحدث كم هو قبيح، ببشرته التي تشبه قشور البطاطا الرطبة النيئة، وعينيه اللتين تبدوان كعيون الصينيين، وشعره المزبأر وشفتيه الغليظتين. إضافة إلى تقوس ساقيه بسبب ورم ملتهب في عظام الكاحل؛ أما الطريقة التي تبرز فيها مؤخرته، فتوحي بأن أمه كانت غوريللا بلا شك. كنت أوافقها على ذلك لأنني لم أكن أملك إلا أن أسايرها. لكنني، في الواقع، ما كنت أظنه بكل ذلك السوء. كنت معجبة بعينيه، وإذا شئت الصراحة، كان يخطر لي بأني لن أمانع في الذهاب إلى الصين إذا كانت عيون الناس هناك مثل عينيه. وبما أنه لم يسبق لي أن رأيت غوريللا، فقد كانت مؤخرته برأيي طبيعية، ولم تكن، إذا ما فكرت بها، بضخامة مؤخرة جينيفا. أما الساقان فكانتا بالنسبة لي طبيعيتين تماماً، إلى أن اكتشفت فيما بعد أنهما متقوستان قليلاً. لكن جينيفا، رغم ذلك، كانت لا تبرح تعترض طريق فوني بشكل دائم. إلا أنه لم يكن، حسب ظني، يلقي إليها بالاً. لأنه كان طيلة الوقت منشغلاً بأصدقائه. وهم الصبية الأسوأ في الحي. كانوا يأتون إلى الشارع دائماً بثياب ممزقة، ينزفون دماً، وأجسامهم مليئة بالكدمات. ولم يكن قد مضى زمن طويل على فقد فوني لأحد أسنانه حين احتدمت تلك المعركة بيني وبينه.

كان لدى فوني صديق يدعى دانييل، وهو فتى ضخم أسود، كان لديه نفور تجاه جينيفا مشابه لما كان لدى جينيفا من نفور تجاه فوني. لم أعد أذكر كيف بدأ الشجار، ولكن في النهاية، تمكن دانييل من إلقاء جينيفا على الأرض، وأخذ الاثنان يتدحرجان. حاولت سحب دانييل وحاول فوني سحبي، فاستدرت وضربته بالشيء الوحيد الذي طالته يدي، والذي التقطته من حاوية القمامة، وكانت عبارة عن عصا، إلا أن مسماراً كان معلقاً بها. اخترق المسمار خده وشق الجلد وبدأ الدم يتدفق. لم أستطع تصديق عيني، لكنني كنت خائفة جداً. وضع فوني يده على وجهه ونظر إلي ومن ثم نظر إلى يده، فما كان مني إلا أن ألقيت العصا ووليت الفرار. ركض فوني ورائي، وهو ما زاد خوفي. وعندما رأت جينيفا الدم شرعت تصرخ: لقد قتلتِه، لقد قتلتِه! وخلال لحظات أمسكني فوني وأحكم قبضته علي وبصق في وجهي من خلال الفتحة التي خلّفها سنه المفقود، فسقطت بصقته على فمي مباشرة، وقد شعرت بإهانة مريرة، لأنه باعتقادي لم يضربني أو يؤذني، ولأنني ربما أدركت قسوة ما فعله ـ فصرخت وانخرطت بالبكاء. هذا هو فوني. ربما كانت تلك اللحظة نقطة تحول في حياتي، حين بصق فوني في فمي. أما جينيفا ودانييل، اللذان كانا السبب في الشجار فلم يصب أحد منهما بأي خدش، وجعلا يوبخاني. قالت جينيفا بأنني قتلته ولا شك، نعم، لابد أنني قتلته؛ فالمسامير الملوثة تصيب الناس بالكزاز وتقتلهم. ووافق دانييل على ذلك وحدثنا عن عمّ له كان قد مات بالطريقة نفسها. كان فوني يستمع إلى ذلك كله والدم ما يزال ينزف منه، وأنا ما أزال أبكي. وفي النهاية، اكتشف فوني بأنهما كانا يقصدانه بتلميحاتهما، وأنه أصبح رجلاً ـ أو فتىً ـ في عداد الأموات؛ وحينذاك شرع بالبكاء أيضاً. وفي تلك اللحظة أمسكه دانييل وجينيفا كلٌّ من طرف ومشوا به مبتعدين، ليتركوني هناك وحيدة.

لم أر فوني بعدها طيلة يومين متتاليين. مما جعلني متأكدة بأنه أصيب بالكزاز، وأنه كان سيموت بلا شك. وقد قالت جينيفا بأنه ما إن يموت، وهو أمر متوقع في أية لحظة، حتى يأتي رجال الشرطة ليأخذوني ويضعوني على الكرسي الكهربائي. كنت أراقب دكان الخياطة، لكن كل شيء كان طبيعياً. فالسيد هانت كان هناك، بضحكته، وبشرته البنية الفاتحة. كان يكوي بنطالاً، ويروي النكات لكل من كان في حانوته والذي لم يكن يخلو من الزوار إلا نادراً. وبين الحين والآخر، كانت السيدة هانت تطل على زوجها، وهي سيدة بيوريتانية قليلة الابتسام. لكن لم تكن تصرفات أي منهما توحي بأن ابنهما يعاني سكرات الموت.

غاب فوني عن المشهد لمدة يومين، فتحينت فرصة خلو دكان الخياطة من الزوار، وجلوس السيد هانت وحيداً هناك، ودخلت. كان السيد هانت يعرفني، كنا جميعاً في الشارع نعرف بعضنا.

قال: «مرحبا، تيش، كيف حالك؟ وكيف العائلة؟»

قلت: «بخير، سيد هانت.» كنت أود أن أسأله، كعادتي، وكما خططت: كيف حال عائلتك؟ لكنني عجزت عن ذلك.

سألني بعد لحظات: «كيف تسير أمورك في المدرسة؟» وخيّل إليّ بأنه كان ينظر إلي بطريقة غريبة حقاً.

فأجبته: «آه.. بخير» وبدأ قلبي يدق كأنه سيقفز من صدري.

ضغط السيد هانت لوح الكي المزدوج الذي يملكه في دكان الخياطة ـ وهو عبارة عن لوحي كي يقابل أحدهما الآخر ـ ضغط ذلك اللوح إلى الأسفل، ونظر إلي لحظة ثم ضحك وقال: «أعتقد أن ابني ـ ذلك الولد ذو الرأس الكبير - سيعود قريباً.»

سمعت ما قاله، وذهبت بي الظنون؛ لكنني لم أستوعب قصده.

مشيت نحو باب الدكان، متظاهرة بأنني خارجة، ثم استدرت وقلت: «ماذا تعني سيد هانت؟»

كان السيد هانت لا يزال مبتسماً. رفع المكبس وأدار قطعة الثياب التي كان يضعها داخله، وكانت بنطالاً أو ما شابه، لست أدري، وقال: «فوني. لقد أرسلته والدته إلى أقربائها في الريف لقضاء بعض الوقت؛ فهو يقحم نفسه في الكثير من المشاكل هنا.»

ضغط اللوح نحو الأسفل ثانية. وقال: «ولكن والدته لا تدرك أي نوع من المشاكل سيزج نفسه بها هناك.» ثم نظر إلي وابتسم. وعندما تعرفت إلى فوني وتعمقت معرفتي بالسيد هانت، اكتشفت أن لفوني ابتسامة والده نفسها. قال: «آه، سأخبره بأنك أتيت إلى هنا.»

قلت: «سلامي للعائلة، سيد هانت،» ثم خرجت أركض في الشارع.

كانت جينيفا تراقبني وهي تقف على شرفة مدخل بيتي فأخبرتني أني كنت أبدو كالحمقاء وأنني كدت أن أنهار.

توقفت وقلت: «جينيفا بريثويت، أنت كاذبة. فوني لم يصب بالكزاز، وهو لن يموت. وأنا لن أذهب إلى السجن. بإمكانك الآن أن تذهبي إلى والده وتسأليه.» وحينئذ حدجتني جينيفا بنظرة غريبة جعلتني أركض عبر المدخل وأصعد الدرج وصولاً إلى سلم النجاة حيث جلست بالقرب من النافذة في مكان لا يمكن لها أن تراني فيه.

بعد أربعة أيام أو خمسة، عاد فوني، ووقف على شرفة مدخل بيتي. لم تكن تعلو وجهه أية ندبة. وكان معه قطعتان من الكعك المحلى والمقلي بالدهن. جلس هناك وقال لي: «أنا آسف لأنني بصقت في وجهك.» وأعطاني واحدة من كعكاته.

فقلت: «أنا آسفة لأنني ضربتك.» وصمتنا. أكل هو كعكته، وأكلت أنا كعكتي.

لم يكن الناس في ذلك الوقت يؤمنون بمثل هذه المواقف البريئة بين البنات والأولاد ـ لم يكن الناس يؤمنون بالكثير من الأمور. الآن فقط أصبحت على دراية بالسبب وراء ذلك. لكننا، حينها، أصبحنا أصدقاء. أو لنقل، وهو في الحقيقة الشيء نفسه ـ أصبحت أنا بمثابة أخته الصغرى، وأصبح هو بمثابة أخي الكبير، وهو أمر آخر لم يكن الناس يريدون الاعتراف به. لم يكن يحب أخواته، وأنا لم يكن لدي أي إخوة. وهكذا عوض كل منا للآخر ما كان يفتقده.

غضبت جينيفا مني كثيراً وانقطعت عن صداقتي؛ وحين أفكر الآن بالأمر، أتذكر أنني توقفت أيضاً عن صداقتها، ولكن دون قصد مني؛ لأني كنت قد حظيت بفوني، الأمر الذي لم أدرك أهميته حينها. أما دانييل فقد غضب من فوني، ونعته بالمخنث لأنه يلهو مع الفتيات، وتوقف عن صداقته لوقت طويل. كما أنهما اشتبكا في شجار فقد فيه فوني سناً آخر. وباعتقادي، فإن أي مراقب لسلوكه حينها، يمكنه أن يتأكد بأن فوني لن يتبقى في فمه سن واحد حين يكبر. أذكر أنني قلت لفوني يوماً بأنني جلبت مقص أمي من الطابق العلوي وأنا ذاهبة لقتل دانييل. لكنه أجاب بأنني مجرد بنت، ولا دخل لي بهذا الأمر.

كان من المفروض بفوني أن يذهب إلى الكنيسة في أيام الأحد ـ وأنا جادة بالقول: بأنه كان مفروضاً به أن يذهب، رغم أنه كان ينجح أغلب الأوقات في خداع والدته دون علم منها، أو دون اهتمام بأن تكون على علم. أما والدته ـ التي تعمقت معرفتي بها فيما بعد ـ والتي لا بد من التحدث عنها قليلاً الآن، فقد كانت، كما ذكرت سابقاً، سيدة بيوريتانية. وهي وإن فشلت في الأخذ بيد زوجها إلى الخلاص، إلا أنها كانت واثقة تمام الثقة من نجاحها في إنقاذ ابنها. لأنه كان ابنها هي؛ وليس ابنهما.

كان هذا هو السبب باعتقادي وراء نشأة فوني بهذا السوء. وهو في الوقت نفسه السبب الذي كان يجعله، إذا ما تعرفتِ عليه جيداً، لطيفاً جداً، بل بل ومحبباً للغاية، وعذباً بالتأكيد، مع مسحة حزن شديد، تتبدى لك حين تتعرفين إليه عن قرب. أما والده السيد هانت، فرانك، فلم يحاول أن يطالبه بأي شيء، بل إنه أحبه - وما زال يحبه. لم تكن الأختان الكبريان بيوريتانيتين تماماً في البداية، إلا أنهما غدتا كذلك فيما بعد، فقد سارتا على نهج والدتهما تماماً. وهكذا لم يتبق سوى فرانك وفوني. وبطريقة ما، كان فرانك يقضي طيلة الأسبوع مع فوني، وكان فوني يقضي طيلة الأسبوع مع فرانك. كان الاثنان متفقين على ذلك، لذا، كان بإمكان فرانك أن يتخلى عن فوني لأمه أيام الأحد. أما تصرفات فوني في الشارع فكانت مطابقة تماماً لتصرفات فرانك في محل الخياطة وفي البيت. كانت تصرفاتهما سيئة. لهذا السبب بقي في محل الخياطة أطول فترة ممكنة. ولهذا السبب أيضاً، استطاع فرانك أن يعتني بفوني حين رجع إلى البيت وهو ينزف. وللسبب نفسه استطاع الاثنان، الأب والابن، أن يحباني. وفيما بعد، كنت أتساءل، ما إذا كان والد فوني ووالدته قد أحبا بعضهما يوماً. وقد سألت فوني عن ذلك ، فأجاب:

«نعم، ولكن ليس بطريقتنا. كنت أسمعهما غالباً. كانت تعود من الكنيسة مرهقة وهي تتصبب عرقاً. وكانت تتظاهر بأنها متعبة جداً إلى درجة أنها كانت تتحرك بصعوبة ثم ترتمي بثيابها فوق السرير ـ وتكاد لا تمتلك القوة التي تمكنها من نزع حذائها وقبعتها. كانت دائماً تلقي بمحفظتها في مكان ما. وما يزال يطرق سمعي ذلك الصوت، كأنه حِملٌ ثقيل، يسقط على الأرض وفي داخله فضة كلما ألقت بمحفظتها. كنت أسمعها تقول: «لا شك أن الرب قد بارك روحي هذا المساء. ولكن يا حبيبي، متى ستهب حياتك للرب؟» وحينها، يا عزيزتي، أقسم لكِ بأنه يكون مستلقياً هناك، وإذا بعضوه بدأ بالانتصاب. أما هي، عذراً يا عزيزتي، فلم تكن حالتها أفضل، لأن ذلك، أنت تفهمين؟ أشبه باللعبة التي تسمعين عنها بين زوج من القطط الشاردة يلعبان في الزقاق. اللعنة. تأخذ القطة بالغنج والمواء إلى أن يصبح الوقت مناسباً، فتجتذب إليها ذلك القط، وتجعله يركض وراءها على طول الزقاق، وتستمر في ذلك إلى أن يتمكن منها ويعضها من رقبتها. حينذاك تكون قد خارت قواه وراودته رغبة حقيقية بالنوم. لكنها تواصل ترنيمتها، فيهب هو لإسكات هذه الموسيقى، ولا يجد سبيلاً إلى ذلك سوى أن يعضها من رقبتها، وحينها تكون قد حظيت به. وهكذا، كان والدي يجلس هناك عارياً تماماً، وعضوه يزداد انتصاباً، ويقول: «أعتقد أن الرب في هذه اللحظة، يهب حياته لي.» وكانت تجيبه: «أوه، فرانك، دعني أقربك من الرب.» فيجيبها: «اخرسي يا امرأة، أنا من سيقرب الرب منك، أنا الرب.» وحينئذ تبدأ بالولولة والصراخ: «ساعدني أيها الرب، ساعد هذا الرجل، أنت وحدك جعلته قدري، دون أن يكون لي يد بذلك. أوه، أيها الرب، ساعدني.» وكان يقول لها حينئذ: سيساعدك الرب، يا حلوتي، بمجرد أن تعودي ثانية كطفلة صغيرة، عارية، كطفلة صغيرة. هيا، تعالي إلى الرب.» وكانت تعاود الصراخ ومناجاة المسيح بينما يخلع هو عنها كل ثيابها - كان يصل إلى سمعي صوت خشخشة وصفير وسقوط على الأرض - وحين كنت أمر عبر غرفتهم في طريقي إلى المدرسة صباحاً، كانت تعلق قدمي أحياناً بقطعة من ثيابهما - وبعد أن يخلع عنها ثيابها ويعريها تماماً، ينتصب فوقها وهي لا تزال تصرخ: «أيها المسيح ساعدني! أيها الرب!» كان يقول لها: «هاك الرب الآن، هنا. في أي مكان تريدينه أن يقدسك؟ أين هو موضع الألم لديك؟ أين تريدين ليد الرب أن تلمسك؟ هنا؟ هنا؟ أم هنا؟ أين تريدين أن يضع لسانه؟ من أين تريدين للرب أن يدخل فيك؟ أيتها العاهرة السوداء القذرة الغبية؟ أيتها العاهرة. أيتها العاهرة. أيتها العاهرة.» ثم يصفعها بعنف وبصوت مرتفع. فتصرخ قائلة: «أوه، يا رب، ساعدني على تحمل بليتي.» فيقول لها: «ها هو يا صغيرتي، ستتحملين بليتك جيداً. أعرف ذلك، أنت تتخذين من المسيح صديقاً، وأنا سأخبرك الآن متى سيأتي المسيح للمرة الأولى. لكننا لا نعلم شيئاً عن موعد مجيئه للمرة الثانية بعد.» كان السرير يهتز حينئذ، وكانت هي تئن وتئن وتئن. وفي الصباح، تعود الأمور إلى ما كانت عليه وكأن شيئاً لم يحدث. فتبدو هي كعادتها؛ تابعة للمسيح. ويذهب هو إلى دكان الخياطة كعادته كل يوم.»

وقال فوني أخيراً: «لو أن فتى آخر مكاني، لأذاع المشهد بالتأكيد. سأظل أحب والدي دائماً، لأنه لم يتركني قط.» وستبقى ملامح فوني حين تحدث عن والده مرتسمة في ذاكرتي.

بعد ذلك، استدار فوني نحوي وأخذني بين ذراعيه وضحك قائلاً: «أنت تذكّريني كثيراً بوالدتي، أتعلمين ذلك؟ هيا، دعينا ننشد معاً الآن. أيتها الخاطئة، هل تحبين ربي؟ ـ وإذا لم أسمع أنيناً، فلتعلمي أنك لن تكوني من الناجين.»

أظن أنه نادراً ما يمكن لرجل وامرأة أن يضحكا ويمارسا الحب في وقت واحد. فهما يمارسان الحب لأنهما يضحكان، ويضحكان لأنهما يمارسان الحب. فالحب والضحك ينبعان من مكان واحد لا يذهب إليه إلا القلائل.

في أحد أيام السبت، سألني فوني إن كان بإمكاني الذهاب معه إلى الكنيسة في الصباح، فأجبته: نعم. رغم أننا، أقصد أنا وجميع أفراد عائلتي، كنا معمدانيون ولا يفترض بنا الذهاب إلى كنيسة بيوريتانية. غير أن الجميع، في ذلك الوقت، كانوا يعرفون بأنني وفوني صديقان، وتلك، بكل بساطة، كانت حقيقة. جميع من في المدرسة وفي المجمع السكني من أعلاه إلى أسفله كانوا ينادوننا بروميو وجولييت، رغم أنهم لم يكونوا قد قرؤوا المسرحية. وهكذا جاء فوني، وكان يبدو بمنتهى التعاسة، شعره أملس لامع، وقد بدا وكأن مفرق شعره الشديد الانتظام قد تم صنعه بواسطة فأس أو شفرة. كان يرتدي بذلته الزرقاء. أما أنا فقد ألبستني سيس، وهكذا ذهبنا. كانت والدته تنتظر في أسفل الدرج. وكانت تلك، حين تفكرين بالأمر، المرة الأولى التي أخرج فيها مع فوني.

حدث ذلك قبيل الفصح بفترة قصيرة، لذلك لم يكن الجو بارداً، لكنه لم يكن حاراً.

ورغم أننا كنا صغاراً حينها، في عمر لا يخطر لي فيه أن آخذه منها أو أي شيء من هذا القبيل، إلا أن والدة فوني لم تكن تحبني، مع أن حبها له لم يكن صادقاً أيضاً، إلا أنها كانت تفترض بأنَّ عليها أن تشعر حياله بذلك لأنها لفظته يوماً إلى هذا العالم. كان هناك العديد من الأدلة على عدم محبتها لي. فأنا، على سبيل المثال، نادراً ما ذهبت إلى بيت فوني، بل هو من كان يأتي إلى بيتي دائماً. والسبب وراء ذلك لم يكن عدم رغبة فوني أو فرانك باستقبالي في بيتهما، بل إعراض الوالدة والأختين عني. وقد اكتشفت لاحقاً بأنهن كن يعتقدن بأني لم أكن مناسبة بما فيه الكفاية لفوني، وهو ما يعني، في الحقيقة، أنني لم أكن مناسبة بما فيه الكفاية لهن. وكن يشعرن أيضاً بأنني ربما كنت أفضل ما يستحقه فوني بالضبط. لا بأس، فأنا سوداء، وشعري أملس تماماً ولم يكن هناك ما يميزني كثيراً. وحتى فوني لم يكن يدعي بأنني جميلة، بل كان يكتفي بالقول: إن البنات الجميلات مأزق رهيب.

وحين كان يقول ذلك، كنت أعرف أنه يفكر بوالدته ـ وهذا ما كان يدعوه إلى أن يقول لي حين يريد إغاظتي: إنك تذكريني بوالدتي. والحقيقة أني لا أذكره بوالدته مطلقاً، وهو يعرف ذلك، لكنه يعرف أيضاً أني أعلم حق العلم كم يحبها، كم أراد أن يحبَّها، أن تتاح له الفرصة بأن يحبها، وأن يلقى تعبيره عن محبته لها أذناً صاغية.

كانت السيدة هانت وابنتاها على قدر كبير من الجمال. وبإمكانك أن تلاحظي أن السيدة هانت كانت في شبابها من الفتيات الجميلات جداً في أتلانتا، وهي المنطقة التي تتحدر منها. كما أنها لا تزال تمتلك مظهر «لا تلمسني»، الذي تحافظ عليه النساء الجميلات حتى الوصول القبر. أما البنتان فليستا بجمال الوالدة، وهما بالطبع لم تعيشا فترة شبابهما في أتلانتا، إلا أن لهما بشرة فاتحة وشعراً طويلاً. كان لون فوني أفتح من لوني أنا، لكنه أكثر سمرة منهما. وله شعر أملس مزبأر، بحيث أن الزيت الذي اعتادت والدته أن تضعه له صباح كل يوم أحد، لم يعمل على تخليصه من الزغب.

كان فوني يشبه والده؛ وهو ما جعل السيدة هانت تبتسم في وجهي ابتسامة صادقة لطيفة ومحببة حين أخرجني فوني من البيت صباح ذلك الأحد.

قالت: «أنا سعيدة لقدومك معنا إلى بيت الرب اليوم، يا تيش. إنك تبدين جميلة هذا الصباح يا عزيزتي.»

وقد أوحت لي طريقة حديثها كيف كنت أبدو في الصباحات الأخرى، أوحت لي كيف كنت أبدو بوجه عام.

قلت: «صباح الخير سيدة هانت» ثم ذهبنا.

كان الشارع، شارع صباح الأحد. فشوارعنا لها أيام، بل وساعات. فحيث ولدت أنا، وسيولد ابني، يمكنكِ، من خلال إلقاء نظرة على الشارع، أن تكوِّني فكرة عما يحدث داخل البيوت. لنأخذ مثلاً الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم السبت، إنها ساعة في منتهى السوء؛ الأولاد عائدون من المدرسة، والرجال عائدون من العمل. يتشكل لديك انطباع بأن هذا اللقاء هو ذروة في السعادة، لكنه، في حقيقة الأمر، لم يكن كذلك. فالأولاد يلتقون بالرجال، والرجال يلتقون بالأولاد، الأمر الذي يثير جنون الأمهات اللواتي ينشغلن بأعمال الطبخ، والتنظيف وتسبيل الشعر، واللواتي يعانين ما لا يعانيه الرجال. يمكنك مشاهدة ذلك وسط، كما يمكنك سماعه من أفواه النساء وهن يصرخن على الأطفال. يمكنك مشاهدته من خلال الطريقة التي تنزل فيها تلك النساء من البيوت مسرعات كالإعصار، ليصفعن الأولاد ويسحبنهم على الدرج إلى الأعلى، وهو ما يظهر على الأولاد أنفسهم، كما أنك تشاهدينه من خلال الطريقة التي يقف فيها الرجال مع بعضهم أمام حاجز ما متجاهلين كل ذلك، أو يجلسون في دكان الحلاقة يعاقرون الخمر، أو يمشون إلى ناصية الشارع حيث الخمارة، يضايقون بائعة الخمر، ويتشاجرون مع بعضهم، ليغرقوا بعد ذلك كلياً في شرتبخك. وهكذا يبدو مساء السبت كغيمة معلقة في الأعلى، إنه كمن يترقب هبوب العاصفة.

وحين ينبلج صباح الأحد تكون الغيوم قد انقشعت، وخلَّفت العاصفة وراءها ما خلفته آثار وبيلة، ثم رحلت. ومهما تكن هذه الآثار باهظة فالكل نظيف الآن. تمكنت النسوة، بطريقة ما، من إنجاز كل ما يترتب عليهن، ونجحن في إنجاز كل شيء دفعة واحدة. وهكذا، فقد تم تنظيف الجميع، وفركهم، وتمشيطهم، وتزييت شعورهم. ليذهبوا بعدئذ، لالتهام عراقيب البقر، أو النقانق أو الدجاج المقلي أو المشوي مع البطاطا والأرز والخضار أو خبز الذرة أو البسكويت. ثم يعودون إلى البيت ويتناقشون فيما بينهم بكل ود. يغسل بعض الرجال سياراتهم يوم الأحد بعناية تفوق عنايتهم في غسل قلفاتهم. كنا في صباح الأحد ذاك كما لو أننا نسير في عرض. كان فوني يمشي إلى جانبي كأنه سجّان، والسيدة هانت إلى جانبي الآخر على غرار ملكة تقوم بجولة أرستقراطية في أنحاء المملكة. لكنني أتذكر الآن أن فوني، الذي لم يتفوه بكلمة طيلة الوقت، هو وحده الذي جعل موكبنا كأنه يسير في عرض

من مسافة بعيدة، تناهى إلينا صوت دفوف الكنيسة.

قالت السيدة هانت: «أتمنى لو أن والدك يأتي إلى بيت الرب في أحد هذه الصباحات.» ثم نظرت إلي وأردفت: «إلى أية كنيسة تذهبون يا تيش؟»

حسن، ذكرت سابقاً، أننا معمدانيون، لكننا لم نكن نتردد كثيراً إلى الكنيسة، ربما في أيام كالميلاد والفصح فقط. لم تكن أمي معجبة بالأخوات في الكنيسة، كما أنهن لم يكن يستلطفنها. وكانت سيس تحذو حذو والدتها. أما والدي فلم يكن يرى أي مبرر لاتباع طريق الرب، بل إنه لم يكن يُكِنُّ له الكثير من الاحترام أيضاً.

قلت: «إننا نذهب إلى معمدانية أبيسينيا.» ونظرت إلى الصدوع المحفورة في الرصيف.

قالت: «إنها كنيسة جميلة جداً.» وكان هذا أفضل ما يمكن أن توصف به هذه الكنيسة، لكنها في الحقيقة ليست جميلة إلى هذا الحد.

كانت الساعة هي الحادية عشرة صباحاً. وكانت الطقوس الدينية قد بدأت لتوها. أما مدرسة الأحد فكانت تفتح أبوابها في الساعة التاسعة، وقد اعتاد فوني أن يكون هناك لحضور دروسها. لكنه حصل في صباح الأحد ذاك على إعفاء خاص بسببي. رغم أن السبب الحقيقي لغيابه هو أن السيدة هانت كانت من النوع الكسول، لم يكن لديها رغبة بالنهوض باكراً للتأكد من ذهاب فوني لحضور تلك الدروس. ولم يكن في تلك المدرسة من يحترم السيدة فوني - أو يحترم جسدها الذي تم غسله وإلباسه بعناية فائقة، أو حتى روحها الأنيقة. أما فرانك فلم يكن معنياً بالنهوض واصطحاب فوني إلى مدرسة الأحد. وكذلك الأختان، فهما لم ترغبا يوماً بتلويث يديهما بيدي أخيهما الأزغب الرأس. لذلك كان على السيدة هانت، تمجيداً منها للرب وتعبيراً عن محبتها العميقة له، أن تنهض وتلبس فوني، لكنه لم يكن، بالطبع، يذهب إلى هناك، ما لم تأخذه من يده وتوصله بنفسها. وقد حدث في مرات عديدة أن تجلس السيدة مطمئنة في حضن الكنيسة، دون أن تعلم شيئاً عن مكان وجود ابنها الوحيد. وقد قال لي فرانك مرة: «ليس لدى آليس استعداد لأن تقلق نفسها، مهما كان الأمر الملم بابنها.» وبعد فترة قال لي أيضاً: «إنها تتركه بين يدي الرب».

كانت الكنيسة في السابق، مكتباً للبريد. ولا أدري كيف تمّ بيع البناء، أو كيف أمكن لأي شخص أن يرغب بشرائه، فهو لا يزال يبدو كمكتب بريد، بناء متطاول ومعتم ومنخفض. وقد هدموا بعض جدرانه، ووضعوا فيه بعض المقاعد، وعلقوا على جدرانه علامات تشير إلى أنه كنيسة، إضافة إلى جدول مواعيدها. إلا أن السقف بقي على حاله مصنوعاً من ذلك الصفيح المتموج البغيض. ولعلهم قد دهنوه مرة بالطلاء البني أو تركوه هكذا كما هو. فإذا ما دخلت، بدا لك المنبر بعيداً جداً. وأنا أظن في الحقيقة بأن المصلين في الكنيسة كانوا فخورين بأن مبنى كنيستهم بهذا الحجم، وأنهم نجحوا، بطريقة ما، في وضع يدهم عليه. كنت بالطبع معتادة إلى حد ما على كنيسة آبيسينيا، التي كانت أكثر إضاءة، ولها شرفة اعتدت الجلوس فيها على ركبتي والدتي. وكلما فكرت بتلك الأغنية «يوم مشرق» أعود بذاكرتي ثانية إلى تلك الشرفة، على ركبتي أمي. وفي كل مرة أسمع «هدوء مقدس» أفكر بفوني ووالدة فوني. غير أن أياً من الأغنية أو الكنيسة لم تكن هادئة؛ وأنا لا أذكر أنني استمعت يوماً إلى هذه الأغنية في كنيستنا، مما جعلني أربط دوماً هذه الأغنية بكنيسة فوني، لأنهم حين أنشدوها في صباح الأحد ذاك، سُرَّتْ بها والدة فوني أيما سرور.

إن رؤية الناس وهم يشعرون بالسعادة وينعتقون من قيود السلطة، لمشهد جدير بالمشاهدة دائماً حتى وإن تكررت رؤيتك له طيلة الوقت.

لم يكن الناس في كنيستنا، يشعرون بالسعادة في أغلب الأوقات؛ كنا أكثر جدية ورقياً من البيوريتانيين. وما زلت حتى الآن أشعر نحوها برهبة شديدة؛ لكنني أعزو ذلك، حسب اعتقادي، إلى كره فوني لها.

كانت كنيسة فوني واسعة جداً، تخترقها ثلاثة ممرات بين الكراسي. وعلى العكس تماماً مما يمكن أن تظني، فالعثور على الممر المتوسط، والحالة هذه، يحتاج إلى أن تكوني موهوبة فعلاً؛ فهو أكثر صعوبة بما لا يقاس مما لو توسط القاعة ممر واحد فقط. دخلنا الكنيسة وقادتنا السيدة هانت مباشرة إلى الممر الواقع في أقصى اليسار، مما حدا بكل من كانوا يشغلون الممرين الآخرين أن يتفرجوا علينا. وإن شئنا الصراحة فقد كنا فُرجة. كان هناك فتاة سوداء، طويلة الساقين، هي أنا، بفستاني الأزرق وشعري المملّس المكلّل بعقدة زرقاء. وكان هناك فوني أيضاً، الذي كان يمسك بيدي بشيء من التوتر، بقميصه الأبيض، وبذلته الزرقاء، وربطة عنق زرقاء، أما شعره فقد كان يلمع على نحو يدعو إلى الاشمئزاز والقنوط. لكن لمعانه لم يكن بسبب الفازلين المغرق به، بقدر ما كان من التعرق الذي يتصبب من فروة رأسه. وكان هناك السيدة هانت، التي غدت، لسبب ما، لا أدري كنهه، ومنذ اللحظة التي دخلنا فيها إلى الكنيسة، مفعمة بحب صغيريها الهمجيين. قادتنا أمامها إلى كرسي الرحمة. كانت ترتدي نوعاً من فستان ذا لون زهري أو بيج، لست متأكدة تماماً الآن، لكنه، وفي خضم ذلك الجو الكئيب، بدا زاهياً. كما كانت تعتمر قبعة من تلك القبعات القبيحات ذوات الخمار الذي ينسدل حتى مستوى العين أو الأنف، والتي اعتادت النساء على ارتدائها، ولكنها تجعلك تبدين وكأنك مصابة بمرض ما. وكانت تنتعل حذاء بكعب عالٍ يصدر صوتاً مميزاً كإطلاق الرصاص. كانت تشمخ برأسها عالياً على طريقة النبلاء. وقد شعرت بالاطمئنان بمجرد دخولها إلى الكنيسة. فقد كانت بيوريتانية تقية. ما زلت حتى اليوم أذكر كم جعلتني أرتجف، فجأة، من أعماقي؛ إذ لا أمل لديك أبداً أبداً أبداً في أن تحدثينها عن أي شيء سوى عن رغبتك في الوقوف بين يدي الإله الحي، الذي يتأكد عن طريقها من صدق كلامك قبل أن يجيبك. هكذا قادتنا إلى الصف الأمامي وجلست أمام كرسي الرحمة بعد أن أجلستنا هناك، وركعت على ركبتيها، أمام مقعدها، وأحنت رأسها وغطت عينيها متوخية ألا تتأذى بسبب ذلك الخمار. استرقتُ نظرة إلى فوني، لكنه لم يكن ينظر إلي. نهضت السيدة هانت، ونظرت لحظة إلى الحضور جميعهم ثم جلست بتواضع. كان أحدهم يدلي باعتراف؛ وهو شاب ذو شعر يضرب لونه إلى الحمرة. كان يتكلم عن الرب؛ كيف خلّص روحه من الدَّرن وجسده من الشهوات. وعندما أصبحت أكبر عمراً، كنت أراه في الجوار. اسمه جورج. رأيته أكثر من مرة متدلياً عن شرفة بيته، وقد مات متجرعاً جرعة دوائية مفرطة. كان المصلون يؤمّنون على شهادته بورع شديد، وقفزت أخت كبيرة كانت فوق المنبر وترتدي ثوباً طويلاً أبيض، فهتفت هتافاً خفيفاً، وردد الجميع بصوت عالٍ: ساعده، أيها المسيح الرب، ساعده! وما إن جلس في مقعده حتى وقفت أخت أخرى، تدعى روز ـ اختفت من الكنيسة بعد ذلك بفترة قصيرة وأنجبت طفلاً ـ وما زلت أذكر آخر مرة شاهدتها فيها، وكنت حينها في حوالي الرابعة عشرة من عمري، رأيتها تجوب الشوارع وسط الثلج، وقد بدا وجهها مغطىً بالندبات ويداها متورمتان، تلف حول رأسها خرقة، فيما تهدلت جواربها، وكانت تغني لنفسها - وقفت روز وشرعت تغني: ما هو شعورك إذا ما خرجت من البرية متكئاً على الرب؟ حينها نظر فوني إلي نظرة خاطفة لم تدم أكثر من ثانية، وكانت السيدة هانت تغني وتصفق بيديها. وسرى في حشد المصلين شيء من الحماس.

ثم رحت أراقب أختاً أخرى كانت جالسة إلى الناحية الأخرى لفوني، كانت أبسط مظهراً من السيدة هانت وتزيدها سمرة، إلا أنها تضاهيها بالأناقة، كانت تبسط يديها وتهتف، مقدس! مقدس! مقدس! بورك اسمك، يا مسيح! بورك اسمك، يا مسيح! فجعلت السيدة هانت تجأر بالدعاء وكأنها ترد عليها: وبدا الأمر كما لو أن كل واحدة منهما تحاول إلغاء الأخرى. وكان لون ثياب الأخت أزرق، أزرق داكن، وفوق رأسها قبعة بلون أزرق مناسب، من تلك القبعات اللواتي يوضعن خلف الرأس ـ كغطاء للجمجمة ـ تعلوها زهرة بيضاء تتحرك كلما حركت الأخت رأسها. كانت كلما انحنت، تنحني معها الزهرة البيضاء. فبدت كأنها ضوء غريب، لا سيما وأن الأخت كانت شديدة السمرة وترتدي ثوباً داكناً جداً. جلسنا، فوني وأنا، وسط الحشد صامتَين، بينما كانت أصوات المصلين تعلو وتعلو من حولنا، دون رحمة على الإطلاق. لم نكن، نلامس بعضنا أو ننظر إلى بعضنا، لكننا مع ذلك كنا على تواصل فيما بيننا كطفلين على ظهر قارب متأرجح. ولمحت فتى يجلس في الخلف، عرفته فيما بعد أيضاً، اسمه تيدي، كان كبير الحجم بني البشرة، كل ما فيه ضخم باستثناء الفخذين، اليدين، المؤخرة والأقدام، مما أعطاه مظهراً شبيهاً بنبتة فطر مقلوبة. انخرط ذلك الفتى بالغناء: «هدوء مبارك، هدوء مقدس.»

وغنت السيدة هانت: «أيُّ إيمان يغمر روحي»

تلتها الأخت السمراء الجالسة إلى جانب فوني قائلة: «على البحر العاصف».

فرددت السيدة هانت: «المسيح يتحدث إلي».

ثم غنت الأخت السمراء: «وهدأت الأمواج».

ثم تناول الفتى الدف، وكان ذلك بمثابة إشارة لعازف البيانو ـ الذي لم أعرفه أبداً، وهو أخ طويل أسمر، ملامحه شبيهة بالشيطان، كان ليديه مظهر يوحي بأنهما مصممتان للشنق. وحين هاجم لوحة مفاتيح البيانو بتينك اليدين بدا وكأنه كان يطرق الأفكار ليستلهمها من شخص آخر يتذكره. وحينذاك غرق المصلون كلٌّ في ذكرياته الخاصة، ثم راحوا يدندنون بمقطوعات موسيقية. وبدأت الكنيسة تهتز، واهتززت أنا واهتزت يد فوني ـ التي تمسكت بها بطريقة مختلفة دون أن أنتبه. وتبين لنا حينها بأنه ليس ثمة أحد في الكنيسة، أو لنقل، عرفنا من الذي كان يُكِنُّ لنا الحب. لكن أحداً ممن كان يحبنا لم يكن متواجداً هناك.

حين يكتنفكِ الخوف من كل الجهات، تتمسكين بأي شيء في محاولة منك لتجاوز خوفك. أظنني سأموت وأنا أحمل في ذاكرتي تلك الزهرة البيضاء، التي بدت وكأنها انتصبت فجأة في مكانها القميء، فأمسكت بيد فوني ـ دون أن أنتبه إلى أنني أتمسك بها. وفجأة شرعت المرأتان تصيحان، من الجانبين، وترقصان الرقصة المقدسة. مدت المرأة ذات الزهرة رأسها إلى الأمام، فبدت الزهرة كأنها تضيء ما حول رأسها، أو كأنها تضيء رؤوسنا جميعاً، بينما عادت المرأة ذات الخمار برأسها إلى الوراء فانحسر الخمار عن عينيها حتى جبهتها، ليغطي تلك الجبهة، وبدا كأنه رذاذ من الماء الأسود يعمدنا نحن ويرشها هي.. تحرك الناس حولنا ليفسحوا لهما مكاناً في الغرفة، وطفقتا ترقصان في الممر المتوسط. كانت كلاً منهما تحمل حقيبة يدها، وتنتعل كعباً عالياً.

لم يذهب أياً منا، فوني أو أنا، إلى الكنيسة ثانية. كما أننا لم نتحدث يوماً عن موعدنا الأول ذاك. لكنني حين ذهبت في زيارتي الأولى له في سجن (التومز)، فصعدت تلك الدرجات وعبرت تلك الممرات، بدا ذلك كأنني أسير في ممر الكنيسة.

الآن وبعد أن أخبرت فوني عن الطفل، كان لا بد لي أن أخبر أمي وأختي سيس - التي كان اسمها الحقيقي إرنيستاين، والتي تكبرني بأربع سنوات - وعلي أيضاً أن أخبر والدي وفرانك. ترجلت من الباص ولا أعرف إلى أين أولي وجهي، إلى بيت فرانك الذي يقع على بُعد عدة مجمعات سكنية غرباً، أم إلى بيتي الواقع على بعد مجمع سكني واحد شرقاً. وأخيراً تبعت شعوراً غريزياً غريباً قادني إلى البيت، رغم رغبتي الصادقة بأن أخبر فرانك قبل أمي، إلا أنني قدّرت بأني متعبة إلى درجة لن أتمكن معها من قطع كل تلك المسافة.

وأمي سيدة غريبة ـ هكذا يقول الناس ـ كانت في الرابعة والعشرين لدى ولادتي، لذلك فهي تناهز الأربعين من عمرها الآن. لا بد لي من القول بأنني أحبها. وأنها برأيي امرأة جميلة. ربما لم تكن تبدو جميلة لدى النظر إليها ـ مهما عنى ذلك من هراء في مملكة العميان هذه. فقد ازداد وزنها في الفترة الأخيرة، وبدأ الشيب يغزو، إلا أنهنأن اقتصر على أسفل رأسها عند قذالها، أي في المنطقة التي كان أبناء جيلها يسمونها «المطبخ»، وفي مركز شعرها تماماً. لم يكن شيبها يظهر للعيان إلا إذا أحنت رأسها أو استدارت، وهي، حسب علمي، نادراً ما تتخذ أياً من هاتين الوضعيتين. أما إذا ما وقفتِ أمامها وجهاً لوجه فإنها تبدو سواداً على سواد. اسمها شارون. وقد حاولت فيما مضى أن تكون مغنية. ولدت في بيرمنغهام، لكنها تمكنت، حين كانت في عمر التاسعة عشرة، من الخروج من بؤرة جهنم تلك؛ فقد هربت مع فرقة موسيقية، مع الطبال تحديداً. إلا أن علاقتهما لم تنجح، والسبب، حسب قولها:

«لا أدري إذا ما أحببته حقاً في يوم من الأيام. فقد كنت صغيرة آنذاك. لكنني الآن أظن بأن تصرفاتي لم تكن ناضجة، بالقياس إلى عمري. لا أدري إن كنت تفهمين ما أعنيه. على كل حال، أنا أدرك الآن بأنني لم أكن امرأة على قدر من النضج كافٍ للاهتمام برجل، أو إعطائه ما يحتاج.»

لقد ذهب هو في طريق، وذهبت هي في طريق آخر، لتنتهي في ألباني، من بين كل الأمكنة، وعملت نادلة في حانة. كانت في العشرين من عمرها. وقد اكتشفت أنها لا تصلح لأن تكون مغنية. رغم جمال صوتها. فالسير في طريق الغناء أو احترافه، بحاجة إلى ما هو أكثر بكثير من الصوت. الأمر الذي كان يعني بأنها ضائعة. وتملكها شعور بأنها كانت تنحط يوماً بعد يوم، مثلها في ذلك مثل كل من كان حولها. أضف إلى ذلك أن ألباني لم تكن هدية من الرب بالنسبة للسود.

عليّ أن أقول بالطبع بأنني لا أظن أن أميركا أعطية من الرب لأحد كائناً من كان ـ لأنها إذا ما كانت كذلك، فإن أيام الرب غدت معدودة.

في ألباني، قابلت جوزيف، والدي. قابلته في محطة الباص. كانت قد انصرفت من عملها لتوها، وكان هو منصرفاً من عمله لتوه. إنه يكبرها بخمس سنوات. كان يعمل حمالاً في محطة الباص. جاء من بوسطن، وكان في الأصل تاجراً بحاراً. إلا أنه أوقع نفسه في شرك ألباني بوجه الضبط بسبب امرأة كان قد علق بها لم تكن راضية عن ذهابه في تلك الرحلات البحرية. كان من عادة أمي في ذلك الوقت، المرور عبر محطة الباص تلك بحقيبتها الكرتونية وعينيها الواسعتين المذعورتين. وكانت علاقته مع تلك المرأة على وشك الانحلال ـ لم يكن جوزيف يحب محطات الباص ـ وكان ذلك إبان الحرب الكورية، لذا فقد أدرك بأنه إن لم يعد إلى البحر حالاً، فسيتوجب عليه الالتحاق بصفوف الجيش، الأمر الذي لم يكن يروق له حتماً. وكما يحدث في الحياة أحياناً، فقد اجتمعت كل الأسباب، وهنا أتت شارون.

إنه يقول، وأنا أصدقه، بأنه لم يرفع نظره عنها منذ اللحظة التي رآها فيها تعبر أمام شباك التذاكر وتجلس على الكرسي بمفردها وتتلفت حولها. كانت تحاول أن تظهر بمظهر القوية اللامبالية، لكنها لم تكن تبدو أكثر من خائفة. ويقول بأنه أراد أن يضحك، لكن شيئاً ما في عينيها المذعورتين جعله، في الوقت نفسه، يرغب في البكاء.

ولم يتباطأ في التقدم نحوها.

- «اعذريني يا آنسة، هل أنت ذاهبة إلى المدينة؟»

- «تعني، إلى مدينة نيويورك؟»

- «نعم يا آنسة، إلى مدينة نيويورك.»

فأجابت وهي تحدق فيه: «نعم».

قال: «وأنا أيضاً» وقد قرر الذهاب في تلك اللحظة، لكنه كان يعرف تماماً بأنه كان يحمل من النقود ما يكفي لدفع ثمن التذكرة. «لكنني لا أعرف المدينة جيداً، فهل تعرفينها أنت؟»

- «لماذا؟ لا، ليس تماماً» أجابته وهي تمعن التحديق فيه أكثر، لم يكن لديها أدنى فكرة عمن يمكن أن يكون هذا المعتوه، أو ما الذي يسعى وراءه. لكنها في الحقيقة سبق وأن ذهبت إلى نيويورك أكثر من مرة بصحبة طبّالها.

قال: «حسن، لدي عمٌّ يعيش هناك، وقد أعطاني عنوانه مرة، ولا أدري إن كنت تعرفين أين يقع هذا العنوان.» كان لا يكاد يعرف شيئاً عن نيويورك، فقد كان عمله بنحو أساسي خارج سان فرانسيسكو، لذلك فقد أعطى أمي عنواناً من محض اختراعه، مما زاد من خوفها. فقد كان العنوان في مكان ما من وول ستريت.

قالت: «لماذا؟ نعم، لكنني لا أعرف إن كان أحد من الملونين يعيش هناك». فهي لم تجرؤ أن تقول لذلك المجنون أن لا أحد يعيش في ذلك المكان؛ إذ ليس فيه سوى الكافتيريات، والمستودعات، والمقاهي. واكتفت بالقول: «لا يعيش هناك سوى البيض.» وكانت في تلك اللحظة تبحث بعينيها عن مكان لتلوذ بالفرار.

قال: «هذا صحيح، فعمي رجل أبيض.» ثم جلس إلى جانبها.

كان عليه أن يذهب إلى شباك التذاكر ليحصل على تذكرته، لكنه لم يرغب بأن يبتعد عنها خطوة واحدة خوفاً من أن تختفي. وهكذا وصل الباص، فوقفت. ووقف هو أيضاً وحمل حقيبتها قائلاً: «اسمحي لي.» أمسك بها من مرفقها وقادها أمامه إلى شباك التذاكر حيث وقفت بجانبه ريثما يشترى تذكرته. وحقيقة الأمر أنها لم تكن تعرف كيف تتصرف حيال هذا المأزق سوى رغبة انتابتها بالصراخ لطلب النجدة. لم يكن بمقدورها، بأية حال، أن تمنعه من ركوب الباص. ولم يتبق لديها سوى الأمل بأن تقرر شيئاً قبل الوصول إلى نيويورك.

حسن، كانت تلك هي المرة الأخيرة التي رأى والدي فيها محطة الباص تلك، كما أنها المرة الأخيرة التي حمل فيها حقيبة لغريب.

وبالطبع، فلدى وصولهما إلى نيويورك، لم تنجح في الهروب منه. أما هو فلم يبد عليه أنه كان في عجلة من أمره للعثور على عمه الأبيض. وصلا إلى نيويورك حيث ساعدها لتستقر في نُزُل، وذهب هو إلى الغرفة رقم 25 في النزل نفسه. وفي الصباح جاء إليها لتناول الفطور. وفي غضون أسبوع، تزوجها وعاد إلى البحر. وهكذا استقرت والدتي، المذهولة الصغيرة في تلك المدينة.

سوف تستقبل نبأ الحمل برضا، على ما أعتقد، وهذا ينطبق على سيس إرنيستاين. أما والدي فسيعتبره أمراً صعباً، لكن السبب الوحيد في ذلك يعود إلى أنه لم يكن كثير التواصل مع ابنته بالقدر الذي كانت عليه أمي وإرنيستاين، مما سيجعله يظهر قدراً أكبر من القلق، وبطريقة مختلفة.

كنا نسكن في الطابق العلوي من المبنى. ولدى وصولي، لم يكن ثمة أحد في البيت. لقد عشنا هنا حوالي خمس سنوات، وهي شقة جيدة، على غير ما اعتدنا من شقق مشاريع الإسكان. أما أنا وفوني فقد خططنا أن نجهِّز عليّة في منطقة الإيست فيليج، ونجري عليها بعض التحسينات. فهي تبدو بالنسبة إلينا أفضل لأننا لا نملك المال الكافي لتغطية نفقات العيش في المشروعات السكنية. كما أن فوني يكره تلك المشروعات، إذ لن يكون في تلك الشقق مكان يقوم فيه بنحت تماثيله. والأماكن الأخرى في هارليم كانت أسوأ حتى. فأنت لن تتمكني من بدء حياتك في أماكن لا تزال ملامحها قابعة في ذاكرتك. كما أنه لن يروق لك أبداً تربية ابنك هناك. وهو أمر يدعو إلى التفكير. فكم من الأطفال نشؤوا في تلك الأماكن، بصحبة جرذان بحجم القطط، وصراصير بحجم الفئران. أما عظام سيقانهم فلم يكن حجمها أكبر من إصبع اليد، لكنهم رغم ذلك وجدوا طريقهم إلى النجاة، وهذا بالطبع إذا تركت جانباً أولئك الذين قضوا. ولكنك في الحقيقة تجدين بصورة دائمة في حياة أولئك الأطفال الذين عاشوا، أو يعيشون في هذه الأماكن ما يدعو إلى الحزن والتفجع.

لم يكن قد مضى على وصولي إلى البيت خمس دقائق حين دخلت أمي من الباب. كانت تحمل حقيبة تسوق وترتدي ما أسميه قبعة التسوق، وهي قلنسوة لينة لونها «بيج».

ابتسمت قائلة: «كيف حالك يا صغيرتي؟» لكنها أرفقت سؤالها بنظرة حادة. «وكيف حال فوني؟»

- «على حاله، إنه بخير، ويرسل حبه.»

- «جيد، هل رأيت المحامي؟»

- «ليس اليوم، علي الذهاب يوم الاثنين بعد أن ينتهي الدوام»

- «هل ذهب المحامي لرؤية فوني؟»

- «لا.»

تنهدتْ وخلعتْ قبعتها ووضعتها على جهاز التلفاز. وحملت أنا حقيبة التسوق وذهبنا إلى المطبخ. وبدأت أمي بإخراج ما الأشياء التي اشترتها.

كنت أراقبها وأنا نصف جالسة، ونصف متكئة على المغسلة. ثم انتابني للحظة إحساس بالخوف إذ شعرت ببطني يرتفع قليلاً إلى الأعلى. وأدركت حينها أنني قاربت شهري الثالث، وأن علي إخبارها. لم يظهر علي، حتى الآن، شيء بعد، لكنني إن توانيت فسيأتي يوم ترمقني أمي فيه بنظرة حادة أخرى.

كنت لا أزال أراقبها وأنا نصف جالسة ونصف متكئة، كانت تقف أمام البراد، وتنظر باشمئزاز، إلى دجاجة فيه. أخرجتها وهي تهمهم أثناء تنفسها، ولكن بتلك الطريقة التي تهمهمين بها حين يكون ذهنك مركزاً على شيء معين، شيء مزعج على وشك أن يحاصرك، على وشك أن يصدمك - وفجأة انتابني إحساس بأنها على علم بالأمر منذ زمن، إلا أنها تنتظرني فقط لأخبرها بنفسي.

قلت: «ماما!»

أجابت: «نعم يا صغيرتي بيت(*)؟» وهي لا تزال تهمهم.

لكنني لم أقل شيئاً. وبعد دقيقة استدارت نحوي بعد أن أغلقت باب البراد ونظرت إلي.

بدأت بالبكاء. تلك هي نظرتها.

لبثت في مكانها للحظة. ثم دنت مني ووضعت يداً على جبهتي ويداً على كتفي وقالت: «تعالي إلى غرفتي، فوالدك وسيس على وشك الوصول.»

ذهبنا إلى غرفتها. جلستُ على السرير وأغلقت أمي الباب. لم تلمسني، بل جلست هادئة وحسب. وكأنها أدركت أنه يجدر بها أن تكون متماسكة جداً لأنني كنت مشتتة تماماًً.

قالت: «تيش، أؤكد لك بأني لا أعتقد أن وضعك يدعو إلى البكاء.» تحركت قليلاً وأردفت: «هل أخبرت فوني؟»

- «قلت له لتوي اليوم. فكرت أنه يتوجب علي إخباره هو أولاً.»

- «حسناً فعلت. وأراهن أنه ضحك ملء وجهه، أليس كذلك؟»

وهنا استرقت نظرة إليها وضحكت، وقلت: «نعم. بالتأكيد»

- «لا بد وأنك - لنر - قاربتِ على الشهر الثالث؟»

- «تقريباً.»

- وما الذي يبكيك؟»

ثم لمستني وأخذتني بين ذراعيها وهدهدتني، فأخذت أنا بالنشيج.

أعطتني منديلاً فاستنثرتُ، ومشت هي نحو النافذة واستنثرَت بدورها.

قالت: «والآن اسمعي. لقد مشيتِ على هواكِ بما فيه الكفاية، دون أن تهتمي بأن تعرفي إن كنت فتاة سيئة أم لا، أو تنتبهي لكل تلك التصرفات الحمقاء التي كنت ترتكبينها. ولطالما أمِلتُ بأن أكون قد ربيتك بطريقة أفضل من ذلك. لو أنك فتاة سيئة يا تيش، لما كنت الآن جالسة على هذا السرير، بل لتابعت اختراع حيل تقدمينها لمن يلاحظ التغيرات الطارئة على جسمك.»

عادت وجلست على السرير، وبدا أنها تستجمع أفكارها لإيجاد الكلمات المناسبة.

قالت: «تيش، لدى قدومنا إلى هنا أنا ووالدك، لم يعين لنا الرجل الأبيض كهنة يقومون بتكليلنا قبل أن ننجب أطفالنا. أما أنت وفوني فقد اخترتما العيش معاً بملء إرادتكما، متزوجين أو غير متزوجين، دون أن يكون لذلك الرجل الأبيض اللعين يد في ذلك. لذلك دعيني أخبرك بما يتوجب عليك فعله. عليك أن تفكري بذلك الطفل. عليك أن تحافظي عليه، دون أن تلقي بالاً لأي أمر آخر سواءً حدث أم لم يحدث. عليك أن تحرصي على ذلك، لا يمكن لأحد غيرك أن يقوم به. أما نحن، فسنعتني بك. وسنعمل على إخراج فوني. لا تخافي. أعرف أن ذلك صعباً - ولكن لا تقلقي. هذا الطفل هو أفضل ما حصل عليه فوني. إنه بحاجة إلى ذلك الطفل، لأنه سيمنحه قدراً كبيراً من الشجاعة.»

وضعت إصبعها تحت ذقني، وهي دعابة كانت تقوم بها أحياناً، ونظرت إلى عيني، باسمة.

- «هل تفهمينني، تيش؟»

- «نعم، ماما. نعم»

- «والآن، حين يصل والدك وإرنيستاين، سنجلس معاً إلى الطاولة، وسأخبر العائلة. أظن أن ذلك أسهل عليك، أليس كذلك؟»

- «نعم، نعم»

نهضت عن السرير.

- «اخلعي ملابس الطريق واستلقي لبرهة. وسأعود لاصطحابك.»

فتحت الباب.

- «نعم ماما... ماما!»

- «نعم، تيش؟»

- «شكراً، ماما».

ضحكت. «حسناً تيش، يا ابنتي، لا أدري على ماذا تشكرينني، لكنك بالتأكيد أحبُّ من أن أقولك لك على الرحب والسعة.»

أغلقت الباب وسمعت صوتها في المطبخ. خلعت ملابسي وحذائي واستلقيت على السرير. كانت تلك ساعة المغيب، حين تبدأ أصوات الليل بالانطلاق.

قرع جرس الباب. وسمعت أمي تصيح: «قادمة!» دخلت إلى الغرفة ثانية، وهي تحمل كوباً صغيراً وفي قعره قليل من الويسكي.

- «هيا، انهضي واشربي هذا، فهو يفيدك.»

ثم أغلقت باب غرفة النوم خلفها وسمعتها تجتاز القاعة المؤدية إلى الباب الأمامي. كان ذلك والدي، وكان في مزاج حسن، فقد سمعت ضحكته.

- «هل عادت تيش إلى البيت؟»

- «إنها تأخذ قسطاً من الراحة في الداخل. فقد كانت مرهقة.»

- «هل رأت فوني؟»

- «نعم. رأت فوني، ورأت سجن (التومز) من الداخل أيضاً. لذلك تركتها تستلقي قليلاً.»

- «وماذا عن المحامي؟»

- «سوف تراه يوم الاثنين.»

أحدث والدي صوتاً، فقد سمعت صوت فتح وإغلاق باب البراد، ثم تجرع زجاجة بيرة.

- «أين سيس؟»

- «إنها على وشك الوصول. فدوامها طويل»

- «باعتقادك كم سيكلفنا هؤلاء المحامون اللعينون إلى أن ينتهي هذا الأمر؟»

- «جو، تعلم جيداً أن توجيه مثل هذا السؤال إلي هو ضرب من الهراء.»

- «حسن، إنهم متأكدون من أنهم سيقومون بذلك، الحقيرون، أبناء العاهرة.»

في تلك اللحظة صبت أمي لنفسها بعض الجن مع عصير البرتقال وجلست إلى الطاولة، في مواجهته. وهي تهز قدمها، وتفكر.

- «كيف كانت الأحوال اليوم؟»

- «حسنة.»

يعمل والدي على أرصفة الموانئ، فهو لم يعد يبحر. وكلمة (حسنة) تعني أنه لم يشتم أكثر من شخص أو شخصين طيلة اليوم، أو أنه لم يهدد أحداً بالموت.

كان فوني قد أهدى والدتي منحوتة من أوائل منحوتاته. حدث ذلك منذ عامين. وفي هذه المنحوتة شيء ما يذكرني دائماً بوالدي. خصصت لها أمي طاولة في غرفة الجلوس. لم تكن المنحوتة مرتفعة جداً، وكانت مصنوعة من خشب أسود. وهي لرجل عارٍ يضع إحدى يديه على جبهته والأخرى يغطي بها جزءاً من عضوه الجنسي. الساقان طويلتان، طويلتان جداً، ومتباعدتان جداً. إحدى القدمين تبدو مزروعة في الأرض، لا يمكنها الحراك. والإحساس العام الذي يغلب على المنحوتة هو معاناة العذاب. كانت تبدو منحوتة غريبة جداً، يصعب التصديق بأن فتى بعمره قد أنجزها، أو أنها على الأقل كانت تبدو غريبة ما لم تفكري بها. كان فوني يذهب إلى مدرسة مهنية يعلمون الأطفال فيها صنع كل أنواع التفاهات. أشياء عديمة الفائدة حقاً، طاولات لورق لعب، ومساند للأقدام، وخزائن ذات أدراج من النوع الذي لا يفكر أحد بشرائه. من ذا الذي يشتري أثاثاً مصنَّعاً يدوياً؟ الأغنياء لا يفعلون ذلك. فهم يقولون بأن هؤلاء الأطفال صُمّ، لذلك فهم يعلمونهم أن يعملوا بأيديهم. لكن الأولاد لم يكونوا صماً. بيد أن الأشخاص الذين يديرون هذه المدارس لا يتقصدون الحدَّ من ذكائهم وحسب، بل ويعلمونهم كيف يكونون عبيداً أيضاً. لم يكن فوني مولعاً بهذه المدرسة أبداً، مما حدا به أن يتركها بعد أن سرق معظم الخشب من المشغل. وقد استغرق ذلك معه حوالي أسبوع. في اليوم الأول سرق الأدوات وفي اليوم التالي الخشب. لكن المشكلة كانت في نقل الخشب؛ إذ لا يمكنك أن تخفيه في جيبك أو تحت معطفك. وفي النهاية، هرب مع صديق له من المدرسة بعد حلول الظلام، وكان قد أفرغ المشغل تقريباً. حملوا الخشب في سيارة لأخي صديقه. وأخفوه في قبو لأحد أصدقائهم الذي كان بواب عمارة، وأحضر فوني الأدوات إلى بيتي، وما يزال بعض ذلك الخشب تحت سريري حتى الآن.

لقد اهتدى فوني إلى عملٍ يقدر على القيام به، ويرغب بالانخراط فيه، فحماه ذلك من الموت الذي كان يترصد كل من كان في عمرنا من أولاد. وبما أن الموت كان يتخذ أشكالاً متعددة، وبما أن الناس كانوا يموتون باكراً بطرق مختلفة، فقد غدا الموت نفسه بسيطاً جداً، وكان سببه بمنتهى البساطة أيضاً، كان ببساطة الطاعون. لقد قيل للأولاد بأنهم لا يستحقون حتى أتفه الأشياء، وكان كل ما يرونه حولهم يثبت هذه الحقيقة. لقد قاوموا، وقاوموا، منكبين على أكوام قمامة حياتهم، كالذباب، لكنهم أخفقوا. لقد تعلقت بفوني، وربما يكون هو من أنقذني؛ كان الفتى الوحيد الذي لم يتعاط الإبر أو يشرب النبيذ الرخيص أو يسلب الناس أو يسرق المتاجر. كما أنه لم يحلق شعره بالموس قط، فهو لا يزال أزغب. وقد بدأ يعمل طباخاً بدوام قصير في ملهى يقدم المشاوي، وبذلك استطاع أن يحصل على لقمته، كما أنه وجد قبواً يمكنه أن يشتغل فيه على منحوتاته الخشبية. وكان يقضي في بيتنا وقتاً أطول من ذلك الذي يقضيه في بيته.

كانت الشجارات في بيته تحتدم على نحو دائم. إذ أن السيدة هانت لم تكن راضية عن فوني وعن أساليبه في الحياة. وكانت الأختان تقفان إلى جانب والدتهما، خاصة وأنهما الآن تواجهان مشكلة رهيبة. فقد أصبحتا بعمر الزواج، دون أن تجدا حولهما شخصاً مناسباً. لقد كانتا من فتيات هارليم العاديات، رغم أنهما تعيشان بعيداً في المدينة الجامعية التي لم تمنحهما أي شيء على الإطلاق؛ لم يكن الإخوة من ذوي المراتب ليرغبوا بهما. أما أولئك الذين يبحثون عن زوجات سوداوات فكانوا يريدونهما سوداوتان، في حين أن أولئك الذين يفضلون أن تكون زوجاتهم بيضاوات فهم يرغبون بأن تكونا بيضاوتان. وهكذا بقيتا حيث هما، وألقتا كل اللوم على فوني. وبين صلوات الأم، التي كانت كاللعنات، وهيجانات الأختين التي كانت أشبه برعشات الجماع لم يستطع فوني الاحتمال. وحتى فرانك لم يكن كفؤاً لتحمل أولئك الجنيات الشريرات الثلاث. فقد كان سريع الغضب، ويمكنك أن تتصوري حينئذ الصراخ الذي كان يدوي في ذلك البيت. كان فرانك قد بدأ يتعاطى الكحول، وأنا لا ألومه. كان في بعض الأحيان يأتي إلى بيتنا أيضاً مدعياً أنه يبحث عن فوني. فقد كان الوضع بالنسبة إليه أسوأ مما بالنسبة لفوني. لقد خسر محل الخياطة وبدأ يعمل في مركز للألبسة الجاهزة، معتمداً أحياناً على فوني، بالطريقة نفسها التي كان فوني يعتمد عليه فيها فيما مضى. ولم يكن أحدهما، بكل حال، يملك بيتاً آخر يأوي إليه. مما حدا بفرانك أن يلجأ إلى الحانات التي لم ترق لفوني يوماً.

إن الشعور الذي أنقذ فوني، كان هو نفسه الذي سبب له المشاكل وأودى به إلى السجن. فقد وجد محور اهتمامه، محور اهتمامه الخاص، في داخله، وكان ذلك بادياً عليه. لم يكن عبداً لأحد، الأمر الذي يعتبر، بحد ذاته، جريمة في هذا البلد الحر القميء. من المفترض أن تكوني أمةً لأحدهم، وإلا فأنت أمةٌ سيئة. وهذا ما قرره رجال الشرطة عندما انتقل فوني إلى مركز المدينة.

وصلت إرنيستاين بجسدها النحيل. يمكنني أن أسمعها وهي تضايق والدي.

كانت تعمل في مدرسة داخلية للأولاد في مركز المدينة. حيث يربى فيها الأولاد حتى عمر الرابعة عشرة أو نحو ذلك، صبياناً وبناتٍ. إنه عمل شاق، لكنها كانت تحترمه؛ ولو لم تكن كذلك، لما استطاعت الاستمرارية. وهي ميزة غريبة في البشر. عندما كانت إرنيستاين صغيرة كانت تافهة إلى أبعد درجات التفاهة. فقد كان شعرها مصففاً بصورة دائمة، وثيابها نظيفة باستمرار، وكانت تدأب على الجلوس أمام تلك المرآة اللعينة، كأنها لم تكن تصدق كم هي جميلة. لقد كرهتها لذلك. وبما أنها كانت تكبرني بأربع سنوات تقريباً، فقد اعتبرتني أدنى مستوىً من أن تلاحظني. كنا نتشاجر كالقطط والكلاب، أو لنقل أن ذلك كان أشبه بقتال عاهرتين.

حاولت أمي أن لا تعير بالاً لهذا الأمر. وقد عبرت مرة عن تصورها بأن سيس (التي كنت أدعوها بهذا الاسم في طريقة مني لمناداتها باسمها ولمطالبتها بأن تبادرني بالمثل) ربما تكون مخلوقة للعمل في مجال الإعلان، ولعل المطاف ينتهي بها على المسرح. لم تكن هذه الفكرة تملأ قلبها بالغبطة، ولكن كان عليها أن تتذكر، أعني أمي، شارون، بأنها حاولت مرة أن تصبح مغنية.

ولكن فجأة، بين عشية وضحاها، تغير كل شيء. فقد أصبحت سيس طويلة، طويلة ونحيلة. وأخذت ترتدي بنطالاً وتربط شعرها، كما أنها بدأت تقرأ الكتب، تلك التي لم تعد تقرأ على نطاق واسع. كنت كلما عدت من المدرسة إلى البيت، وهي موجودة هناك، تكون منكبة بالضرورة على شيء، أو مستلقية على الأرض وهي تقرأ. توقفت عن قراءة الصحف. كما توقفت عن الذهاب إلى دور السينما قائلة: «لست بحاجة إلى المزيد من تفاهات الرجل الأبيض الخادعة. فقد عبث بعقلي بما فيه الكفاية.» لكنها وفي الوقت نفسه، لم تصبح قاسية أو فظة. ولم تكن تتكلم كثيراً عما تقرأ. غدت سيس أكثر لطفاً معي. وبدأ وجهها يتغير. فاتسم بنحول وخصوصية أكثر، وصار أجمل بكثير. أما عيناها الطويلتان الضيقتان، فكانتا تغمضان حين تنظر للوهلة الأولى إلى أي شيء.

صرفت النظر عن خططها للذهاب إلى الكلية، وعملت فترة من الوقت في مشفى. وهناك قابلت فتاة صغيرة كانت تموت، مدمنة مخدرات وهي لا تزال في الثانية عشرة من عمرها. كانت فتاة بورتوريكية وليست سوداء. وكانت تلك فاتحة عمل إرنيستاين مع الأطفال.

- «أين جيزابيل؟»

وهو اسم بدأت سيس تناديني به بعد أن استلمت عملي في قسم العطور في متجر يبيع أشياء متنوعة، وما أزال أعمل فيه حتى الآن. وقد ظنت إدارة المتجر بأن إعطاء هذا العمل لفتاة ملونة هو فعل جريء جداً وتقدمي جداً. أما أنا فكنت أقف خلف تلك الطاولة اللعينة، مبتسمة ملء فمي إلى أن تؤلمني أسناني الخلفية، لأسمح للسيدات العجائز التعبات بشم ظاهر يدي طيلة النهار. وقد ادعت سيس بأني حين أعود إلى المنزل أكون مفعمة برائحة شبيهة برائحة لويزيانا العاهرة.

- «عادت، وهي تسترخي في غرفتي.»

- «هل هي بخير؟»

- «إنها متعبة. فقد ذهبت لرؤية فوني.»

- «وكيف يتعامل فوني مع الموضوع؟»

- «يتعامل معه!»

- «يا رب. سأعدُّ لنفسي شراباً. هل تريدين مني أن أطبخ؟»

- «لا. سوف أضع الطعام حالاً.»

- «هل رأت السيد هيوارد؟»

والسيد هيوارد هو المحامي الذي وجدته لي سيس عن طريق المدرسة الداخلية، التي اضطرت إلى التعامل فيها مؤخراً مع المحامين من أجل بعض الأمور.

- «لا. سوف تراه يوم الاثنين، بعد الدوام.»

- «هل ستذهبين معها؟»

- «أعتقد أن من الأفضل أن أرافقها.»

- «نعم. وأنا أظن ذلك أيضاً - أبي، من الأفضل لك أن تتوقف عن شرب البيرة، فأنت ستصبح كبيراً بحجم البيت - وأنا سوف أهاتف للمحامي من العمل، قبل أن تصلا أنتما إلى هناك. - هل تريد قليلاً من الجن في تلك البيرة، أيها العجوز؟

- «ضعيها جانباً، يا ابنتي العزيزة، قبل أن أتوقف.»

- «تتوقف! - هنا!»

- «وأسلخ جلدك. من الأفضل لك أن تستمعي إلى أريثا وهي تغني «احترم.» - أنت تعلمين، تعتقد تيش بأن المحامي يريد مزيداً من المال.»

- «أبي، دفعنا له من أجل التوكيل ما لم يبقِ لدى أي منا ملابس ليرتديها. أعلم أننا سندفع الأتعاب. لكن لا يفترض به أن يأخذ المزيد من النقود قبل أن تتقرر جلسة محاكمة فوني.»

- «يقول إنها قضية صعبة.»

- «يا للهراء. ولم المحامي إذاً؟»

قالت أمي: «لجمع النقود.»

- «حسن، هل تكلم أحدكم إلى عائلة هانت مؤخراً؟»

- «إنهم كما تعلمين لا يريدون معرفة شيء عن الأمر. فالسيدة هانت وكاميليتيها يشعرن بالخزي. وفرانك المسكين لا يملك أية نقود.»

- حسن، من الأفضل ألا نتكلم عن ذلك أمام تيش. سوف نجد طريقة نتدبر فيها الأمر.»

- «يا للعنة. سوف نتدبر الأمر. وكأن فوني واحد منا.»

قالت أمي: «إنه واحد منا.»

أشعلتُ الأضواء في غرفة نوم أمي، ليعرفوا أني مستيقظة، ونظرت إلى نفسي في المرآة. رتبت شعري وذهبت إلى المطبخ.

فبادرتني سيس: «حسن، على الرغم من أنه يصعب علي القول بأن جمالك ما يزال يجعلك غاية في الحسن، إلا أنني معجبة بطريقتك في المثابرة.»

قالت أمي بأننا إذا أردنا أن نأكل، فعلينا أن نغادر مطبخها لبرهة، وهكذا ذهبنا إلى غرفة الجلوس.

جلستُ على مسند القدمين، اتكأت على ركبة والدي. وكانت الساعة تشارف على السابعة والشوارع مليئة بالضجيج. شعرت بهدوء شديد بعد يومي الطويل. بدأ طفلي الآن يصبح حقيقة بالنسبة لي. هذا لا يعني بأنه لم يكن حقيقة من قبل؛ لكنني، الآن، وبطريقة ما، كنت وحيدة معه. تركت سيس الأضواء خافتة، ووضعت شريط تسجيل لري تشارلز وجلست على الكنبة.

استمعت إلى الموسيقى والأصوات القادمة من الشارع. كان والدي يضع يده على شعري بلطف. وسرى في الجو حولنا انسجام تام: أصوات الشارع، وصوت "ري" وعزفه على البيانو، ويد والدي، وظل أختي والأصوات والأضواء الآتية من المطبخ. بدا ذلك أشبه بلوحة، أو بمشهد حبيس في فخ الزمان: لم يزل هذا يحدث منذ مئات السنين؛ أناس يجلسون في غرفة ينتظرون العشاء، ويستمعون إلى موسيقى البلوز. ومن كل هذه العناصر، من هذا الانتظار، ومن لمسة والدي، ومن الأصوات المنبعثة عن أمي في المطبخ، ومن طريقة سقوط الضوء الخافت، ومن الموسيقى المتواصلة خلف كل شيء، ومن حركة رأس إرنيستاين وهي تشعل سيجارة، وحركة يدها وهي تلقي عود الثقاب في المنفضة، ومن الأصوات البشرية الضبابية المنبعثة من الشارع، من اضطرام ورسوخ الحزن المحتفي، بطريقة ما، بالانتصار، من كل تلك العناصر كان طفلي يتشكل ببطء. وكنت أتساءل إذا ما كان سيحمل عيني فوني. تماماً كما تساءل أحدهم، منذ فترة ليست بالبعيدة، عن عيني جوزيف، الذي أسند يده على رأسي. ولكن ما أثار انتباهي فجأة، وأكثر من أي شيء آخر، كان أمراً لطالما عرفته لكنني لم أكترث به، وهو أن هذا الطفل هو لي ولفوني، أنجبناه معاً، كنا سوية، دون أن يعي أي منا ذلك تمام المعرفة، كيف سنبدو إذا ما انصهرنا معاً؟ لكن ذلك جعلني، بطريقة ما، أفكر بفوني وأبتسم. هدهد والدي بيده على رأسي قليلاً، فتذكرت لمسة فوني، تخيلته بين ذراعي، تخيلت تنفسه، ولمسته، ورائحته، وثقله... ذلك الحضور الساحق والجميل الذي يدخلني.. تنفسه الذي يغدو أعمق وأعمق، حين نكون متشابكين، كأننا مربوطين بخيط ذهبي، وهو يغوص أعمق وأعمق ليس بداخلي بقدر ما هو بداخل مملكة تمتد في عينيه فقط. وهي الطريقة نفسها التي كان يعمل فيها على الخشب. وبهذه الطريقة أيضاً كان يعمل في الحجر. ولو لم أره وهو يعمل، لما عرفت على الأرجح أبداً بأنه يحبني.

إنها معجزة حين تكتشف أن أحدهم يحبك.

بادرتني إرنيستاين مشيرة بسيجارتها: «تيش؟»

- «نعم.»

- «في أي وقت سترين المحامي يوم الاثنين؟»

- «بعد زيارة السادسة. سأكون هناك حوالي السابعة. قال بأنه يعمل حتى وقت متأخر في كل الأحوال.»

- «إذا ما ذكر أي شيء حول المزيد من النقود، قولي له أن يتكلم معي، هل سمعت.»

- «لست أدري ما جدوى ذلك، إذا كان يريد المزيد من النقود، فهو يريد المزيد من النقود».

قال والدي: «افعلي ما تقوله لك أختك،»

قالت إرنيستاين: «إنه لن يتحدث إليك بالطريقة التي يتحدث إلي فيها، فهل بإمكانك أن تفهمي ذلك؟»

في النهاية قلت: «نعم، يمكنني أن أفهم.» ولكن لأسباب لم أستطع تفسيرها، شعرت بشيء ما في صوتها أخافني حتى الموت. وتملكني الشعور الذي رافقني طيلة اليوم، بأنني وحيدة أمام مشكلتي. ليس بمقدور أحد مساعدتي، ولا حتى سيس. لكن إصرارها وحده على مساعدتي أكد لي بأنها ترغب بذلك فعلاً. إلا أنني اكتشفت أنها كانت خائفة، أيضاً، رغم محاولتها بأن تبدو هادئة وقوية. وتبينت أنها عرفت كل شيء عن الأمر من خلال تعاملها مع المحامين من أجل الأولاد الذين كانت مسؤولة عنهم في المدينة. أردت أن أسألها كيف يمكن للتعامل مع هؤلاء المحامين أن يؤتي ثماره. أردت أن أسألها إن كان فعلاً سيؤتي ثماره.

اعتدنا، عندما نكون وحدنا في البيت، أن نتناول الطعام في المطبخ، ربما كانت هي الغرفة الأهم في البيت؛ ففيها تبدأ الأمور وتأخذ مجراها ثم تنتهي. أعني أن كل ما يحدث فيما بيننا يجري هنا، في هذه الغرفة. واليوم، بعد انتهاء العشاء، اتجهت أمي إلى الخزانة وأحضرت منها زجاجة قديمة، زجاجة احتفظت بها لسنوات، وهي من البراندي الفرنسي المعتق. تعود هذه الزجاجات إلى أيام كانت تعمل مغنية، مع الطبال. كانت هذه هي الزجاجة الأخيرة، ولم تكن مفتوحة بعد. وضعت الزجاجة على الطاولة، أمام جوزيف، وقالت: «افتحها». أحضرت أربعة أكواب ووقفت إلى جانبه بينما هو يفتح الزجاجة. ولم يخطر لجوزيف وإرنيستاين ما يدور في خلد أمي. لكنني فهمت تصرفها، وبدأ قلبي يقفز.

فتح والدي الزجاجة. قالت له أمي: «أنت رجل البيت، يا جو، ابدأ بصب الشراب.»

أمر غريب لدى البشر. فأنت أحياناً تشعرين بشيء قبل حدوثه مباشرة. وتعرفين هذا الشيء، أنا متأكدة. لكن الوقت يكون أسرع من أن تتفوهي به. وهذا ما حدث لك الآن، لم يكن لديك الوقت لتخبري نفسك بما كانت أمي تنوي أن تفعله.

تغيرت ملامح والدي بطريقة لا يمكنني وصفها. أصبح وجهه واضحاً كحجر. كل خط فيه وكل زاوية غدت واضحة بصورة مفاجئة، وازدادت عيناه سواداً. أصبح فجأة ودون سابق إنذار، انجلاء غموض الموقف، وتحول اللغز إلى واقع، كان يتلهف إلى معرفة حقيقة هذا اللغز.

راقبت سيس والدتي بعينيها وهي في منتهى الهدوء. كانت عيناها طويلتان جداً وضيقتان، وقد رسمت على فمها ابتسامة صغيرة.

لم يوجه أحد منهم نظره نحوي. بالنسبة إليهم، لم يكن لوجودي هناك أية علاقة بالأمر. كنت حاضرة بينهم مثل حضور فوني، ومثل حضور طفلي، الذي بدأ لتوه، يستفيق من نوم طويل طويل، ويتحرك، ويصغي، في مكان ما تحت قلبي.

صب والدي الشراب، ووزعت أمي علينا الكؤوس. نظرت إلى جوزيف، ثم إلى إرنيستاين، ثم نظرت إلي ـ وابتسمت.

قالت: «إنه قربان مقدس. لا... لم أفقد عقلي، فنحن نشرب نخب حياة جديدة. فتيش حامل بابن فوني.» لمست جوزيف وقالت: «اشرب.»

لحس والدي شفتيه، محدقاً بي. كان من الصعب على أحد منا أن يتقدمه بالكلام. حدقتُ فيه. لم أكن أعرف ما الذي سيقوله. وضع جوزيف كأسه على الطاولة، ثم تناوله ثانية. كان يحاول أن يتكلم، يريد أن يتكلم، لكنه لم يستطع. نظر إلي كأنما يحاول أن يجد شيئاً، شيئاً ما في وجهي يمكن أن يساعده. ولاحت ابتسامة غريبة على وجهه، لكنها لم تكن واضحة بعد، وبدا وكأنه مضى في رحلة عبر الزمن إلى الماضي وإلى المستقبل في آن معاً. وقال: «إنه خبر جهنمي.» ثم شرب بعض البراندي، وقال: «ألن تشربي نخب الصغير، يا تيش؟». تجرعت القليل من البراندي وسعلت، فضربتني إرنيستاين على ظهري. ثم أخذتني بين ذراعيها. وكانت الدموع تنساب على وجهها. ابتسمت لي ـ لكنها لم تقل شيئاً.

سأل والدي: «ومنذ متى كان ذلك؟»

أجابت أمي: «منذ ثلاثة أشهر.»

قالت إرنيستاين: «نعم، هذا ما لاحظته.» وقد فاجأتني بذلك.

قال والدي: «ثلاثة أشهر!» كأن خمسة أشهر، أو شهرين كانت ستغير الأمور أو تعطيها معنى آخر.

قلت: «منذ شهر آذار» وقد اعتقل فوني في آذار.

قال والدي: «استطعتم الزواج بينما كنتم تبحثون في الأرجاء عن مكان.» كان وجهه مليئاً بأسئلة لم يكن ليجد حرجاً لو كان سيطرحها على ابنه الشاب، أو لنقل أن رجلاً أسود فقط لا يجد حرجاً في ذلك، أما أن يطرحها على ابنته فهذا أمر غير وارد. وقد أشعرني ذلك بالغضب للحظة، ثم زال ذلك الشعور عني. يبدو أن علاقة الآباء بأبنائهم شيء، وعلاقتهم ببناتهم شيء آخر.

من غير المجدي أن تبحثي في هذا اللغز، فالغوص فيه ليس بسيطاً بعده مثلما أنه ليس مأموناً. فنحن لا نعرف أنفسنا بما فيه الكفاية. من الأفضل لك في ظني أن تعرفي بأنك لا تعرفين، لأنك بهذه الطريقة يمكن أن تكبري مع اللغز طالما أن اللغز يكبر فيك. أما في هذه الأيام، فكل شخص يعرف كل شيء. ولهذا السبب تجدين العديد من الأشخاص يتخبطون تائهين.

لكنني تساءلت كيف سيتلقى فرانك نبأ أن الزمان لن يطول على ولده، فوني، ليصبح أباً. واكتشفت أن أول ردة فعل يبديها الجميع هي: ولكن فوني في السجن! هذا ما سيفكر به فرانك: تلك هي الفكرة الأولى التي ستتبادر إلى ذهنه. سوف يفكر بأنه إذا حصل شيء ما، فإن ابني لن يرى ابنه أبداً. وجوزيف فكر أيضاً بأنه إذا حدث شيء ما، فإن ابن ابنتي الصغيرة لن يكون له أب. نعم، تلكم هي الفكرة المكبوتة التي جمدت أنفاسنا في المطبخ. وشعرت أن من الضروري أن أقول شيئاً. لكنني كنت متعبة جداً. فاتكأت على كتف إرنيستاين. لم يكن لدي ما أقوله.

سألني والدي: «هل أنت متأكدة بأنك تريدين هذا الطفل يا تيش؟»

قلت: «آه، نعم، وفوني يريده أيضاً، إنه ابننا. ألا تدرك ذلك؟ ووجود فوني في السجن ليس غلطته، ولم يكن سجنه على سبيل التهرب، أو أي شيء من هذا القبيل. وـــ» كانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي أجيب فيها عن الأسئلة التي لم يطرحها والدي - «إنا وفوني أصدقاء مقربين مذ كنا صغاراً. وأنت تعلم ذلك، وسوف نتزوج الآن، إن - إن ــ!»

قالت أمي: «والدك يعلم ذلك، إنه خائف عليك فقط.»

قال والدي: «لا تحسبي أنني أظنك فتاة سيئة، أو شيئاً من هذه الحماقات. إنني أسألك فقط لأنك لا تزالين صغيرة جداً، وهذا كل شيء. وــ»

قالت إرنيستاين: « الأمر صعب، لكننا سنتدبره.»

كانت سيس أعمق معرفة بوالدي مني. والسبب في ذلك، حسب ظني، هو شعورها حين كنا أطفالاً بأنه أحبني أكثر مما أحبها. مع أن هذا لم يكن صحيحاً، وهي الآن تدرك ذلك ـ فالناس يحبّون أشخاصاً مختلفين بطرائق مختلفة - لكن الأمر بدا لها كذلك عندما كنا صغاراً. كنت أبدو أضعف من أن أتدبر أمري، بينما كانت هي تبدو وكأن شيئاً لا يقف في طريقها. فإذا ما كنت تبدين ضعيفة، ينظر إليك الناس بطريقة تختلف عن نظرتهم إليك حين تكونين قوية فعلاً، أو حينما تتظاهرين بأنك قوية. وبما أنك لا ترين ما يرون، فإن ذلك يبدو مزعجاً. وأظن أن هذا هو السبب الذي جعل سيس، عندما كنا صغاراً، تجلس طيلة الوقت أمام تلك المرآة اللعينة، كأنما كانت تقول لنفسها: أنا لا أهتم، فلدي ذاتي. وهذا بالطبع ما جعلها تبدو أقوى مما كانت عليه، وهي النتيجة النهائية التي كانت تسعى لإظهارها. ولكن الوصول إليها يمكن أن يفسدنا في بعض الأحيان. ومع ذلك، اجتازت سيس كل ذلك. فهي تعرف الآن من هي، أو، على الأقل، تعرف أنها في الحقيقة ليست تلك البنت اللعينة التي كانتها. وبما أنها لم تعد تتوجس من الظهور بذلك المظهر المتكلَّف الذي كانت تظهر به، وبعد أن تعلمت كيف تستخدمه وكيف تُخضعه، فقد أصبح بإمكانها أن تسير قُدُماً في أي أمر تقدم عليه؛ وهكذا فهي تستطيع أن تقاطع حديث والدي، في حين أنني لا أجرؤ على فعل ذلك. ابتعدت عني قليلاً وناولتني كأسي قائلة: «ارفعي رأسك يا أختي» ورفعت كأسها لتنقر كأسي وتقول بكل هدوء: «ليحفظ الله الأولاد.» ثم تجرعت كأسها.

قالت أمي: «بصحة المولود الجديد.» وقال والدي: «أتمنى أن يكون صبياً. أراهن أن ذلك سيبهج العجوز فرانك.» ثم نظر إلي وقال: «هل تمانعين في أن أخبره أنا يا تيش؟»

قلت: «لا، ليس لدي مانع.»

- «حسن إذاً، سوف أذهب إلى هناك الآن.»

قالت أمي: «ربما يكون من الأفضل أن تتصل هاتفياً أولاً. فهو غالباً ما يقضي وقته خارج البيت، كما تعرف.»

قالت إرنيستاين: «وأنا يسرني أن أخبر الأختين.»

ضحكت أمي وقالت: «جو، لماذا لا تتصل بهم وتدعوهم جميعاً إلى هنا؟ فالليلة هي سهرة السبت، والوقت ما زال مبكراً، كما أنه ما يزال لدينا الكثير من البراندي في الزجاجة. وأعتقد أنه الوقت الأنسب حقيقة لدعوتهم.»

سألني والدي: «هل يناسبك ذلك يا تيش؟

فقلت: «يتعين فعل ذلك.»

وهكذا، وقف والدي، بعد أن حدق فيّ لحظة، وتوجه إلى الهاتف الموجود في غرفة الجلوس. كان بإمكانه أن يستعمل هاتف الحائط في المطبخ، لكنه ابتسم تلك الابتسامة العريضة التي تملأ وجهه حين يتعين عليه القيام بعمل ويريد منك أن تدركي جيداً بأن عليك أن تبقي بمنأى عن التدخل في هذا العمل.

استمعنا إليه يطلب الرقم. كان ذلك هو الصوت الوحيد الذي يُسمع في المنزل. كان بإمكاننا أن نسمع الهاتف يرن على الخط الآخر. بعدئذ تنحنح ليصفي حنجرته.

ثم سمعنا، «السيدة هانت؟ آه، مساء الخير سيدة هانت. جو ريفيرس يتكلم. كنت أتساءل إن كان بإمكاني أن أتحدث إلى فرانك من فضلك، إن كان في البيت ـ شكراً سيدة هانت.»

تنحنحت أمي وغمزت سيس.

- «مرحباً، كيف حالك؟ نعم، جو يتكلم. أنا بخير يا رجل، أتصل، لأقول، اسمع ـ آه، نعم، لقد رأته تيش هذا المساء، إنه بخير ـ نعم ـ في الحقيقة لدينا الكثير لنتحدث عنه، ولهذا السبب أتصل بك الآن. لا يمكنني أن أقول كل شيء على الهاتف. اسمع. هناك أمر يخصنا جميعاً. نعم. اسمع: لا تأخذني بكل هذه الضجة. استقل السيارة وتعال إلى هنا الآن. نعم. حسن. الآن ـ ماذا؟ انظر يا رجل. قلت أن الأمر يعنينا جميعاً. أليس هناك في بيتكم من يرتدي أي ثياب، بإمكانها أن ترتدي برنس الحمام، هذا كل ما أحتاجه - اخرسي، أيتها الأم العليلة. إنني أحاول أن أكون لطيفاً. يا للخراء. لا تكوني قاسية ـ زجها في المقعد الخلفي من السيارة لكي تخرس. وسارع إلى هنا، الآن، تعال الآن يا رجل. الأمر هام. اسمع. أحضر معك زجاجة من السيكس باك، وسأدفع لك عندما تأتي. نعم. اسمع. هلاّ أغلقت هذا الهاتف وتفضلت بمؤخرتك، أعني بكل مؤخرتك إلى هنا يا رجل؟ خلال دقيقة. إلى اللقاء.»

عاد إلى المطبخ مبتسماً.

جلس وقال: «إن السيدة هانت ترتدي ثيابها.» ثم نظر إلي. وابتسم - ابتسامة رائعة. وقال: «تعالي إلى هنا يا تيش، واجلسي على ركبة أبيك.»

شعرت وكأنني أميرة. أقسم أنني شعرت بذلك. أخذني بين ذراعيه وأجلسني على حضنه وقبلني على جبهتي وأمسك بشعري، شد بقوة في بادئ الأمر، ثم بكل لطف، وقال: «إنك فتاة صالحة يا كليمنتاين. إنني فخور بك، لا تنسي ذلك.»

قالت إرنيستاين: «لن تنسَ، لأنها إن فعلت فإنني سأركلها على مؤخرتها.»

صرخت أمي: «لكنها حامل!»، وأخذت رشفة من شرابها، ثم انفجرنا جميعاً بالضحك. وأخذ صدر والدي يهتز من الضحك، شعرت به يرتفع وينخفض بين عظمي كتفي، وقد انطوت هذه الضحكة على بهجة عارمة، وارتياح لا يوصف، بالرغم من كل ما كان يملأ رؤوسنا من هموم. كنت ابنته. حسناً، لقد وجدت شخصاً أحبه، كما شعرت بأن أحداً ما يحبني، أما هو فقد كان مسترخياً ومفعماً بالثقة. فذلك الطفل الذي بداخلي، هو أيضاً، وبعد كل حساب، ابنه. إذ لا وجود لتيش، لولا وجود جوزيف. وهكذا، فضحكتنا في ذلك المطبخ كانت رداً بائساً على معجزة. فقد كان ذلك الطفل طفلنا، وهو في طريقه إلينا، ويد أبي العظيمة على بطني تحمله وتدفئه. ورغم كل ما كان يخيم فوق رؤوسنا من هموم، كان ذلك الطفل بمثابة الأمان الموعود. لقد أرسله الحب، فنُسج منا، ولنا. إلى أين يمكن أن يأخذنا، لا أحد يعلم. أما الآن، فوالدي، جو، على أتم الاستعداد، ويتملكه شعور أشد حرارة وعمقاً من شعور ابنتيه؛ فهذا الطفل هو بذرة تنحدر من صلبه. ولن يكون بمقدور أية سكين أن تنهي حياته قبل أن يولد ذلك الطفل. أحسست بأن الطفل يشعر بهذا، ذلك الطفل الذي لم يأت بأية حركة بعد ـ شعرت به الآن يقفز تحت يد والدي، راكلاً أضلاعي. وثمة شيء ما بداخلي غنى وترنم، ثم انتابتني حالة الغثيان الصباحي المميت، فألقيت برأسي على كتف والدي الذي أسندني بحنان. وعم هدوء تام. ثم زال الغثيان.

راقبت شارون ما حدث بالكامل، مبتسمة، وهي تهز قدمها وتفكر. وغمزت إرنيستاين ثانية.

وتساءلت إرنيستاين وهي تنهض: «هل نغير ملابسنا من أجل السيدة هانت؟» وعدنا فانفجرنا بالضحك جميعاً.

قال جوزيف: «اسمعن، علينا أن نكون لطيفين.»

قالت إرنيستاين: «سوف نكون لطيفين. الرب يعلم أننا سوف نكون لطيفين. فقد أحسنت تربيتنا. إلا أنك لم تشتر لنا ثياباً قط.» ثم توجهت بحديثها إلى أمي: «أما السيدة هانت والأختان، فلديهن خزانة ملابس! ومحاولة منافستهن أمر لا جدوى منه.» قالت ذلك بيأس وجلست.

قال جوزيف: «أنا لم أعمل في دكان للخياطة.» ثم نظر في عيني وابتسم.

المرة الأولى التي مارسنا فيها الحب أنا وفوني، كانت غريبة. كانت غريبة لأننا كنا نراها، كلانا كنا نراها قادمة. لا يمكن شرح ذلك بهذه الطريقة. لم نرها قادمة. بل، فجأة، كانت هناك. ثم عرفنا أنها لطالما كانت هناك، تنتظر. لم نر اللحظة. بل إن اللحظة هي التي رأتنا، من مسافات بعيدة ـ حيث كانت تربض هناك، بانتظارنا، حرة تماماً. كانت تلعب الورق، وتقذف الصواعق، وتكسر الأعمدة. كانت تنتظرنا بكل هيبتها، ونحن عائدان من المدرسة، لنذهب إلى موعدنا.

اسمعي، لقد سكبت الماء على رأس فوني وخدشت ظهره بأنبوب الحمام. يبدو ذلك الآن وكأنه حدث منذ زمن بعيد. أقسم أنني لا أتذكر أني رأيت عضوه، على الرغم من أنني لا بد قد رأيته بالطبع. كما أننا لم نلعب لعبة الطبيب ـ رغم أنني قد لعبت هذه اللعبة الرهيبة مع صبيان آخرين وفوني لعبها بالتأكيد مع بنات أخريات، وصبيان. لا أذكر أنه كان لدى أي منا أدنى فضول تجاه جسد الآخر على الإطلاق - وذلك بسبب تلك اللحظة المترقبة التي عرَفَتْ أننا كنا نقترب منها. أحبني فوني كثيراً. وكنا بحاجة ماسة إلى بعضنا أيضاً. كل منا كان جزءاً من الآخر، ولحم كل منا كان من لحم الآخر - وهو ما كان يعني بأن جسد كل واحد منا كان بديهياً بالنسبة للآخر وهذا ما جعلنا نغض طرفنا عن اللحم. إن له ساقين، وأنا لي ساقين ـ ولم تكن هذه السيقان كلَّ ما عرفناه، إلا أنها الوحيدة التي استخدمناها. كانت وسيلتنا لصعود ونزول السلم، وفي الحالتين كانت الطريق، صعوداً أو نزولاً، تؤدي بنا إلى بعضنا.

وهذا يعني أنه لم يكن بيننا أبداً ما يدعو للخجل. كنت طيلة الوقت بلا ثديين. الآن فقط بدأ ثدياي يظهران، وسبب ظهورهما في الحقيقة هو الطفل، لكنني حتى الآن لا أملك أردافاً. لقد أحبني فوني إلى درجة فاقت تصوره. وأنا أحببته إلى درجة أن أي صبي آخر لم يكن حقيقياً بالنسبة لي. لم أكن أراهم. لم أكن أعلم ما الذي يعنيه ذلك. لكن اللحظة المنتظرة، التي كانت تراقبنا على الطريق، والتي كانت بانتظارنا، كانت تعلم معناه.

في إحدى الليالي، قبلني فوني وهو يقول تصبحين على خير، كان حينها في الحادية والعشرين، وكنت في الثامنة عشر، فشعرت بعضوه ينتصب ويحتك بي أمامي، ثم ذهب مبتعداً. قلت تصبح على خير، وركضت صاعدة السلم، كما أنه ركض نازلاً السلم. ولم أستطع النوم في تلك الليلة، فقد حدث شيء ما. ثم غاب بعدها. ومضى أسبوعان أو ثلاثة أسابيع لم أره فيها قط، وهي الفترة التي صنع فيها تلك المنحوتة الخشبية التي أهداها لأمي.

اليوم الذي أهداها فيها المنحوتة كان يوم سبت. وبعد أن قدم لها التمثال غادرنا البيت ورحنا نتمشى. كنت سعيدة جداً لرؤيته بعد طول غياب، إلى حد أنني كنت على وشك البكاء. كان كل شيء مختلفاً. مررنا بطرقات لم أعرفها من قبل. مشينا في مكان هادئ تنبعث الموسيقا من أرجائه كافة. كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي ربما شعرت فيها بالسعادة وأدركت أنني سعيدة. وكان فوني يمسك بيدي. كما فعل في صباح الأحد ذاك، منذ زمن طويل، حين ذهبت بنا والدته إلى الكنيسة.

لكن شعره الآن لم يكن فيه أي مفرق، كان كثيفاً يغطي كامل رأسه. ولم يكن يرتدي بذلة زرقاء، بل لم يكن يرتدي بذلة على الإطلاق. كان يرتدي سترة ثقيلة قديمة حمراء وسوداء، وبنطالاً عتيقاً رمادياً من قماش قطني مقشش مخملي. أما حذاءه الثقيل فكان بالياً، وكانت تنبعث منه رائحة الإعياء.

كان أجمل شخص رأيته طيلة حياتي.

كان له ساقان طويلتان بطيئتان، وكان يمشي بساقين مقوستين. نزلنا الدرج إلى نفق القطار، وهو ممسك بيدي. وعندما وصل القطار وكان مزدحماً، لفني بذراعه ليحميني. ونظرت فجأة إلى وجهه. لا يمكن لأحد أن يصفه. لم أكن حقيقة لأحاول وصفه. كان أكبر من العالم، وعيناه أعمق من الشمس، وأوسع من الصحراء. كل ما حدث في العالم منذ الأزل، كان مرتسماً في ذلك الوجه. ابتسم، ابتسامة صغيرة، فرأيت أسنانه. رأيت بالضبط مكان السن المفقود، وتذكرت ذلك اليوم الذي بصق فيه داخل فمي. اهتز القطار، فأمسكني لأصبح أقرب إليه، وسمعت تنهيدة، لم يسبق لي أن سمعتها، كان يحاول كبتها في داخله.

إنه لشعور غريب حين تكتشف أن للآخر جسد ـ فاكتشافك جسده يجعله غريباً. كما أنه يعني بأنك تملك جسداً أيضاً، وسوف تعيش مع هذا الجسد إلى الأبد، وأنه سيتهجى لغة حياتك.

ولكن ما أدهشني حقاً هو أن أكتشف بأنني كنت ما أزال عذراء. لكنني كنت كذلك فعلاً. وفجأة أخذت أتساءل: كيف؟ وتساءلت: لماذا؟ لكن السبب في ذلك كان أنني، ودون وعي مني، قررت أن أقضي حياتي مع فوني. الأمر الذي لجمني، بكل بساطة، عن القيام بأي شيء آخر في حياتي. وكان ذلك يعني بأنني لم أكن عذراء فحسب، بل وطفلة أيضاً.

نزلنا من القطار في ساحة شيريدان، في الفيليج. مشينا شرقاً في شارع ويست فورث. وبما أنه كان يوم السبت، فقد كانت الشوارع مزدحمة إلى حد أن ثقل الناس أفقدها توازنها. كان معظمهم شباناً، ولا بد أن يكونوا شباناً، يمكنك أن تقدّري ذلك. لكنهم بالنسبة لي، لم يكونوا يبدون شباناً. لقد أخافوني. ولم أستطع، فيما بعد، تفسير هذا الشعور. واعتقدت بأنه انتابني بعد أن خيّل إلي بأنهم يعرفون الكثير من الأمور التي لم أطلع عليها. وقد كانوا كذلك فعلاً. إلا أنهم من جهة أخرى، وهذا ما بدأت أدركه الآن، لم يكونوا كذلك. كانوا يعيشون كامل طاقاتهم، يحشدونها دفعة واحدة: المشي، والكلام، والضحك، والثياب القذرة ـ تلك الثياب التي كانت تعبر عن فقر بعيد عن مخيلتهم كبُعد فقرهم عن مخيلتي. كان هناك خليط هائل من البيض والسود معاً. كانوا أحراراً إلى درجة أفقدتهم إيمانهم بأي شيء، وأعمت بصائرهم عن رؤية أن هذه الحرية هي محض وهم يعيشونه، بل إن هذا الوهم هو الحقيقة الوحيدة التي يملكونها. كانوا يفعلون ما يطلب منهم فعله بالضبط.

نظر فوني إلي. وكانت الساعة بين السادسة والسابعة.

- «هل أنت بخير؟»

- «بالتأكيد. وأنت؟»

- «هل تريدين أن تأكلي هنا، أم تفضلين الانتظار إلى أن نعود إلى حيّنا؟ هل ترغبين بالقليل من النبيذ أو البيرة أم تريدين فنجاناً من القهوة؟ أم أنك تفضلين أن نمشي قليلاً ريثما تقررين؟ كان مبتسماً ابتسامة عريضة، كان دافئاً ولطيفاً، وكان يضغط قليلاً على يدي ويهزها.

كنت أشعر بسعادة غامرة، لكنني في الوقت نفسه لم أكن مرتاحة. لم يسبق لي أن شعرت معه بعدم الارتياح.

- «لنذهب إلى الحديقة أولاً.» كنت أود أن نبقى في الخارج برهة من الوقت.

- «حسن.» كانت تلك الابتسامة الجميلة ما تزال مرتسمة على وجهه، كأن شيئاً رائعاً حدث له، لا يشاركه بعد أحد معرفته بذلك الشيء. لكنه سيخبر به أحداً ما في الحال، وسأكون أنا من سيفضي بسره إليه.

عبرنا جادة سيكث المزدحمة. كان مختلف صنوف البشر قد خرجوا يتصيدون شيئاً لسهرة السبت. لكن أحداً لم يعرنا بالاً؛ لأننا كنا معاً وكلانا أسود. وفيما بعد، حين اضطررت إلى المرور من هذه الشوارع وحدي، بدا الأمر مختلفاً، فالناس مختلفون، وأنا بالتأكيد لم أعد طفلة.

قال: «لنسلك هذا الطريق.» ورحنا نقطع الجادة السادسة باتجاه شارع بليكر. ثم اجتزنا شارع بليكر، وأخذ فوني يحدق لحظة في النافذة الكبيرة للقديس ريمو. لم يكن هناك أحد من معارفه، بدا الجميع هناك متعبين بائسين، كأنهم كانوا، يتهيئون بسأم لحلاقة ذقنهم وتغيير ملابسهم استعداداً لسهرة شاقة. أما الأشخاص الجالسون تحت الضوء المبهر فقد بدوا كأنهم جنود في حروب يصعب وصفها. تابعنا مسيرنا. كانت الشوارع مزدحمة الآن بالشابات، البيضاوات منهن والسوداوات، وبالشرطة. رفع فوني رأسه قليلاً، وقبضته تشد على يدي. كان هناك العديد من الأولاد على الرصيف أمام المقهى المزدحم. وكانت تنبعث من آلة الجوك بوكس أغنية أريثا «تلك هي الحياة». كانت غريبة. كل من في الشوارع كانوا يتحركون ويتكلمون، كحال الناس في كل مكان. ولكن رغم ذلك، لم يكن شيء من ذلك يبدو ودياً. كان يشيع فيه ما هو قاس ومخيف. على النحو الذي تصرخ فيه بهياج رداً على شيء يبدو صادقاً، وهو في الحقيقة ليس كذلك. كانت المشاهد مشابهة تماماً لتلك التي نراها في أطراف المدينة. مشاهد الرجال والنسوة العجائز الجالسين عند مداخل المباني، والأولاد الصغار الذين يركضون صعوداً إلى المبنى ونزولاً منه، والسيارات المارة ببطء وسط هذا الاختلاط العظيم، وسيارة الشرطة المتوقفة عند الزاوية، وفوقها شرطيان، بينما يتمشى شرطيان آخران بتمهل على الرصيف. كانت تلك مشاهد شبيهة بما نراها في أطراف المدينة، مع غياب أو ربما زيادة شيء ما، لم أستطع تحديده. لكنه كان مشهداً مفزعاً بالنسبة لي. خليق بالمرء هنا أن يتخذ طريقه بحذر، فجميع الناس كانوا عمياناً. كنا نصطدم بالآخرين. وهو ما دفع فوني إلى أن يضع ذراعه حول كتفي. عبرنا مينيتا تافيرن، واجتزنا مينيتا لين، ومررنا بالصحيفة القابعة على الناصية التالية، ثم اجتزنا الحديقة بخط قطري، كانت جاثمة تحت الظل الضخم لمكتب الأمم المتحدة الجديد في نيويورك بأبنيته المرتفعة من الجهتين الشرقية والشمالية. مررنا بالرجال الذين ما يزالون قابعين منذ أجيال تحت ضوء المصباح يلعبون الشطرنج، وببعض الذين كانوا ينزهون كلابهم، وبالشبان من ذوي الشعر الفاتح والبناطيل الضيقة، والذين ألقوا على فوني نظرة خاطفة، بينما أخذوا ينظرون إلي باستسلام. جلسنا مقابل القوس على الحافة الحجرية للنافورة الجافة. كان هناك الكثير من الناس حولنا، لكن ذلك الشعور الرهيب بانعدام الألفة كان ما يزال يتملكني.

قال فوني: «كنت أنام أحياناً في هذه الحديقة، وهي ليست فكرة حسنة.» ثم أشعل سيجارة وسألني: «هل تريدين سيجارة؟»

- «ليس الآن.» منذ قليل كنت أود البقاء في الخارج برهة. لكنني أشعر الآن برغبة في الذهاب إلى الداخل، بعيداً عن هؤلاء الناس، بعيداً عن الحديقة. - «لماذا كنت تنام في الحديقة؟»

- « لأنني أكون متأخراً. ولا أرغب في أن أوقظ أحداً من أهلي. ولم يكن لدي أي شيء لآكله.»

- «كان بمقدورك المجيء إلى بيتنا.»

- «نعم، لكني لا أريد أن أوقظ أحداً منكم أيضاً.» أعاد سيجارته إلى جيبه. «لكنني أملك الآن شقة قريبة من هنا، سوف أريك ذلك فيما بعد. إن كانت لديك رغبة بذلك.» ثمنظر إلي وقال: «بدأت تشعرين بالبرد والتعب، سوف آخذك لتتناولي شيئاً من الطعام، موافقة؟

- «موافقة، هل لديك المال؟»

- «نعم، فقد تزودت ببعض القطع النقدية، يا عزيزتي. هيا بنا.»

مشينا كثيراً في تلك الليلة؛ اصطحبني فوني في طريق غربية عبر الغرينويتش، مروراً بسجن النساء، حتى وصلنا إلى ذلك المطعم الاسباني الذي كان يعرف كل النادلين فيه، ويعرفونه. إنهم أناس مختلفون عن أولئك الذين في الشارع. ابتساماتهم مختلفة، شعرت أنني في بيتي. كنا في يوم السبت، لكن الوقت كان مبكراً. أجلسونا إلى طاولة في الخلف، ليس لأنهم لا يريدون لأحد أن يرانا، وإنما لأنهم كانوا سعيدين بقدومنا ويريدون لنا أن نمكث أطول فترة ممكنة.

لم يكن لدي خبرة واسعة بالمطاعم، على عكس فوني الذي يتحدث القليل من الإسبانية أيضاً. وقد لاحظت أن النادلين كانوا يلحون عليه مستفسرين عني. وبينما كان يعرِّفني إلى نادلنا، بيدروسيتو ومعناه الأصغر - تذكرت أن الناس في المبنى كانوا يسموننا روميو وجولييت، وكانوا يضايقوننا طيلة الوقت، ولكن ليس بهذه الطريقة.

في بعض الأيام، حين أكون منصرفة من عملي، ويكون متاحاً لي أن أراه مرتين، في منتصف النهار، ثم في السادسة مساء، كنت أذهب عبر الشارع المركزي إلى الغرينويتش، إلى ذلك المطعم، وأجلس في الخلف، فيقدمون لي الطعام بصمت وعناية، حريصين على أن آكل شيئاً. وقد حدث أكثر من مرة أن أخذ لويزيتو، الذي وصل لتوه من إسبانيا والذي كان يتحدث الإنكليزية بصعوبة، طبق عجة البيض البارد الذي طهاه بنفسه، والذي لم ألمسه، وعاد إلي بطبق جديد، ساخن، قائلاً: «سينيوريتا، لأجلك. فوني والطفل بحاجة إلى أن تكوني قوية. ولن يسامحنا إذا ما تركناك تجوعين. فنحن أصدقاؤه. وهو يثق بنا. وعليك أنت أيضاً أن تثقي بنا.» ثم صب لي القليل من النبيذ الأحمر. «إن النبيذ مفيد. بهدوووء.» وحين أخذت رشفة، ابتسم، لكنه لم يتحرك من أمامي إلا بعد أن بدأت بتناول الطعام. ثم قال: «سيكون صبياً.» وابتسم ابتسامة عريضة، ثم غادر. لقد ساعدوني على اجتياز الكثير الكثير من الأيام الرهيبة. وكانوا ألطف الذين قابلتهم في نيويورك. كانوا مهتمين بنا أنا وفوني. وحين كانت الظروف تغدو أكثر قسوة؛ حين أكون مثقلة بهموم جوزيف وفرانك، وتكون شارون منشغلة بالعمل وإرنيستاين بكفاحها، كانوا يرتبون للذهاب في مهمة إلى جوار (التومز)، وكان من البديهي جداً بالنسبة إليهم، وبالتالي بالنسبة إليهم، أن يصطحبوني إلى مطعمهم ومن ثم يرافقوني ثانية عند حلول موعد زيارة السادسة. لن أنساهم ما حييت، لن أنساهم أبداً، وهم يعرفون ذلك.

ولكن، في ليلة السبت تلك، لم أكن أعرف أنهم سيتصرفون معي بطريقة تجعلني أتذكرهم دائماً، وفوني لم يكن يعرف. كنا سعيدين في تلك الليلة، جميعنا كنا سعيدين. وقد شربت كأس مارغريتا رغم أننا كنا جميعاً نعرف أن هذا ضد ذلك القانون اللعين ابن العاهرة التافه الذي يمنع الشراب على من هم أصغر من السن القانوني. أما فوني فقد شرب الويسكي إذ يحق لك قانونياً أن تشربي إذا ما كنت في سن الحادية والعشرين. أمسك بيدي ووضع يده داخل راحتي قائلاً: «فيما بعد أريد أن أريك شيئاً.» ولا يمكنني أن أحزر أي من اليدين كانت ترتجف، أو أيهما كانت تحتضن الأخرى. قلت: «موافقة.» ثم طلب طبق بيللا وحين حضرت أفلت يده من يدي وبدأ يقدم لي الطعام بغاية الاهتمام. وقال: «دورك في المرة القادمة.» ضحكنا وباشرنا الطعام. شربنا النبيذ. وكان هناك شمعدان على الطاولة، ثم جاء أناس آخرون وشرعوا ينظرون إلينا باستغراب، لكن فوني قال: «نحن نعرف أناساً يملكون الكثير من اللحم.» فضحكنا ثانية. كنا نشعر بالأمان.

لم يسبق لي أن رأيت فوني خارج الوسط الذي أتحرك فيه. كنت أراه مع والده ومع أمه ومع أختيه، وكنت أراه عندنا. لكنني لست متأكدة، الآن حين أفكر بالأمر، أنه سبق لي حقيقة أن رأيته معي جسداً وروحاً، حتى تلك اللحظة عندما كنا نغادر المطعم وجميع النادلين يضحكون ويتكلمون معه بالإسبانية والإنكليزية، ووجه فوني مشرق بطريقة لم يسبق لي أن شاهدتها من قبل إلى حد أن جلجلة ضحكته كانت تخرج من خصيتيه، من خصياتهم جميعاً - والواقع أنني لم أره من قبل في وسطه الذي يتحرك فيه. لعلها المرة الأولى التي أراه فيها معي كلياً، لأنه ورغم أنه كان منصرفاً بوجهه عني، وهو يضحك، إلا أنه كان يمسك بيدي. كان غريباً عني، لكنه متحد بي. لم يسبق لي أن رأيته مع رجال آخرين. ولم يسبق أن رأيت الحب والاحترام الذي يمكن أن يكنه الرجال لبعضهم بعضاً.

فكرت بالأمر بعد ذلك بفترة طويلة. رغم أني لم أكن قد أصبحت امرأة بعد - إلا أنني فكرت بأن المرأة حين ترى ذلك المشهد للمرة الأولى ـ فإنها تراه لأنها تحب الرجل، بالدرجة الأولى - ولولا ذلك ما كانت، ربما، رأته قط. فهو يبدو غاية في الانحلال. ففي ذلك الزمان والمكان العاهرين، تتلمس العديد من النساء، وربما معظمهن، في هذا الحماس والطاقة الرجوليين تهديداً. فهو باعتقادهن يعني أنهن مبعدات. والحقيقة هي أنهن يشعرن أنفسهن أمام، لغة لا يستطعن حل رموزها، لذلك يعجزن عن التعامل معها، وبالتالي فمهما حاولن أن يفهمن منها شيئاً آخر غير التحرر، فإنهن يبقين مروعات بفكرة أنهن، في الحقيقة محبوسات، إلى الأبد.. يمكن لرجل واحد فقط أن يرى في وجه امرأة من النساء تلك الفتاة التي كانتها. هذا سر لا يمكن أن ينكشف سوى لرجل بعينه، وبعد إصرار منه على ذلك. أما الرجال فليس لديهم أسرار يخفونها، إلا تلك التي تتعلق بعلاقاتهم النسائية، وهم لا يكبرون بالسرعة التي تكبر فيها النساء. فتنشئة الرجل تحتاج إلى جهد أكبر وتأخذ وقتاً أطول، وهو لا يحقق النجاح أبداً إلا بوجود امرأة في حياته. إنه لغز يمكنه أن يرعب المرأة ويكبلها، وهو الذي يثير لديها دائماً أعمق الأسى؛ لأن عليها أن تراقب وترشد، في حين يتسلم هو القيادة. ويبدو دائماً أنه يولي أصدقاءه من اهتمامه العميق أكثر بكثير مما يوليه لها. لكن ذلك الانفتاح الظاهري الصاخب للرجال فيما بينهم يمكّنهم من التعامل مع هدوء وسرية النساء. ذلك الهدوء وتلك السرية اللذان ينطويان على حقيقة الرجل ويطلقان لها العنان. وأفترض أن جوهر الاستياء، ذلك الاستياء الذي يخفي وراءه رعباً دفيناً، يكمن في حقيقة أن المرأة محكومة، إلى حد بعيد، بالتصور الذي يشكّله خيال الرجل عنها، بوجه الضبط، ساعة بساعة، ويوماً بيوم؛ وهذا ما يجعل منها امرأة. أما الرجل فيكون هو ذاته داخل خياله هو، ولا يمكنه مطلقاً أن يضع نفسه تحت رحمة خيال المرأة. وعلى كل حال، ففي هذا الزمان والمكان العاهرين، يصبح الأمر برمته تافهاً بالنسبة إليك حين تعرفين أن التصور العام عن النساء يفترض أنهن أوسع خيالاً من الرجال، وهي ميزة لطالما حلم بها الرجال، إلا أنها كانت دائماً تثبت العكس تماماً. وواقع الأمر هو أن التعامل مع حقيقة الرجال لا يترك للنساء سوى القليل من الوقت، أو الحاجة، للخيال. لكنك ما أن تأخذي على محمل الجد تلك النظرية القائلة بأن الرجل الذي لا يتهيب الوثوق بخياله، ذلك الخيال الذي طالما وثق به جميع الرجال، هو مخنث، فإنك تصابين بإحباط شديد. وهي نظرية تشي بالكثير عن هذا البلد؛ فحين يكون السعي وراء المال جُلَّ مبتغاك، يغدو من الطبيعي أن يصبح الخيال، أو النساء أو حتى الرجال، آخر تحتاجين.

ناداني صاحب المطعم قائلاً: «تصبحين على ألف خير، سينيوريتا!»، ثم عدنا أنا وفوني لنمشي ثانية في الشوارع.

قال فوني: «تعالي لأريك شقتي، إنها ليست بعيدة.»

كانت الساعة حينذاك بين العاشرة والحادية عشرة.

قلت: «لابأس.»

لم أكن أعرف منطقة الفيلليج بعد، أما الآن فأنا أعرفها تماماً. كان كل شيء مدهشاً. كنا نسير في مكان أكثر ظلمة وهدوءً من الجادة السادسة. كنا قرب النهر، وكنا الوحيدين في الشارع. ولو أنني مشيت وحدي في هذه الشوارع لتلكني الهلع.

أحسست بأن علي أن أتصل بالبيت، وكنت على وشك أن أقول ذلك لفوني، لكنني لم أقل. وكانت شقته تقع في قبو في شارع بانك. توقفنا أمام حاجز منخفض أسود ذو مسامير. فتح فوني البوابة بهدوء شديد. ونزلنا أربع درجات، ثم استدرنا يساراً، ليقابلنا باب. وإلى يميننا كان هناك نافذتان. وضع فوني مفتاحه في القفل، وفتح الباب إلى الداخل. وكان يسقط علينا من فوقنا ضوء أصفر خافت. أدخلني أمامه وأغلق الباب خلفه ثم قادني بضع خطوات داخل قاعة ضيقة مظلمة. فتح باباً آخر وأشعل الضوء.

كانت تلك غرفة صغيرة منخفضة، نوافذها تطل على البوابة. كان في الغرفة ركن للتدفئة. وفي نهايتها كان هناك مطبخً صغير جداً وحمام. كان الحمام مجهزاً بدوشٌ دون أي أنبوب استحمام. وكان في الغرفة أدوات خشبية وزوجٌ من مساند الأقدام، وطاولتان خشبيتان، إحداهما كبيرة عليها أدوات، والأخرى صغيرة فوقها علبتا بيرة معدنيتان فارغتان. وكانت تنبعث من الغرفة رائحة خشب، بسبب قطع الخشب المتناثرة في كافة أرجاء المكان. وفي الزاوية البعيدة على الأرض، يوجد فراش عليه شال مكسيكي. وقد علقت على الحائط رسوم فوني المنفذة بالقلم الرصاص، وصورة فوتوغرافية لفرانك.

كان من المفترض بنا أن نمضي زمناً طويلاً في هذه الغرفة: حياتنا.

عندما قرع جرس الباب، ذهبت إرنيستاين لتفتح، فدخلت السيدة هانت أولاً. كانت مرتدية ما يبدو أنه أنيق جداً إلى أن تتفحصيه جيداً. ثوباً بني اللون، لامعاً، يذكر المرء بالساتان، وحسبما أذكر كان له حواف مزركشة بالأبيض عند الركبتين والكوعين، وعلى الخصر، كما أظن. وكانت تعتمر قبعة مقعرة، كأنها دلو فحم مقلوب رأساً على عقب، مما أعطى جبينها ملامح أكثر قسوة. وكانت تنتعل حذاءً بكعبٍ عالٍ، وقد ازداد وزنها، نتيجة تهاونها في التصدي له. كان الخوف بادياً عليها، رغم قوة الروح القدس. دخلت باسمة، دون أن تعرف بالتحديد لماذا أو لمن تبتسم؛ لأنها كانت موزّعة، إذا صح القول، بين إمعانها التأمل في الروح القدس، واستعادتها المقلقلة لذكرى المرآة.

ثمة شيء ما في طريقة مشيتها وعرض يديها، شيء ما في ابتسامتها التي كانت تستجدي الرحمة، في الوقت الذي يستعصي على تلك الابتسامة أن توحي بها، شيء ما في كل ذلك جعلها تبدو لي رائعة تماماً. كانت امرأة لم أر مثيلاً لها في حياتي. إضافة إلى أن فوني كان جنيناً في بطنها، لقد حملت به يوماً.

وتبعتها الأختان، وهما شيء آخر تماماً. رحبت إرنيستاين بهم جميعاً عند الباب بكل ود وابتهاج قائلة: («الطريقة الوحيدة ليراكم المرء هو أن يعقد مؤتمر قمة طارئ، ألا تعلمون أن هذا ليس صواباً. هيا، تفضلوا ادخلوا إلى هذا البيت.») ثم أوسعت الطريق للسيدة هانت لتمر من أمامها باتجاه شارون، التي سلمتها بكل كياسة لجوزيف الذي كان يلفني بذراعه. شيء ما في في ابتسامة والدي وطريقة احتضانه لي أخاف السيدة هانت. لكنني بدأت أعرف أن الخوف هو شعور يلازمها طيلة الوقت.

رغم أن الأختين كانتا أختي فوني، إلا أنني لم أفكر فيهما أبداً على أنهما أختيه. حسن، هذا ليس صحيحاً. فلولا أنهما أختا فوني، لما انتبهت إليهما على الإطلاق. ولأنهما أختاه، ولمعرفتي التامة بأنهما لا تكنان له حباً حقيقياً، فقد كرهتهما. أما هما فلم تكرهاني. إنهما لا تكرهان أحداً، وهذا هو عيبهما. لدى دخولهما غرفة جلوسنا، كانتا تبتسمان لجمهور خفي من المحبين المتيمين، أدريين، الكبرى، وهي في السابعة والعشرين من عمرها، وشييلا، في الرابعة والعشرين. وفي التزام تام منهما باتباع ما أوصتهما به البعثات التبشيرية، كان سلوكهما معي عادة لطيفاً جداً مع إظهار القليل من الازدراء، إلا أنهما تصرفتا اليوم على غير العادة. كل ما شاهدتاه أثناء دخولهما، هو يد والدي الكبيرة السوداء التي احتضنتهما من الخصر ـ والواقع أنه كان يحتضنني أنا عند الخصر، لكنه بدا بطريقة ما وكأنه يحتضنهما. ولم يستطيعا تحديد سبب استهجانهما، أهو لون اليد، أم موقعها أم شكلها، لكنهما بالتأكيد لم تستحسنا قوة لمستها. كان عمر أدريين أكبر بكثير بالقياس إلى ما كانت ترتدي، كما أن عمر شييلا كان أصغر بكثير. وخلفهما، دخل فرانك، فأرخى والدي يده عن خصري قليلاً. وهكذا ثرثرنا ولغونا كثيراً داخل غرفة الجلوس.

السيد هانت بدا متعباً، لكن ابتسامته المعهودة لم تكن تفارق وجهه. جلس على الصوفا بالقرب من أدريين وقال: «إذاً فقد شاهدت ابني ذو الرأس الكبير اليوم، أليس كذلك؟»

- «نعم. إنه بخير، وقد أرسل لكم حبه.»

- «لا يعذبونه كثيراً أليس كذلك؟ إنني أسألك هذا السؤال لأنه، كما تعرفين، ربما يقول لك أشياء لا يقولها لي.»

قالت أدريين: «أسرار العشاق.» ثم لفت ساقيها. وابتسمت.

لم أر أي سبب يدعوني للتحدث مع أدريين على الإطلاق، الآن على الأقل، وشاركني السيد هانت الإحساس نفسه، فتابع النظر إلي.

قلت: «حسن، إنه يكره السجن، بإمكانك فهم ذلك. وسوف يكرهه دائماً. لكنه قوي جداً. وهو يقرأ ويدرس طيلة الوقت.» نظرت إلى أدريين وتابعت: «سيكون بخير. ولكن علينا أن نخرجه من هناك.»

كان فرانك يهم بقول شيء ما حين قالت شييلا بحدة: «لو أنه قرأ ودرس حيث ينبغي له أن يفعل، لما كان هناك الآن.»

هممت بقول شيء لكن جوزيف بادر مسرعاً: «هل جلبت السيكس باك يا رجل؟ أم أحضر بعض الجن، لدينا ويسكي وبعض البراندي.» وابتسم ابتسامة عريضة ثم تابع: «ولكن، ليس لدينا سيارة ثاندربيرد.» التفت إلى السيدة هانت وقال: «أنا متأكد أن السيدات لا يمانعن؟»

ابتسمت السيدة هانت وقالت: «نمانع؟ فرانك لا يهتم إذا كنا نمانع أم لا. إنه يفعل ما يرضيه، دون التفكير مطلقاً بأي شخص آخر.»

قالت شارون: «سيدة هانت، ماذا يمكنني أن أجلب لك، عزيزتي؟ يمكنني أن أقدم لك الشاي، أو القهوة. ولدينا البوظة والكوكا كولا.»

قالت إرنيستاين: «وسيفن أب، يمكنني أن أصنع لكم شيئاً من الصودا المثلجة. هيا شييلا، هلا ساعدتني؟ اجلسي ماما، سنحضرها معاً.»

ثم سحبت شييلا إلى المطبخ.

جلست أمي إلى جانب السيدة هانت، وقالت: «يا إلهي، إن الوقت يمضي وكأنه يطير. فنحن لم نر بعضنا منذ بدء هذه المشكلة.» فردت السيدة هانت:

- «اسكتي. كنت أتصرف بطريقة جعلتني أمرض، أقضي وقتي جيئة وذهاباً في برونكس، لعل أحداً ممن أعرفهم يدلي إلي بالاستشارة القانونية الأنسب. أحدهم مستشار وهو يعرف الجميع وبإمكانه أن يدفع بعض الناس المهمين للاستماع إليه، تعرفين. لكن ذلك كان يأخذ كل وقتي. وقد قال لي الطبيب أن علي توخي الحذر، إذ أنني أتسبب لقلبي بإجهاد مفرط. قال لي: سيدة هانت، بقدر ما يحتاج هذا الولد إلى حريته، فهو بحاجة إلى أمه أيضاً، تذكري ذلك جيداً. لكن الأمر عندي سيان. فأنا لا أخاف على نفسي. لأن الرب يحميني. إنني فقط أصلي وأصلي لعل الرب يخرج ابني إلى النور. هذا كل ما أصلي لأجله، كل يوم وكل ليلة. لكنني مع ذلك، أفكر أحياناً بأن هذه ربما تكون طريقة من الرب يجعل فيها ولدي يفكر في خطاياه ويهب روحه للمسيح.»

قالت شارون: «ربما تكونين على حق. فالرب بالتأكيد له أساليب غامضة.»

قالت السيدة هانت: «آه، نعم! وهو ربما يمتحنك الآن، لكنه لا يتخلى أبداً عن أحد من أبنائه.»

سألت شارون: «وما رأيك بالمحامي، السيد هيوارد، الذي وجدته إرنيستاين؟»

- «أنا لم أره بعد. فأنا لم أجد الوقت للذهاب إلى مركز المدينة. لكن أعلم أن فرانك التقى به.»

سألت شارون: «ما رأيك، فرانك؟»

تنحنح فرانك وقال: «إنه ولد أبيض ذهب إلى مدرسة القانون وحاز فيها على درجات عالية. حسن، تعلمين، لن أقول لك ما الذي يعنيه ذلك: إنه لا يعني أكثر من خراء.»

قالت السيدة هانت: «فرانك، إنك تتحدث إلى امرأة.»

- «إنني مكتئب، وهذا يمكن أن يكون ترويحاً مستحباً عن النفس.» ثم توجه بكلامه إلى جوزيف: «كما كنت أقول، إن هذا لا يعني أكثر من خراء. وأنا متأكد بأننا لن نتابع معه. ومن جهة أخرى، فهو ليس سيئاً، بالمقارنة مع غيره من الأولاد البيض. ولأنه لا يزال جائعاً، فهو ليس مليئاً بالخراء، كما يمكن أن يصبح فيما بعد، بعد أن يشبع، يا رجل. تعلم أنني لا أريد لحياة ابني أن تكون بين أيدي هؤلاء البيض أبناء العاهرة عديمي الخصيات. أقسم بالمسيح، أنني أغلي وأنا حي. إنه ابني الوحيد يا رجل، ابني الوحيد. ونحن جميعاً واقعون في أيدي الرجال البيض. حتى القلائل الذين أعرفهم من الزنوج لا أثق بهم أيضاً.

صرخت السيدة هانت قائلة: «لكنني طالما قلت لك، طالما قلت لك بأن هذا الموقف السلبي هو في منتهى الخطورة! أنت مفعم بالكراهية! وإذا ما بادرت الناس بالضغينة، فإنهم سيبادلونك بها! وفي كل مرة أسمعك تتكلم بهذه الطريقة، ينفطر قلبي وأرتجف خوفاً على ابني، القابع في زنزانة لن يخرجه منها سوى حب الرب. فرانك، إذا كنت تحب ابنك، دع عنك هذا الحقد، دعه عنك. فهو سيقع على رأس ابنك، سوف يقتله.»

قالت شارون: «فرانك لا يتكلم بحقد، سيدة هانت. إنه يتكلم فقط عن واقع حال الحياة في هذا البلد، ومن الطبيعي أن يكون متوتراً.»

قالت السيدة هانت: «إنني أثق بالرب، وأعلم أنه يرعاني.»

قال فرانك: «لا أدري ما الذي يتوقعه الرب من رجل ابنه واقع في مأزق. أنا لن أجوب الشوارع وأقبِّل أول شرطي أبيض أراه. لكنني سأكون ابن عاهرة مفعم بالحب في اليوم الذي يخرج فيه ابني حراً من جحر جهنم ذاك. سأكون ابن عاهرة مفعم بالحب عندما أمسك رأس ابني بين يدي ثانية، وأنظر في عينيه. آه! في ذلك اليوم سأكون مليئاً بالحب!» ثم نهض عن الصوفا وتوجه نحو زوجته: «وإذا لم يحصل ذلك، يمكنك أن تراهني بأنني سأقطع بعض الرؤوس.»

وضعت السيدة هانت رأسها بين يديها، وعاد فرانك بتمهل فجلس في مكانه.

نظرت أدريين إلى والدها وهمت بالكلام، لكنها لم تفعل. كنت جالسة على مسند بالقرب من والدي. قالت أدريين: «سيد ريفرز، ما الهدف من هذا اللقاء؟ لا أظنك دعوتنا لقطع كل تلك المسافة فقط لنراقب والدي وهو يهين أمي؟»

قلت: «ولم لا؟ إنها سهرة السبت. ويمكنك تصور ما يمكن للناس أن يفعلوه عندما يملؤهم الضجر. ربما تكون دعوتنا لكم بهدف تصعيد الأمور.»

قالت: «يمكنني أن أصدق أنك بهذا الخبث. لكنني لا أصدق أنك بهذه الحماقة.»

قلت: «أنا لم أرك مرتين مذ ذهب أخوك إلى السجن. كما أنني لم أرك أبداً في التومز. وقد أخبرني فوني أنه رآك هناك مرة واحدة، وكنت في عجلة من أمرك حينها. وأراهن أنك لم تأت على ذكر ذلك في عملك. أليس كذلك؟ كما أنك لم تأت على ذكر ذلك أمام أحد من أولئك القوادين أصحاب الياقات البيضاء من أعضاء الهيئة الإدارية لبرنامج مكافحة الفقر، مجموعة المخادعين الذين تعملين معهم، أليس كذلك؟ وتجلسين الآن على تلك الصوفا، وأنت تحسبين نفسك أجمل من إليزابيث تايلور، ومنزعجة كل الانزعاج، إذ أن هناك مغفلاً نصف أبيض ينتظرك في مكان ما، بينما عليك أن تكوني بعيدة عنه في محاولة منك لإيجاد حل لأخيك.» كانت السيدة هانت تحدق فيّ بعينين رهيبتين. وارتسمت ابتسامة باردة ملؤها المرارة على شفتي فرانك، كان ينظر إلى الأسفل. نظرت أدريين إلي من مسافة بعيدة، وقد أضافت وصمة عار سوداء أخرى هائلة فوق اسم أخيها، وأخيراً، أشعلت سيجارة، وهو الشيء الذي أعلم أنها طالما تمنت فعله. نفخت الدخان في الهواء بعناية ورقة، وبدت كأنها مصممة، في قرارة نفسها، أن لا تسمح لنفسها ثانية، لأي سبب كان، بالوقوع في شرك أناس لا يقدّرونها حق قدرها. عادت شييلا وإرنيستاين، وكانت شييلا تبدو مذعورة نوعاً ما، أما إرنيستاين فبدت مسرورة لكنها متجهمة. قدمت البوظة للسيدة هانت، ووضعت الكوكا كولا أمام أدريين، ثم أعطت جوزيف زجاجة بيرة، وقدمت لفرانك سيفن أب مع الجن، وأعطت لشييلا كوكا كولا، ولشارون سيفن أب مع جن، وقدمت لي البراندي، وأخذت لنفسها هاي بول، وقالت بمرح: «زيارة سعيدة.»، ثم جلست وهدأ الجميع.

بعد ذلك ساد صمت غريب. كانت أنظار الجميع متوجهة نحوي. وشعرت أن عيني السيدة هانت كانتا مليئتين بالحقد وباعثتين على الرعب أكثر من أي وقت مضى. كانت منحنية إلى الأمام، ويدها مثبتة على الملعقة المغمورة بالبوظة، بدت شييلا مذعورة. وشفاه أدريين ترسمان ابتسامة مزدرية، انحنت إلى الأمام تهم بالكلام لكن يد والدها ارتفعت معنفة ومهددة. فعادت وجلست إلى الوراء. بينما انحنى فرانك إلى الأمام.

كانت أخباري في النهاية تخصه هو. نظرت إليه وقلت: «أنا من طلبت عقد اجتماع القمة هذا. طلبت إلى والدي أن يدعوكم جميعاً للحضور إلى هنا لأتمكن من إخباركم ما أخبرت به فوني هذا المساء. فوني سيصبح أباً. سوف ننجب طفلاً.»

غادرت عينا فرانك عينيّ لتبحثا عن عيني والدي. ثم غادرنا الرجلان كلاهما، بينما هما جالسين بهدوء تام أحدهما على الكرسي، والآخر على الصوفا: غادرا معاً في رحلة غريبة. وفي تلك الرحلة كان وجه فرانك مفعم بالألم، بالمعنى الإنجيلي للكلمة. كان يلتقط بعض الحصى ويعود فيرميها ثانية، وأجبرت نظرته نفسها على الامتداد وراء آفاق لم يحلم بها من قبل. وعندما عاد، وكان لا يزال بصحبة والدي، ووجهه في غاية الهدوء. قال لجوزيف: «سنخرج لنسكر سوية.» ثم ابتسم ابتسامة عريضة، فبدا شبيهاً جداً بفوني، وقال: «أنا سعيد يا تيش، سعيد جداً.»

سألت السيدة هانت: «ومن سيكون مسؤولاً عن هذا الطفل؟»

قلت: «الأب والأم.»

فحدقت السيدة هانت بي.

قال فرانك: «بإمكانك أن تراهني أنه ليس الروح القدس.»

حدقت السيدة هانت بفرانك، ثم وقفت، وبدأت تتحرك باتجاهي. كانت تمشي ببطء شديد، وبدت وكأنها تحبس أنفاسها. فوقفت أنا، ومشيت نحو وسط الغرفة، حابسة أنفاسي. قالت: «أظنك ستطلقين على فعلتك الشهوانية اسم الحب. أما أنا فلا. ولطالما عرفت أنك ستكونين سبب دمار ابني. وعرفت أيضاً أن بداخلك شيطان. لقد ألهمني ربي معرفة ذلك منذ سنوات بعيدة. وسيعمل الروح القدس على إضعاف هذا الطفل في رحمك، ويغفر لابني. سوف تنقذه صلواتي.»

كانت سخيفة ومهيبة في الوقت نفسه. فقد كانت تتظاهر. لكن فرانك ضحك وتوجه نحوها، ثم ضربها بظاهر يده ضربة أوقعتها أرضاً. نعم كانت طريحة على الأرض، وتراجعت قبعتها وراء رأسها وارتفع ثوبها فوق ركبتيها. وقف فرانك فوقها، لكنها لم تنبس ببنت شفة، ولم ينبس هو.

تمتمت شارون: «قلبها!»، فضحك ثانية.

قال: «أظنك ستجدين أنه لا يزال يخفق في صدرها. لكنني لا أدعوه قلباً.» ثم استدار إلى والدي قائلاً: «جو، دع النساء يعتنين بها وتعال معي.» وعندما تردد والدي، أصر عليه: «أرجوك، أرجوك يا جو، هيا.»

قالت شارون: «اذهب معه، هيا.»

ركعت شييلا إلى جانب أمها. وأطفأت أدريين سيجارتها في المنفضة، ووقفت. جاءت إرنيستاين من الحمام ومعها كحول فركعت بجانب شييلا، وصبت الكحول فوق قطعة القطن ومسحت بها صدغي السيدة هانت وجبهتها، ثم نزعت القبعة عن رأسها بعناية وأعطتها لشييلا.

قالت شارون: «اذهب يا جو، لسنا بحاجة إليك هنا.»

خرج الرجلان وأُغلق الباب خلفهما، وبقيت النساء الست اللواتي عليهن الآن أن يتعاملن مع بعضهن، ولو لدقيقة. وقفت السيدة هانت ببطء وتحركت نحو مقعدها وجلست عليه. وقبل أن تتمكن من نطق أية كلمة، بادرتها بالقول: «ما قلته لي كان شيئاً فظيعاً، إنه أفظع شيء سمعته طيلة حياتي.»

قالت أدريين: «ما كان على أبي أن يضربها، إن لها قلباً ضعيفاً.»

قالت شارون: «بل لها دماغ ضعيف.» وتوجهت بكلامها إلى السيدة هانت: «لقد أضعف الروح القدس عقلك، أيتها الطفلة. هل نسيت أن هذا الذي كنت تلعنينه هو حفيد فرانك؟ وأنه، بالطبع، حفيدي أنا أيضاً. أعرف بعض الرجال والنساء الذين يتمنون لو أنهم انتزعوا قلبك الضعيف من جسدك، وذهبوا بكل سرور إلى جهنم ليكفروا عن ذلك. هل تريدين بعض الشاي، أو أي شيء آخر؟ من الأفضل لك حقاً أن تأخذي بعض البراندي، لكنني أفترض أنك أكثر قداسة من ذلك أيضاً.»

قالت شييلا: «لا أظن أن لك الحق في أن تسخري من إيمان والدتي.»

قالت إرنيستاين: «لا تتحفيني بهذا الهراء. أنت تشعرين بالخزي لأن عندك مدحاة مقدسة بدلاً من الأم، مما يجعلك لا تحسنين التصرّف؛ فأنت لا تسخرين. بل تعتبرين ذلك دليلاً على أن لها "روحاً"، لكن الآخرين لا يجدون في ذلك أمراً مغرياً، وإنما يلاحظون من خلاله أية فتاة ذكية أنت. إنك تشعرينني بالتقزز.»

قالت أدريين: «أنت التي تشعرينني بالتقزز. لعل أمي لم تتمكن من التعبير عما في نفسها كما كان يتوجب عليها أن تفعل، فهي في النهاية متوترة جداً! كما أنها تملك روحاً! وعلام تظنين أنك قد حصلت أنت أيتها الزنجية الجبانة؟ كل ما في الأمر أنها سألت سؤالاً واحداً» ورفعت يدها لتسكت إرنيستاين عن أن تقاطعها «لقد قالت: من الذي سيربي هذا الطفل؟ ومن برأيك سيفعل؟ تيش لم تحصل على التعليم، ويعلم الله أنها لم تحصل على أي شيء آخر. وفوني لا يستحق شيئاً حتى اللعنة. وأنت نفسك تعرفين ذلك. والآن.. من سيعتني بهذا الطفل؟»

قلت: «إن لك مهبل جاف أصفر، ولا زلت تتكلمين. أنا سأعتني بالطفل، ولكن بعد أن أعتني بك عناية فائقة.»

وضعت الحمقاء يديها على وركيها وتهيأت للعراك، وجاءت إرنيستاين فوقفت بيننا وقالت بكل رقة: «أدريين؟ صغيرتي؟ هل لي أن أخبرك شيئاً، أيتها البليدة؟ يا حلوتي؟ يا شطيرة الحلوى؟» ثم وضعت إحدى يديها بلطف شديد على صدر أدريين، التي اهتزت لكنها لم تتحرك. تركت إرنيستاين يدها تستقر وتتلمس للحظة ثم قالت: «آه، يا حلوتي. منذ اليوم الأول الذي وقعت فيه عيناي على شخصيتك الرائعة، تعلقت بتفاحة آدم التي في رقبتك، وأخذت أحلم بها. أتعرفين ماذا أعني؟ عندما تتعلقين بشيء ما؟ هل حدث وأن تعلقت يوماً تعلقاً صادقاً بشيء ما أو بأحد ما، ألم يحدث معك ذلك من قبل؟ هل حدث وأن راقبت تفاحة آدم وهي تتحرك في رقبتك؟ هل حصل معك ذلك؟ أنا رأيتها. إنني أراها الآن. آه، إنها لذيذة. لا يمكنني أن أعبر عن شعوري، يا حلوتي، حين أتخيل نفسي أمزقها بأصابعي أو بأسناني - أووه - أو أنتزعها كما تنتزعين النواة من الخوخة. إنه شعور جميل. هل لك أن تقدري من أين أتحدر، يا حلوة؟ لكن إذا ما لمست أختي فسيكون علي أن أقرر بسرعة. إذاً...» وابتعدت عن أدريين وهي تقول: «المسيها، هيا، أرجوك، فكي عن قلبي هذه السلاسل وأطلقي لي العنان.»

قالت شييلا: «عرفت أنه ما كان علينا المجيء، نعم، عرفت ذلك.»

حدقت إرنيستاين بشييلا إلى أن أجبرت شييلا على الإشاحة ببصرها. ثم ضحكت إرنيستاين وقالت: « شييلا، عزيزتي، لا بد وأن لي عقلاً غير صاف، فأنا لم أتوقع أن بمقدورك قول حتى هذه العبارة.»

غدا الجو مفعماً بكراهية حقيقية. ولاح في الأفق شعور عميق لا علاقة له بما كان يبدو أنه يملأ الغرفة منذ قليل. وفجأة شعرت بالأسى تجاه الأختين - أما إرنيستاين فلم يراودها شعور مماثل. ظلت واقفة في مكانها، إحدى يديها على خصرها والأخرى منسدلة إلى جانبها، ولم يكن يتحرك منها سوى العينين. كانت ترتدي بنطالاً رمادياً وقميصاً قديماً و لم يكن شعرها مرتباً على رأسها ولم تكن تضع أي مكياج. كانت تبتسم. بدت شييلا وكأنها تستطيع بالكاد التقاط أنفاسها أو الوقوف، وكانت كأنما ترغب بالالتجاء نحو أمها التي لم تتحرك عن مقعدها. كانت أدريين، ذات الوركين العريضين، ترتدي قميصاً أبيض وتنورة فضفاضة مثناة، وسترة سوداء قصيرة وضيقة، وكعباً واطئاً، كان لشعرها مفرق في الوسط وهو مربوط بعقدة بيضاء عند منبت رقبتها. لكن يديها لم تعودا الآن على وركيها. أما بشرتها التي كانت بحاجة إلى ظل أسمر جداً فق غدت بالغة الصفرة، اسمرت وترقشت. وبدت جبهتها كأنها مغطاة بالزيت. واكتسبت عيناها لوناً قاتماً لانعكاس البشرة عليهما، تلك البشرة التي كانت ترفض المكياج فتضن عليه بأية رطوبة. وإذا ما نظر إليها المرء يكتشف بأنها ليست جميلة حقاً، فذاك الوجه وذلك الجسد سيتغيران مع الزمن ليصبحا أخشن وأسمن.

قالت لشييلا: «هيا، لنغادر هؤلاء الناس بذيئي اللسان.» وطغى على نبرتها وقار معين.

توجهت الاثنتان إلى والدتهما، التي انتبهتُ فجأة إلى أنها كانت شاهدة وحارسة لعفتهما.

نهضت السيدة هانت بعدئذٍ وكانت في منتهى الهدوء.

ثم قالت: «آمل من كل قلبي أن تكوني راضية عن الطريقة التي ربيت فيها بنتيك ياسيدة ريفرز»

كانت شارون هادئة أيضاً، لكن هدوءها كان مشوباً بشيء من الدهشة. أخذت تحدق في السيدة هانت دون أن تنبس ببنت شفه. أما السيدة هانت فقد أضافت: «أتعهد لك بأن لا تنجب لي هاتان البنتان أولاد زنى لأربيهم.» بعد برهة ردت شارون: «لكن الطفل القادم هو حفيدك. أنا لا أفهمك. إنه حفيدك. مهما تكن الطريقة التي تم إنجابه بها؟ ليس للطفل أي يد بذلك، ولا لأي منا يد في ذلك أيضاً»

قالت السيدة هانت: «ذلك الطفل..» ونظرت إلي للحظة، ثم توجهت نحو الباب، وشارون تراقبها طيلة الوقت، «ذلك الطفل..»

انتظرت إلى أن تصل إلى الباب. تحركت أمي، وكأنها في حلم، لتدير الأقفال. لكنني سبقتها إلى هناك، ووضعت ظهري على الباب. أدريين وشييلا كانتا خلف أمهما.

شارون وإرنيستاين لم تأتيا بأية حركة.

قلت: «ذلك الطفل.. في بطني. الآن.. ارفعي ركبتك واركليه خارجاً، أو اضربيه بكعبك العالي. إن كنت لا تريدين هذا الطفل، تعالي واقتليه الآن. أنا أشجعك.» ونظرت في عينيها مباشرة. «فهو لن يكون أول طفل تحاولين قتله.» ولمستُ قبعتها التي تشبه سطل الفحم المقلوب رأساً على عقب. ثم نظرتُ إلى أدريين وشيلا. وأردفت: «فقد نجحت في فعل ذلك مع الاثنين الأولين» بعد ذلك فتحتُ الباب، لكنني لم أتحرك «حسناً، حاولي ذلك مع فوني، أنا أشجعك.»

قالت أدريين بصوت كانت تأمل أن يكون هادئاً: «هل لنا، أن نغادر الآن؟»

قالت شارون دون أن تتحرك: «تيش.»

وتحركت إرنيستاين أمامي فأبعدتني عن الباب نحو شارون. وقالت: «تفضلن أيتها السيدات.» وذهبت إلى المصعد وكبست الزر. كانت متوترة الآن. وعندما وصل المصعد وانفتح الباب، قالت ، وهي تشير لهن إشارة الدخول، وتمسك الباب بكتفها لتبقيه مفتوحاً: « لا تقلقن، فنحن لن نخبر الطفل شيئاً عنكن. إذ لا يجوز إخبار طفل عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه قذارة البشر!» ثم قالت للسيدة هانت ولكن بنبرة مختلفة، نبرة لم يسبق لي أن سمعتها من قبل: «مبارك لك الجيل الثاني من ثمار رحمك. أتمنى لهذا الرحم أن يصاب بالسرطان. وأنا أعني ذلك.» وتوجهت نحو الأختين: «إذا ما اقتربتما من هذا البيت ثانية طيلة حياتكما، فسوف أقتلكما. هذا الطفل ليس ابنكن، أنتن قلتن ذلك للتو. فإذا ما سمعت أنكن اجتزتن الساحة ورأيتن الطفل، فلن تعشن إلى أن تصبن بأي نوع من أنواع السرطان. ولتعلمن أنني مختلفة عن أختي. تذكرن ذلك جيداً. أختي لطيفة، أما أنا فلا. أبي وأمي لطيفان، أما أنا فلا. يمكنني أن أخبركن لم لا يمكن لأدريين أن تجامع رجلاً، هل ترغبن بسماع ذلك؟ بإمكاني أن أخبركن أيضاً عن شييلا وقصصها مع كل أولئك الفتيان الذين كانت تقذف بمناديلهم، في السيارات ودور السينما. فهل ترغبن بسماع ذلك الآن؟» وهنا بدأت شييلا بالبكاء، وتحركت السيدة هانت لتغلق باب المصعد. لكن إرنيستاين ضحكت، وأمسكته بكتف واحدة وتغير صوتها ثانية: «لقد لعنت لتوك الطفل الذي في رحم أختي. لا تدعيني أراك ثانية أبداً، يا عروس المسيح المنحلَّة، يا ذات البشرة الفاتحة.» ثم بصقت في وجه السيدة هانت وتركت باب المصعد لينغلق. وأخذت تصيح في الممر: «إن الذي كنت تلعنيه هو لحمك ودمك، أيتها المقرفة، والقذرة، وجافة المهبل. وهذه رسالة انقليها إلى الروح القدس.»

ثم دخلت البيت والدموع تنهمر على وجهها ومشت نحو الطاولة فتجرعت شراباً. وأشعلت سيجارة وكانت ترتجف.

أثناء ذلك، لم تنطق شارون بأية كلمة. أرسلتني إرنيستاين إليها، إلا أنها لم تلمسني فعلياً، بل قامت بما هو أكثر روعة بكثير؛ لقد حملتني وهدأت من روعي، دون أن تلمسني.

قالت: «حسن، إن الرجال سيبقون خارجاً لبرهة. وتيش بحاجة إلى الراحة. إذاً لنذهب إلى النوم.»

لكنني أعرف أنهما كانتا تريدانني أن أذهب إلى السرير ليتسنى لهما الجلوس بمفردهما لبرهة، من دوني، ومن دون الرجال، ومن دون أي أحد آخر. وذلك لتبحثا، بصورة موضوعية، حقيقة أن عائلة فوني لم يكونوا ليعيروه أي اهتمام، وأنهم ليسوا على استعداد لفعل أي شيء لمساعدته. مما يعني أننا أصبحنا الآن عائلته الوحيدة؛ وهذا يرتب علينا أن نتدبر الأمر وحدنا الآن.

دخلت غرفة نومي ببطء شديد وجلست على السرير دقيقة من الوقت. لم أكن قادرة على البكاء، فقد كنت تعبة جداً، تعبة جداً إلى درجة أنني لم أكن أشعر بأي شيء. وبطريقة ما، فقد أخذت سيس إرنيستاين الأمر بكامله على عاتقها، بكل ما فيه، لأنها أرادت لهذا الطفل أن يقطع رحلته بأمان ويأتي إلى الحياة بصحة جيدة، وهذا يفرض علي أن أنام.

لذلك، فقد خلعت ملابسي واستلقيت على السرير. واستدرت بالطريقة التي تعودت أن أستدير بها نحو فوني عندما كنا ننام معاً في السرير. زحفت نحو ذراعيه فضمني، وكان حاضراً بزخم بالنسبة لي إلى درجة منعتني من البكاء أيضاً، فدموعي كانت ستؤذيه جداً. وهكذا فقد ضمني وهمست أنا باسمه بينما كنت أراقب أضواء الشارع وهي تتلاعب على السقف. ثم استطعت أن أسمع صوت أمي وسيس خافتاً في المطبخ، كنت متأكدة أنهما كانتا تلعبان الورق.

تلك الليلة، وفي تلك الغرفة في شارع بانك، أخذ فوني شالاً مكسيكياً عن الفراش الملقى على الأرض، وألقاه على رأسي وكتفيّ. ابتسم ابتسامة عريضة ورجع خطوة إلى الوراء قائلاً: «ليلعنني الله، هناك زهرة في سبانش هارلم» ثم ابتسم ثانية وأردف: «في الأسبوع القادم سأجلب زهرة لشعرِكِ» ثم توقف عن الابتسام، وملأ أذنيّ صمت مطبق عم أرجاء الغرفة. وبدا وكأننا وحيدان في هذا العالم. لم أكن خائفة، كان يراودني شعور أعمق من الخوف. لم أستطع أن أشيح بنظري عنه. لم أكن قادرة على الحركة. كان شعوراً أعمق من الخوف، كما أنه لم يكن غبطة أيضاً، بل كان دهشة.

قال دون أن يتحرك: «ها قد كبرنا، أتلاحظين؟»

هززت رأسي.

قال: «وقد كنت لي دائماً، أليس كذلك؟»

هززت رأسي ثانية.

قال وهو لا يزال في مكانه يضمني بعينيه: «وتعرفين أني كنت دائماً لك، صحيح؟»

قلت: «لم أكن يوماً أفكر بالأمر بهذه الطريقة.»

قال: «فكري بذلك الآن، يا تيش.»

قلت وقد بدأت أبكي: «ما أعرفه فقط هو أنني أحبك.» بدا الشال ثقيلاً جداً وحاراً، وأردت أن أنزعه، لكنني لم أستطع.

ثم تحرك، وتغيرت ملامح وجهه، جاء نحوي ونزع الشال ورماه في إحدى الزوايا. ثم أخذني بين ذراعيه وقبّل دموعي، ثم قبّلني فعرفنا نحن الاثنين شيئاً لم نكن نعرفه من قبل.

قال: «أنا أحبك أيضاً، لكن ذلك لا يبكيني.» ضحك وجعلني أضحك ثم قبلني ثانية، بحرارة أكثر، وتوقف عن الضحك، وقال: «أود أن تتزوجيني.» ويبدو أن علائم الدهشة قد ظهرت علي ، فقال: «هذا صحيح، فأنا لك، وأنت لي، وهذا كل شيء، يا صغيرتي. لكن علي أن أشرح لك شيئاً.»

أخذني من يدي وقادني إلى طاولة عمله.

قال: «هنا أعيش حياتي، حياتي الحقيقية.» ثم رفع قطعة صغيرة من الخشب، بحجم قبضتي يد. كان محفوراً عليها ملامح عين، وملامح أنف، وما تبقى كان ببساطة كتلة من الخشب الحي نوعاً ما. قال: «في يوم من الأيام ربما تتحول هذه القطعة إلى شيء حسن.» ثم أعادها إلى مكانها بلطف وقال: «لكنني أعتقد أنني ربما أكون قد أفسدتها.» ثم رفع قطعة أخرى، بحجم فخذ الرجل وقد حفر فيها جذع امرأة، وقال: «لا أعلم شيئاً عنها بعد.» ثم أعادها وبلطف شديد أيضاً. ورغم أنه كان يمسك بي من كتف واحد، وكان لصيقاً بي، إلا أنه كان لا يزال بعيداً. نظر إلي بابتسامته الصغيرة وقال: «والآن اسمعي، أنا لست ذلك الشخص الذي يعذبك وهو يطارد فتيات أخريات أو شيئاً من هذا الخراء. أنا أحياناً أدخن الحشيش، لكنني لم أتعاط إبراً قط، وأنا فعلاً شريف جداً. لكن..» توقف ونظر إلي، بهدوء شديد، وبقسوة شديدة. كان في ملامحه قسوة لم يسبق لي أن شعرت بها من قبل. ومن خلال هذه القسوة تحرك حبه، تحرك كما يتحرك السيل الجارف أو النار، بقوة تفوق العقل، وتتخطى الحجج، قوة لا يمكن لأي شيء في هذه الدنيا أن يفيها حق وصفها. لقد كنت له، وكان لي. وقد اكتشفت فجأة أنني سأكون سيئة الحظ وربما ميتة إن أنا حاولت يوماً أن أتحدى هذا القدر.

ثم تابع: «ولكن..» وتحرك مبتعداً عني، وبدا كما لو أن يديه الثقيلتين أنهما تحاولان تشكيل الهواء «أنا أعيش مع الخشب والحجر. ولدي حجر في القبو، وأنا أعمل هنا طيلة الوقت، وأبحث عن عليّة يكون فيها متسع يسمح لي بإنجاز عملي بشكل فعلي. لذلك، كل ما أحاول أن أقوله لك يا تيش، هو أنني لن أقدم لك الكثير. فأنا لا أملك المال. إنني أعمل أعمالاً حرة لأكسب لقمة العيش فقط، فأنا لست مستعداً لأن أعمل لدى أحد من أولئك المنحلين. وهذا يعني أنك ستكونين مضطرة أنت أيضاً إلى العمل، ولدى عودتك إلى البيت، غالباً ما أكون قابعاً هنا، أتابع مع أدوات نحتي هذا الخراء. وربما تظنين أحياناً أنني لست واعياً لوجودك. لكن إياك أن تفكري بهذه الطريقة أبداً. فأنت معي طيلة الوقت، طيلة الوقت، لا أدري إن كان بإمكاني أن أنجز شيئاً من دونك على الإطلاق، يا صغيرتي. وعندما أنتهي من الأدوات، سوف آتي إليك دوماً. سوف آتي إليك دوماً. فأنا أحتاجك دائماً. أنا أحبك.» ثم ابتسم وقال: «هل يناسبك ذلك يا تيش؟»

قلت: «يناسبني بالطبع.» كان لدي المزيد لأقوله، لكن حنجرتي لم تسعفني.

ثم أخذني بيده ومددني على الفراش الذي كان على الأرض، وجلس بجانبي، ثم دفعني نحو الأسفل بحيث كان وجهي تحت وجهه تماماً، ورأسي في طية يده. وأحسست أن شعوراً ما بالخوف كان ينتابه. وكان يعرف أنني كنت أتحسس ذكره وهو يبدأ بالانتصاب من وراء قماش بنطاله، ومقابل عظم فكي الأسفل، لقد أرادني أن أشعر به، لكنه كان ما يزال خائفاً. أخذ يقبلني فوق وجهي كله وفوق رقبتي، وكشف عن نهدي ووضع أسنانه ولسانه عليهما ويداه كانتا تلمسان كل أنحاء جسدي. كنت مدركة لما كان يفعله، ولم أكن مدركة. كنت بين يديه، وهمس اسمي في أذني فأتى صوته هادراً كالرعد. كنت بين يديه، كنت أعيش لحظات من التحول. كل ما استطعت فعله هو أن أتشبث به. ولم أكتشف إلا بعد حين أني كنت أنا أيضاً أقبله، وأن كل شيء في داخلي كان يتكسر ويتحول ويتحرك نحوه. ولو لم تكن ذراعاه تحملاني، لكان من الممكن أن أقع مباشرة إلى الوراء، أهوي نحو الأسفل، فألقى حتفي. كانت حياتي تحملني. كانت حياتي تطالب بي.. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها صوت أنفاسه وأحس بها، لكن الأمر بدا وكأن أنفاسه كانت تصدر عني. ولست أدري إن كان هو من فتح لي ساقاي، أم أنني فتحتهما بنفسي، وقبّل ما بين فخذي. خلع عني كل ثيابي، وأخذ يغطي جسدي كله بالقبلات، ثم غطاني بالشال وذهب.

كان الشال خشناً. وكنت أشعر بالبرد والحر معاً. سمعته في الحمام. سمعته يشد السلسلة. وعندما عاد، كان عارياً تماماً. نزل تحت الشال، معي، ومدد جسده الطويل فوق جسدي، وشعرت بذكره الطويل الضخم الأسود يخفق فوق سرتي.

أخذ وجهي بين ذراعيه، حمله، وقبلني.

همس لي: «والآن لا تخافي، لا تخافي، تذكري فقط أنني أنتمي إليك، تذكري فقط أنني لن أؤذيك لأجل شيء في العالم. عليك فقط أن تتعودي علي، وسنظل معاً مدى الحياة.»

كانت الساعة بين الثانية والثالثة. وقد قرأ أفكاري، فقال: «والدتك ووالدك يعرفان أنك معي، ويعرفان أنني لن أدع شيئاً يصيبك بمكروه.» ثم تحرك نحو الأسفل، وشعرت بذكره يتحرك تحتي. ثم عاد فقال: «لا تخافي، تمسكي بي.»

تمسكت به بعنف؛ إذ لم يكن هناك شيء في العالم أتمسك به سواه. تمسكت بمنبت شعره. ولم أعد أذكر أيّنا كان يئن هو أم أنا. إنه مؤلم، إنه مؤلم، إنه ليس مؤلماً. كان ثقلاً غريباً، ثمة كائن يخترقني إلى الداخل، إلى داخل لم يسبق لي أن عرفته. أوشكت على الصراخ، وبدأت أبكي، إنه مؤلم. إنه ليس مؤلماً. وبدأ يحدث بداخلي شيء ما غير مألوف. لسانه، أسنانه على نهدي، كانت تؤلم. أردت أن أبعده عني، لكنني تمسكت به بقوة أكبر وهو لا يزال يتحرك ويتحرك ويتحرك. لم أكن أعرف أنه بهذه الضخامة. صرخت وبكيت أمام كتفه. توقف قليلاً. ثم وضع يديه الاثنتين تحت وركيّ. رجع قليلاً إلى الوراء، لكنه لم يخرج تماماً، فأصبحت معلقة للحظة، ثم سحبني إليه ودفع داخلاً بكل ما أوتي من قوة فتمزق شيء في داخلي. شيء ما تمزق، وعلت مني صرخة، لكنه غطى شفتيّ بشفتيه، وخنق صرختي بلسانه. كانت أنفاسه تخترق منخريّ، وكانت أنفاسي تصعد مع أنفاسه وجسدي يتحرك مع جسده. والآن أصبحت امرأة وعاجزة وشعرت به في كل مكان. وبدأ غناء مقدس يشدو في داخلي، غدا جسده مقدساً. ردفاه في اهتزازهما وهما يصعدان وينزلان، وفخذاه بين فخذيّ وثقل صدره على صدري، وقساوة عضوه الذي انتعظ وكبر وخفق وحملني إلى مكان آخر. أردت أن أضحك وأبكي. ثم لفني شعور جديد تماماً. ضحكت وبكيت وناديت باسمه. ضممته إلي أكثر وأكثر وشددت لأتلقاه كله، كله، كل ما فيه. توقف قليلاً وقبلني وقبلني. كان رأسه يتحرك على كامل رقبتي ونهدي. كنا بالكاد نستطيع التنفس، ولو أننا لم نلتقط أنفاسنا بسرعة، لكنا قضينا. تحرك فوني ثانية، في البداية ببطء شديد، ثم أسرع وأسرع. شعرت بنفسي أصل الذروة، ذروة الاهتياج، وسال كل ما بداخلي عليه، وناديت باسمه مرات ومرات بينما كان هو يدمدم باسمي في حنجرته، دافعاً الآن دون أية شفقة، ومتنفساً بحدة، ثم أخرجه بسرعة وهو يتأوه، وتراجع مبتعداً عني، ممسكاً بي بقوة، وقاذفاً سائلاً ساخناً على كامل بطني وصدري وذقني.

ثم استلقينا هادئين، متلاصقين لوقت طويل.

وفي النهاية قطع الصمت الطويل قائلاً باستحياء: «أنا آسف لأنني لم أتابع كما يجب. لكنني لا أتوقع أنك ترغبين بإنجاب طفل في الوقت الحالي، ولم أكن ألبس أي واقٍ.»

قلت: «أعتقد أنني لم أتابع كما يجب أنا أيضاً. إنها المرة الأولى، أليس من المفترض أن يكون هناك دم؟»

كنا نتكلم همساً. ضحك قليلاً. «إنني أنزف. هل لنا أن نلقي نظرة؟»

- «أريد أن أظل مستلقياً هكذا، إلى جانبك.»

- «وأنا كذلك.» ثم قال: «هل تحبينني يا تيش؟» وهنا بدا كطفل صغير. «أعني - عندما مارست الحب معك - هل أحببت ذلك؟»

قلت: «آه، هيا. إنك فقط تريد أن تسمعني أقولها.»

- «هذا صحيح. إذاً...؟»

- «إذاً ماذا؟»

- «إذاً لماذا لا تقولينها؟» ثم قبلني.

قلت: «كان ذلك أشبه قليلاً بصدمة شاحنة.» ضحك ثانية. وأردفت: «لكنه كان أجمل ما حدث لي طيلة حياتي.»

قال: «ولي أيضاً.» قال ذلك بطريقة رائعة جداً. فبدا وكأنه كان يتحدث عن شخص آخر. وتابع: «لم يحدث أن أحبني أحد بهذه الطريقة من قبل.»

-«هل كان لديك علاقات مع كثير من الفتيات.»

- «ليس كثيراً. ولا يجدر بك أن تقلقي من أي منهن.»

- «هل أعرف أياً منهن؟»

ضحك وقال: «هل تريدينني أن أنزل إلى الشارع فأعرفك عليهن؟ هيا، تعرفين أن ذلك لن يكون لائقاً. والآن، وبعد أن تعمقت علاقتي بك قليلاً، لا أعتقد أن ذلك سيكون آمناً.». ثم اقترب مني ووضع يده على صدري وقال: «إنك تنطوين على قطة متوحشة يا فتاة. حتى وإن كان لدي الوقت لمطاردة فتيات أخريات، فأنا متأكد أنه لن يكون لدي الطاقة. فأنا حقيقة سأبدأ بتناول الفيتامينات.»

- «أوه، أسكت، فأنت تثير الغثيان.»

- «ولم أثير الغثيان. إنني أتحدث فقط عن صحتي. ألا تهتمين لصحتي؟ وما أعنيه هو عبارة عن فيتامينات مغطاة بطبقة من الشوكولا.»

-«أنت مجنون.»

أذعن بابتهاج قائلاً: «حسن، أنا مجنون بك. علينا أن نتفقد الأضرار قبل أن تصبح هذه المادة قاسية كالإسمنت؟»

أشعل الضوء ونظرنا إلى أنفسنا وإلى سريرنا.

حسن، فقد شاهدنا شيئاً. كان هناك دم، الكثير منه - أو أنه بدا كثيراً بالنسبة لي، لكنه لم يخفني على الإطلاق، فقد شعرت بالفخر والسعادة - وكان الدم عليه وعلى السرير وعلي أنا. سائله ودمي كانا يسيلان على جسدي، وعلى جسده أيضاً، وفي ظل الضوء الخافت على جسدينا القاتمين، بدا وكأن ما علينا هو مرهم من نوع غريب. أو أننا انتهينا للتو من أداء طقس قَبَليّ. كان جسد فوني بالنسبة لي لغزاً حقيقياً. فجسد المحبوب يكون كذلك دائماً، مهما كان المحب على اطلاع به. فهو المغلف المتبدل الذي يحتوي السر الأعمق من حياة المرء. حدقت بصدره الضخم، وبطنه الواسع، والسرة، والشعر الأسود الطويل، والذكر الضخم المتهدل، لم يكن مختوناً. لمست جسده الرشيق وقبلته على صدره. كان طعمه مالحاً ولاذعاً، نكهة توابل غير مألوفة، ستغدو مع الأيام طعماً مألوفاً، كما يقولون. أمسك يدي بإحدى يديه، ووضع الأخرى على كتفي وقربني نحوه قائلاً: «علينا أن نذهب. من الأفضل أن أوصلك قبل الفجر.»

كانت الساعة هي الرابعة والنصف.

قلت: «أعتقد ذلك.» ثم نهضنا وذهبنا إلى الحمام. فغسلت جسده وغسل جسدي وضحكنا كثيراً كالأطفال وحذرني أنني إن لم أتركه فنحن لن نذهب إلى المدينة، وحينذاك سيقلق والدي بالتأكيد. وفي النهاية قال أن لديه الكثير من الكلام الذي يريد قوله لوالدي، وأن عليه أن يتحدث إليه فوراً.

أوصلني إلى البيت في السابعة صباحاً. وعلى امتداد الطريق إلى مركز المدينة كان يلفني بذراعيه في النفق الخالي تقريباً. كان ذلك صباح الأحد. مشينا في شوارعنا معاً، يداً بيد. حتى رواد الكنيسة لم يكونوا قد نهضوا بعد. أما الساهرين حتى ذلك الوقت، على قلتهم، فلم تكن لديهم القدرة على النظر إلينا، بل لم تكن لديهم القدرة حتى للنظر إلى أي أحد، أو إلى أي شيء.

وصلنا إلى المبنى، وظننت أن فوني سيغادرني هناك واستدرت لأقبله قبلة الوداع. لكنه أخذ بيدي وقال: «هيا.» وصعدنا الدرج. دق فوني الباب.

فتحت سيس، كان شعرها مربوطاً، وتلبس ثوب استحمام قديم أخضر. بدت في غاية الغضب. ونقلت نظرها مني إلى فوني ثم عادت إلي ثانية. ابتسمت، مع أنها لم تكن ترغب بذلك.

قالت: «أتيتما في موعد القهوة تماماً.» وابتعدت عن الباب لتفسح لنا الطريق لندخل.

وهممت بالحديث: «نحن...» لكن فوني قال: «صباح الخير، آنسة ريفرز.» كان في نبرته شيء ما جعل سيس تنظر إليه بحدة وتستيقظ بالكامل. - «يؤسفني أننا رجعنا متأخرين إلى هذا الحد. أيمكنني أن أتحدث إلى السيد ريفرز، رجاءً؟ فالأمر هام.»

وكان لا يزال ممسكاً بيدي.

قالت سيس: « من الأسهل عليك أن تراه إن أنت دخلت إلى الصالة.»

وهممت ثانية بالكلام: «اننا..»، في محاولة مني لابتداع عذر لا يعلمه إلا الله.

فقال فوني: «نريد أن نتزوج.»

قالت: «إذاً من الأفضل لكما أن تحتسيا بعض القهوة.» ثم أغلقت الباب خلفنا.

وهنا دخلت شارون المطبخ، وكانت أكثر تماسكاً من سيس بقليل؛ كانت ترتدي بنطالاً وسترة، وقد ضفرت شعرها بجديلة واحدة ورفعتها إلى قمة رأسها.

وبدأت الحديث: «والآن، أين كنتما كليكما حتى هذه الساعة من الصباح؟ ألم يخطر لكما أن تتصرفا على نحو أفضل؟ كدنا نتصل بالشرطة.»

لكنني لاحظت أيضاً أنها كانت مرتاحة لوجود فوني جالساً في المطبخ، إلى جانبي. فهذا مؤشر هام، وقد عرفتْ ذلك. ولو أنني صعدت إلى البيت وحدي لأخذ الموقف طابعاً مختلفاً تماماً، ولأخذت المشكلة أبعاداً مختلفة جداً.

قال فوني: «أنا آسف سيدة ريفرز، إنها غلطتي وحدي. فأنا لم أر تيش منذ بضعة أسابيع وكان لدينا الكثير لنتحدث عنه - كان لدي الكثير لأتحدث عنه..» ثم أومأ: «وأنا من تسببت بتأخيرها.»

سألت شارون: «تتحدثان؟»

لكنه لم يعبأ كثيراً، إذ أنه لم يشح بنظره عنها، وقال: «نحن نريد أن نتزوج، وهذا مبرر تأخيري لها حتى هذا الوقت.» وهنا تبادلت شارون وسيس النظرات. ثم تابع: «ولهذا أمضيت هذا الوقت الطويل بعيداً، حتى أنني..» وهنا استرق نظرة إلي، «ذهبت لأرى فتيات أخريات - و - جربت كل شيء في محاولة لإلغاء هذه الفكرة من رأسي..» ونظر إلي ثانية، ثم أطرق وتابع: «لكنني تبينت أنني أخدع نفسي فقط. فأنا لم أحب سواها. ثم انتابني خوف من أن تذهب بعيداً أو أن يأتي شخص ما فيأخذها، لذلك عدت.» وحاول أن يبتسم: «عدت مسرعاً. وليس في نيتي الذهاب ثانية.» ثم أردف: «كانت فتاتي دائماً، تعرفين ذلك. و.. أنا لست فتىً سيئاً، تعرفين ذلك أيضاً. و.. أنتم العائلة الوحيدة التي عرفتها طيلة حياتي.»

دمدمت شارون: «ولهذا السبب فأنا أتساءل لم بدأت فجأة تناديني سيدة ريفرز.» ثم نظرت إلي وقالت: »نعم. أتمنى أن تنتبهي، يا آنسة، إلى أنك لا زلت في الثامنة عشرة من عمرك.»

قالت سيس: «ملاحظتك هذه موضع نقاش، وهي إشارة إلى نفق سوف يقودك من هنا نحو وضع حرج، إن كان ذلك موضوع النقاش!» ثم صبت القهوة. «ما يحدث فعلياً، هو أن الأخت الكبرى هي من يُتوقع لها أن تتزوج أولاً. لكننا في هذا البيت لم نتقيد يوماً في اتباع الإتيكيت.»

سألتها شارون: «وما رأيك أنت بكل ذلك؟»

- «أنا؟ من جهتي يسعدني أن أتخلص من هذه الطفلة الصغيرة المزعجة. فأنا لم أستطع تحملها قط. كما أقسم أنني لم أستطع يوماً رؤية ما ترونه جميعاً فيها.» ثم جلست إلى الطاولة وابتسمت ابتسامة عريضة. وقالت: «أما أنت يا فوني، فأنصحك بأن تأخذ بعض السكر، لأنك ستحتاج إليه، صدقني، هذا إن كنت تنوي ربط نفسك بأختي الصغيرة الحلوة.»

توجهت شارون نحو باب المطبخ، ونادت: «جو! تعال إلى هنا! فالسعادة دخلت البيت البائس! هيا، الآن، أنا أعني ذلك.»

أمسك فوني بيدي.

ثم دخل جوزيف المطبخ لابساً خفاً، وبنطالاً قديماً من قماش قطني مقشش، وقميصاً من نوع (تي شيرت). وبدأت أتبين أن النوم لم يعرف طريقاً إلى أجفان أي من أهل هذا البيت. للوهلة الأولى لم ير سواي، وهو فعلاً لم ينتبه لوجود أحد غيري. وبما أنه كان غاضباً ومرتاحاً في آن معاً، فقد كانت نبرته موزونة جداً. قال: «أرجوك أن تخبريني بالضبط ما الذي تقصدينه، أيتها السيدة الصغيرة، برجوعك إلى هنا في هذه الساعة من الصباح. إذا كنت تريدين مغادرة البيت، غادري إذن، هل تسمعين؟ ولكن، طالما أنك تعيشين في بيتي، عليك احترامه، هل سمعتني؟»

وفي هذه اللحظة فقط انتبه لفوني، الذي ترك يدي ووقف.

قال فوني: «سيد ريفرز، أرجوك أن لا توبخ تيش. فالغلطة يا سيدي هي غلطتي. أنا من أخرتها خارجاً. فقد كان لدي ما أقوله لها. أرجوك سيد ريفرز، أرجوك. لقد طلبت يدها للزواج. وهو الأمر الذي قضينا كل هذا الوقت نتحدث فيه. نحن نريد الزواج. ولهذا السبب تجدني هنا الآن. أنت والدها، وتحبها. وأنا أعرف أنك تعرف - لا بد وأنك تعرف - بأنني أحبها. لقد أحببتها طيلة حياتي. وأنت تعرف ذلك. ولولا حبي لها، لما وجدتني واقفاً في هذه الغرفة الآن - اسمح لي، كان بإمكاني أن أتركها عند مدخل البناء وأهرب ثانية. أعرف أنك ترغب في ضربي. لكنني أحبها. وهذا كل ما أستطيع أن أقوله لك.»

ونظر جوزيف إلي.

- «كم عمرك؟»

- «أنا في الحادية والعشرين، يا سيدي.»

- «وهل تظن أنه عمر مناسب للزواج؟»

- «لا أدري يا سيدي. لكنه عمر مناسب كي تعرف من تحب.»

- «أتظن ذلك؟»

اعتدل فوني بوقفته وقال: «أنا واثق من ذلك.»

- «كيف ستعيّشها؟»

- «وكيف فعلت أنت؟»

لم يعد لنا، نحن النساء، دور في هذا النقاش الآن، وقد عرفنا ذلك. صبت إرنيستاين فنجاناً من القهوة لجوزيف ودفعته باتجاهه.

- «هل لديك عمل؟»

- «أعمل نهاراً في شحن محركات المراوح، وأنحت في الليل، فأنا نحات. نحن نعرف أن الأمر لن يكون سهلاً. لكنني فنان حقيقي. وربما أكون فناناً رائعاً - بل وعظيماً.» ثم حدقا ببعضهما لحظة من الزمن.

رفع جوزيف قهوته دون النظر إليها، ورشفها دون أن يتذوقها.

- «والآن، دعني أفهم ذلك بالترتيب. أنت طلبت الزواج من ابنتي، وهي قالت...»

- فقاطعه فوني: «قالت نعم.»

- «وقد أتيت إلى هنا لتخبرني أم لتأخذ موافقتي؟»

- «الاثنان يا سيدي.»

- «وأنت ليس لديك أي تصور عن..»

قال فوني: «المستقبل،»

ثم عاد الرجلان ليتأملا بعضهما. وضع جوزيف قهوته. أما فوني فلم يلمس فنجانه.

سأل جوزيف: «ما الذي كنت تفعله لو أنك مكاني؟»

ولاحظت أن فوني كان يرتجف، وقد كان ذلك خارجاً عن إرادته - ولامست يده كتفي لمساً خفيفاً، ثم ابتعدت. «كنت سأسأل ابنتك. فإن قالت لك أنها لا تحبني، سأغادر، وأتعهد بأنني لن أعود لإزعاجكم أبداً.»

نظر جوزيف إلى فوني بحزم - نظرة طويلة، يتجلى للمرء من خلالها كيف يتحول الشك إلى ضرب من الحنان المذعن، والتسليم. بدا وكأن لديه رغبة بضرب فوني ورميه أرضاً، أو أخذه بين ذراعيه.

ثم نظر إلي.

- «هل تحبينه؟ هل ترغبين بالزواج منه؟»

قلت: «نعم!» ولم أكن أعرف أن صوتي يمكن له أن يكون بهذه الغرابة. «نعم، نعم.» ثم قلت: «إنني ابنة مقربة جداً إليك، أنت تعرف ذلك. كما أنني مقربة جداً إلى أمي. لذلك لا بد وأنك تعلم أنني أعني لا حين أقول لا، وأعني نعم حين أقول نعم. وقد جاء فوني إلى هنا لأخذ موافقتكم. ولهذا فأنا مولعة به. إنني بحاجة ماسة إلى موافقتك لأنني أحبك. لكنني لن أتزوج بك، بل سأتزوج بفوني.»

جلس جوزيف.

- «متى؟»

قال فوني: «بمجرد أن نتناول القربان المقدس معاً.»

فقال جوزيف: «من الأفضل أن ندخل أنت وأنا إلى الغرفة الأخرى.»

وهكذا ذهبا. ولم ننبس نحن ببنت شفة. فلم يكن لدينا ما نقوله. باستثناء أمي التي قالت بعد لحظات: «أمتأكدة من حبك له يا تيش؟ هل أنت متأكدة؟»

قلت: «ماما، لماذا تسألينني مثل هذا السؤال؟»

فأجابت إرنيستاين: «لأنها تحلم في أعماقها بأن تتزوجي من غافرنر روكفيلر.»

نظرت أمي إليها بحزم لحظة، ثم ضحكت. فقد اقتربت إرنيستاين، دون علم منها أو قصد، من الواقع، ليس بحرفيته، لكن الواقع يقول: أنها تسعى جاهدة لتحقيق حلم الأمان. قلت: «أنت تعلمين أن شرج الحمار الجاف ذاك يكبرني بكثير.»

ضحكت شارون مجدداً وقالت: «أما هو فلا ينظر إلى نفسه بهذه الطريقة. لكنني لا أظن أن بإمكاني تقبل الطريقة التي ينظر فيها إليك. لذلك علينا إغلاق الموضوع. وحين أفكر بالأمر بجدية، أرى أنك ستتزوجين بفوني.» ثم توقفت قليلاً، وحينها لم تعد شارون، أمي، بل شخصية أخرى، لكن تلك الأخرى، هي بالضبط، أمي، شارون. ثم تابعت: «أظنني سعيدة حقاً.» واتكأت إلى الوراء، وهي تلف يديها وتنظر إلى البعيد، وتفكر: «نعم. إنه صادق. إنه رجل.»

فردت إرنيستاين: «لم يصبح رجلاً بعد، لكنه في طريقه لأن يكون رجلاً، وهذا السبب الذي يجعلك تجلسين هناك، وتقاومين دموعك. فذلك يعني أن ابنتك الصغرى في طريقها لأن تصبح امرأة أيضاً.»

قالت شارون: «آه، اخرسي. أدعو الله أن تتزوجي من شخص ما، حيث يصبح بإمكاني أن أزعجك حتى الموت، بدلاً من إزعاجك لي.»

فأجابتها إرنيستاين بمنتهى الهدوء: «سوف تفتقدينني أنا أيضاً. ولكن، لا أظنني سأتزوج مطلقاً. أنت تعرفين يا أمي. بعض الناس يتزوجون، والبعض الآخر لا.» ثم وقفت ودارت حول الغرفة وعادت فجلست ثانية. كان باستطاعتنا سماع صوت فوني وجوزيف في الغرفة الثانية، لكننا لم نتمكن من فهم ما كانا يقولانه. كنا نجهد أن لا نسمع حديثهما. فالرجال رجال. ولا بد في بعض الأحيان من تركهم بمفردهم. خصوصاً إذا ما راودك الشعور بأنهم عندما يختلون بأنفسهم في غرفة، لا يرغبون بالبقاء فيها، إنما يفعلون ذلك بسبب مسؤوليتهم عن أولئك النساء القابعات خارجها.

أجابت شارون دون أن تأتي بحركة وبمنتهى الثبات: «نعم، أدرك ذلك.»

قالت إرنيستاين: «المشكلة الوحيدة هي ذلك الشعور الذي ينتابك أحياناً بالرغبة في أن تكوني تابعة لأحدهم.»

فقلت، دون أن أعرف بأنني سأتلفظ يوماً بمثل هذه العبارة : «لكن التبعية أمر مرعب.»

كما أنني أكتشف معنى ذلك ربما إلى أن سمعت نفسي أقوله.

قالت إرنيستاين: «ستة في واحد، ونصف دزينة في الآخر.» ثم ابتسمت.

وهنا عاد جوزيف وفوني من الغرفة الثانية.

قال جوزيف: «كلاكما مخبول، ولكن ما بيدي حيلة.» نظر إلى فوني، وابتسم، ابتسامة لطيفة وهادئة. ثم نظر إلي وقال: «لكن فوني محق. يوماً ما سيأتي أحدهم ليأخذك. إلا أنني لم أتوقع حدوث ذلك بهذه السرعة. ولكن - كما قال فوني، وهو مصيب في ذلك، فقد كنتما معاً بصورة دائمة، منذ الطفولة. ولم تعودا طفلين الآن.» ثم أخذ بيد فوني فقرّبه مني، وأخذ بيدي ودفعني نحوه إلى أن وضع يدي بيده، وقال: «اعتنيا ببعضكما. فسوف تكتشفان أن الأمر ليس مجرد فكرة.»

كانت الدموع تترقرق في عيني فوني. قبّل والدي. وترك يدي، وتوجه نحو الباب قائلاً: «عليّ الذهاب إلى البيت، وإخبار والدي.» ثم تغيرت ملامحه، ونظر إلي وقبّلني عبر الأثير الفاصل بيننا. وتابع: «سوف يشعر بسعادة غامرة.» فتح الباب وقال لجوزيف: «سوف نكون هنا في السادسة مساءً، هل هذا مناسب؟» قال جوزيف: «مناسب.» وكان حينها يبتسم ملء وجهه.

غادر فوني. وبعد يومين أو ثلاثة، في الثلاثاء أو الأربعاء، ذهبنا معاً إلى مركز المدينة ثانية وبدأنا بشكل جدي نبحث عن شقة لنا.

كان ذلك بمثابة رحلة ونصف.

في يوم الاثنين كان السيد هيوارد في مكتبه، تماماً كما وعد أن يكون. وصلت إلى هناك في حوالي السابعة والربع وكانت أمي برفقتي.

كان السيد هيوارد يناهز السابعة والثلاثين من عمره على ما أظن. له عينان بنيتان جميلتان وشعر بني خفيف. وهو طويل، طويل جداً وضخم، كما أنه في غاية اللطف، أو يبدو كذلك، لكنني رغم ذلك لم أشعر نحوه بالارتياح. لست أدري إن كان من العدل أن ألقي عليه باللائمة على ذلك؛ وحقيقة الأمر أنني في هذه الأيام لا أشعر بالارتياح تجاه أحد، مما يجعل من البديهي أن لا أشعر بالراحة تجاه محامي.

بمجرد دخولنا، وقف وأجلس والدتي على الكرسي الكبير وأجلسني على الكرسي الصغير ثم عاد ليجلس هو خلف مكتبه.

- كيف حال السيدتين اليوم؟ سيدة ريفرز؟ وكيف حالك يا تيش؟ هل رأيت فوني؟

- نعم، في الساعة السادسة.

- وكيف حاله؟

لطالما كان هذا سؤالاً غبياً بالنسبة لي. إذ كيف يمكن لحالة رجل يصارع من أجل الخروج من السجن أن تكون؟ ولكن حينها كان علي أن أجبر نفسي على رؤية الأمور من زاوية أخرى، مما يجعل من سؤاله سؤالاً هاماً. فمن جهة كنت أعيش معه طيلة الوقت، أي مع السؤال، ومن جهة ثانية، فإن معرفة «كيف حال فوني» كان يمكن أن يشكل فرقاً كبيراً بالنسبة للسيد هيوارد، ويساعده في القضية. لكنني مع ذلك كنت أرفض إخبار السيد هيوارد أي شيء على الإطلاق حول فوني، شعرت بأن هناك الكثير مما يتوجب عليه أن يكون على علم مسبق به حوله، لكنني ربما أكون غير منصفة في ذلك أيضاً.

- «حسن، لنَصِف الأمر على الشكل التالي، سيد هيوارد: إنه يكره وجوده هناك، لكنه يحاول أن لا يسمح لذلك بأن يحطمه.»

سألت أمي: «متى سنخرجه من هناك؟» فقلّب السيد هيوارد نظره بيني وبين أمي وابتسم ابتسامة ألم، وكأنه تلقى ضربة على بؤبؤ عينه، ثم قال: «حسن أيتها السيدتان. إن القضية صعبة للغاية، كما تعرفان».

قلت: ولهذا اختارت أختي توكيلك أنت بالذات.

- «وقد بدأت أنت الآن تشعرين بأنها أخطأت في وضع ثقتها بي؟» قال ذلك وكان لا يزال مبتسماً. ثم أشعل سيجاراً.

قلت: «لا. أنا لم أقل ذلك.»

لم أكن أجرؤ على قول ذلك - حتى الآن على الأقل - لأنني كنت خائفة من أن أجد نفسي مضطرة للبحث عن محامٍ آخر، ربما يكون أسوأ.

قالت أمي: «إننا نرغب أن يكون بصحبتنا، فنحن نفتقده.»

قال: «يمكنني بالتأكيد فهم ذلك. وأنا أفعل ما بوسعي لإعادته إليكم بأسرع ما يمكن. لكن كما تعلمان أيتها السيدتان، فالصعوبة القصوى سببها رفض السيدة روجرز إعادة النظر في شهادتها. وهي قد اختفت الآن.»

صرخت: «اختفت؟ كيف لها أن تختفي؟»

قال: «تيش، حين يتعلق الأمر بشيء من هذا القبيل، فهذه مدينة كبيرة جداً، وبلد كبير جداً، بل وعالم كبير جداً. الناس يختفون. لكنني لا أظنها ابتعدت كثيراً، فهم بالتأكيد لا يملكون الإمكانيات للذهاب في رحلة طويلة. من المحتمل أن تكون عائلتها قد أعادتها إلى بورتوريكو. على كل حال، فإن إيجادها، يتطلب مني الاعتماد على رجال تحري خاصين، و...»

قالت أمي: «هذا يعني نقوداً..»

قال السيد هيوارد: «للأسف» ومن خلف سيجاره، كان يرمقني بنظرة غريبة، ومترقبة، وآسفة. كنت قد وقفت، ثم جلست وأنا أردد: «تلك العاهرة القذرة.. تلك العاهرة القذرة..»

سألت أمي: «وكم من النقود؟»

- «إنني أحاول أن أخفض ذلك قدر المستطاع.» قال السيد هيوارد ذلك بابتسامة طفولية خجلة. وأردف: «لكن التحري الخاص، يعني تحري خاص. أنا قلق. وهم يعرفون ذلك. فإن كنا محظوظين، تمكنا من معرفة مكان السيدة روجرز في غضون أيام، وإن لم نكن، ففي غضون أسابيع.» ثم تنحنح وتابع: «حسن، لنفترض حالياً أننا سنكون محظوظين.» ثم ابتسم ثانية.

قالت أمي باكتئاب: «بورتوريكو...»

قال السيد هيوارد: «نحن لا نعرف إن كانت قد عادت إلى هناك، إلا أنه احتمال قوي. بكل الأحوال، فقد اختفت منذ أيام هي وزوجها من الشقة التي كانا يشغلانها في شارع أوركارد، دون أن يتركا عنواناً آخر لهما. ولم يكن بإمكاننا الاتصال بالأقارب الآخرين، من عمات وأعمام، فهم كما تعلمان، لم يكونوا متعاونين في الأصل.»

سألت: «ولكن ألا يسيء ذلك لقضيتها؟ أقصد أن تختفي هكذا؟ فهي الشاهد المفتاح في هذه القضية.»

- «بلى، لكنها امرأة بورتوريكية مضطربة وجاهلة، وتعاني عقابيل الاغتصاب. لذلك فهي تتصرف بطريقة عشوائية. هل تفهمين ما أعنيه؟» ونظر إلي بحدة، وتغير صوته. ثم أردف: «كما أنها واحدة فقط من الشهود المفاتيح في هذه القضية. لقد نسيت شهادة الضابط بيل، الذي كان تعرفه على المغتصب جازماً تماماً. فـ "بيل" هو من أقسم على أنه شاهد فوني وهو يهرب من مكان الجريمة. وقد كنت على ثقة دائمة - وتذكرين أننا ناقشنا ذلك من قبل - بأن السيدة روجرز مصرة على ترديد شهادته هو.»

- «لو أنه بالفعل شاهد فوني في مكان الجريمة، فلماذا كان عليه الانتظار حتى يأتي ويأخذه من البيت؟»

قالت أمي: «تيش، تيش،» ثم توجهت إلى هيوارد: «هل تعني بكلامك الآن.. أن الضابط بيل هو من طلب منها أن تقول ذلك؟ هل تعني ذلك؟»

قال السيد هيوارد: «نعم.»

نظرت إلى هيوارد. نظرت حول الغرفة. كنا في مركز المدينة، بالقرب من برودوي، غير بعيدين عن كنيسة ترينيتي. غرفة المكتب مكسوة بالخشب الداكن. وهو ناعم جداً وصقيل جداً. الطاولة عريضة، وعليها جهازي هاتف وزر يومض باستمرار، لكن هيوارد يتجاهله لانشغاله بي. على الجدران كان هناك العديد من الميداليات والشهادات، وصورة كبيرة لهيوارد، الأب. وعلى الطاولة، كان هناك صورتان محاط كل منهما بإطار، واحدة لزوجته، وهي مبتسمة، والأخرى لطفليه الصغيرين. لم أشعر بأية حميمية تجاه هذه الغرفة.

لكنني مع ذلك كنت هناك.

قلت: «معنى كلامك أن لا طريقة للوصول إلى الحقيقة في هذه القضية؟»

«لا. أنا لا أقول ذلك.» وأعاد إشعال سيجاره. «فالحقيقة في القضية لا تهم. المهم هو من يربح.»

ملأ دخان السيجار الغرفة. قال بحذر: «لا أعني أنني أشك بالحقيقة. فلو أنني لا أثق ببراءة فوني، لما استلمت القضية مطلقاً. وأنا لدي معلومة عن الضابط بيل، فهو عنصري وكذاب، وقد قلت له ذلك في وجهه مرة، ويمكنك الاستشهاد بي في ذلك أمام أي شخص، وفي أي وقت ترغبينه. كما أنني أعرف ما هو أسوأ، وهو علاقة النيابة العامة للمقاطعة بهذه القضية. الآن، لقد أكدت أنت وفوني أنكما كنتما معاً في الغرفة في شارع بانك مع صديق قديم، وهو دانييل كارتي. وكما تلاحظين، فشهادتكما لم تؤت أدنى فائدة. أما دانييل كارتي فقد اعتقل لتوه من قبل النيابة العامة للمقاطعة ووضع في السجن الانفرادي. ولم يسمح لي برؤيته.» وهنا توقف وذهب باتجاه النافذة. «ما يفعلونه هو في الحقيقة مخالف للقانون. لكن لدانييل كما تعلمين محضر تحقيق. ومن الواضح أنهم يحاولون جعله يغير إفادته. ولست متأكداً، لكنني أراهن أن هذا هو ما جعل السيدة روجرز تختفي.» عاد إلى كرسيه، وجلس. ثم نظر إلي وقال: «وهكذا. تلاحظين أنني سأعمل على جعل الأمر أسهل ما يمكن. لكنه سيبقى في غاية الصعوبة.»

سألت أمي: «ومتى تحتاج إلى النقود؟»

قال: «لقد باشرت باتخاذ إجراءات البحث عن السيدة روجرز. وأنا بحاجة إلى النقود بأسرع ما يمكن. كما أني سأجبر النيابة العامة للمقاطعة على السماح لي برؤية دانييل كارتي، رغم أنهم سيضعون في طريقي كل ما يمكنهم من معوقات. »

قالت أمي: «إذاً فعلينا أن نحاول كسب الزمن.»

قال: «نعم.»

الزمن. جاء وقع الكلمة وكأنه أجراس كنيسة. فوني كان يصنع الزمن. في غضون ستة أشهر سيكون ابننا هنا. في وقت ما، من الزمن، تقابلنا أنا وفوني. وفي وقت ما، من الزمن، أغرمنا ببعضنا. وفي وقت ما، لكنه لم يعد من الزمن، بل تحت رحمة الزمن بالمطلق، نحن مغرمان.

في وقت ما من الزمن، أودِع فوني زنزانة في السجن، وأخذ شعره يزداد ويزداد قسوة وتصلباً. في وقت ما من الزمن ضرب سلسلته، متلهفاً للحلاقة، وفي وقت ما، من الزمن، حك إبطيه، طلباً للاستحمام. في وقت ما، من الزمن، نظر حوله، وهو يعرف أنه قد ثُبِّت في مكانه، داخل الزمن الذي كان متغاضياً عنه. في زمن آخر كان يخاف الحياة، وهو الآن يخاف الموت، في وقت ما، من الزمن. كان يفيق كل صباح وتيش أمام ناظريه، ويداعب النعاس عيونه كل ليلة وتيش تداعب سرّته. أما الآن، فهو يعيش، في الزمن، مع صخب ونتن وجمال وبشاعة عدد لا يحصى من الرجال. وقد ألقي في هذا الجحيم في طرفة عين.

لا يمكن للزمن أن يشترى. فالعملة الوحيدة التي يقبلها هي الحياة. ومن على الكرسي الجلدي لمكتب السيد هيوارد، نظرت عبر النافذة الواسعة، إلى الأسفل، على البرودوي، وأخذت أبكي.

قال السيد هيوارد بعجز: «تيش،»

وأخذتني أمي بين ذراعيها.

قالت: «لا تفعلي هذا بنا.. لا تفعلي هذا بنا.»

لكنني لم أستطع التوقف. وبدا الأمر بالنسبة لي وكأننا لن نتمكن من إيجاد السيدة روجرز أبداً؛ وكأن بيل لن يغير شهادته أبداً؛ وسيضربون دانييل إلى أن يغير إفادته. وفوني سوف يقبع في السجن إلى أن يتعفن، سوف يموت هناك، أما أنا.. أنا.. فلن أستطيع العيش دون فوني.

قالت أمي: «تيش، أنت امرأة الآن. لقد أصبحت امرأة. إننا أمام موقف قاس، لكنك، إن أردت التفكير به ملياً ، فلن تجدي شيئاً جديداً طرأ عليه. لكن هذا يصح فقط حين تتمسكين بالأمل يا ابنتي. لا يمكنك الاستسلام. علينا إخراج فوني من هناك. بغض النظر عما سنفعله لتحقيق ذلك، هل تفهمينني؟ لقد طال بنا الزمن ونحن نعاني من هذه المصيبة. والآن، إذا ما بدأتِ التعامل معها بطريقة أخرى، فإنك لن تجني لنفسك سوى المرض، في الوقت الذي لا يحق لك أن تقعي مريضة، أنت تعلمين ذلك. أما أنا فأفضّل أن أقتل فوني بنفسي من أن تقتليه أنت إذا ما أصابك أي مكروه. لذلك، هيا، علينا الآن أن نسعى لإخراجه.»

ابتعدت عني. وجففتُ دموعي. ثم التفتت إلى هيوارد.

- «ليس بحوزتك عنواناً لتلك الطفلة في بورتوريكو، أليس كذلك؟»

- «بلى.» كتب العنوان على قطعة ورق وأعطاها لها وقال: «لقد أرسلنا شخصاً إلى هناك هذا الأسبوع.»

طوت أمي قطعة الورق، ووضعتها في محفظتها.

- «متى تتمكن من رؤية دانييل حسب توقعاتك؟»

قال: «أنوي أن أراه غداً. لكن عليّ أن أفعل المستحيل لإنجاز ذلك.»

قالت أمي: «حسن، افعل كل ما بوسعك حتى تنجز الأمر.»

ثم عادت إلي.

- «سوف نذهب إلى البيت، سيد هيوارد، ونقنع أنفسنا بأن الأمر قد تم، وسأوصي إرنيستاين لتتصل بك غداً صباحاً. هل هذا يناسبك؟

- «جيد. أرجو أن تبلغي تحياتي إلى إرنستاين.» وضع سيجاره، وجاء إلي ليضع يده الفظة على كتفي.

قال: «عزيزتي تيش، أرجوك أن تتمالكي نفسك، أرجوك أن تتمالكي نفسك. أقسم لك أننا سنربح، وأن فوني سيحظى بحريته. أنا لا أقول أن ذلك سيكون سهلاً، لا. لكنه في الوقت نفسه لن يكون بعيد المنال كما يبدو لك اليوم.»

قالت أمي: «قل لها ذلك»

- «حين أذهب عادة لرؤية فوني، تكونين أنت أول من يسألني عنه. وأنا أجيبه دائماً: تيش؟ إنها بخير. لكنه يراقب وجهي ليتأكد من صدقي. وأنا كاذب سيئ جداً. وسوف أذهب لرؤيته غداً. فماذا سأقول له؟»

قلت: «قل له أنني بخير.»

- «هل تظنين أن بإمكانك التفضُّل علينا بابتسامة صغيرة؟ لأرفقها مع الرسالة. باستطاعتي حملها معي. وسيروق له ذلك.»

ابتسمت، وابتسم هو، وللمرة الأولى تولّد بيننا ما هو إنساني بحق. ترك كتفي ومشى باتجاه أمي. «هل من الممكن لإرنيستاين أن تتصل بي في حوالي العاشرة؟ أو حتى أبكر من ذلك، إن أمكن. وإلا فإنها لن تجدني حتى السادسة.»

- «سوف تفعل. وشكراً جزيلاً لك سيد هيوارد.

- «تعلمين؟ أتمنى لو أنك تلغين كلمة (سيد)»

- «حسن، هيوارد. نادني بـ"شارون"»

- «سوف أفعل. وأتمنى أن نصبح أصدقاء، بعيداً عن ذلك كله.»

قالت أمي: «أنا متأكدة أننا سنصبح. أشكرك مرة ثانية. إلى اللقاء الآن.»

- «إلى اللقاء. لا تنسي ما قلته لك يا تيش.»

- «لن أنسى. أعدك. قل لفوني أنني بخير.»

- «هذه هي صديقتي. أو، بالأحرى، صديقة فوني.» قال ذلك وقد ابتسم وبدا أكثر خفة من أي وقت مضى. فتح لنا الباب وقال: «إلى اللقاء.»

قلنا: «إلى اللقاء.»

كان فوني في الجادة السابعة في مساء ذلك السبت حين التقى بدانييل ثانية، وكانت أيام المدرسة هي آخر عهدهما ببعضهما.

لم يغير الوقت شيئاً في دانييل. كان لا يزال ضخماً، أسود، وصاخباً. وبعمر الثانية والثلاثين، فهو أكبر من فوني بقليل. وهكذا، أخذ كل منهما الآخر بالأحضان في الشارع. وعاشا غبطة المفاجأة الحقيقية، حيث سألا عن أحوال بعضهما بمرح، وضربا بعضهما على الرأس والأكتاف، فعادا طفلين ثانية، ثم جلسا بعد ذلك في أقرب حانة، رغم أن فوني لا يحب الحانات، وطلبا كوبين من البيرة.

- «واو! ما الأخبار؟» لا أعرف من منهما سأل السؤال، أو من الذي سأله أولاً، لكن بإمكاني رؤية وجهيهما.

- «لماذا تسألني يا رجل؟»

- لأنك هناك، كما يقال عند قمة إيفريست.»

- «أين؟»

- «لا تمزح يا رجل. كيف تمضي أيامك؟»

- «أعمل لدى اليهود في مركز غارمنت، حيث أدفع العربات اليدوية، فأقودها صعوداً ونزولاً في مخازنهم.»

- وكيف حال أهلك؟»

- «آه. والدي توفي منذ فترة ليست بالبعيدة. وأنا مازلت في المكان نفسه، مع أمي، وقد ظهرت لديها عروق الدوالي. وهكذا»

ونظر دانييل في كوب البيرة.

- «ماذا لديك، أعني الآن؟»

- «تعني في هذه اللحظة؟»

- «أعني، هل لديك أية خطط، هل أنت مرتبط مع أحد، أم بإمكانك مرافقتي؟ أعني، الآن؟»

- «ليس لدي أي شيء.»

تجرع فوني كأس البيرة، ودفع الحساب للرجل.

- «هيا بنا. لدينا بعض البيرة في البيت. هيا بنا. هل تذكر تيش؟»

- «تيش؟»

- «نعم. تيش. تيش الصغيرة النحيفة. صديقتي.»

- «تيش الصغيرة النحيفة؟»

- «نعم. لا تزال صديقتي. وسنتزوج يا رجل. هيا بنا. دعني أريك الشقة. وستحضر لنا هي شيئاً لنأكله. هيا بنا. قلت لك لدينا بعض البيرة في البيت.»

ورغم أنه من المفترض ألا يصرف كل النقود التي بحوزته، لكنه أقحم دانييل في سيارة أجرة وانطلقا في طريقهما نحو شارع بانك، حيث كنت هناك دون توقع مني لوصولهما. كان فوني مفعماً بسعادة وابتهاج كبيرين. والحقيقة أنني أتذكر دانييل من خلال بريق عيني فوني. فالزمن لم يترك دانييل دون أن يغير من ملامحه، وقد لاحظت مدى الإرهاق الذي كان بادياً عليه. والفضل في ذلك لا يعود إلى حدة ملاحظتي، بل لأنني مغرمة بفوني. فلا الحب ولا الرعب يفقدان المرء ملاحظته، الحيادية وحدها هي ما تجعله أعمى. وأنا لا يمكنني أن أكون حيادية تجاه دانييل، لأنني قرأت في وجه فوني، كم كانت مدهشة تلك المعجزة التي مكنته من التقاط صديق له من مستنقع ماضيه.

لكن هذا كان يعني أن أخرج للتسوق. وهكذا ذهبت، وتركتهما وحيدين. وبعد خروجي، وضع فوني شريط «مقارنة بماذا»، بينما كان دانييل جالساً على الأرض يتجرع البيرة.

- سأل دانييل: «إذاً، فأنت ستتزوج حقاً؟» كان الاثنان كئيبان وساخران.

- «نعم. نحن نبحث عن مكان نعيش فيه. نبحث عن عليّة، فكلفتها لا تتجاوز كلفة حصة من الخبز، كما تعلم، كما أن فيها متسع أستطيع أن أعمل فيه دون أن تتعرض تيش لمرض يودي بحياتها. هذه الغرفة لا تتسع لشخص واحد، فكيف لها أن تتسع لشخصين، خاصة وأنني أنجز كل عملي هنا، وفي القبو.» في تلك الأثناء كان يلف سيجارة له وأخرى لدانييل، الذي كان يجلس إلى جواره. «هناك الكثير من العليات الفارغة في الجهة الشرقية، يا رجل، لا أحد يرغب في استئجارها، إلا غريبي الأطوار أمثالي. فجميعها فخاخ نارية، كما أن بعضها لا يحتوي حتى على دورة مياه. مما يستوجب منك البحث إلى أن تحظى بعلية تتميز بمواصفات صحية.» أشعل السيجارة، سحب منها، وناولها لدانييل. «لكن يا رجل، في هذا البلد لا يحبون الزنوج. أقسم أنهم لا يحبونهم لدرجة أنهم يفضلون التأجير لمجذوم.» أخذ دانييل مصة من السيجارة وأعادها إلى فوني. الذي أخذ مصة هو أيضاً، بينما كانت المسجلة تصدح: «السيدات العجائز التعبات يقبّلن الكلاب!» وأخذ رشفة من كأس البيرة ثم أعادها. «بعض الأحيان نذهب أنا وتيش معاً، وأحياناً أخرى تذهب وحدها، وربما ذهبت وحدي. يتفق أحياناً أن أذهب وحدي. ولكن في كل مرة تعاد القصة نفسها، يا رجل.» - وهنا وقف وتابع: «لكنني لن أرسل تيش وحدها بعد الآن. ففي الأسبوع الماضي، وعدها أحدهم بعليّة، فقلنا ها قد انتهت رحلة البحث تلك. ولم يكن قد رآني بعد. فحسب أنها فتاة سوداء وحيدة تبحث عن علية، بعيداً عن مركز المدينة، فطمع بإمكانية إقامة علاقة معها. لقد ظن أنها تراوده عن نفسها، هذا بالضبط ما ظنه. ثم جاءت تيش لتزف إلي نبأ حصولها على العلية، وكم كانت فخورة بنفسها وسعيدة.» - ثم عاد فجلس ثانية - «فيما بعد ذهبنا إلى هناك سوية. وحين رآني ذلك الشخص، قال لابد وأن هناك سوء فهم، فهو لا يستطيع أن يؤجرنا العلية لأن أقرباء له مقيمين في رومانيا سوف يصلون في غضون نصف ساعة، وسيكون عليه أن يعطيهم العلية. اللعنة. وقد قلت له بأنه إنسان سيئ، فهدد بأن يستدعي رجال الشرطة لحماقتي.» أخذ السيجارة من دانييل. «إنني أسعى بشكل جدي لخلق ظروف مواتية لكلينا تتيح لنا ترك هذا البلد اللعين.»

- «وكيف ستفعل ذلك؟»

قال فوني: «لست أدري بعد. تيش لا تجيد السباحة.» أعاد السيجارة لدانييل، وأخذا يصخبان ويتمايلان وهما يتضاحكان.

قال دانييل جادّاً: «ربما كان بإمكانك أن تذهب أولاً.»

وهنا أتت السيجارة وشريط التسجيل على نهايتيهما في آن معاً.

قال فوني: «لا. لا أظنني راغباً بفعل ذلك.» وكان دانييل يراقبه. «فأنا سأكون خائفاً جداً.»

ورغم أنه يعرف بالضبط الإجابة، إلا أنه سأل: «خائف ممّ؟»

- «خائف فقط.» قالها فوني بعد صمت طويل.

سأل دانييل: «خائف مما قد يصيب تيش؟»

مرت فترة صمت أخرى. كان فوني خلالها يحدق خارج النافذة، ودانييل يحدق في ظهر فوني.

وفي النهاية أجاب فوني: «نعم. خائف مما قد يصيب كلينا، في حال ابتعادنا عن بعضنا. فعُود تيش لا يزال غضاً، إنها تثق بكل الناس يا رجل. وحين تمشي في الشارع، وهي تهز مؤخرتها الصغيرة، تفاجأ بأن أحدهم يحاول مهاجمتها. إنها لا ترى ما أراه.» وعم الصمت ثانية. كان دانييل يراقبه، وفوني يقول: «أعرف أنني ربما أبدو شخصاً مشؤوم القدر، إلا أنني حظيت بشيئين في حياتي، خشبي وحجارتي، كما أنني حظيت بتيش. فإذا ما فقدت أياً من هؤلاء، ضعت. أعرف ذلك. أتدري..» وهنا استدار تجاه دانييل «مهما كان ما بداخلي، فليس لي يد في وجوده، لذلك ليس بمقدوري أن أزيله.»

تحرك دانييل نحو الفراش، اتكأ على الحائط، وقال: «لست أدري إن كنت مشؤوماً كما تقول، بل أنت برأيي تبدو محظوظاً. أما أنا فليس لدي شيء من ذلك. هل لي بعلبة بيرة أخرى، يا رجل؟»

قال فوني: «بالتأكيد.» وذهب ففتح علبتين أخريين. ناول واحدة لدانييل، فأخذ منها رشفة كبيرة قبل أن يقول: « إنني خارج لتوي من المعتقل، يا صغيري، بعد سنتين.»

لم ينبس فوني بأي تعليق، بل اكتفى بأن استدار نحوه وأخذ يحدق فيه.

ودانييل أيضاً لم يقل أي شيء، بل ابتلع القليل من البيرة.

«قالوا، ولا زالوا يقولون، لقد سرق سيارة. يا رجل، أنا لا أجرؤ حتى على قيادة السيارة. وقد حاولت أن أوكل محام، فاتضح لي فيما بعد أنه كان يعمل لصالحهم، فقد اجتهد على أن تشهد المدينة كلها لإثبات ذلك، لكنه لم يفلح. وفي كل حال، فحين اعتقلوني لم أكن أستقل أية سيارة. كل ما هنالك أنه كان لدي قطعة حشيش. وكنت على شرفة مدخل بيتي. فجاؤوا وأخذوني، هكذا. كان الوقت حوالي منتصف الليل. احتجزوني إلى الصباح التالي حيث وضعوني في صف ضمن مجموعة أشخاص ليأتي أحدهم فيقول بأنني أنا من سرق السيارة - سيارة لم أرها في حياتي. وهكذا، بما أنهم رأوا تلك الحشيشة معي، فقد أخذوني وقالوا أنني إذا اعترفت بأنني مذنب، فسيخففون تهمتي، أما إذا لم أعترف بذنبي، فسيوقعون علي أقصى العقوبة. حسن.» ورشف رشفة ثانية من البيرة. «لقد كنت وحيداً، يا صغيري، لم يقف أحد إلى جانبي. وهكذا طبق علي قانون المذنب. سنتان!» اتكأ إلى الأمام، محدقاً بفوني. «ولكن، بدا لي ذلك حينها، أفضل بكثير من تحميل القنب الهندي.» ثم اتكأ إلى الوراء وضحك. أخذ رشفة من كأس البيرة ونظر إلى فوني. «لا لم يكن كذلك. لقد سمحت لهم أن يمارسوا الجنس معي لأنني كنت خائفاً وأبله، وأنا نادم على ذلك الآن.» صمت، ثم تابع: «سنتان!»

قال فوني: «مع الذكور!»

وبعد فترة صمت كانت أكثر صخباً وأطول مما عرفه أي منهما يوماً، قال دانييل: «نعم»..

وعندما عدت من السوق، كان الاثنان جالسين هناك، مرتفعين قليلاً. لم أنبس ببنت شفة. أخذت أتحرك في ذلك المكان الصغير جداً المخصص للمطبخ، كنت أحافظ على الهدوء قدر الإمكان. وخلال لحظة، جاء فوني فأحاطني من الوراء وعانقني وقبلني على قفا عنقي. ثم عاد إلى دانييل.

- «ومتى خرجت؟»

- «منذ ثلاثة أشهر تقريباً.» غادر الفراش باتجاه النافذة. «يا رجل، كان ذلك سيئاً. سيئاً جداً. ولا زال سيئاً حتى الآن. لو أنني ارتكبت ذنباً يبرر اعتقالي، لكان شعوري مختلفاً ربما. لكنني لم أفعل أي شيء. كل ما في الأمر أنهم كانوا يلعبون بي، يا رجل، لأنهم قادرون على ذلك. وأنا محظوظ أن المدة كانت سنتين فقط، تخيل؟ إذ بمقدورهم أن يفعلوا بك كل ما يشاؤون. كل ما يشاؤون. وهم كلاب، يا رجل. لقد اكتشفت، في المعتقل ما الذي كان مالكولم ورجاله يتحدثون عنه. الرجل الأبيض الذي تحول إلى شيطان. وهو يؤكد بأنه ليس إنساناً. لقد رأيت هناك بعض الأشياء التي لن أنساها ما حييت، يا صغيري.»

وضع فوني إحدى يديه على رقبة دانييل، الذي ارتجف وسال فيض من الدموع على وجهه.

قال فوني: «أعرف. ولكن حاول أن لا تستذكر قسوة ذلك. لقد خرجت الآن، وانتهى الأمر، أيها الشاب.»

- «أعرف ما الذي تقصده. وأقدره. لكن لا يمكنك تخيل ذلك. أسوأ ما في الأمر، أسوأ ما في الأمر أنهم قادرون على جعلك مذعوراً بصورة لعينة، مذعوراً يا رجل، مذعوراً.»

لم ينطق فوني بشيء، بل وقف هادئاً، ويده على رقبة دانييل.

عدت من المطبخ: «هل أنتما جائعان؟»

تراجع فوني قائلاً: «نعم، نحن نتضور جوعاً. هيا!»

جفف دانييل عينيه وجاء إلى باب المطبخ وابتسم لي.

- «سعيد لرؤيتك يا تيش. لم يزد وزنك بالتأكيد، أليس كذلك؟»

- «اسكت. إنني نحيفة لأنني فقيرة.»

- «حسن. أنا لا أعرف لماذا لم تختاري لنفسك زوجاً غنياً. فأنت لم يعد لديك الآن أية فرصة لزيادة وزنك أبداً.»

- «حسن. عندما تكون نحيفاً، يا دانييل، فإنك تتحرك بسرعة أكبر، كما يعطيك ذلك فرصة أكبر للخروج إذا ما انحصرت في مكان ضيق. هل تفهم ما أعني؟»

- «يبدو أنك حسبت الأمر جيداً. هل تعلمت كل ذلك من فوني؟»

- «بعض الأشياء تعلمتها من فوني، لكن لدي بديهتي الخاصة أنا أيضاً، ذكاء فطري، ألم تشعر بذلك يوماً؟»

- «تيش، لقد اكتسبت أشياء كثيرة لا يتسع الوقت لأن أعددها فأفيك حق قدرك.»

- «مثلك في ذلك مثل الكثيرين. وأنا في الحقيقة لا يمكنني أن ألومك. فأنا إنسانة مميزة، ويخطر لي أحياناً أن أقرص نفسي.»

ضحك دانييل: «يسعدني أن أرى ذلك. أين؟»

قال فوني بتذمر: «إنها مميزة جداً، لدرجة توجب علي أحياناً أن أجلس على رأسها.»

- «ويضربك أيضاً؟»

- «آه! ماذا أفعل؟ حياتي مليئة بالبؤس، لكن هذا لا يهمني.»

وفجأة بدأنا نغني:

عندما يمسك بيدي،

يضيء العالم، يصبح أفضل

ما معنى أن أقول

إنني سأغادر

في حين أعلم بأنني سأعود

زاحفة على ركبتي

لأنه حبيبي، مهما يكن

وأنا له

إلى الأبد.»

ثم ضحكنا بمرح.

بعد ذلك عاد دانييل إلى جديته فجأة، وأخذ ينظر إلى البعيد وقال: «المسكينة بيلي، إنهم يضربون حتى الفضلات التي تخرج منها.»

قال فوني: «يا رجل. علينا أن نقضي حياتنا يوماً بيوم. لأن تفكيرك الدائم بالأمر، سوف يكون له تأثيره السيئ، فهو ينغص عليك ويمنعك نهائياً من متابعة حياتك.»

قلت: «هيا، لنأكل.»

كنت قد أعددت ما أعرف أن فوني يحبه: أضلاعاً مع خبز الذرة والأرز، صلصة مرق اللحم، والبازلاء الخضراء. أدار فوني جهاز التسجيل بصوت هادئ على أغنية مارفين غاي: «ما الذي يجري».

وبعد لحظات قال دانييل: «لا أظن أن تيش ستكسب وزناً أبداً، أما أنت فمن المؤكد أن وزنك سيزداد. هل تمانعان يا صديقيّ إن أنا أكثرت ترددي إلى هنا، في مثل هذا الوقت مثلاً ؟»

- «لك مطلق الحرية في ذلك.» قالها فوني بترحاب وغمزني بعينه ثم تابع: «صحيح أن تيش لا تتميز بجمال فائق، إلا أنها ماهرة في تحضير أطباق متوافقة من الطعام.»

قلت له: «إنه لمن دواعي سروري أن أعرف بأنني أفيد كإنسان.»، فعاد وغمزني، ثم بدأ يمضغ ضلعاً.

كان فوني يمضغ الضلع ويراقبني. كنا بمنتهى الهدوء، دون أن نحرك عضلة واحدة من وجهينا، نتضاحك بلطف. نتضاحك لعدة أسباب. كنا متحدين معاً، في مكان ما، حيث لا يمكن لأحد أن يصل إلينا، ولا أن يلمسنا. كنا سعيدَين، حتى لو كنا لا نملك من الطعام إلا ما يكفي دانييل وحده، الذي كان يأكل باطمئنان، غير واعٍ بضحكنا ومرحنا، لكنه يشعر بأن ما حدث بيننا شيء رائع، وهو ما يعني بأن هناك أشياء رائعة تحدث في الحياة، وهذا، بالتالي، ما يمنحه الأمل بأن شيئاً رائعاً ربما يحدث له هو أيضاً. إنه لأمر رائع أن تمنح أحدهم شعوراً كهذا.

بقي دانييل معنا حتى منتصف الليل. كان متوجساً من المغادرة. خائفاً في الحقيقة من أن يتوه في هذه الطرقات. انتبه فوني للأمر وهو ما حدا به أن يرافقه إلى الشارع العام. لم يستطع أن يتخلى عن حضن أمه، وما يزال يتوق لأن يكون حراً في مواجهة الحياة، لذا فهو خائف مما قد تجلبه الأيام، خائف من الحرية، وكان كمن وقع في شرك وما انفك يصارع من أجل النجاة. أما فوني، الأصغر عمراً، فهو يناضل الآن لأن يكون أكبر، وبسعي للأخذ بيد صديقه إلى الحرية. ربنا، هلا منحت دانييل الحرية؟ ولم لا تمنحها لكل إنسان؟

إنها أغنية قديمة، وسؤال لا يفتأ يبحث عن جواب.

أثناء سيرهما في تلك الليلة، وفي ليال عدة تلتها، حاول دانييل أن يخبر فوني بعضاً مما حدث معه، في السجن. وعندما كان دانييل يتحدث عن ذلك في البيت أحياناً، كنت أستمع إليه أنا أيضاً. لكنه حين ينفرد بفوني، ويفضي هل بذكرياته، يغلبه البكاء أحياناً فيضمه فوني، أو أضمه أنا. كان دانييل يحاول إخراج ذلك الشعور من داخله، انتزاعه بالقوة، أو بالأحرى فصله عن ذاته كما لو أنه معدن بارد مشروخ ومتكسر، نازعاً معه لحمه ودمه، كان ينزعه من داخله كمن يلتمس الشفاء:

«في البداية أنت لا تعلم ما الذي يجري لك. من المستحيل أن تعلم. جاؤوا فأخذوني من مدخل المبنى وفتشوني. وحين فكرت بذلك فيما بعد، لم أعرف بالضبط لماذا فعلوا ذلك. لطالما وقفت عند ذلك المدخل، أنا وباقي الفتية، وكانوا هم يمرون باستمرار. لم أكن أنا أتعاطى تلك اللعنة، إلا أنهم كانوا يعلمون بأن بعض الفتية يفعلون ذلك، أنت تعلم، كانوا يعرفون ذلك. كان باستطاعتهم أن يروا أولئك الشبان وهم يتمايلون ويهرشون جلودهم. أعتقد أنهم كانوا يرون كل شيء. عندما فكرت بذلك فيما بعد، قلت لنفسي أن أولاد العاهرة كانوا يرون كل ذلك. لقد ذهبوا إلى مركز القيادة وقدموا تقريراً يقولون فيه: الأمور مستتبة يا سيدي. رافَقْنا المهرّب الفرنسي أثناء جولاته، وجرى توزيع اللعنة دون أن يكون للزنوج حصة فيها. لكنني في تلك الليلة كنت وحدي، وعلى وشك أن أدخل إلى البيت، حين أوقفوا السيارة ونادوني بصوت عالٍ ودفعوني إلى المدخل وفتشوني. وأنت تعرف كيف فعلوا ذلك.»

أنا لا أعرف كيف يفعلون ذلك، لكن فوني أومأ بطريقة توحي بأنه يعرف. كان وجهه هادئاً، وعيناه شديدتي السواد.

«وكنت قد حصلت على قطعة الحشيش تلك لتوي. كانت في جيبي الخلفي. وهكذا انتزعوها، يا رجل، فهم يحلو لهم أن يربتوا على المؤخرات، ثم ناولها أحدهم للآخر وقام واحد منهم بتكبيلي ودفعي داخل السيارة. لم يخطر لي حينها أن الأمر سيصل إلى هذا الحد، إما لأنني كنت ثملاً بعض الشيء، أو لأن الحدث جرى بسرعةٍ لم يتسنَّ لي خلالها التفكير. ولكن يا عزيزي، عندما وضع ذلك الرجل أغلاله في يدي ودفعني إلى أسفل الدرج ومن ثم حشرني في تلك السيارة التي بدأت بالتحرك، أحسست برغبة في الصراخ لمناداة أمي. ثم بدأ يتملكني خوف شديد، لأنني فكرت بأنها لن تفيدني بشيء، وأن كل ما سأجنيه من ذلك هو خوفها عليّ، في الوقت الذي لم يكن بوسع أحد أن يعرف وجهتي. اقتادوني إلى النظارة واحتجزوني بتهمة تعاطي المخدرات، وجردوني من كل ما كان بحوزتي. وهنا بدأت أتساءل إن كان يسمح لي أن أجري اتصالاً هاتفياً؟ لكن تبين لي حينذاك بأنني في الحقيقة لا أعرف أحداً يمكنني الاتصال به، سوى أمي، وبمن يمكنها أن تتصل في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ تمنيت فقط أن تكون نائمة، ظناً منها بأنني تأخرت خارج البيت، وأن تقتنع، حين تصحو صباحاً وتكتشف بأنني لم أمض الليل هناك بأنني انشغلت بشيء ما منعني من العودة إلى البيت.

وضعوني في تلك الغرفة الصغيرة مع أربعة أو خمسة فتيان آخرين، كانوا يميلون برؤوسهم ويضرطون من أثر النعاس الذي كان يغالبهم طيلة الوقت. جلست هناك وحاولت أن أستجمع أفكاري، إذ ما من لعنة أخرى يمكنني أن أقوم بها في ذلك المكان؟ فأنا لا أعرف أحداً لأتصل به، حقيقة لا أعرف، باستثناء، ربما، ذلك اليهودي الذي أعمل لديه، فهو شخص في منتهى اللطافة، لكنه ربما لن يتفهم الأمر. والشيء الذي حاولت جاداً أن أفكر فيه هو العثور على شخص آخر يمكنه أن يتصل بأمي، شخص هادئ الأعصاب، يعمل على تهدئتها، شخص يمكنه أن يتصرف. لكنني أخفقت في تذكر أي إنسان.

في الصباح حشرونا في سيارة نقل السجناء المغلقة. وكان يرافقنا ذلك العجوز الأبيض ابن العاهرة الذي التقطوه، على ما أظن، من شارع المتشردين، وقد تقيأ على نفسه، وكان ينظر إلى الأرض طيلة الوقت ويغني. لم يكن قادراً على الغناء، لكنه بالتأكيد كان مخموراً. وهنا، شعرت بالارتياح يا رجل لأنني لم أكن مصاباً بأية لعنة. إذ أن أحد الإخوة بدأ يتقيأ، وقد لفّ يديه حول بطنه، وأخذ العرق يتصبب منه وكأنه ماء ينهمر على لوح تنظيف. لم أكن أكبره بكثير، وكانت لدي رغبة أكيدة بمساعدته، لكنني كنت واثقاً بأنني عاجز عن أن أقدم له أي شيء. وأخذت أحدث نفسي: الآن، ألا يعرف أولئك الشرطة الذين وضعوه في هذه السيارة بأنه مريض؟ أنا متأكد بأنهم يعرفون، من المفترض أن لا يكون هنا، فهو لا يتعدى كونه طفلاً صغيراً. لكن، لا شك في أن أولاد العاهرة، كانوا يقذفون منيَّهم في سراويلهم وهم يضعونه في هذه السيارة. ولا أظن أن هناك رجلاً أبيض في هذا البلد يمكن لقضيبه حتى أن ينتعظ دون أن يسمع زنجياً وهو يتقيأ.

حسن، نزلنا هناك، لم أكن قد فكرت بعد بمن يمكنني الاتصال. انتابتني رغبة بالتغوط ورغبة بالموت، لكنني كنت أعرف أن كلا الرغبتين عصية علي الآن. وتصورت أنهم سيسمحون لي أن أتغوط حين يروق لهم ذلك، ولكن في تلك الأثناء، كان علي أن أحبسها قدر الإمكان. وفيما يخص الرغبة بالموت، فقد بدت لي ضرباً من الحماقة، إذ أن بإمكانهم قتلي في أية لحظة، وربما أموت اليوم، حتى قبل أن أتغوط. ثم عدت للتفكير بأمي ثانية. أعلم أنها قلقة الآن.»

كان فوني يضمه أحياناً، وأحياناً أنا، وأحياناً كان يقف مقابل النافذة مديراً لنا ظهره.

- «لا يمكنني حقيقة أن أخبركم المزيد عن ذلك، هناك ربما الكثير من الأشياء التي لا يمكنني أن أخبر أحداً بها. لقد أخذوني لوجود الحشيشة معي، فألصقوا بي تهمة سرقة السيارة، تلك السيارة التي لم أرها حتى الآن. أظن أن الأمر وما فيه هو أنهم كانوا في ذلك اليوم بحاجة إلى سارق سيارة. لدي رغبة أكيدة بمعرفة صاحب السيارة، الذي أتمنى، رغم كل شيء، أن لا يكون زنجياً.»

كان دانييل يبتسم في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يجفف دموعه. كنا نأكل ونشرب سوية. كان جاداً في أن يجتاز مرحلة ما، مرحلة لا يمكن وصفها، كان يحاول ذلك بكل ما يمكن لرجل أن يبذل من مجهود. كنت أعانقه وكان فوني يعانقه؛ فقد كنا نحن كل ما يملك في هذه الحياة.

في يوم الثلاثاء الذي تلا مقابلتي مع هيوارد، رأيت فوني في زيارة الساعة السادسة. كان في حالة من القلق لم يسبق لي أن رأيته فيها من قبل.

ـ «أية لعنة يمكننا أن نفعلها من أجل السيدة روجرز؟ إلى أية لعنة ذهبت؟»

ـ «لست أدري، لكننا سنجدها.»

ـ «كيف يمكن إيجادها؟»

ـ «سوف نرسل من يبحث عنها في بورتوريكو، نظنها ذهبت إلى هناك.»

ـ «وبفرض أنها ذهبت إلى الأرجنتين؟ أو تشيلي؟ أو الصين؟»

ـ «فوني.. أرجوك.. كيف لها أن تذهب إلى أماكن بعيدة كهذه؟»

ـ «يمكنهم تزويدها بالمال من أجل الذهاب إلى أي مكان.»

ـ «من هم؟»

ـ «هم! النيابة العامة للمقاطعة.»

ـ «فوني...»

ـ «ألا تصدقينني؟ ألا تظنين أن بإمكانهم فعل ذلك؟»

ـ «لا أظن أن عليهم فعله.»

ـ «ومن أين ستأتين بالنقود لإيجادها؟»

ـ «كلنا نعمل، جميعنا.»

ـ «نعم. أبي يعمل في محل الألبسة، وأنت تعملين في المخزن، ووالدك يعمل في الرصيف البحري...!»

ـ «فوني أصغِ..»

ـ «أصغِ لمَ؟ ما الذي يمكننا أن نفعله بذلك المحامي اللعين؟ إنه لا يقدم لي أية فائدة، إنه لا يقدم فائدة لأحد! هل تريدينني أن أموت في هذا المكان؟ هل تعلمين ما الذي يجري هنا؟ هل تدرين ما الذي يجري لي، لي، لي، في هذا المكان؟»

ـ «فوني. فوني. فوني»

ـ «أنا آسف يا صغيرتي، لم أقصد أن أوجه لك هذه العبارات. أنا آسف. أحبك، تيش. أنا آسف.»

ـ «أحبك فوني، أحبك.»

ـ «كيف حال الطفل؟»

ـ «إنه يكبر. سيظهر علي أكثر في الشهر القادم.»

وقفنا نتأمل بعضنا.

ـ «أخرجيني من هنا، صغيرتي، أخرجيني من هنا.»

ـ «أعدك بذلك. أعدك بذلك. أعدك بذلك.»

ـ «لا تبكي. أنا آسف لأنني صرخت. لم أكن أصرخ عليك، تيش.»

ـ «أعرف.»

ـ «أرجوك لا تبكي. أرجوك لا تبكي. فهذا يضر بالطفل.»

ـ «حسن.»

ـ «أرني ابتسامتك، تيش.»

ـ «هل هذا حسن؟»

ـ «يمكنك أن تقومي به بشكل أفضل.»

ـ «هل هذا أفضل؟»

ـ «نعم. أعطني قبلة.»

قبّلت الزجاج. وقبّل الزجاج.

ـ «ألا زلت تحبينني؟»

ـ «سوف أحبك دائماً، فوني.»

ـ «أنا أحبك. وأنا مشتاق لك، مشتاق لكل ما يخصك، مشتاق لكل ما لدينا، لكل ما قمنا به معاً، السير والكلام والحب، آه، يا صغيرتي، أخرجيني من هنا.»

ـ «سوف أفعل. اصبر فقط.»

ـ «أعدكِ بذلك. إلى اللقاء.»

ـ «إلى اللقاء.»

سار وراء الحارس كي يدخل إلى ذلك الجحيم الذي لا يوصف، ووقفت أنا مرتجفة الركبتين والمرفقين، لأعبر الصحارى ثانية.

طيلة تلك الليلة حلمت أحلاماً مزعجة. وفي أحد تلك الأحلام كان فوني يقود شاحنة كبيرة جداً، وكان بعيداً، بعيداً جداً، على الشارع العام. كان ينظر إلي، لكنه لم يكن يراني، لأنني خلف الشاحنة، أنادي باسمه، لكن ضجيج المحرك القوي غيّب صوتي. كان الشارع على حافة جرف مطل على البحر، وله منعطفان متشابهان، أحدهما يقود إلى الطريق المؤدية نحو بيتنا، والآخر إلى حافة الجرف ثم ينحدر نحو البحر. كان فوني يقود الشاحنة بسرعة كبيرة، كبيرة جداً! ناديته باسمه بأعلى صوتي، وما إن بدأ ينعطف بالشاحنة حتى صرخت ثانية واستيقظت.

كان النور مضاء، ورأيت شارون واقفة فوق رأسي. لا أستطيع وصف ملامح وجهها. كانت قد جلبت منشفة باردة ورطبة فمسحت جبيني ورقبتي. ثم انحنت وقبلتني.

جلست ونظرت في عيني.

ـ «أعلم أنني حتى الآن لم أقدم الكثير لمساعدتك، يعلم الله ما الذي كنت سأقدمه لو كان باستطاعتي. لكنني أعرف، ولا أدري إن كان هذا الكلام يفيدك، بأن للمعاناة نهاية. لن أكذب عليك فأقول مثلاً بأنها تنتهي بنا دائماً نحو الأفضل. لأنها قد تتركنا أحياناً في حال أسوأ مما قبل. وقد يحدث أحياناً أن تعيشي معاناة فظيعة إلى درجة تقودك إلى مكان سوف لن تعاني فيه بعد ذلك أبداً. وهذا هو الأسوأ.»

أخذت بيدي الاثنتين وشدت عليهما بقوة بين يديها. - «حاولي تذكر ذلك دائماً. و.. الطريقة الوحيدة لحل أية مشكلة تواجهك، هي أن تستجمعي أفكارك لتحقيق ذلك. أعرف أن الكثيرين من أحبائنا، الكثيرين من رجالنا ماتوا في السجن، لكن ليس جميعهم. تذكري ذلك دائماً. وأنت لست وحدك في هذا السرير، تيش، لديك ذلك الطفل، هناك تحت قلبك، ونحن جميعاً نعوّل عليك، فوني يعول عليك لتنجبي ذلك الطفل بأمان وصحة جيدة. إنها مهمة منوطة بك وحدك. لكنك قوية. فلتعتمدي على قوتك!»

قلت: «نعم. نعم ماما.» كنت أعلم أنني لا أملك أدنى قوة. لكنني سأجد شيئاً منها في مكان ما.

- «هل تحسنت الآن؟ أصبح بإمكانك أن تنامي؟»

- «نعم.»

- «لا أرغب أن أكون سخيفة. لكن، تذكري فقط، أن الحب هو الذي أوصلك إلى هنا. فإن كنت تؤمنين بالحب إلى هذا الحد، لا يجدر بك أن تجزعي الآن.»

ثم قبلتني ثانية، واستدارت فأطفأت النور وتركتني.

استلقيت هناك، صاحية، مسكونة بالخوف. أخرجيني من هنا.

تذكرت نساء عرفتهن، لكن نادراً ما فكرت بهن، كن يرعبنني، لأنهن كن يعرفن كيف يستخدمن أجسادهن للحصول على شيء يرغبن به. واكتشفت أن حكمي على أولئك النساء لم يكن له أية علاقة بالأخلاق، (تلك الكلمة التي بدأت الآن أتحرى معناها.) بل كان حكماً مبنياً على شعوري بمدى صغرهن نسبة لما لديهن من رغبات. لم أقتنع بأن أبيع نفسي مقابل ثمن رخيص هكذا.

أما.. مقابل ثمن أغلى.. مقابل فوني؟

استسلمت للنوم، لبرهة، وبعد ذلك استفقت. لم أشعر بمثل هذا التعب في حياتي. كل ما في جسمي كان يؤلمني. نظرت إلى الساعة وتذكرت بأن علي النهوض والذهاب إلى العمل، هذا إن لم آخذ إجازة مرضية، ولكن لا يمكنني أخذ إجازة مرضية.

ارتديت ملابسي وخرجت إلى المطبخ، لاحتساء الشاي مع أمي. كان جوزيف وإرنيستاين قد غادرا. ارتشفنا، أنا وأمي، الشاي، كنا صامتتين تقريباً. إذ أن شيئاً ما كان يدور ويدور في رأسي، منعني من الكلام.

نزلت إلى الشارع، كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة بقليل. مشيت عبر هذه الشوارع الصباحية، وهي شوارع لا تقفر أبداً. مررت بالعجوز الزنجي الأعمى واقفاً عند الزاوية. لعلّي كنت أراه طيلة حياتي، لكنها المرة الأولى التي أفكر فيها بحياته. كان هناك أربعة صبية، وجميعهم مدمنو مخدرات يقفون عند الزاوية، يتحادثون. بعض النسوة مسرعات إلى أعمالهن. حاولت قراءة وجوههن. والبعض الآخر منهن كن على وشك الحصول أخيراً على بعض الراحة، فقد وصلن إلى آخر الشارع، وصرن على مقربة من غرفهن المفروشة. كانت العبارات البذيئة تتزاحم عند نواصي كل شارع فرعي، وتعلو كل شرفة مبنى على طول الشارع. وفكرت أنني إذا ما عملت بالدعارة، فمن الأفضل أن لا أجرب ذلك هنا. فهو سيأخذ وقتاً أطول من تنظيف الكرة الأرضية، بل ويستهلك جهداً أكبر. وفكرت على الشكل التالي: أعرف أنني لن أتمكن من القيام بذلك قبل قدوم المولود، لكن، إذا لم يخرج فوني حتى ذلك الوقت، فسأكون إذن مضطرة ربما لخوض التجربة. أعتقد أنه من الأفضل لي أن أكون جاهزة لهذا الأمر. لكن أمراً آخر كان يعتمل في خلدي، في أعماق تفكيري، وهو ما تبينت أنني لا أملك الشجاعة الكافية للتطرق إليه بعد.

أكون جاهزة، كيف؟ نزلت السلم واندفعت عبر الباب الدوار ووقفت مع الآخرين على رصيف نفق القطار الكهربائي. وعندما جاء القطار، اندفعت إلى داخله، مع الآخرين، واتكأت على عمود، حيث كانت أنفاسهم وروائحهم تفوح من حولي. وتصبب عرق بارد من جبهتي وبدأ يقطر من إبطي وظهري. وأخذت أفكر بما لم يخطر لي من قبل. كنت طيلة الوقت مصرة على متابعة العمل حتى اللحظة التي تسبق الولادة مباشرة، أما الآن، فقد بدأت أتساءل كيف سأتمكن من المواصلة بعد أن أغدو أثقل حملاً وأكثر تعباًً. فلو حدث وأصبت يوماً بالإغماء في هذا القطار، لداسني هؤلاء الصاعدون والنازلون إلى أن أموت أنا والطفل. إننا نعتمد عليك، فوني يعتمد عليك، فوني يعتمد عليك، لتنجبي الطفل بأمان وبصحة جيدة. تشبثت بالعمود الأبيض بقوة أكبر. وشعرت برعشة تسري في جسمي البارد.

جلت بناظري في حافلة قطار النفق. بدت مشابهة بعض الشيء لسفن العبيد التي شاهدتها في الرسومات. لم يكن هناك بالطبع جرائد في سفن العبيد، لم يكونوا بحاجة إليها بعد، ولكن، فيما يتعلق بمساحة المكان (وربما فيما يتعلق بطبيعته) فالمبدأ واحد في كليهما. رجل ضخم، تنبعث منه رائحة الصلصة الثقيلة ومعجون الأسنان، كان ينفث أنفاسه في وجهي. وهي ليست غلطته فهو مضطر إلى التنفس أو أن وجهي صادف وجوده هناك. كان يضغط بجسده علي بقوة أيضاً، دون أن يعني ذلك أنه يفكر بالسرقة، أو أنه ينتبه إلي على الإطلاق. ولعل تفكيره كان منحصراً في سؤال مضجر، كيف سيمضي يوماً آخر في عمله. فهو لم يكن يراني بكل تأكيد.

وما إن تغلق أبواب الحافلة وتكون مزدحمة بركاب غرباء عن بعضهم، أعني ليسوا أصدقاء ذاهبين في رحلة، حتى يخيم على المكان صمت شبه مطبق، كأن كل واحد من هؤلاء الركاب يحبس أنفاسه إلى أن يخرج من هناك. وفي كل مرة يتوقف فيها القطار عند إحدى المحطات، ويدفعك بعض الناس جانباً ليتمكنوا من الخروج، كما حدث الآن مثلاً مع ذلك الرجل الذي تنبعث منه رائحة الصلصة الحمراء ومعجون الأسنان، يطل أمامك مشهد واسع لا يلبث أن يختنق مباشرة بصاعدين جدد. وها هي ذي الآن، فتاة شقراء، تحمل علبة من الورق المقوى، تنفخ آثار السكر العالق على فمها في وجهي. هي ذي محطتي. نزلت. صعدت الدرج، وعبرت الشارع. ولجت مدخل الموظفين، ثقبت بطاقة توقيت الدوام، ثم خلعت عني ملابس الطريق، وتوجهت نحو طاولتي. كنت متأخرة بعض الشيء في الوصول إلى القسم الذي أعمل فيه، إلا أنني سجلت دوامي في الوقت المحدد.

فيما كنت مسرعة إلى مكاني، بادرني مدير القسم، بوجه عابس على سبيل المزاح. إنه شاب أبيض، فتيّ، في منتهى اللطف.

لم يكن رواد قسم العطور، ممن يأتون لشمّ ظاهر يدي، مقتصرين على السيدات الزنجيات فقط. لكن، نادراً ما كان الشباب الزنوج يقتربون من هذا القسم، وإذا ما حدث ذلك، إذا ما أتوا، فإن غايتهم غالباً ما تكون أكثر نبلاً، وبنحو دائم، أكثر تحديداً. فأنا، بالنسبة لشاب أسود، أقرب إلى أن أكون أختاً صغرى بائسة، لا يرضى لها أن تتحول إلى بغي. يحدث أحياناً أن يقترب بعض الشباب السود مكتفين بالنظر في عيني، أو سماع صوتي، ليستبينوا ما الذي يدور من حولي. لكن لم يحدث على الإطلاق أن شم أحدهم ظاهر يدي؛ فالشاب الزنجي يمد يده، وأنت ترشينها، فيرفعها إلى منخريه. وهو لا يجد حرجاً في أن يتظاهر بأنه جاء ليشتري العطر، رغم أنه في بعض الأحيان يشتري بعضاً منها فعلاً، لكنه على الأغلب لا يفعل. وأحياناً، تنقبض تلك اليد التي أبعدها عن منخريه، وتتحول إلى قبضة قوية تكون بمثابة صلاة أسرار يغادرني مودعاً بها. أما الرجل الأبيض فيرفع يدكِ إلى منخريه ويبقيها هناك. راقبت الجميع، طيلة اليوم، وشيء ما كان يعتمل في ذهني أكثر فأكثر. جاءت إرنستاين لاصطحابي في نهاية الدوام. وأخبرتني بأنهم عرفوا مكان السيدة روجرز، في سانتورز في بورتوريكو، ويتوجب على أحد ما الذهاب إلى هناك.

- «بصحبة هيوارد؟»

- «لا. إذ يترتب على هيوارد أن يعالج القضية مع بِيل ومع النيابة العامة للمقاطعة. وعلى حال، يمكنك أن تتفهمي أن هيوارد لن يتمكن من الذهاب لأسباب عدة، منها إمكانية تعرضه للاتهام بأنه يضغط على الشاهد.»

«لكن هذا ما يفعلونه هم أنفسهم!»

ـ «تيش، إثبات ذلك سيقتضي منا وقتاً يطول إلى أن يصبح جنينك في عمر يؤهله للاقتراع.»

و في هذه الأثناء كنا نعبر الجادة الثامنة متجهتين نحو ساحة كولومبوس.

- «هل سنستقل قطار النفق أم الباص؟»

- «سنجلس الآن في مكان ما إلى أن تمضي ساعة الازدحام هذه. وفي كل الأحوال، فإن هناك ما ينبغي علينا بحثه أنا وأنت، قبل أن نتحدث إلى أمي وأبي. إنهما لا يعرفان، فأنا لم أخبرهما بعد.»

ظهر لي جلياً كم كانت إرنستاين تحبني، وتذكرت، في الوقت نفسه، أنها، في نهاية المطاف، لا تكبرني سوى بأربع سنوات فقط.

السيدة فيكتوريا روجرز، واسمها الأصلي فيكتوريا ماريا سان فيليب سانشيز، تدّعي بأنها في مساء الخامس من آذار في الساعة ما بين الحادية عشرة والثانية عشرة، قد تعرضت في بهو مبنى بيتها لجريمة اغتصاب من قبل رجل عرََفَت فيما بعد أنه يدعى ألونزو هانت، سلك فيها هانت السابق الذكر سلوكاً جنسياً غاية في الابتذال. كما أنها أرغمت في هذه الجريمة على الخضوع لممارسات جنسية منحرفة لا يمكن وصفها.

لم أرها يوماً. كل ما عرفته أن رجلاً إيرلندياً، أميركي المولد، يدعى غري روجرز، يعمل مهندساً، ذهب منذ حوالي ست سنوات إلى بورتوريكو، وهناك قابل فيكتوريا التي كانت حينها لا تزال في الثامنة عشرة من عمرها. تزوجها وأحضرها معه إلى هنا إلى البر الرئيسي. ولم تتطور مسيرة حياته بعد ذلك، بل تراجعت، ربما كان مصاباً بحالة اكتئاب. وعلى أي حال، فقد هجرها بعد أن أنجب منها ثلاثة أطفال. ليست لدي أية معلومات عن الرجل الذي كانت تعيش معه في شارع أوركارد، والذي من المفترض أنها هربت بصحبته إلى بورتوريكو. أما الأطفال، فمن المفترض أنهم عند أحد من أقاربها في مكان ما من البر الرئيسي. كانت تقيم في شقة في شارع أوركارد، في الطابق الرابع. أما حدوث جريمة الاغتصاب في ردهة المبنى فيعني أنها تعرضت للاغتصاب في الطابق الأرضي، تحت بيت السلم. يمكن للجريمة أن تكون قد حدثت في الطابق الرابع، لكنه أمر مستبعد، إذ أن هناك أربع شقق في ذلك الطابق. ومن يعرف نيويورك، يقدّر أن المسافة بين شارع أوركارد الذي يقع بالقرب من الجهة الشرقية للنهر، وشارع بانك الواقع فعلياً في الهدسون، هي مسافة بعيدة يصعب على أحد أن يقطعها راكضاً، ولا سيما حين تكون الشرطة في أثره. ومع ذلك، فقد أقسم الضابط بيل أنه رأى فوني: «يركض من مكان الجريمة». مع العلم أن هذا لا يمكن إلا إذا كان بيل خارج وقت دوامه، فـ«ـجولته» تكون عادة في الجهة الغربية، وليست في الشرقية. ورغم ذلك، استطاع بيل أن يعتقل فوني من البيت الموجود في شارع بانك. وهنا ينبغي على المتهم أن يثبت، بل وأن يدفع نقوداً لإثبات انعدام الترابط والمعقولية اللذين يحكمان هذه السلسلة من الأحداث.

جلسنا، إرنيستاين وأنا، في المقصورة الأخيرة لأحد البارات في ساحة كولومبوس.

طريقة إرنستاين معي ومع جميع أطفالها، هي أن تلقي إليك بشيء ثقيل وتنتظر لتراقب كيف يمكنك أن تتلقيه. عليها أن تعرف ذلك، لتقدر موقعها هي، فالجوهر يكمن في المكان.

الآن، ولأنني قضيت ربما معظم اليوم والليلة الماضية، مع مخاوفي ـ ومع حساباتي ـ مركزة تفكيري على إمكانية بيع جسدي، بدأت أدرك حقيقة الاغتصاب.

سألت: «هل تعتقدين أنها اغتصبت فعلاً؟»

- «تيش، أنا لا أعرف ما الذي يدور في ذهنك المشغول وغير الناضج، لكن سؤالاً كهذا لا يثمر عن أي شيء. لأنها، وفقاً للقضية، يا عزيزتي، اغتصبت، وانتهى الأمر.» توقفت وارتشفت شرابها. بدت هادئة جداً، لكن جبهتها بدت مفعمة بالتوتر، والذكاء، والخوف. وأضافت: «في الحقيقة، أنا أعتقد أنها تعرضت للاغتصاب فعلاً، إلا أنها لا تملك أدنى فكرة عن الفاعل، إلى حد أنها ربما لن تتعرف عليه إذا ما مرت به في الطريق. ربما يبدو كلامي ضرباً من الجنون، لكن العقل يقول ذلك. لعلها تتعرف عليه فقط إذا ما عاد واغتصبها مرة ثانية. لكن الأمر، في هذه الحالة، لن يكون اغتصاباً. لا أدري إن كنت تفهمين ما أعنيه.»

- «أفهم ما ترمين إليه. لكن لماذا اتهمت فوني؟»

- «لأنه قُدِّم إليها على أنه الفاعل، والموافقة على ذلك، أسهل عليها بكثير من أن تحاول إعادة إحياء الموضوع اللعين بكامله من جديد. بهذه الطريقة، يصبح الأمر بالنسبة إليها منتهياً. ولن يتبقَّ إلا المحاكمة. لكنه بالنسبة إليها منتهٍ فعلياً.»

- «وبالنسبة إلينا أيضاً؟»

قالت: «لا.» ونظرت إلي بتمعن شديد. من الطريف قول ذلك، لكنني في الحقيقة وجدت نفسي فجأة معجبة بشجاعتها. «الأمر بالنسبة إلينا لم ينتهِ.» كانت تتكلم بحذر شديد، محدقة إليّ طيلة الوقت. «هناك ما يجعل الأمر غير منتهٍ بالنسبة إلينا على الإطلاق. لكننا لن نتحدث عن ذلك الآن. علينا التفكير جدياً، وبطريقة أخرى. ولهذا أردت أن أجلس لاحتساء الشراب معك، وحدنا، قبل أن نذهب إلى البيت.»

- «ما الذي تريدين قوله لي؟» وانتابني فجأة خوف شديد.

- «اسمعي. لا أعتقد أننا سنفلح في إقناعها أن تغير شهادتها. أنت تفهمين بالتأكيد: هي ليست كاذبة.»

- «ما الذي تحاولين قوله لي؟ أية حماقة تقصدين بالقول أنها ليست كاذبة؟»

- «هلاّ أصغيت إلي؟ رجاء؟ إنها كاذبة بالطبع. نحن نعرف أنها كاذبة. لكنها ـ ليست ـ كاذبة. في نظر نفسها، فوني هو الفاعل، وانتهى الأمر، وهي ليست مستعدة لمناقشة ذلك مجدداً. فالأمر، بالنسبة إليها، قد انتهى. وتغييرها لشهادتها، سوف يفضي بها إلى الجنون. أو إلى أن تصبح امرأة أخرى. وأنت تعرفين كم من الأشخاص يصابون بالجنون، وهم نادراً ما يشفون.»

- «إذاً، ما الذي يتوجب علينا فعله؟»

- «علينا أن ندحض حجة المحكمة. لا فائدة من القول: فليثبتوا ذلك، لأن مجرد الاتهام بالنسبة إليهم، هو إثبات بحد ذاته. وهي بالضبط الطريقة التي سيتداول فيها أولئك الحمقى في زريبة المحلفين حيثيات القضية، كما هي مدونة تماماً. فهم أيضاً كاذبون، ونحن نعرف أنهم كاذبون. لكنهم لا يعترفون بذلك.»

ولسبب ما، خطرت لي مقولة لشخص ما سمعتها منذ زمن طويل ـ وربما تكون لفوني: «الأحمق لا يقول أبداً بأنه أحمق.»

- «لا يمكننا دحض ذلك، فدانييل في السجن.»

- «نعم. لكن هيوارد سيذهب غداً للقائه.»

- «هذا لا يعني شيئاً. فدانييل سوف يغير شهادته. أراهنك على ذلك.»

- «ربما يفعل، وربما لا. لكن لدي فكرة أخرى.»

جلسنا هناك، في ذلك المشرب القذر، أختان تحاولان أن تكونا هادئتين.

- «لنفترض الاحتمال الأسوأ. السيدة روجرز لن تغير شهادتها. ولنقل أن دانييل غير إفادته. يبقى لدينا الضابط بيل. أليس كذلك؟»

- «نعم. وماذا يفيدنا ذلك؟»

- «حسن. لدي ملف عنه. ملف طويل. باستطاعتي إثبات أنه قتل طفلاً أسود بعمر الثانية عشرة في بروكلين منذ سنتين. وهذا هو سبب نقله إلى مانهاتن. أعرف والدة الطفل المغدور. كما أعرف زوجة بيل التي تكرهه.»

- «لكنها لا تستطيع أن تشهد ضده.»

- «ليس عليها أن تشهد ضده. يكفي أن تجلس في قاعة المحكمة وتراقبه.»

- «لست أفهم على الإطلاق كيف يفيدنا هذا.»

- «أعرف ذلك. وربما تكونين على حق. لكن إذا افترضنا الاحتمال الأسوأ، ومن الأفضل دائماً الافتراض بأن الأمور سوف تأخذ المسار الأسوأ، فإن مخططنا يجب أن يعتمد على إرهاق أعصاب الشاهد الرسمي الوحيد.»

قلت: «إرنستاين، إنك تحلمين.»

- « لا أعتقد بأنني أحلم، ولكني أغامر. إذا استطعت أن أحضر تينك المرأتين، المرأة البيضاء، والمرأة السوداء، لتجلسا في قاعة المحكمة، وإذا ما أحسن هيوارد أداء عمله، فإننا سنتمكن، ولا شك، من تشتيت القضية على خلفية استجواب غير منطقي. وتذكري تيش، أن هذه القضية، في النهاية، ليست قضية بمعنى الكلمة، ولو أن رجلاً أبيض مكان فوني، لما كان هناك قضية على الإطلاق.»

حسن. كنت أفهم ما كانت ترمي إليه. أعرف من أين كانت تنطلق. إنها مغامرة. ولكن في النهاية، وفي مثل حالتنا، ليس أمامنا إلا المغامرة، لا شيء سواها، وانتهى الأمر. وقد تبين لي أيضاً، بأننا إذا ما وجدنا ذلك الحل ملائماً، فمن المحتمل جداً أن نجلس هنا، هادئتين، هادئتين جداً، نناقش طرق إمكانيات التخلص من بيل. وإذا ما تمكنا من ذلك، فسنهز أكتافنا بلا مبالاة ونحتسي شراباً آخر، وانتهى الأمر. لا أحد يعرف.

- «نعم. حسناً. وماذا عن بورتوريكو؟»

- «ذلكم أحد الأسباب التي دعتني للتحدث إليك قبل أن نتحدث إلى أمي وأبي. انظري. أنت ليس بمقدورك الذهاب. عليك البقاء هنا لسبب وحيد، هو أن فوني سيضطرب لغيابك. وأنا لا أدري إن كان بمقدوري أن أذهب، فأنا علي أن أستمر بإشعال مفرقعات نارية تحت مؤخرة هيوارد، ولا يمكن لرجل أن يقوم بهذه المهمة. والدي لا يستطيع الذهاب، ويعلم الله أن فرانك لا يمكنه الذهاب أيضاً. بذلك لا يتبقى سوى ماما.»

- «ماما؟»

- «نعم.»

- «لكنها لا تحب الذهاب إلى بورتوريكو.»

- «هذا صحيح. وهي تكره الخطط. لكنها تريد لوالد طفلك أن يخرج من السجن. هي لا ترغب بالذهاب إلى بورتوريكو بالطبع، لكنها ستفعل.»

- «وما الذي تظنين أنها قادرة على القيام به؟»

- «يمكنها القيام بما لا يمكن للتحري الخاص أن يقوم به. ربما تتمكن من الوصول إلى السيدة روجرز، وربما لا. لكن إن استطاعت، نكون قد حققنا شيئاً. وإن لم تفلح، فنحن لن نخسر شيئاً، لكننا نعرف على الأقل أننا قمنا بالمحاولة.»

راقبت جبهتها. حسن.

- «وماذا عن دانييل؟»

- «أخبرتك. هيوارد سوف يراه غداً. وربما يكون بمقدوره أن يقابله اليوم. سوف يهاتفنا الليلة.»

اتكأتُ إلى الوراء: «أية لعنة»

- «نعم. لكننا نخوض فيها الآن.»

جلسنا صامتتين. وانتبهت، لأول مرة، بأن المشرب كان صاخباً. ونظرت حولي. إنه فعلاً مكان مريع، وفكرت: لا بد وأن هؤلاء الناس يظنون أنني وإرنستاين مومستين تعبتين، أو أننا زوج من السحاقيات، أو الاحتمالين معاً. حسن، إننا نجلس هنا الآن، ومن المحتمل أن تسير الأمور نحو الأسوأ. بل من المؤكد (في هذه اللحظة، ثمة شيء، يصعب التقاطه، كما الهمسة في مكان محتشد، شيء واهنٌ وواضح، كشبكة العنكبوت، يركل في أحشائي مثيراً في قلبي دهشة وذهولاً) أنها ستسير باتجاه الأسوأ.

لكن تلك الركلة الواهية، تلك النقرة، تلك الإشارة، تعلمني بأن ما يمكن أن يسير في الاتجاه الأسوأ، يمكنه أيضاً أن يأخذ منحىً أفضل. نعم. سوف تسير الأمور باتجاه الأسوأ. لكن الطفل، بتحركه للمرة الأولى داخل حجابه المائي العجيب، يعلن وجوده، ويعلمني، يقول لي، في تلك اللحظة، أن ما يمكن أن يسير باتجاه الأسوأ، يمكنه أيضاً أن يأخذ منحىً أفضل، وأن ما يمكنه أن يسير باتجاه الأفضل، يمكنه أيضاً أن يأخذ منحىً أسوأ. ومنذ الآن - فصاعداً - يعود الأمر في ذلك لي. فالطفل لا يمكنه المجيء من دوني. وما تسنى لي، بطريقة ما، ومنذ فترة ليست بالبعيدة، أن أعرفه، فإن الطفل يعرفه للتو، فيخبرني بأن ما يسير الآن بالتأكيد نحو الأسوأ، يمكن له، وبمجرد أن يغادر هو الماء، أن ينحو منحىً أفضل. لا يزال أمامه بعض الوقت الذي يقضيه في الماء، لكنه يعدُّ نفسه لانتقال قريب، الأمر الذي يتوجب عليَّ أنا أيضاً أن أهيئ نفسي له.

قلت: «حسن. أنا لست خائفة.»

ابتسمت إرنستاين وقالت: «لننطلق إذن.»

وكما علمنا فيما بعد، كان جوزيف وفرانك يجلسان أيضاً في بار، وهذا ما دار بينهما:

لجوزيف ميزة يتفوق بها على فرانك - رغم أنها المرة الأولى التي بدأ فيها يتبين، أو يخامره شعور بأنها ميزة - وهي أنه لم يرزق بأولاد صبية. لطالما أراد أن يكون له ابن ذكر. وهذه الحقيقة شكلت عبئاً على إرنستاين أكثر مما شكلت عبئاً علي. ففي الوقت الذي وُلِدت أنا فيه، كان هو قد رضي بهذا الواقع. إذ لو أن له أولاد صبية لكان من المحتمل جداً أن يموتوا، أو أن يقضوا حياتهم في السجن. وكان الاثنان على يقين، وهما يجلسان متقابلين في مقصورة في أحد البارات في جادة لينوكس، بأن عدم تعرض بنات جوزيف لما تعرضت له غيرهن، هو ضرب من المعجزات. كلاهما يعلمان، أكثر بكثير مما يرغب أي منهما أن يعلم، وبالتأكيد أكثر بكثير مما يمكن لأي منهما أن يذكر، ما حل بنساء منزل فرانك من كوارث.

نظر فرانك إلى الأسفل، ممسكاً شرابه بين يديه بإحكام: كان لديه ولد. وارتشف جوزيف كأس البيرة وهو يراقبه. ذلك الولد أصبح الآن ابنه هو أيضاً، الأمر الذي يجعل من فرانك أخاه.

كلاهما رجلان ناضجان، يناهزان الخمسين من العمر، وكلاهما يمران بمشكلة فظيعة.

لكن هذا لم يكن يظهر على أي منهما. بشرة جوزيف أكثر سمرة بكثير من بشرة فرانك، وهو أسود، تشي ملامحه بعمق في شخصيته. رجلٌ صارم، هادئ، بعينين مبطنتين، في الجهة اليسرى من جبهته يُرى وريد ينبض. جبهة عالية إلى حد يجعل تفكيرك يذهب إلى الكاتدرائيات، وشفتان تأخذان، بصورة دائمة، وضعية التواء طفيف، لا يَعرِف مدلوله، ضحكاً كان، أم حباً، أم غضباً، سوى أولئك العارفين بشخصيته، والمحبين له. أما مفتاح الوصول لمعرفة هذا المدلول فهو ذلك الوريد النابض فوق الجبهة. وفي حين تحافظ شفتاه على وضعية شبه ثابتة، فإن عينيه، تبدوان في تغير دائم. وحين يكون جوزيف سعيداً، أو حين يضحك، فثمة شيء رائع يحدث. إذ يبدو آنذاك، أقسم على ذلك، كأنه في الثلاثين من عمره، رغم الشيب الذي بدأ يغزو مفرقه. وقد خطر لي مرة بأن من حسن حظي أنني لم ألتق به حين كان في ريعان شبابه. ثم عدت فانتبهت: لكنك ابنته، ثم غصت بعد ذلك في صمت عميق وأنا أفكر: واو.

وفرانك فاتح البشرة، وأنحف من جوزيف. وفي حين أن والدي لا يصح وصفه بأنه وسيم، فأنت تستطيعين أن تضفي هذه الصفة على فرانك. وأنا لا أقصد الحطّ من قدره حين أقول ذلك. فهذا الوجه، دفع، ولا يزال يدفع، ثمناً بغيضاً جداً. فالناس يجعلونك تدفع مقابل مظهرك، في الوقت الذي تعتقد فيه أن هذا المظهر هو مظهرك أنت ولا دخل للناس فيه. وما يخطه الزمن على قسمات الإنسان هو تسجيل لذلك الاصطدام بالناس، وقد نجا فرانك منه بشق النفس. جبهته متغضنة كراحة يد لا يمكن قراءتها وشعره الذي غزاه الشيب كثيف ومتجعد بشدة بدءاً من قمة رأسه. أما شفتاه فليستا غليظتين كشفتي جوزيف، وليس لهما الالتواء نفسه، ولكنهما مطبقتان بإحكام على بعضهما، كأنه يتمنى لو أنهما تتلاشيان. وعظام خديه ناتئة، وعيناه الكبيرتان الداكنتان تميلان من طرفيهما نحو الأعلى كعيني فوني، فقد كان لفوني عينا أبيه.

من المؤكد أن جوزيف لم ينتبه إلى هذا الشبه الذي تراءى لابنته، لكنه حدق في فرانك بصمت، إلى أن أجبره على رفع نظره.

سأل فرانك: «ماذا يجب أن نفعل؟»

قال جوزيف بحزم: «حسن، أول ما يجب علينا فعله هو أن نتوقف عن لوم بعضنا، وأن نتوقف عن لوم أنفسنا أيضاً. فإذا تعذر علينا ذلك، يا رجل، إذاً فنحن لن نفلح بإخراج الفتى، لأننا سنكون بلا نفع. وهذا ما لا يجب أن نكونه الآن يا عزيزي، وأنا أعرف أنك سمعت من أين أتحدر.

سأل فرانك وابتسامته الصغيرة تعلو فمه: «يا رجل، كيف سنتصرف فيما يتعلق بالنقود؟»

- «هل تملك نقوداً؟»

نظر إليه فرانك دون أن يقول شيئاً، واكتفى بأن يجيب بعينيه.

عاد جوزيف فسأل: «هل تملك أي قدر من المال؟»

وأخيراً أجاب فرانك: «لا.»

- «إذاً ما الذي يقلقك الآن بشأن النقود؟»

نظر إليه فرانك ثانية.

- «لقد وجدت طريقة لتربيتهم، أليس كذلك؟ وجدت طريقة لإطعامهم، أليس كذلك؟ وإذا ما بدأنا نقلق من أجل النقود الآن، يا رجل، فإننا سنهزم وسنفقد أولادنا. فذلك الرجل الأبيض يا عزيزي، ذو الخصيتين المترهلتين ربما، وفتحة الشرج العفنة، وضع نصب عينيه أن يجعلك تقلق بشأن النقود. وهذه هي كلّ لعبته. ولكن إذا ما وصلنا إلى مرحلة نفكر فيها بأننا مفلسون، فسنتلقى منه ما هو أكثر من ذلك. أنا لا أهتم بنقودهم، وبأي حال، ليس لهم أدنى حق بهذه النقود، فقد سرقوها منا - لم يقابلوا أحداً إلا وكذبوا عليه وسرقوا منه. لابأس، أنا أيضاً كنت أسرق، وأسلب، وإلا، فكيف تظنني قد ربيت بناتي؟ اللعنة.»

لكن فرانك ليس جوزيف. وعاد ليحدق إلى الأسفل في شرابه.

- «وما الذي تظنه سيحدث؟»

أجاب جوزيف بحزم كما في المرة السابقة: «ما نجعله يحدث.»

قال فرانك: «من السهل أن نتحدث هكذا.»

قال جوزيف: «لن يكون سهلاً إذا أردنا تنفيذه.»

ثم عم صمت لم يتكلم أثناءه أي من الرجلين، حتى آلة الجُكْ بُكْس كانت صامتة.

وفي النهاية قال فرانك: «أظنني أحب فوني أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم. وأقسم أنني أشعر بالخجل، يا رجل، لأنه كان ولداً صغيراً يتمتع بصفات لطيفة لرجلٍ حق. لم يكن يخاف شيئاً، سوى والدته ربما. إنه لم يفهم والدته.» توقف فرانك عن الكلام لبرهة ثم أردف: «وأنا لم أكن أعرف ما الذي عليّ فعله. أنا لست امرأة. بعض الأمور التي تتعلق بالطفل تكون حكراً على المرأة. اعتقدت أنها أحبته، بالطريقة نفسها التي اعتقدت فيها، يوماً ما، أنها أحبتني.» ارتشف فرانك شرابه، وحاول أن يبتسم. «لا أدري إن كنت في يوم من الأيام أباً بالنسبة إليه، أباً حقيقياً، والآن هو في السجن، لذنب لم يرتكبه، وأنا لا أدري حتى كيف لي أن أخرجه من هناك. إنني على حافة الجنون بلا شك.»

قال جوزيف: «حسن، إنه يعرف ذلك بالتأكيد. فهو يحبك، ويحترمك، وعليك الآن أن تتذكر أنني أدرك ذلك ربما أكثر مما تدركه أنت نفسك. وأقول لك شيئاً آخر. فابنك الصغير هو والد ابن ابنتي الصغيرة. فكيف يمكنك والحالة هذه أن تجلس هنا وتتصرف بعجز كأن جميع السبل قد سدّت أمامك. هناك مولود جديد في طريقه إلينا يا رجل. هل تريدني أن أجد لك الحل؟» قال ذلك بقسوة، لكنه بعد لحظة، ابتسم وتابع: «أعلم.» ثم أخذ يتحدث بحذر: «أعلم. ولكن في جعبتي بعض أساليب الاحتيال، وأنت لديك بعضاً من هذه الأساليب، وهؤلاء الأولاد هم أولادنا، علينا أن نخرجهم إلى الحرية.» أنهى جوزيف شرب البيرة التي في كأسه، وقال: «لذلك، فلنشرب يا رجل، ونمضي، فلدينا متاعب كثيرة علينا التعامل معها، وبسرعة.»

تجرع فرانك البيرة التي في كأسه أيضاً واستقام بكتفيه وهو يقول: «أنت محق يا صديقي القديم، لنعمل على ذلك.»

موعد محاكمة فوني كان يؤجل باستمرار. والمفارقة في ذلك هي أن هذا التأجيل أظهر لي صدق اهتمام هيوارد بالقضية. فهو، حسب ظني، لم يكن في البداية جاداً تجاهها. إذ لم يسبق له أن استلم قضية مشابهة من قبل. لكن إرنستاين، وباعتمادها الجزئي على الخبرة واعتمادها الرئيسي على الغريزة، هي التي أجبرته على قبولها. وفور استلامه لها، أخذت الروائح الكريهة تنبعث منها، ولكن لم يكن أمامه خيار آخر إلا أن يمضي فيها. فقد بدا واضحاً منذ البداية، على سبيل المثال، أن مدى قلقه، أو حقيقة وجود أدنى قدر من القلق الحقيقي لديه تجاه موكله، قد وضعه في غمرة خلاف ونزاع مع أصحاب الحل والربط. الأمر الذي لم يكن يتوقعه. لقد أربكه ذلك في البداية، ثم أخافه، ثم أغضبه. وهكذا وجد نفسه فجأة بين الجزرة والعصا. ولم يكن تفادي العصا متعذر عليه وحسب، بل وجد نفسه، في النهاية، يصرّح أمام الملأ بأنه سيكون ملعوناً إذا ما اختار الانحياز إلى الجزرة. الأمر الذي تسبب في عزلته بل ووصمه بالعار. وبقدر ما زاد ذلك من الخطر المحدق بفوني، زاد أيضاً من مستوى المسؤولية الملقاة على عاتق هيوارد. لكن هذا لم يغير شيئاً من موقف العائلة تجاهه؛ فأنا لم أثق به يوماً، كانت إرنيستاين تصفه بكلمات رنانة، وكانت أمي كانت متحفظة، أما بالنسبة لجوزيف، فإن هيوارد لم يكن أكثر من مجرد ولد أبيض آخر حائز على شهادة جامعية.

ورغم أنه في البداية لم يكن موضع ثقتي، فإنني عملياً لست شخصية ارتيابية. وفي كل حال، كنا نحاول مع مرور الوقت إخفاء مخاوفنا عن بعضنا. لم يكن لدينا خيار آخر سوى أن نزيد من اعتمادنا على بعضنا أكثر فأكثر. وبدأت أتبين، يوماً بعد يوم، أن المعركة بالنسبة لهيوارد أخذت شيئاً فشيئاً تصبح قضية شخصية، بمعزل عن السعي وراء اعتراف الآخرين له بالجميل، أو وراء السمعة الحسنة. لقد كانت قضية قذرة، قضية دنيئة. فاتهام فتى أسود باغتصاب تلك المرأة البورتوريكية البريئة هو ما أثار اهتمامه إلى هذا الحد. وهو ما دعا زملاءه إلى ازدرائه وتحاشيه، الأمر الذي خلق أخطاراً أخرى، منها، وليس أقلها خطراً، إمكانية تخليه عن القضية وتراجعه أمام إشفاقه على نفسه، أو إحساسه بأنه يقف موقفاً دونكيشوتياً. إلا أن صدق فوني وعزة نفس هيوارد كانت تبعد هذا الاحتمال.

لكن القوائم كانت متخمة، ومحاكمة كل السجناء في السجون الأميركية يستغرق آلاف السنين. في حين أن تفاؤل الأمريكيين وتمسكهم بالأمل لن يدوم طويلاً؛ فالقضاة المتعاطفون أو حتى مجرد الأذكياء منهم نادرون ندرة العواصف الثلجية في المنطقة الإستوائية. بالمقابل، كانت هناك القوة الداعرة والعداوة الضارية التي يعلنها مكتب نيابة المقاطعة. وهكذا سلك هيوارد درباً طويلة، وناور بضراوة سعياً منه لأن يقف فوني أمام قاضٍ من شأنه أن يستمع بشكل فعلي إلى القضية. ولتحقيق ذلك، كان لابد من أن يتوفر لدى هيوارد الفطنة والصبر والنقود إضافة إلى عزيمة من الفولاذ.

نجح في مقابلة دانييل، الذي كان قد أشبع ضرباً. لكنه لم يتمكن من استصدار أمر بالإفراج عنه لأنه كان معتقلاً بتهمة الإدمان على المخدرات. كما أنه لن يتمكن من زيارته ما لم يكن هو محاميه. وقد عرض هيوارد هذا الاقتراح على دانييل، لكن دانييل كان متردداً وخائفاً. وقد ساور هيوارد شك في أن دانييل كان محقوناً أيضاً بالمخدرات مما جعله يتساءل إن كان سيجرؤ على استدعائه إلى المحكمة للوقوف من أجل الشهادة.

وهكذا أمضينا أيامنا. بدأت أمي توسع لي ملابسي، كنت أذهب إلى العمل مرتدية ستراً وبنطلونات. ولكن بدا واضحاً بأنني لن أستطيع الاستمرار في ذلك. يتوجب علي المواظبة على زيارتي لفوني كلما أتيح لي. كان جوزيف يداوم وقتاً إضافياً، دواماً مضاعفاً، وكذلك فرانك. أما إرنستاين فقد كانت مضطرة لاختصار الوقت الذي تقضيه مع أطفالها بعد أن استلمت عملاً، بنصف دوام، كسكرتيرة خاصة لدى فنانة شابة غنية جداً وغريبة الأطوار، وهي تنوي، أي إرنستاين، أن تعول على علاقات هذه الفنانة الواسعة وتستثمرها. كان جوزيف يسرق بهدوء وبصورة منتظمة من أرصفة الموانئ، مثله في ذلك مثل فرانك الذي كان يسرق من متجر الثياب ويبيع الاثنان المسروقات في هارليم أو بروكلين. لم يذكر أي منهما أمامنا شيئاً عن ذلك، لكننا كنا على علم به. وسبب إخفائهما الأمر عنا، هو حرصهما، إذا ما سارت الأمور نحو الأسوأ، على عدم اعتقالنا بتهمة الاشتراك بالجريمة. لم يكن بمقدورنا اختراق صمتهما، بل لم يكن يفترض بنا فعل ذلك. كان كل من هذين الرجلين مستعداً للذهاب إلى السجن بكل سرور، أو قتل شرطي، أو حتى نسف مدينة ، لحماية أبنائه من فكي هذا الجحيم الديمقراطي.

بدأت شارون بالتحضير من أجل رحلتها إلى بورتوريكو، وقد أملى عليها هيوارد التعليمات التالية:

- «عملياً، هي ليست في سانتورز، بل إنها أبعد بقليل؛ في منطقة كان يمكن أن تسمى ضاحية فيما مضى، أما اليوم فهي أسوأ بكثير من أن توصف بأنها حي فقير. أعتقد أن هذه المنطقة من بورتوريكو تدعى فافيللا. كنت قد ذهبت في يوم من الأيام إلى بورتوريكو، لذلك فأنا لن أحاول وصف فافيللا. كما أنني واثق أنك لدى عودتك لن تحاولي وصفها أنت أيضاً.»

ثم نظر هيوارد إليها نظرة باردة وحادة في آن معاً، وناولها ورقة مطبوعة على الآلة الكاتبة. «هذا هو العنوان. لكنني أعتقد بأنك حين تصلين إلى هناك، ستكتشفين أن كلمة «عنوان» لا معنى لها تقريباً، وللأمانة يجب القول بأن هذه هي المنطقة.»

شارون، التي كانت ترتدي قلنسوتها المستديرة اللينة ذات اللون البيج، فقد أخذت الورقة ونظرت إليها.

قال هيوارد: «لا يوجد هاتف. وفي كل الأحوال، فإن الهاتف هو آخر ما يمكن أن تحتاجيه. يمكنك إطلاق إشارات نارية. ولكن لن يستعصي عليك إيجاد هاتف. اتبعي أنفك فقط.»

وحدق الاثنان ببعضهما.

قال هيوارد وابتسامته الشاحبة تعلو فمه: «والآن، لكي أجعل الأمور أسهل عليك، ينبغي أن أخبرك بأننا لسنا متأكدين تماماً بأي اسم تمارس حياتها هناك. اسمها قبل الزواج هو سانشيز، لكن هذا يشبه البحث عن السيدة جونز أو السيد سميث. واسمها بعد الزواج السيدة روجرز، لكنني متأكد أن استخدامه مقتصر على جواز سفرها. واسم ما يفترض أن نسميه زوجها عرفياً..» وهنا توقف لينظر إلى قطعة أخرى من الورق، ثم إلى شارون ثم إلي: «هو: بيترو توماسينو ألفاريز.»

ناول قطعة الورق لشارون، التي تفحصتها هي الأخرى.

قال هيوارد: «وخذي هذه الصورة معك. لعلها تساعدك. لا أظن أن مظهرها تغير، فقد التقطت لها في الأسبوع الماضي.»

وناول شارون صورة قياسها أكبر بقليل من صورة جواز السفر.

لم يسبق لي أن رأيتها من قبل. وقفت ونظرت إلى الصورة من فوق كتفي شارون. كانت شقراء، ولكن هل البورتوريكيات شقراوات؟ إنها تضحك للكاميرا ضحكة مقتضبة، ومع ذلك فالعينان مفعمتان بالحياة. لونهما داكن كلون الحاجبين، والكتفان السمراوان عاريان.

سألت شارون: «هل التقطت هذه الصورة في النادي الليلي؟» أجاب هيوارد: «نعم.» نظرت إليه ونظر إليها، ثم:

سألت شارون: «هل تعمل هناك؟»

قال هيوارد: «لا. بيترو هو من يعمل هناك.»

كنت لا أزال أنظر، من فوق أكتاف أمي، لأتفحص وجه ألد أعدائي.

أدارت أمي الصورة ووضعتها على حضنها.

- «وكم عمر هذا البيترو؟»

- قال هيوارد: «حوالي الثانية والعشرين.»

وتماماً، كما جاء في الأغنية: «نهض الرب! في عاصفة رياحية! فأقلق عقول كل الناس!» لف الصمت أرجاء المكتب. كانت أمي متكئة إلى الأمام وهي تفكر.

قالت بتأنٍ: «اثنان وعشرون.»

قال هيوارد: «نعم. لكنني لا أعتقد أن لهذه المعلومة أية قيمة بالنسبة إلينا.»

سألت شارون: «ما الذي تريدني القيام به بالضبط؟»

قال هيوارد: «أن تساعديني.»

بعد لحظة قالت شارون: «حسن.» وكانت في تلك الأثناء تفتح حقيبتها، ثم فتحت محفظتها الصغيرة، ووضعت الأوراق فيها، ثم أقفلت المحفظة وأودعتها في عمق الحقيبة، وسارعت إلى إقفالها. وقالت: «إذن، فأنا سأغادر في وقت ما غداً. سأتصل، أو أكلف أحداً للاتصال بك قبل أن أذهب. هكذا يمكنك أن تكون على علم بمكاني.»

ثم وقفت، ووقف هيوارد، ومشينا نحو الباب.

سأل هيوارد: «هل تحملين معك صورة لفوني ؟»

قلت: «نعم.»

وفتحت حقيبتي وأخرجت محفظتي. كان لدي صورتان في الحقيقة، واحدة لنا معاً ونحن متكئان على الحاجز الحديدي لمنزلنا في شارع بانك، يبدو فيها فوني بقميص مفتوح حتى زر البطن، يحيطني بإحدى ذراعيه، وكلانا نضحك. والأخرى لفوني جالساً وحده في المنزل قرب آلة التسجيل، تعلو وجهه كآبة وهدوء، وهي صورته المفضلة لدي.

أخذت أمي الصورتين وأعطتهما لهيوارد الذي تفحصهما، ثم عادت واسترجعتهما منه ثانية.

سألتني: «هل هما الوحيدتان اللتان بحوزتك؟»

قلت: «نعم.»

أعادت لي تلك التي تظهر فوني وحده، ووضعت تلك التي تضمنا معاً في محفظتها فغاصت في أسفل حقيبتها. ثم قالت: «على هذه أن تفعل فعلها. فهذه في النهاية ابنتي، وهي لم تتعرض لعملية اغتصاب.» صافحت هيوارد وهي تقول: «صلِّ يا بني، ولنأمل أن تتمكن العجوز من العودة بالمأمول.»

استدارت نحو الباب، لكن هيوارد أوقفها ثانية.

- «ذهابك إلى بورتوريكو منحني شعوراً بأنني أكثر راحة مما كنت طيلة أسابيع خلت. ولكن، علي أيضاً أن ألفت انتباهك إلى أن مكتب نيابة المقاطعة على اتصال مباشر مع عائلة هانت، أي مع الأم والأختين، وموقفهن ينبئ بأن فوني طالما كان شخصاً فاسداً وتافهاً.»

توقف هيوارد قليلاً، ونظر بإمعان إلينا معاً.

- «والآن، إذا تمكنت المحكمة من استدعاء ثلاث نساء سوداوات محترمات ليقسمن أو ليشهدن، بأن ابنهن وأخوهن كان كائناً خطيراً على المجتمع، فإن ذلك سيكون كارثة حقيقة بالنسبة لنا.»

توقف ثانية، واستدار باتجاه النافذة.

- «وفي الواقع، وباعتبار أن غاليليو سانتيني رجل غير غبي، يصبح الأمر أكثر تأثيراً إن هو لم يلجأ إلى استدعائهن للشهادة في المحكمة، حيث يتم استجوابهن بصورة دقيقة. بل يكتفي، وهذا كل ما يحتاجه، بأن ينقل، هو بنفسه، لهيئة المحلفين بأن أولئك النسوة المحترمات الملتزمات بالذهاب إلى الكنيسة قد اكتسين بالعار والحزن. كما أن هناك احتمال كبير بأن ترفض شهادة الوالد بحجة أنه سكير وفاشل وقدوة بغيضة لابنه، خصوصاً وأنه هدد على الملأ بأن يجز رأس سانتيني.»

استدار عن النافذة لينظر إلينا بإمعان.

«أظن أنني سأستدعيك سيدة شارون والسيد ريفرز كشهود محكمة. لكنك تقدرين ما الذي نواجهه.»

قالت شارون: «أن نعرف، أفضل دائماً من أن لا نعرف.»

ربت هيوارد على كتفي شارون بلطف قائلاً: «إذاً، حاولي أن تعودي بالمطلوب.»

وفكرت في نفسي: وأنا سأتكفل بتينك الأختين، وتلك الأم. لكنني لم أتلفظ بشيء، ما عدا: «شكراً هيوارد، إلى اللقاء.»

قالت شارون: «حسن، فهمت قصدك. إلى اللقاء.» وسرنا في الردهة باتجاه المصعد.

أذكر الليلة التي حملت فيها بالطفل لأنها كانت عشية اليوم الذي تمكنا فيه أخيراً من إيجاد عليّتنا. كان ذلك الشاب الذي يدعى ليفي، ينوي فعلاً أن يؤجرها لنا. لم يكن شخصاً سيئاً. كان ذا بشرة زيتونية، وشعر مزبئر. له وجه مرح لفتى من برونس. في حوالي الثالثة والثلاثين من عمره، بعينين سوداوين كبيرتين تشعّان كمصباحين كهربائيين. كان يكنُّ لنا شعوراً بالإعجاب، فهو معجب بكل المحبين. كانت العلية في آخر شارع كانال، مساحتها كبيرة وفي حالة جيدة. كان لها نافذتان تطلان على الشارع، ونافذتان خلفيتان تنفتحان على سطح مسور بحاجز حديدي. كما تضم غرفة استخدمها فوني كمشغل. فإذا أنت فتحت نوافذها كلها، فلن تعاني من شدة حر الصيف. كنا سعيدين للغاية لوجود السطح فهو بمثابة فسحة يمكننا أن نتناول العشاء فيها أو أن نحتسي شراباً أو أن نجلس فقط في أوقات المساء، إن رغبنا، يلف كل منا الآخر بذراعيه. قال ليفي: «جهنم. أخرجوا الأغطية وناموا هنا.» ثم ابتسم لفوني وقال: «أنجبوا أطفالاً على السطح. بهذه الطريقة أتيت أنا إلى الحياة.» لا بد من القول بأنه لم يجعل أياً منا يشعر بالخجل. ضحكنا جميعاً. قال: «لا بد وأن تنجبا أطفالاً جميلين، وها أنا ذا أقول لكم، يا أولاد، فالعالم بحاجة ماسة لهم.»

طلب منا أجراً مقدماً لشهر واحد فقط. وقد ذهبت بالنقود إليه بعد حوالي أسبوع. وحين وقع فوني في المشكلة، تصرف تصرفاً غريباً جداً، ولكنه من وجهة نظري، جميلاً جداً. فقد استدعاني وقال لي أن بإمكاني استرجاع النقود في أي وقت أريد. أما هو فلكنه قال أنه لن يؤجر ذلك الملحق لأحد غيرنا. وقال: «لا أستطيع. يا لهم من أولاد زنا. ذلك الملحق سيبقى خالياً إلى أن يخرج زوجك من السجن، فأنا يا عزيزتي، لست مجرد رجل من جنوب أمريكا لا يجيد سوى الصفير.» ثم أعطاني رقمه ورجاني أن أخبره إن كان بمقدوره تقديم أية مساعدة. وقال: «أريدكم أن تنجبوا أطفالكم يا أولاد، فهذا سيكون من دواعي سروري.»

شرح لنا ليفي التركيب المعقد نوعاً ما للأقفال والمفاتيح. كان ملحقنا يعلو ثلاثة أو أربعة طوابق. ودرجات السلم عالية. وكان له، أي للملحق، مجموعة من المفاتيح، لها أقفال مزدوجة. وكان ثمة باب في أعلى الدرجات يعمل، إذا ما تم إغلاقه، على عزلنا عن باقي المبنى.

سأل فوني: «وكيف نتصرف إذا ما شب حريق يا رجل؟»

قال ليفي: «آه، لقد نسيت.» ثم عاد ففتح الأبواب ودخلنا الملحق ثانية. أخذنا إلى السطح وقادنا إلى الحافة، حيث كان الحاجز الحديدي مفتوحاً عند أقصى يمين السطح ومتصلاً بممر ضيق يقود إلى سلم حديدي تؤدي درجاته إلى فناء الدار. ولكن بمجرد أن يصل المرء إلى الفناء، الذي يبدو محاطاً بالجدران، يتساءل عما يمكنه أن يفعل بعد ذلك: إنه مكان كالفخ، وهو لا يزال دون مهرب للنجاة إذا ما احترق المبنى. فما إن يصل المرء إلى الأرض، حتى يتمنى بأن لا يدفن تحت الجدران المتهاوية المشتعلة.

قال فوني وهو يمسك بي من كوعي بعناية ويقودني ثانية إلى الملحق: «حسن، يمكنني تقدير ذلك.» وعدنا لنمارس طقوس إقفال الأبواب والنزول إلى الشارع. قال ليفي: «لا تقلقوا بشأن الجيران، فبعد الساعة الخامسة أو السادسة، لا يبقى أحد منهم. أما ما يفصل بينكم وبين الشارع فهو مؤسسات صناعية صغيرة مغلقة.»

وصلنا إلى الشارع وأطلعنا على كيفية إقفال وفتح باب الشارع.

ثم توجه إلى فوني: «فهمت ذلك؟»

قال فوني: «فهمته.»

- «تعاليا، سوف أشتري لكما كأسين من مخفوق اللبن.»

وهكذا وقفنا أمام محل في زاوية الشارع وشربنا ثلاثة كؤوس من مخفوق اللبن، ثم صافحنا ليفي، وغادر قائلاً بأن عليه أن يذهب إلى البيت حيث زوجته وأولاده بانتظاره. كان لديه ولدان، أحدهما في الثانية والآخر في الثالثة والنصف من عمره. لكن قبل أن يغادرنا قال: «لقد قلت لكما أن لا تقلقا بشأن الجيران، ولكن، حذار من الشرطة فهم مجرمون.»

إن من أفظع الأمور وأكثرها غموضاً في الحياة، أن لا تنتبه إلى تحذير كان قد وجِّه إليك إلا حين تستعيد الماضي، أي بعد فوات الأوان.

غادرنا ليفي، ومشينا أنا وفوني وأيدينا متشابكة، عبر الشوارع العريضة المشرقة والمزدحمة، باتجاه الفيلليج، حيّنا. تحدثنا وتحدثنا، وضحكنا وضحكنا. عبرنا هوستون وأشرفنا على الجادة السادسة، جادة الأمريكان! بكل ما فيها من أعلام لعينة كنا منصرفينب عن رؤيتها. أردت أن أقف عند أحد المحلات في شارع بليكر لشراء بعض البندورة. عبرنا جادة الأمريكان واتجهنا غرباً نحو شارع بليكر. كان فوني يلف خصري بذراعه. وقفنا عند محل الخضراوات. وبدأت أنظر.

كان فوني يكره التسوق. قال: «انتظري دقيقة، أنا ذاهب لشراء السجائر.» وعبر الشارع، نحو الزاوية.

أخذت أنا أنتقي البندورة، وأذكر أنني كنت أدندن. وبدأت أبحث عن الميزان وعن الرجل أو المرأة الذي سيزن لي البندورة ويقبض ثمنها.

كان فوني محقاً حين قال لي بأنني لست جميلة جداً. وعندما شعرت بتلك اليد على مؤخرتي، ظننت للوهلة الأولى أنه فوني. ثم انتبهت إلى أن فوني لا يمكن أن يلمسني بهذه الطريقة أمام الملأ على الإطلاق.

استدرت، والبندورات الست في يدي الاثنتين، لأجد نفسي مقابل فتى إيطالي صغير ذلق اللسان.

قال: «أحب البندورة التي تحب البندورة.» ثم لحس شفتيه، وابتسم.

وأخذت أفكر بأمرين في آن معاً، بل ثلاثة. أولاً، هذا شارع مزدحم، وفوني سيعود في أية لحظة. كما أنني أردت أن أضرب البندورة التي كانت معي في وجه الفتى. لكن أحداً لم يكن قد انتبه إلينا بعد، ولم أشأ أن أقحم فوني في شجار. رأيت شرطياً أبيض قادماً ببطء عبر الشارع.

فكرت بأنني سوداء، وأن هذه الشوارع مزدحمة بالبيض، لذلك استدرت ودخلت إلى المتجر، وحبات البندورة كانت ما تزال في يدي. وجدت ميزاناً فوضعت البندورة عليه وبحثت عمن سيزينها لي، لأتمكن من دفع ثمنها ومغادرة المخزن قبل عودة فوني من زاوية الشارع. وهنا وصل الشرطي إلى الطرف الآخر من الشارع، ولحق بي الفتى إلى داخل المخزن.

- «هيه.. أيتها البندورة الحلوة. تعلمين، أنا أحب البندورة.»

وهنا بدأ الناس يراقبوننا. لم أعرف كيف أتصرف، ولم يكن أمامي إلا أن أخرج من هنا قبل عودة فوني. حاولت التحرك، لكن الفتى سد طريقي. نظرت حولي، لعل أحدهم يساعدني، كان الناس يحدقون بنا، لكن أحداً منهم لم يأت بحركة. قررت، يائسة، أن أستدعي الشرطي، لكنني ما إن تحركت حتى أمسك الفتى بيدي. وتبادر إلى ذهني أنه ربما كان مجرد مدمن مخدرات منحل. ولكن حين أمسك بيدي، صفعته على وجهه وبصقت عليه في اللحظة التي دخل فيها فوني المخزن.

أمسك فوني الفتى من شعره، وضربه فطرحه أرضاً، ثم انتشله ولكمه على معدته ثم أخرجه إلى الرصيف وضربه ثانية فأوقعه أرضاً. صرخت وأمسكت فوني بكل ما أوتيت من قوة، لأنني رأيت الشرطي، الذي كان عند الزاوية البعيدة، يعبر الشارع راكضاً، بينما كان الفتى ملقى على الأرض ينزف ويتقيأ في البالوعة. كنت على يقين من أن الشرطي سوف يقتل فوني، إلا إذا استطعت أن أبقى واقفة بينهما. وبكل قوتي، وبكل حبي، وبكل صلواتي، متسلحة بمعرفتي بأن فوني، في النهاية، لن يضربني ويلقيني أرضاً، وقفت مسندة الجهة الخلفية من رأسي إلى صدر فوني، وممسكة رسغيه كليهما بكلتي يدي، ونظرت إلى وجه الشرطي. قلت: «ذلك الرجل، تهجم علي. في هذا المخزن، الآن. وعلى مرأى من الجميع.»

لم ينبس أحد ببنت شفة.

مر الشرطي بنظره عليهم جميعاً، وعاد بأنظاره إلي، ثم نظر إلى فوني. لم أستطع رؤية وجه فوني، لكن كان بإمكاني رؤية وجه الشرطي، وفكرت بأنني يجب أن لا أتحرك، وأن لا أسمح، إن استطعت، لفوني بالتحرك.

سأل الشرطي فوني بتمهل: «وأين كنت أنت، حينما حدث كل ذلك...» كانت نظراته حينئذ مشابهة تماماً لنظرات الفتى. - «... بينما كان كل هذا يحدث بين ذلك الفتى، هناك، وبين...» وهنا عادت عيناه لترميني بنظراتها - «... وبين فتاتك؟»

ولأنني لم أكن أريد لفوني أن يتحدث، قلت: «كان هناك عند الناصية يشتري السجائر.»

وتمنيت أن يسامحني على ذلك، فيما بعد.

- «هل هذا صحيح، يا ولد؟»

قلت: «إنه ليس ولداً. سيدي الضابط.»

ونظر إلي حينئذ، كانت تلك هي المرة الأولى التي ينظر إلي فيها بنحو فعلي، مما جعله ينظر إلى فوني أيضاً بنحو فعلي.

أثناء ذلك، كان بعض الأشخاص قد رفعوا الفتى على قدميه.

توجه الشرطي بسؤاله إلى فوني: «هل تسكن في هذه الأرجاء؟»

وكانت الجهة الخلفية من رأسي ما تزال تستند إلى صدر فوني، إلا أنه أفلت رسغيه من يدي.

قال فوني: «نعم. في شارع بانك.» وأعطاه العنوان.

وتوقعت أن يدفعني فوني عنه في أية لحظة.

قال الشرطي: «سوف نعتقلك يا فتى بتهمة التهجم والاعتداء.»

وهنا، لا أدري ما الذي كان سيحدث لولا أن تدخلت تلك السيدة الإيطالية التي كانت تدير المتجر. قالت: «أوه.. لا. أنا أعرف هذين الشابين، فهما غالباً ما يأتيان للتسوق من هنا. وما أخبرتك به الشابة هو الحقيقة. فقد رأيتهما معاً، منذ لحظات، عندما أتيا، ثم رأيتها وهي تنتقي البندورة بعد أن تركها الفتى وقال أنه سيعود في الحال. وأنا لم أتمكن من موافاتها بسرعة لأنني كنت مشغولة. وها هي البندورة التي انتقتها لا تزال على الميزان. وقد تهجم عليها ذلك القذر التافه. فنال ما يستحقه تماماً. ماذا كنت ستفعل لو أن أحدهم تهجم على زوجتك؟ إن كان لديك زوجة.» وعلت الوجوه ضحكات مكبوتة، أما الشرطي فقد تورّد. وتابعت السيدة: «لقد رأيت ما حدث بالضبط. أنا شاهدة. وأقسم على ذلك.»

وراحت هي والشرطي يحدقان ببعضهما.

قال: «طريقة غريبة في إدارة العمل.» ولحس شفته السفلى.

قالت: «لن تعلمني كيف أدير عملي. أنا في هذا الشارع قبل أن تأتي إليه، وسأبقى فيه بعد أن تغادر أنت.» ثم أشارت إلى الفتى الذي كان في تلك الأثناء يجلس فوق حجر على حافة الطريق وبعض أصدقائه يتحلقون حوله، وتابعت: «أبعد ذلك الولد الشرير البائس معك إلى بيليفو أو إلى جزيرة ريكرز، أو ألقه في النهر، فلا منفعة منه لأحد. ولكن لا تعمل على إخافتي - basta!(*)»

ولاحظت، للمرة الأولى، أن عيني الشرطي بيِل زرقاوان، وأن الجزء الذي يمكنني رؤيته من شعره كان لونه أحمر.

عاود النظر إلي، ثم إلى فوني.

لحس شفتيه ثانية.

عادت السيدة الإيطالية إلى المخزن فرفعت حبات البندورة عن الميزان ووضعتها في كيس.

قال بيِل ممعناً التحديق في فوني: «حسن. لنا لقاء آخر في الجوار!»

قال فوني: «ربما يحدث، وربما لا.»

قالت السيدة الإيطالية، وهي خارجة إلى الشارع: «لن يحدث إذا ما رأياك هما، أو أنا، أولاً.» أدارتني نحوها ووضعت كيس البندورة في يدي. وكانت تقف بيني وبين بِيل. حدقت في عينيّ وقالت: «إن لديك رجلاً شهماً. خذيه إلى البيت، بعيداً عن هذه الخنازير السقيمة.» نظرت إليها، فمسحت بيدها على وجهي وقالت: «أتيت إلى أميركا منذ زمن طويل، ولا أتمنى أن أموت هنا.»

ثم عادت فدخلت إلى المخزن. وأخذ فوني كيس البندورة من يدي وعلقه بأحد ذراعيه، ولف ذراعه الثانية حول ذراعي، شابكاً أصابعه بأصابعي. مشينا ببطء متجهين نحو حيّنا.

قال فوني، بمنتهى الهدوء، بذلك الهدوء المرعب: «تيش!»

توقعت ما سيقول.

- «نعم؟»

- «إياك أن تحاولي حمايتي ثانية. لا تفعلي ذلك أبداً.»

أجبت وأنا أعرف أنني أستخدم التعبير الخاطئ: «لكنك كنت تحاول حمايتي أيضاً!»

قال، باللهجة الهادئة المرعبة نفسها: «الأمر ليس سيان، يا تيش.»

رفع فجأة كيس البندورة فضربه بأقرب حائط. ومن فضل الله أن الحائط كان أبيض. ومن فضل الله أن لونه بدأ يصبحً داكناً، ومن فضل الله أن البندورة تتناثر لكنها لا تصدر دوياً.

كنت أفهم ما يقوله. وأعرف أنه على حق. وأعرف أيضاً أن علي أن ألتزم الصمت. وأحمد الله أنه لم ينتزع يدي من مكانها. نظرت أسفل إلى الرصيف وقد تعذرت علي رؤيته، وكلي أمل أن لا يرى دموعي.

لكنه رآها.

توقف، أدارني نحوه، وقبّلني. تراجع ونظر إلي ثم قبّلني ثانية.

«لا تظني أني لا أعرف أنك مغرمة بي. ولكن هل تظني أننا سننجح معاً؟»

حينئذ، بدأت أهدأ. ولمحت دموعاً على وجهه، لكنني لم أميز إن كانت تلك دموعه أم دموعي، لا أدري. قبّلته في المكان الذي جرت عليه دموعنا. وكنت بصدد أن أقول شيئاً، لكنه وضع إحدى أصابعه على شفتي، وابتسم ابتسامته الصغيرة.

- «هس. لا تقولي شيئاً. سوف آخذك لتناول العشاء، في مطعمنا الإسباني، هل تذكرين؟ وستكون هذه المرة الوحيدة التي سنأكل فيها بالدَّين.»

وابتسم، فابتسمت بدوري، وتابعنا المسير.

وعندما دخلنا المطعم، قال فوني لبيدروسيتو: «لا نملك النقود، لكننا جائعان جداً، سأحصل على بعض النقود في غضون يومين.»

قال بيدروسيتو متصنعاً الغضب: «في غضون يومين، هذا ما يقوله الجميع!» ثم أردف وهو يضرب بيده على جبينه في إشارة تعبر عن الشك: «وأظنك، فوق ذلك، ترغب بتناول الطعام جالساً!»

قال فوني مبتسماً ابتسامة عريضة: «لماذا؟ نعم، هذا صحيح إن أمكن تهيئة ذلك، فإنه سيكون أمراً لطيفاً.»

- «إلى طاولةٍ، بلا شك؟» قال ذلك وهو يحدق في فوني وكأنه ببساطة لا يمكن أن يصدق عينيه.

- «حسن، أنا في الحقيقة.. نعم، أفضّل أن أجلس إلى طاولة.»

- قال لفوني: «آه!» ثم توجه بنظره إلي وابتسم: «مساء الخير سيدتي.» وتوجه بكلامه إلى فوني: «سوف أفعل ذلك من أجلها، ولعلمك، فأنت لا تطعمها كما يجب.» قادنا إلى طاولة وأجلسنا. وقال وهو مقطب: «هل ترغبان بوجبتي مارغريتا؟»

قال فوني: «فهمتني ثانية.» ضحكا، وغاب بيدروسيتو.

أخذ فوني يدي بين يديه.

قال: «مرحباً.»

قلت: «مرحباً.»

- «لا أريدك أن تنزعجي مما قلته لك منذ قليل. أنت فتاة رائعة وقوية، وأنا أعلم أنه لولاك لكان دماغي متناثر الآن ربما على كافة أرجاء أرض تلك المنطقة.»

توقف قليلاً، وأشعل سيجارة، وأنا أراقبه.

- «مع ذلك، فأنا أقول بأنك تصرفت بنحو خاطئ. لكنني أظنك فعلت الشيء الوحيد الذي كان بوسعك فعله. وأعتقد أنك تعرفين بلا شك، من أين تحدرتْ.»

ثم عاد فأخذ يدي بين يديه.

- «إننا نعيش بين قوم من الخنازير والمجرمين. وأنا أشعر بالخوف طالما أنك بعيدة عن ناظري. وما حدث منذ قليل ربما كان غلطتي، إذ ما كان يتوجب علي أبداً أن أتركك وحدك في مخزن الخضار ذاك، إلا أنني، كما تعلمين، كنت سعيداً جداً بالملحق، إلى درجة أثرت على تفكيري.»

- «فوني، لقد ذهبت إلى مخزن الخضار ذاك مئات المرات، ولم يسبق أن حدث معي شيء كهذا على الإطلاق. كنت أريد أن أحميك، أن أحمينا. أما أنت فلا يمكنك أن ترافقني إلى كل مكان أذهب إليه. فكيف تقول إنها غلطتك؟ لقد كان مجرد فتى منحل.»

قال فوني: «أمريكي أبيض منحل.»

- «حسن. ومع ذلك فهي ليست غلطتك.»

ابتسم.

- «عزيزتي، إنهم يضعونا في مأزق. إنه لأمر صعب، لكن ما أريدك أن تأخذيه في الحسبان هو أن بمقدورهم أن يجعلونا نخسر بعضنا بزجي في مصيبة، ومن ثم دفعك لمحاولة حمايتي. أتفهمين ما أعنيه؟»

في النهاية قلت: «نعم. أفهم ما تعنيه، وأعلم أنها الحقيقة.»

عاد بيدروسيتو ومعه طبقا المارغريتا.

أخبرنا معلناً: «لدينا شيء خاص اليوم؛ شيء إسباني بحت، ونحن نقدمه لكل زبائننا الذين يعتبرون فرانكو رجلاً عظيماً.» نظر إلى فوني وقال ممازحاً: «لا أظنك تستحقه، لذلك، فأنا سأزيل الزرنيخ من طبقك، ومن دون الزرنيخ، يصبح أقل تأثيراً، لكنه بالفعل جيد جداً، أظنه سيعجبك. ألا تثق بأنني لن أسممك؟ وعلى كل حال سيكون ضرباً من الغباء أن أسممك قبل أن تدفع فاتورتك الهائلة. لأننا في تلك الحالة سنعلن إفلاسنا مباشرة.» ثم توجه إلي: «أتثقين بي سيدتي؟ أؤكد لك أن الحُبَّ سيكون أحد مكوناته.»

قال فوني: «الآن حالاً، راقب ذلك، يا بيتي..»

- «أوه، إن عقلك كبالوعة، أنت لا تستحق فتاة فاتنة كهذه.» ثم غاب ثانية.

قال فوني: «ذلك الشرطي.. ذلك الشرطي..»

لكنني، ودون أن أعرف السبب، وبينما كنت هادئة ومتجمدة كالحجر، سألت بخوف: «ماذا عن ذلك الشرطي؟»

قال فوني: «سوف يحاول اعتقالي.»

- «كيف؟ أنت لم تخطئ. السيدة الإيطالية قالت ذلك، وقالت أنها ستقسم على ذلك.»

قال فوني: «ولهذا سوف يحاول اعتقالي. فالبيض لا يروق لهم أبداً أن تقول لهم امرأة بيضاء: أنتم أولاد زنى متبجحون، والزنجي على حق، ولتقبّل مؤخرتي.» ابتسم ابتسامة عريضة وتابع: «وبسبب هذا الذي قالته له أمام حشد من الناس، دون أن يتمكن من الإتيان بأي رد، فهو لن ينسى ذلك أبداً.»

قلت: «لا بأس. فنحن بصدد الانتقال قريباً إلى مركز المدينة، إلى ملحقنا.»

ابتسم ثانية وقال: «هذا صحيح.»

عاد بيدروسيتو مع طبقينا الخاصين.

عندما تربط علاقة الحب بين اثنين، عندما يكنان لبعضهما مشاعر حب صادق، يصبح لكل ما يفعلانه معاً قداسة من نوع خاص. يحدث أحياناً أن يفترقا بعيداً عن بعضهما: وحينها، يمكنني أن أستدل، من العذاب الذي لا عذاب بعده، ومن الشعور الفظيع بالفقد، متى رحل حبيبك عنك! أما الليلة، ورغم التهديد الخفي الذي طالما أحسسنا به، ورغم رؤية كل منا للحقيقة، من زاوية تختلف عن رؤية الآخر لها، كنا نعيش انسجاماً أعمق من أي يوم مضى. اعتنيا ببعضكما، فأنتما ستكتشفان أن الأمر ليس مجرد نظرية. هذا ما قاله لنا جوزيف يوماً.

بعد العشاء، والقهوة، قدم لنا بيدروسيتو كأساً من البراندي ثم غادرَنا، لنبقى وحيدين في ذلك المطعم الخالي تقريباً من الرواد. جلسنا، فوني وأنا، فارتشفنا البراندي، وتحدثنا قليلاً. كانت أيدينا متشابكة وعيوننا لا تغادر بعضها. وبعد أن أنهينا البراندي، قال فوني: «هل نذهب؟»

قلت: «نعم.» شعرت برغبة أن أكون بين يديه ونحن بمفردنا.

طلب الفاتورة، وكانت تلك آخر فاتورة يوقعها هناك. ولم يقبلوا فيما بعد أن أدفع قيمتها أبداً، فقد ادعوا أنها ضاعت.

قلنا لهم تصبحون على خير، ومشينا نحو المنزل وكل منا يحيط الآخر بذراعه.

كان ثمة سيارة تقف في الشارع المقابل لبيتنا، غادرت بمجرد أن دخل فوني من البوابة، فتح الباب. ابتسم، دون أن ينطق بكلمة، ولم أنطق أنا بكلمة أيضاً.

في تلك الليلة حملت بالطفل. أعرف ذلك، أعرفه من الطريقة التي لمسني فيها فوني، وحملني، وولج بداخلي. لم يسبق لي أن حدث ذلك معي بهذه الطريقة. وحين حاول أن ينسحب خارجاً، لم أتركه يفعل، بل تمسكت به بكل ما أملك من قوة، متأوهة وآنّة ومهتزة معه، ثم شعرت بالروح، الروح، روحه تغمرني، وتستقر في داخلي.

استلقينا بعد ذلك هادئين. دون حراك، لأننا لم نكن نقوى على الحركة. شد كل منا الآخر إليه بحيث غدونا جسداً واحداً تقريباً. عانقني، وهمس باسمي ثم استغرق في النوم. كنت فخورة جداً، فقد تحقق حلمي. وها نحن متوحدان الآن.

وصلت شارون إلى بورتوريكو في طائرة مسائية. إنها تعرف كم تملك من المال تماماً، وهذا يعني أنها تعرف السرعة التي يجب أن تتحرك بها في مواجهة الزمن، والذي يتحرك في مواجهتها بعناد.

نزلت من الطائرة، مع مئات من الآخرين، وعبرت الساحة تحت السماء السوداء الموشاة بالزرقة. شيء ما في مشهد النجوم المعلقة بعلو منخفض، شيء ما في الطريقة التي داعب النسيم بها وجهها، شيء ما ذكرها ببرمينغهام التي لم ترها منذ زمن بعيد.

وبما أنها لم تحمل معها سوى حقيبة صغيرة، لم يكن عليها أن تنتظر دورها لاستلام متاعها. كان هيوارد قد حجز لها في فندق صغير في سان جوان، وكتب لها العنوان على ورقة صغيرة.

كما أنه لفت انتباهها إلى الصعوبة التي يمكن أن تواجهها لإيجاد سيارة أجرة.

إلا أنه لم يكن قادراً، بالطبع، على تهيئتها لتتعامل مع الفوضى الباعثة على الدوار التي تسود مطار سان جوان. لذلك فقد وقفت شارون هادئة للحظة، محاولة ترتيب الأمور في رأسها.

إنها أمي، هذه التي تلبس ثوباً صيفياً أخضر، وقبعة عريضة الحواف من القماش الأخضر، وتعلق حقيبة يدها على كتفها، وتحمل حقيبة ثيابها في يدها، وقد وقفت تتفحص المشهد.

بدا لها، في انطباع أوّلي، أن جميع الموجودين أقرباء. لكن وجه القربى لا يكمن في ملامحهم، ولا في لغتهم، بل في طريقة تعاملهم المتبادلة. كان هناك أناس من ألوان عدة، لكن هذا لم يكن يُعتبر مؤشراً، على الأقل في المطار. كان الصراخ هو السمة السائدة على نبرة كل من يتكلمون، إذ ما من طريقة أخرى لإيصال الصوت، باعتبار أن كلاً منهم يريد لما يقوله أن يُسمع. كان هناك استحالة مطلقة أن تميز القادم من المغادر. عائلات برمتها بدت وكأنها قابعة هناك منذ أسابيع، مع كل ما يمتلكون من أمتعة مكدسة حولهم. لكن هذه الأمتعة لم تكن، كما لاحظت شارون، ترتفع كثيراً نحو الأعلى. أما بالنسبة للأطفال، فالمطار هو مجرد بيت يتمتع بخصائص أكثر إغراء على اللعب من بيوتهم.

كانت مشكلات شارون حقيقية وعميقة. وبما أنها لا تستطيع أن تسمح لهذا أن يخلق لديها حالة من اليأس، لذلك فقد توجب عليها أن تعتمد على وهم يمكن لها أن تخلقه لنفسها، ومفتاح الوهم هو التصالح مع الواقع: فالعالم يرى ما يروق له رؤيته. أو، أنك حين تكونين فقيرة، يعرض هذا العالم عن رؤية ما تطلبين إليه أنت أن يراه، كائنة من تكونين، أو مهما تكونين، أو أياً كان سبب وجودك. وحدها شارون تعرف أنها أمي، وحدها تعرف سبب وجودها في سان جوان، بمفردها، دون أن يكون هناك من يستقبلها في المطار. وقبل أن يتملكها الوهم بالكامل، كان عليها أن تنتبه إلى أنها زائرة، قادمة من الجزء العلوي، من أميركا الشمالية، وأنها، لا تتكلم الإسبانية، دون ذنب لها في ذلك.

توجهت شارون نحو طاولة السيدات، وقفت هناك، وابتسمت، بطريقة لافتة نوعاً ما، لإحدى الشابات الموجودات خلف الطاولة، وسألتها: «هل تتكلمين الإنكليزية؟»

وفي توق منها لإثبات قدرتها على ذلك، نظرت الشابة إلى الأعلى، وفي ملامحها عزم على المساعدة.

ناولتها شارون عنوان الفندق. نظرت إليه الشابة، وعادت لتنظر إلى شارون التي عرفت من طريقة نظرتها أن هيوارد كان لطيفاً جداً، إذ حجز لها في فندق محترم جداً وحسن السمعة.

قالت شارون: «آسفة جداً لإزعاجك. لكنني لا أتكلم الإسبانية أبداً، وقد جاءت زيارتي إلى هنا بصورة غير متوقعة.» توقفت شارون قليلاً دون أن تعطي أي تفسير، ثم أردفت: «وأنا لا أحسن القيادة. لذلك فأنا أتساءل إن كان بإمكاني استئجار سيارة مع سائق. فإن تعذر الأمر، أرجو منك أن تخبريني كيف لي بالضبط أن أحصل على تكسي؟» وهنا أشارت بإيماءة عجز. «هل فهمت؟»

ابتسمت، وابتسمت الشابة التي نظرت ثانية إلى الورقة، ونظرت حولها في المطار، وقد ضيقت عينيها.

قالت: «لحظة واحدة، سيدتي.»

تركت سماعة هاتفها مرفوعة، أدارت البوابة الصغيرة ففتحتها، ثم أغلقتها خلفها، وغابت.

لم يطل غيابها، إذ عادت وبرفقتها فتى في حوالي الثامنة عشرة من عمره، وقالت: «هذا هو سائق التكسي، سوف يوصلك إلى حيث تريدين.» قرأت العنوان بصوت عال، وأعادت الورقة إلى شارون. ابتسمت وقالت: «أرجو أن تستمتعي بزيارتك سيدتي. إذا احتجت أي شيء... اسمحي لي؟» وأعطتها بطاقة تعريف عليها اسمها ورقم هاتفها وقالت: «إذا احتجت أي شيء، أرجو أن لا تترددي بالاتصال بي.»

قالت شارون: «شكراً. شكراً جزيلاً. إنك لطيفة جداً.»

- «لا شكر على واجب. جيم!» وقالت بلهجة آمرة: «خذ حقيبة السيدة.»

حمل جيم الحقيبة، وألقت شارون تحية المساء، وتبعته.

فكرت شارون: الخطوة الأولى! وتملكها شعور بالخوف.

ولكن كان عليها أن ترتب أمورها بسرعة. وفي الطريق إلى المدينة، قررت، أن تبني صداقة مع جيم، وأن تعتمد، أو تظهر له بأنها تعتمد عليه. فهو يعرف المدينة، ويستطيع القيادة. صحيح أنه صغير جداً، لكن هذا يمكن أن يكون جانباً إيجابياً؛ فشخص أكبر، وأكثر وعياً، ربما يتحول إلى مصدر إزعاج مرعب. إنها تفكر بأن تراقب النادي الليلي لعلها ترى بيترو، وفيكتوريا، حتى وإن لم تتحدث إليهما. لكن دخول امرأة، زنجية أو بيضاء حتى، إلى نادٍ ليلي دون مرافق لحمايتها، أمر ليس بالسهل. إضافة إلى ذلك، وحسب معلوماتها، فإن هذا النادي ربما يكون بيت دعارة. لذلك فإن خيارها الوحيد هو أن تلعب دور السائحة الأمريكية. صحيح أن لها عيوناً واسعة، إلا أنها زنجية، وهذه بورتوريكو.

هي وحدها كانت تعلم أنها والدتي، وأنها قريباً ستصبح جدة. هي وحدها كانت تعلم أنها تجاوزت الأربعين. هي وحدها تعلم ما الذي تفعله هنا.

عندما وصلوا إلى الفندق، أعطت بقشيشاً لجيم. ثم، وبينما كانت حقيبتها تحمل إلى داخل الفندق، نظرت إلى ساعة يدها، وقالت: «يا إلهي! هل بإمكانك أن تنتظرني دقيقة واحدة، ريثما أسجل البيانات؟ لم أكن أتوقع أن الوقت متأخر إلى هذا الحد. ولدي موعد مع أحدهم. لن أتأخر، سأرافق خادم الفندق بينما يحمل لي حقيبتي، هل يناسبك ذلك؟»

كان لجيم وجه داكن اللون قليلاً، وعينان لامعتان، وابتسامة حزينة. وهو مهتم بهذه السيدة الشمال أمريكية الغامضة. مهتم بها لأنه يعرف، عبر تجربته، بكل ما تحتويه من مقت لا يوصف، بأنها، حتى وإن كان لديها مشكلة معينة ربما، أو أنها تخفي بالتأكيد سراً، فإنها لن تتعرض له بأي عنف. كان يدرك بأنها في حاجة إليه، في حاجة إلى السيارة، لإنجاز مهمة ما، لكن هذا ليس من شأنه. إنه يعرف أنها أم، لكنه ليس مدركاً لذلك تماماً، فالفكرة لم تدخل إلى رأسه بنحو واعٍ بعد. إن لديه أماً. وهو يستطيع تمييز الأم إذا ما رآها. وهو يعرف أيضاً، دون أن يدرك بأنه يعرف أن بمقدوره أن يقدم لها خدمة هذه الليلة. كانت كياسته جدُّ صادقة، كمشكلتها. وهكذا، فقد وافق بالتأكيد، وبكل احترام، على أن يرافق السيدة إلى حيث تشاء وأن ينتظرها طيلة الوقت الذي ترغب به.

احتالت شارون عليه قليلاً. سجلت بياناتها وصعدت بالمصعد مع خادم الفندق، ثم أعطته بقشيشاً. لم يكن سهلاً أن تقرر ما إذا كانت سترتدي القبعة أم لا. تلك مشكلة تافهة وخطيرة في آن معاً، إلا أنها لم تواجه لها مثيلاً من قبل. وهي تتلخص في أنها لا تبدو في عمرها. نزعت قبعتها. ثم لبستها ثانية. هل ستعطيها القبعة عمراً أصغر أم أكبر؟ في بلدها، كانت تبدو في عمرها (مهما كان ذلك العمر) لأن الجميع يعرفون عمرها. تبدو هناك في عمرها لأنها تعرف دورها الذي تؤديه. أما هنا، فهي بصدد الدخول إلى نادٍ ليلي، في بلدة غريبة، ووحيدة، للمرة الأولى منذ عشرين عاماً. لبست القبعة، ثم خلعتها. شعرت بالرهبة تتسلل إلى قلبها. رمت القبعة على الطاولة، ونظفت وجهها بسرعة كما كانت تنظف لي وجهي يوماً ما، ولبست بلوزة بيضاء بقبة عالية وتنورة سوداء وحذاء أسود عالي الكعب، ثم ردت شعرها إلى الوراء بطريقة وحشية فأبعدته عن جبينها وربطته، وألقت شالاً أسود على رأسها وكتفيها. كان غرضها من كل ذلك أن يعطيها مظهراً كهلاً وتأثيراً يافعاً. ثم بدأت تكيل الشتائم، لكن سيارة الأجرة بالانتظار. أخذت حقيبة يدها وأسرعت نحو المصعد، ومشت مسرعة عبر الرواق، ثم صعدت إلى السيارة. إنها على كل حال، وبكل تأكيد، وهذا ما أخبرتها به عينا جيم المتألقتان، تبدو سائحة من نيو إنجلند بالولايات المتحدة، أي أنها أمريكية شمالية في أمريكا اللاتينية.

يقع النادي في منطقة كانت في السابق مغمورة بالماء الراكد، إن لم تكن، في واقع الحال، مستنقعاً، وذلك قبل أن يُبنى الفندق الهائل الذي يضم النادي. وهو بلا ريب مكان قميء، كثير الضجيج والصخب، مغلق وموحش، بحيث أن رؤيته تثير إحساساً سوقياً، كالإحساس بالشرف المهدور الذي لا يمكن استرداده.

في تلك اللحظة تملك شارون خوف حقيقي، وأخذت يداها ترتجفان. أشعلت سيجارة، وقالت لجيم: «سوف أقابل شخصاً، لن أتأخر.»

لم يكن هناك طريقة تؤكد لها، في تلك اللحظة، أن جيشاً بأكمله يعجز عن زحزحة جيم من مكانه. فقد غدت شارون الآن تخصه شخصياً. وهو متأكد أنها تواجه مشكلة عويصة. مشكلة ليست عادية، لأنها سيدة.

قال جيم وهو يبتسم، وقد رفع قبعته وجاء ليفتح لها الباب: «بالتأكيد سيدتي.»

قالت شارون: «شكراً لك.» ومشت مسرعة نحو الأبواب المزخرفة والمفتوحة على مصراعيها. لم يكن هناك أي بواب، لكن لا بد أن أحدهم موجود في الداخل.

كان عليها الآن أن تتصرف بحذر شديد. والشيء الوحيد الذي كان يشد من عزيمتها، من عزيمة أمي، التي كانت تحلم في يوم من الأيام بأن تصبح مغنية، هو السبب الخفي الذي حدا بها للمجيء إلى هذا المكان.

دخلت، ومرت بخادم الفندق، وبالرؤساء، وبقسم التسجيل، والبريد،وأمين الصندوق، والموظفين الضجرين (ببشرتهم الشديدة البياض والشاحبة بكل تأكيد) دون أن يعيرها أحد منهم أي انتباه. مشت كأنها تعرف وجهتها بالتحديد. النادي إلى اليسار، أسفل السلم. استدارت يساراً، ونزلت السلم.

لم يوقفها أحد. ثم:

- «سيدتي؟»

لم يسبق لها أن شاهدت صورة لبيترو. لكن الرجل الذي أمامها بدا لطيفاً وداكن البشرة. كان الضوء خافتاً جداً (وكل ما حولها كان غريباً جداً) إلى درجة تمنعها من تمييز وجهه، لكنه لم يكن يبدو عدائياً. ابتسمت شارون.

- «مساء الخير. أرجو أن أكون في المكان الصحيح. هل هذا هو.....؟» وفأفأت اسم النادي.

- «نعم سيدتي.»

- «جيد. من المفترض أن أقابل صديقاً هنا، لكن الطائرة التي كان حرياً بي أن أستقلها كانت محجوزة بالكامل، لذلك وجدت نفسي مضطرة للمجيء على متن رحلة أبكر. ولهذا فأنا مبكرة عن موعدي قليلاً. هل لك أن تجد لي طاولة في مكان ما في الزاوية؟

- «بالتأكيد. بكل سرور.» وقادها عبر القاعة المزدحمة. «ما اسم صديقك؟»

توقف دماغها عن العمل فجأة، لكن كان عليها أن تجد مخرجاً. «إنه في الحقيقة موعد عمل. أنا بانتظار السيد ألفاريز. اسمي السيدة ريفرز، من نيويورك.»

- «شكراً.» أجلسها إلى طاولة قريبة من الحائط. «هل تأخذين شراباً فيما أنت تنتظرين؟»

- «نعم، شكراً. شراب الفودكا المثلج.»

انحنى، كائناً من كان، وغادر.

وفكرت في سرها: الخطوة الثانية! وكانت الآن هادئة جداً.

هذا المكان هو نادٍ ليلي، لذلك فإن الموسيقى فيه تكون «حية». وعادت إلى ذاكرة شارون أيامها مع الطبال، أيامها حين كانت مغنية. تلك الأيام، بكل ما يكتنفها من لوعة، لم تعد تخطر لها في الفترة الأخيرة بسبب انشغالها التام بي. لقد افترقت هي والطبال وهذا ما كان. لم تكن مؤهلة لأن تصبح مغنية، وهذا كل ما في الأمر. ومع ذلك، راحت تتذكر ما الذي حاولت أن تقوم به هي والطبال والفرقة. إنها تعرف من أين جاؤوا. وإذا كنت أذكر أغنية «يوم مشرق» فلأنني أتذكر نفسي جاثية على ركبتي أمي حين استمعت إليها للمرة الأولى. وعادت إلى ذاكرتها أغنية «أنا وربي»: "وهكذا، سوف نسير معاً، أنا وربي." وهي أغنية من برمنغهام، كانت تذكرها بوالدها ووالدتها، وبالمطبخ والمقتنيات. وحقيقة الأمر، أن هذه الأغنية مل يكن لها وقع خاص في نفسها على الإطلاق، إلا أنها كانت تعرفها حق المعرفة، وهي جزء منها. ورويداً رويداً بدأت تكتشف بأنها الأغنية نفسها، مع اختلاف في الكلمات، إن كان هناك كلمات على الإطلاق، التي كان يصدح بغنائها هؤلاء الشبان الواقفون على منصة الفرقة، دون أدنى معرفة منهم بأصل ما يغنون، الأمر الذي دعا شارون إلى التساؤل إن كانت لديهم أدنى معرفة بأنفسهم. إنها المرة الأولى التي تكون فيها شارون وحيدة لفترة طويلة. وحتى هذه الوحدة التي تعيشها الآن، هي وحدة فيزيائية ليس إلا، مثلها كمثل تلك التي تعيشها لدى ذهابها للتسوق. فهي حين تتسوق، للقيام بواجب إطعام عائلتها، يكون عليها أن تسمع وترى وتوافق على هذا وترفض ذاك، أي أن عليها أن تختار. وإنها تحب أفراد هذه العائلة، لذلك لا يمكنها أن تقدم لهم ما يضر بهم. وها هي الآن تجد نفسها تصغي، وللمرة الأولى، لصوت لم تستمع إليه من قبل. ولو أنها كانت تتسوق الآن، لما كان بإمكانها أن تأخذ هذا الشيء معها إلى المنزل لتضعه على طاولة العائلة، فهو لا يسد رمقهم. انطلق صوت ذلك المغني الذي كان يُحْدِق به خطر سوء التغذية، بأغنية «أنا وحبيبتي»، وكان يقوم بحركات تشبه هزة جماع إلكترونية. رغم أنه لا يمكن لمن حظي يوماً بحبيبة، أو أم، أو أب، أو ربٍّ أن يبدو هكذا كممارس يائس إلى هذا الحد، للعادة السرية. فما كان يترامى إلى سمعها هو اليأس بعينه. وفي جميع الأحوال، فمن المفترض أن يكون لليأس احترامه، سواء أكان بالإمكان حمله ووضعه على طاولة العائلة أم لا؛ إذ يمكنه أن يجعل الإنسان شاذاً، كما يمكنه أن يجعل منه نبيلاً. وهؤلاء الأولاد، هنا في هذا المجتلد، جاهزون للاغتصاب. صفقت لهم شارون لأنها صلّت من أجلهم. وصل شراب الفودكا الذي طلبته، وابتسمت لوجهٍ لم يكن بإمكانها تبيّنه. ثم تجمدت في مكانها، كان الأولاد على وشك البدء بوصلتهم التالية. اقترب منها وجه آخر لم تستطع تبيّنه.

بدأ الأولاد وصلتهم، بصوت مرتفع: «أنا لا أحظى بالرضا.»

- «أنت السيدة ريفرز؟ هل أنت بانتظاري؟»

- «أظن ذلك. هل لك بالجلوس من فضلك؟»

جلس مقابلها. حيث استطاعت رؤيته. ورغم أنها كانت تكيل الشتائم لنفسها ولحماقتها، لدى اكتشافها أنها محصورة وواقعة في شرك لأنها تجلس وظهرها إلى الحائط، بينما ظهره هو باتجاه الباب، كان عليها مرة ثانية أن تستجمع قواها وتبذل كل ما بوسعها، لأجلي ولأجل فوني ولأجل الطفل.

- «قيل لي بأن السيد بيترو ألفاريز يعمل هنا. فهل أنت بيترو ألفاريز؟»

رأته، إلا أنها في الوقت نفسه، لم تستطع تمييزه.

- «ربما. لأي غرض تريدين مقابلته؟»

كانت شارون ترغب بإشعال سيجارة، لكنها خافت أن ترتجف يدها. رفعت كأس الفودكا بكلتا يديها، وأخذت رشفة بتمهل، وهي تشكر الله للشال الذي على رأسها، لأنه يساعدها، إذا ما ناورت به، على إخفاء معالم وجهها. فرؤيتها له تعني أنه قد تمكن هو بدوره من رؤيتها. بقيت صامتة للحظة، ثم وضعت كأسها على الطاولة وأخرجت سيجارة.

- «هل لك أن تشعل لي، من فضلك؟»

أشعل لها. وهنا نزعت الشال.

- «أنا لست بصدد مقابلة السيد ألفاريز بالذات، بل ما أسعى إليه هو رؤية السيدة فيكتوريا روجرز. فأنا من سأصبح قريباً حماة الرجل الذي اتهمته باغتصابها، والمعتقل حالياً، في نيويورك.»

نظرت إليه. ونظر إليها. وهنا بدأت تتبيّنه.

- «حسن. اسمحي لي أن أقول لك أنك ستحظين بصهر مجنون.»

- «وأنت اسمح لي أن أقول لك أن لدي بنت مجنونة أيضاً.»

وأخذ الشارب، الذي أطلقه كي يعطيه مظهراً يوحي بعمر أكبر، يرتعش. ومرر يديه خلال شعره الأسود الكثيف.

- «انظري، لقد عانت الصغيرة بما فيه الكفاية، بما فيه الكفاية وأكثر. لذلك دعوها وشأنها.»

- «الرجل يكاد أن يموت، لذنب لم يرتكبه. فهل يمكننا أن نتخلى عنه؟»

- «وما الذي يجعلك تظنين بأنه ليس الفاعل؟»

- «انظر إلي!»

أنهى الشبان الذين كانوا على المسرح وصلتهم، وانصرفوا، وانطلق صوت آلة الجُكْ بُكس مباشرة بأغنية ري تشارلز: «لا يمكنني التوقف عن حبك.»

- «ما الذي تريدينني أن أنظر إليك من أجله؟»

جاء النادل.

- «ماذا تشرب يا سيدي؟» أطفأت شارون سيجارتها، لتشعل واحدة أخرى في الحال.

- «هذا الطلب على حسابي. أحضر لي ما أشربه عادة. وأحضر للسيدة كوباً آخر مما تشربه.»

ذهب النادل.

- «انظر إلي.»

- «إنني أنظر إليك.»

- «ألا تظن أنني أحب ابنتي؟»

- «بصراحة، من الصعب أن أصدق أصلاً أن لديك ابنة.»

- «سوف أصبح جدة عما قريب.»

- «من...؟»

- «نعم.»

كان شاباً صغيراً، صغيراً جداً جداً، وهو في الوقت نفسه يبدو كبيراً، لكنه ليس كبيراً إلى الحد الذي توقعَتْه أن يكون عليه. فقد توقعت أن تقابل رجلاً بعمر الفساد، وها هي ذي تجلس قبالة شاب بعمر الحزن، إنها تجلس قبالة العذاب.

- «هل تظن أنني سأقدم على تزويج ابنتي من مغتصب؟»

- «لعلك لا تعلمين.»

ـ «انظر إلي ثانية.»

وفعل. لكن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً لديه.

- «انظري، أنا لم أكن هناك، لكن فيكتوريا تقسم أنه الفاعل. وقد مرت بظروف قاسية، يا لصغيرتي، كانت ظروفاً قاسية، وأنا لا أريد لها أن تعاني المزيد. أنا آسف يا سيدتي، لكنني لا أهتم لما يحصل لابنتك.» توقف قليلاً ثم أردف: «سترزق بطفل؟»

- «نعم.»

«وما الذي يتوجب علينا فعله؟ ألا تتركوننا وشأننا؟ كل ما نريده هو أن نُترك وشأننا.»

والتزمت شارون الصمت.

- «انظري. أنا لست أمريكياً. بإمكانك الاستعانة بكل المحامين وكل الناس هناك، فلماذا تأتين إلي؟ اللعنة. أنا آسف، لكنني لا أستطيع أن أقدم لك أية مساعدة. إنني هندي، ذليل، مَهين، أسود، سمِّني ما تشائين، لكن هذا أنا. لدي عملي البسيط أديره هنا، ولدي فيكتوريا، التي لا أريد لها يا سيدتي أن تعاني المزيد من المتاعب. أنا آسف، سيدتي، لكنني حقيقة لا أستطيع مساعدتك.»

وهمّ بالقيام، فهو لم يكن يريد البكاء أمامها. أمسكت شارون برسغه، فجلس وإحدى يديه على وجهه.

أخرجت شارون محفظتها.

- «بيترو.. بإمكاني أن أناديك كذلك، فعمري يخولني لأن أكون بمثابة أمك. وصهري بعمرك.»

اتكأ برأسه إلى إحدى يديه، ونظر إليها.

ناولته شارون صورتي مع فوني.

- «انظر إليها.»

لم يكن يرغب في ذلك، لكنه فعل.

- «هل أنت مغتصب؟»

نظر إلى شارون.

- «أجبني. هل أنت كذلك؟»

العينان الداكنتان، في الوجه المتبلد الحس، اللتين كانتا في هذه اللحظة تحدقان في عيني أمي مباشرة، أعطت الوجه التماعاً كهربائياً، وأضاءتا عتمة هضبة منفصلة عن الجسد. سمع السؤال.

- «هل أنت كذلك؟»

- «لا.»

- «هل تعتقد أنني أتيت إلى هنا بهدف تعذيبك؟»

- «لا.»

- «هل تظنني كاذبة؟»

- «لا.»

- هل تظنني مجنونة؟ لدى كل منا لوثة من الجنون، أعرف ذلك، ولكن هل أنا مجنونة حقاً؟»

- «لا.»

- «إذاً، هل لك أن تأخذ هذه الصورة إلى المنزل، إلى فيكتوريا، وتطلب منها أن تتأملها ملياً، أن تتفحصها بتمعن؟ خذها بين ذراعيك. افعل ذلك. إنني امرأة، وأعرف أنها اغتصبت، وأدرك، أدرك جيداً ما تعانيه النساء. لكنني أدرك أيضاً أن ألونزو لم يغتصبها. وأنا أقول لك ذلك، لأني أعرف أنك تدرك ما يعانيه الرجال. خذها بين ذراعيك.» حدقت فيه للحظة، وحدق فيها. ثم أردفت: «هل تتصل بي غداً من فضلك؟» وأعطته اسم ورقم هاتف الفندق، فكتبهما. «سوف تفعل؟»

نظر إليها. كانت نظرته الآن قاسية وباردة. نظر إلى رقم الهاتف، ونظر إلى الصورة.

أعادهما كليهما إلى شارون.

قال: «لا.» ثم نهض وغادر.

جلست شارون هناك، تستمع إلى الموسيقى، وتراقب الراقصين. أجبرت نفسها على تجرع الكأس الثانية التي لم تكن ترغب بشربها. لم تكن تصدق ما كان يحدث، بأنه يحدث فعلاً، لكنه يحدث! أشعلت سيجارة. كانت على إدراك تام، ليس للونها وحسب، بل لحقيقة أن موقفها، الذي كان ملتبساً في عيون العديد من الحاضرين لدى دخولها، أصبح الآن واضحاً بجلاء: فذلك الفتى ذو الثانية والعشرين، والذي سافرت قاطعة كل تلك المسافة البعيدة لتراه، قد تخلى عنها لتوه. انتابتها رغبة بالبكاء، ورغبة في أن تضحك أيضاً. أشارت للنادل.

- «سيـ....؟»

- «كم يترتب علي؟»

بدا النادل مرتبكاً، - «ولكن سيدتي، لا شيء. فالسيد ألفاريز تكفل بالأمر.»

ولم تلحظ في عينيه نظرة شفقة أو ازدراء. كانت تلك صدمة كبيرة بالنسبة إليها، فاغرورقت عيناها بالدموع. ولإخفاء ذلك، أطرقت برأسها ورتبت شالها. غادرها النادل، فاتجهت نحو الباب بعد أن تركت خمسة دولارات على الطاولة. ودعها الرجل اللطيف الداكن البشرة فاتحاً لها الباب.

- «شكراً لك سيدتي. تصبحين على خير. سيارة الأجرة بانتظارك. أرجو أن تعودي ثانية.»

قالت أمي: «شكراً.» ابتسمت وصعدت الدرج.

مشت عبر الممر. وكان جيم متكئاً على السيارة. حين رآها، أشرق وجهه، وفتح لها الباب.

سألها: «في أي وقت تحتاجينني غداً؟»

- «هل الساعة التاسعة وقت مبكر جداً بالنسبة إليك؟»

ضحك وقال: «لا، فأنا أستيقظ عادة قبل السادسة.»

وتحركت السيارة.

قالت شارون: «جميل.» وكانت تهز قدمها وتفكر.

بدأ الطفل يركل فيوقظني في الليل. ونظراً إلى أن أمي في بورتوريكو الآن، فقد قامت إرنستاين وجوزيف على رعايتي. كنت أرغب عن ترك عملي، لأنني أدرك بأننا بحاجة إلى النقود. لكن هذا يعني أني غالباً ما تضيع مني زيارة الساعة السادسة.

بدا لي أن تركي لعملي، يعادل مواظبتي على زيارة الساعة السادسة إلى الأبد. وقد شرحت ذلك لفوني فأبدى تفهمه، لقد تفهم فعلاً. لكن تفهمه هذا لم يكن يساعده عندما تحل الساعة السادسة. إذ أنك، وبغض النظر عما تفهمين، لا تبرحي تنتظرين أن ينادى على اسمك لتقادي من زنزانتك عبر الدرج. وسواء أكان لديك زوار عديدون أو حتى زائر واحد، ولكنه مواظب، فهذا يعني أن هناك من يهتم لأمرك في الخارج، وهو ما يعينك على قضاء الليل حتى النهار التالي. وبغض النظر عما تفهمينه، عما أنت مدركة له حقاً، وبغض النظر عما تقنعين نفسك به، إذا لم يأت أحد لرؤيتك، فسوف تعانين بالتأكيد قلقاً ممضاً؛ والقلق هنا يعني الخطر.

في أحد صباحات الأحد، حدثني جوزيف بكل صراحة. كنت مريضة جداً في ذلك الصباح، وكان عليه أن يرعاني وحده؛ لأن إرنستاين كانت مضطرة إلى القيام بعمل مستعجل في منزل الفنانة. لم يكن بمقدوري تصور ما يفعله هذا الكائن الذي في داخلي، ولكن من الواضح أن له رِجلاً بارعة. قد يحدث أن يبقى هادئاً عدة أيام، نائماً ربما، أو أنه، وهذا هو الاحتمال الأقوى، يخطط، يخطط للهرب. ثم بعد ذلك، يستدير فجأة، ضارباً ومتخبطاً في الماء، في محاولة منه للتغلب على شعور قوي بالضجر يتملكه ربما داخل هذه المادة، فلا ينفك يجهد للخروج. وقد بدأت مؤخراً أتبادل وهذا الكائن حواراً حاداً بعض الشيء. في ذلك الصباح ركل، فوقعت البيضة التي كانت في يدي على الأرض وانكسرت، ثم ركل، فانقلبت فجأة ركوة القهوة على الطاولة رأساً على عقب، ثم ركل، فضربت الملح بظاهر يدي المفعمة بالعطر، ليمتلئ به سقف فمي، أما يدي الخالية فقد نزلت بكل ثقلها على الطاولة الزجاجية فكسرتها نصفين. يا إلهي. كن صبوراً، فأنا أفعل ما بوسعي. لكنه ركل ثانية، وكأنه يشعر بالغبطة حين يثير لدي استجابة غاضبة كهذه. أرجوك. اهدأ. وحينها هدأ، إما لشعوره بالإنهاك، أو لهدنة ماكرة منه وحسب، كما توقعت. لكنه تركني بعد أن تصبب العرق من جبيني، وتقيأت فطوري، وذهبت إلى الحمام أربع أو خمس مرات، دون جدوى. يا له من ماكر حقاً. كان يتأهب للحياة، فهو لا يأتي بأدنى حركة حين أستقل حافلة القطار، أو حين أعبر شارعاً مكتظاً. لكنه مع مرور الوقت كان يصبح أثقل فأثقل. وتصبح استبدادية ساعة بعد ساعة. إنه يلح على طلباته، وفي ذلك رسالة بأنه لا ينتمي إلي بالقدر الذي أنتمي أنا إليه، رغم تلك الركلة الأخرى، التي كانت تأتي عادة في الليل، فتكون أكثر لطفاً، ليعبر فيها عن أنه لا مانع لديه من الانتماء إلي، بل وأننا ربما نغدو أكثر تعلقاً ببعض. ثم ينسحب ثانية، مثل محمد علي، ليتركني على الحبال.

لم أعد أميز جسمي، فقد تغير شكله تماماً. لم أكن أحاول النظر إليه لأنني ببساطة لم أعد أعرفه. قد يحدث أحياناً أن أخلع شيئاً ما كنت ألبسه في المساء، لأجد صعوبة في العودة إلى ارتدائه صباح اليوم التالي. لم يعد بإمكاني بعد الآن لبس الكعب العالي، فهو يفقدني توازني بالطريقة ذاتها التي يفقد فيها المرء توازن الرؤية حين تكون إحدى عينيه عمياء. بدأ يبرز لي أثداء وعجيزة بعد أن كنت لان أن أملك أياً منها من قبل. وبدا لي أنني كنت أزداد وزناً بمعدل ثلاثمائة باوند في الساعة، وهو ما جعلني لا أجرؤ على تخيل كيف يمكن لشكلي أن يبدو في الفترة التي تسبق مباشرة لفظ هذا الكائن الذي بداخلي إلى الخارج. يا إلهي. لقد بدأنا، أنا وهذا الكائن، أنا وهذا المخلوق، نألف بعضنا بعضاً. كنا أحياناً نعيش علاقة صداقة حميمة جداً جداً. فحين يكون لديه ما يقوله لي أحياناً، كان علي أن أتعلم أنا الإصغاء، وإلا، فلن أتمكن من التفاهم معه حين يأتي، وهو أمر لن يسامحني فوني عليه. ومهما يكن من أمر، فقد كنت راغبة بهذا الطفل أكثر مما كان يرغب هو. ورغم كل ما يدور حولنا من مشكلات، كنت في أعماق نفسي سعيدة به. كنت نادراً ما أدخن، وكان ذلك ملحوظاً. كنت أشتهي الكاكاو والكعكة المحلاة المقلية بالدهن. أما البراندي فكان بالنسبة إلي المشروب الكحولي الوحيد الذي له طعم على الإطلاق. لهذا، فإن إرنستاين كانت أحياناً تجلب معها بعض الزجاجات من بيت الفنانة، وتقول: «لفرط ما يشربون فهم لن يفتقدوا هذه الزجاجات؟»

في صباح هذا الأحد، أحضر لي جوزيف الفنجان الثالث من الكاكاو، بعد أن أتيت على الاثنين السابقين، وقبعا أمامي على الطاولة عابسين جداً.

- «هل تريدين أن تنجبي هذا الطفل أم لا؟»

أخافتني طريقة نظرته ولهجته حتى الموت.

قلت: «نعم، أريد.»

- «إذن، يؤسفني أن أقول لك بأنه يتوجب عليك أن تتركي عملك.»

نظرت إليه.

- «أعرف أنك قلقة بشأن النقود. لكن دعيني أنا أهتم بذلك. فأنا لدي خبرة أكبر. وفي كل الأحوال، فأنت لا تجنين نقوداً. كل ما تفعلينه هو أنك تخرجين، وتثيرين قلق فوني. وإذا ما تابعت بهذه الطريقة، فإنك ستفقدين الطفل. أنت تفقدين الطفل، ويفقد فوني رغبته بالحياة، فتضيعين أنت وأضيع أنا، ويضيع كل شيء.»

نهض من مقعده ومشى نحو النافذة، مديراً ظهره لي. ثم استدار نحوي ثانية: «أنا جاد يا تيش.»

قلت: «أعلم أنك كذلك.»

ابتسم جوزيف: «اسمعي يا صغيرتي. علينا في هذا العالم أن نهتم ببعضنا، صحيح؟ الآن: هناك أشياء أقدر أنا على القيام بها وتعجزين أنت عن ذلك. هذا كل ما في الأمر. وأشياء تستطيعين أنت القيام بها وأعجز أنا. فأنا أعجز عن إنجاب طفلك بدلاً عنك. أتمنى لو أستطيع. فليس هناك ما أمتنع عن فعله لأجلك، تعلمين ذلك؟» ونظر إلي هو ما يزال مبتسماً.

- «نعم، أعلم ذلك.»

- «وهناك أشياء يمكنك أن تقدميها لفوني وأعجز أنا عن تقديمها، صحيح؟»

- «نعم.»

وأخذ جوزيف يذرع المكان باتجاه المطبخ جيئة وذهاباً.

- «الأبناء يكرهون سماع ذلك، أنا نفسي كرهت سماع ذلك حين كنت شاباً، وأنت ما تزالين شابة. يا صغيرتي، أنا لست مستعداً لأن أفقد أحداً منكم من أجل كل قهوة البرازيل الملعونة، لكنك ما زلت شابة. وفوني ليس أكثر من صبي صغير. وهو في مأزق لا طاقة لمن كان في عمره أن يمر بمثله. وأنت كل ما يملك يا تيش. أنت كل ما يملك. أنا رجل، وأعرف ما الذي أتحدث عنه. هل تفهمينني؟»

- «نعم.»

جلس قبالتي ثانية. - «عليك أن تذهبي لرؤيته كل يوم يا تيش. كل يوم. اهتمي أنت بفوني. ونحن سنهتم بالأمور الأخرى. حسن؟»

- «حسن.»

ثم قبّل دموعي.

- «أنجبي ذلك الطفل، بأمان وصحة جيدة. ونحن سنعمل على إخراج فوني من السجن. أعدك بذلك. فهل تعدينني أنت؟»

ابتسمت وقلت: «نعم، أعدك.»

وفي الصباح التالي، كنت مريضة جداً بحيث ما كان بمقدوري أن أذهب إلى العمل، فاتصلت إرنستاين بالمخزن وأخبرتهم بالأمر. قالت بأنني سأحضر في غضون عدة أيام لأستلم حسابي.

وهذا ما كان. وهكذا سارت أمورنا. ولابد لي من القول، بأنني في بعض اللحظات كنت أكره قعودي هكذا، دون القيام بأي عمل. لكن هذا في النهاية جعلني أدرك أن تعلقي بعملي كان بدافع الهروب من مشكلتي. أما الآن، فأنا وحيدة مع فوني، مع طفلي، ومع ذاتي.

لكن جوزيف كان محقاً. لأن ذلك أسعد فوني. فقد كنت أذهب لزيارته مرتين في الأيام التي لا ألتق فيها بهيوارد. كنت مواظبة على زيارة الساعة السادسة، وفوني كان يعلم دوماً أنني سأكون هناك. أمر غريب جداً. بدأت أكتشف في تلك المرحلة أمراً مدهشاً جداً. فحضوري الذي كان يفتقد لأية فائدة عملية على الإطلاق، بل ويعتبر مربكاً، من وجهة نظر عملية، كان أهم بما لا يقاس من أي شيء آخر يمكنني القيام به. كانت رؤيته لوجهي كل يوم تجدد ثقته، بل وتزيدها، بأنني أحبه، ويعلم الله أن حبي له كان يزداد أكثر فأكثر، أعمق فأعمق، وساعة بعد ساعة. لم يكن الأمر يقتصر على ذلك فقط، بل كان يعني أيضاً بأن الجميع يحبونه إلى درجة أنهم تركوني أتفرغ لأكون معه هناك. إنه ليس وحيداً، نحن لسنا وحيدَين. وفيما كنت قلقة بعض الشيء لأنني لم أعد أملك ما يسمى بالخصر، كان هو سعيداً بذلك: «ها هي قد جاءت، كبيرة كمنزلين! هل أنت متأكدة أنهما ليسا توأمين؟ أو ثلاثة توائم؟ اللعنة، لعلنا نصير حكاية.»

قالها وهو يضحك مائلاً برأسه إلى الوراء وممسكاً بالهاتف وناظراً في عيني.

أدركت أن نمو الطفل مرتبط بتصميمه على الخروج إلى الحرية. لذلك لم يكن يقلقني أن أغدو بحجم منزلين. فالطفل يرغب بالخروج، وفوني يرغب بالخروج. وكلانا سننجز ذلك في وقته.

كان جيم دقيقاً، ففي التاسعة والنصف كانت شارون في فافيللا. جيم يعرف تقريباً موقع البيت، لكنه لا يعرف السيدة، أو على الأقل، ليس متأكداً من معرفته بها. كان يفكر في ذلك حين نزلت شارون من السيارة.

حاول هيوارد أن ينبه شارون حين أخبرها أنه غير قادر على وصف فافيللا مطلقاً، وأن لديه شك كبير بأنها، بعد إنهاء زيارتها للمنطقة، فلن يكون لديها رغبة بأن تصفها. إنه لأمر صعب. السماء الزرقاء العالية، والشمس المشرقة، البحر الأزرق هنا، ومقالب النفايات هناك. ولا يحتاج المرء إلى أكثر من دقيقة واحدة ليتبين أن مقالب النفايات هي فافيللا نفسها. فالبيوت قد بنيت فوقها. وبعض المنازل قامت على ركائز من أكوام الروث. بعضها مسقوف بالمعدن المجعد. بعضها له نوافذ، وجميعها تغص بالأطفال.

مشى جيم إلى جانب شارون، فخوراً بكونه حارسها، ومتوجساً من المهمة المقصودة وراء هذه الرحلة. الرائحة كانت رائعة، كان الأطفال يتزحلقون على جبال روثهم صعوداً ونزولاً، محركين الهواء بحركة دائرية، داكني البشرة، نصف عراة، بعيونهم اللامعة، وهم يغطسون في البحر ويخرجون منه، لم يعيروهما أي اهتمام.

قال جيم: «هذا هو المكان بلا شك.» وعبرت شارون قنطرة تفضي إلى ساحة مملوءة بالردم. البيت الذي واجهها لا بد أنه كان في وقت من الأوقات، منزلاً خاصاً ذا شأن. لكنه فقد هذه الخصوصية الآن. وبدت الجدران مغطاة بأجيال من طبقات الدهان المتقشرة. وأشعة الشمس التي تعكس كل لطخة وكل شرخ، لا تتنازل بدخول الغرف، المغلقة بعضها بمصاريعَ كانت تحول دون السماح لتلك الأشعة بالدخول.

كانت الأصوات أعلى من أوركسترا غير مدربة. أصوات الصبية والأطفال هي المحور الذي يتطور بتسارع وبتناغم فائق مع أصوات الكبار. كان هناك أبواب مترامية في كل مكان، منخفضة، ومعتمة ومربعة الشكل.

قال جيم بعصبية مشيراً إلى أحد الأبواب: «من المحتمل أن يكون البيت هنا كما أظن، في الطابق الثالث على ما أعتقد. قلت أنها شقراء؟»

نظرت إليه شارون. كان في منتهى البؤس: لم يكن يريدها أن تصعد الدرج بمفردها.

لمست وجهه، وابتسمت، فقد ذكرها فجأة بفوني، ونبهها إلى ما جاءت إلى هنا من أجله.

قالت: «انتظرني، ولا تقلق، لن أتأخر.»

عبرت الباب وصعدت الدرج كأنها تعلم وجهتها بالضبط. كان هناك أربعة أبواب في الطابق الثالث، دون اسم على أي منها. كان أحد هذه الأبواب موارباً، دقت عليه فانفرجت فتحته قليلاً.

- «السيدة روجرز...؟»

وظهرت في وسط الغرفة فتاة نحيلة جداً، بعينين شديدتي السواد، ووجه داكن، تلبس ثوب بيت مزهّر، عارية القدمين. شعرها المشعث أشقر طيني. عظام خدودها ناتئة، وشفتاها رقيقتان، وفمها عريض، ولها وجه لطيف، حساس، وودود. وقد التمع صليب أمام حنجرتها.

قالت: «سيدتي...؟» ثم وقفت ساكنة تحدق وجلة إلى شارون بعينيها الواسعتين.

- «سيدتي...؟»

لم تنطق شارون بكلمة، بل وقفت عند مدخل الباب فحسب، وأخذت تنظر إليها.

لحست الفتاة شفتيها، وعادت لتقول:

- «سيدتي...؟»

لم تكن تبدو في عمرها، بل بدت كفتاة صغيرة. وعندما تحركت تركز عليها الضوء من زاوية أخرى مما مكن شارون من تمييزها.

اتكأت شارون إلى الباب المفتوح خوفاً من إغماء بدا محتماً.

- «السيدة روجرز...؟»

ضاقت عينا الفتاة، وزمت شفتاها.

- «لا يا سيدتي. أنت مخطئة. أنا السيدة سانشيز.»

حدقت كل منهما في الأخرى. كانت شارون لا تزال متكئة إلى الباب.

اتجهت الفتاة نحو الباب، في حركة توحي بأنها تريد إغلاقه، لكنها لم تشأ دفع شارون، لم ترغب أن تلمسها. تقدمت خطوة، وتوقفت. لمست الصليب الذي على حنجرتها محدقة في شارون. لم تستطع شارون أن تقرأ تعابير وجهها. كان يعلوه شجن، لكنه مختلف عن شجن جيم. كما أن فيه خوفاً، وتعاطفاً وقلقاً مكبوتاً.

لم تكن شارون متأكدة تماماً إذا ما استردت قدرتها على الحركة، لكنها فضّلت البقاء في مكانها حتى وإن كانت قادرة على الوقوف.

- «اعذريني سيدتي، لكن لدي عمل علي إنجازه، لو تسمحين؟ أنا لا أعرف أحداً باسم السيدة روجرز، سيكون عليك البحث ربما في أماكن أخرى في الجوار؟» ابتسمت ابتسامة باهتة ونظرت باتجاه النافذة المفتوحة. - «لكن هناك العديدات ممن يسمين السيدة روجرز. سيكون عليك البحث لوقت طويل.» نظرت إلى شارون بأسى. استقامت شارون وأخذت كل منهما تحدق في عيني الأخرى على نحو حاد، وكل منهما كانت تحتجز الأخرى في تلك اللحظة.

قالت شارون: «لدي صورة لك.»

لم تنطق الفتاة. وتظاهرت بالدهشة.

أخرجت شارون الصورة ورفعتها. مشت البنت نحو الباب. وأثناء تقدمها، تحركت شارون وعبرت الباب إلى داخل الغرفة.

- «سيدتي، قلت لك أن لدي عملاً علي إنجازه.» وأخذت تقلّب نظرها في شارون من الأعلى إلى الأسفل. «أنا لست سيدة أميركية شمالية.»

- «وأنا لست سيدة. أنا السيدة ريفرز.»

- «وأنا السيدة سانشيز. ما الذي تريدينه مني؟ أنا لا أعرفك.»

- «أعلم أنك لا تعرفينني. ولعلك لم تسمعي بي قط.»

حينئذ تغير شيء في ملامح البنت، زمت شفتيها، وأخذت تبحث عن سجائرها في جيب ثوبها المنزلي، لتنفخ الدخان بوقاحة نحو شارون. لكنها مع ذلك سألتها: «أترغبين بسيجارة، سيدتي؟» ومدت يدها بالعلبة نحو شارون، ولاحت نظرة توسل في عينيها، فمدت شارون يديها المرتجفتين والتقطت سيجارة أشعلتها لها الفتاة، ثم أعادة العلبة إلى ثوبها المنزلي.

- «أعلم أنك لا تعرفينني، لكنني أظنك سمعت عني بلا شك.»

ألقت الفتاة نظرة خاطفة على الصورة في يد شارون، ونظرت إلى شارون دون أن تقول شيئاً.

- «قابلت بيترو ليلة البارحة.»

- «آه.. وهو من أعطاك الصورة؟» قالت ذلك بطريقة ساخرة، لكنها اكتشفت أنها ارتكبت خطأ، وبقيت عيناها الجريئتان تقولان وهما تحدقان في عيني شارون، أن هناك العديد ممن يدعون بيترو.

- «لا. لقد حصلت عليها من محامي ألونزو هانت، الرجل الذي ادعيت أنه اغتصبك.»

- «أنا لا أعرف ما الذي تتحدثين عنه.»

- «بل أظنك تعرفين.»

- «انظري. أنا ليس لدي شيء ضد أحد. وأسألك الانصراف.»

كانت ترتعش، وعلى وشك البكاء. وقد عقدت يديها الداكنتين ببعضهما بإحكام، كأنها تريد منع نفسها من مس شارون.

- «أنا هنا في محاولة مني لإخراج رجل من السجن. ذلك الرجل سوف يتزوج ابنتي. وهو لم يقدم على اغتصابك.»

وأخرجت صورتي مع فوني.

- «انظري إلى هذه.»

عادت الفتاة لتستدير ثانية نحو النافذة، ثم جلست على السرير غير المرتب، وهي لا تزال تنظر من النافذة.

اقتربت منها شارون.

- «انظري إلى هذه الصورة. أرجوك. هذه الفتاة هي ابنتي. والرجل الذي معها هو ألونزو هانت. هل هو الرجل الذي اغتصبك؟»

لكن البنت لم تنظر إلى الصورة ولا إلى شارون.

- «هل هو الرجل الذي اغتصبك؟»

- «الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أقوله لك يا سيدتي، هو أنك لم تتعرضي لعملية اغتصاب قط.» نظرت إلى الصورة بشكل خاطف، ثم إلى شارون بشكل خاطف أيضاً. «إنه يشبهه، لكنه لم يكن يضحك حينها.»

وبعد لحظة، سألت شارون: «هل لي أن أجلس؟»

لم تجب الفتاة، بل جلست هناك وهي تلف يديها. وجلست شارون إلى جانبها على السرير.

كان هناك حوالي ألفي مذياع صغير يصدح حولهما، جميعها تبث ب. ب. كينغ. لكن شارون لم تكن في الواقع تلقي بالاً إلى ما يصدر عن كل تلك الأجهزة، كانت تميز ذلك الدويّ، الذي لم يكن في يوم من الأيام أكثر صخباً، أو أكثر إلحاحاً، أو أكثر حزناً. لم يسبق أن كان محدداً وخطيراً بهذه الطريقة. انطلق صدى ذلك الدوي من الأصوات البشرية، معززاً بصوت البحر، الذي كان يتألق خلف أكوام القمامة في فافيللا.

جلست شارون وأصغت، أصغت كما لم تفعل من قبل. كانت الفتاة مستديرة نحو النافذة. وتساءلت شارون ما الذي كانت تستمع إليه أو تراه. من المحتمل أنها لا تستمع إلى شيء ولا ترى شيئاً. ثم جلست في حالة ضعف عنيد وهادئ، ذراعاها النحيلان يترنحان بين ركبتيها، كمن علق في فخ. نظرت شارون إلى ظهرها الرقيق، إلى شعر الفتاة الشوكي الذي كان على وشك الجفاف التام، داكناً من جذوره. وبدأ دوي الموسيقى يعلو ليصبح صعب الاحتمال تقريباً، كأنه يصدح في رأس شارون، ويجعلها تشعر بأن عقلها سيتصدع.

وهنا كانت على وشك البكاء، دون أن تعرف السبب. غادرت السرير، ومشت باتجاه صوت الموسيقى. نظرت إلى الأطفال وتأملت البحر. على الطريق كان هناك قنطرة مثبتة بالمراسي، مختلفة عن تلك التي عبرتها. استدارت ونظرت إلى الفتاة، التي كانت تنظر إلى الأرض.

سألتها شارون: «هل ولدت هنا؟»

- «انظري يا سيدتي، قبل أن تكملي، دعيني أخبرك بأنه ليس بمقدورك أن تفعلي شيئاً معي، فأنا هنا لست وحيدة وبائسة، بل لدي أصدقاء، دعيني فقط أخبرك بذلك.»

ورمقت شارون بنظرة عصبية وخائفة مملوءة بالشك. لكنها لم تأت بحركة.

- «أنا لا أحاول أن أفعل لك شيئاً. أنا أحاول فقط أن أخرج رجلاً من السجن.»

استدارت الفتاة على السرير، ليصبح ظهرها باتجاه شارون.

أردفت شارون: «رجلاً بريئاً.»

- «سيدتي، أظنك أخطأت المكان، أنا على يقين من ذلك. ما من سبب يبرر حديثك معي، فأنا ليس لدي ما أقدمه لك.»

بدأت شارون تتحرى:

- «منذ متى لم تذهبي إلى نيويورك؟»

رمت الفتاة سيجارتها من النافذة. - «منذ زمن طويل.»

- «هل تركت أولادك هناك؟»

- «اسمعي. دعي أولادي بمنأىً عن هذا الأمر.»

اشتد الحر في الغرفة، فخلعت شارون السترة الخفيفة التي كانت ترتديها وعادت لتجلس على السرير.

قالت بتأن: «أنا أم أيضاً.»

نظرت إليها الفتاة، في محاولة منها لإظهار ازدرائها للفارق بينهما. ورغم أنها والحسد متآلفان، إلا أن الاحتقار لم يكن يبدو أنه من شيمها.

سألتها شارون: «لماذا أتيت إلى هنا؟»

لم يكن هذا السؤال متوقعاً من قبل الفتاة. كما أنه، في حقيقة الأمر، لم يكن السؤال الذي أرادت شارون أن تطرحه.

ونظرت كل منهما إلى الأخرى، لقد ومض السؤال بينهما على النحو الذي يتغير فيها الضوء على سطح البحر.

وأخيراً قالت الفتاة: «أنت قلت أنك أم.» ونهضت عن السرير ومشت ثانية نحو النافذة.

ولحقت بها شارون هذه المرة، فوقفتا تتأملان البحر سوية. وقد عمل الحزن الذي شاب جواب الفتاة، على جعل ذهن شارون ينجلي بشكل ما؛ قرأت في إجابتها نبرة توسل، جعلتها تكلمها بطريقة مختلفة.

- «يا ابنتي، في هذا العالم، تحدث معك أمور فظيعة، كما يمكن لكل منا أن يرتكب أفعالاً رهيبة أيضاً.» كانت تنظر من النافذة بنحو خاطف، لأنها كانت تراقب ملامح الفتاة. «أنا امرأة قبل أن تكوني أنت امرأة، تذكري ذلك. ولكنك..» واستدارت نحو فيكتوريا وسحبتها نحوها، الرسغان النحيلان، اليدان العظميتان، الذراعان الملتفان، لمستها شارون، بلطف، حاولت أن تكلمها كما تكلمني.

«... ولكنك ستدفعين ثمن كذبك.» حدقت بالفتاة، وحدقت بها الفتاة. «... لقد تسببت في زج رجل في السجن، يا ابنتي، رجل لم يسبق لك أن رأيته. إنه في الثانية والعشرين، يا ابنتي، وهو سيتزوج ابنتي... و...» والتقت عينا فيكتوريا بعينيها ثانية. «... وهو زنجي.» تركت الفتاة واستدارت نحو النافذة. «... مثلنا.»

- «لقد رأيته.»

- «رأيته في أحد أقسام الشرطة. كانت تلك هي المرة الأولى، والوحيدة التي ترينه بها.»

- «ما الذي يجعلك متأكدة إلى هذا الحد؟»

- «لأنني أعرفه طيلة حياته.»

قالت فيكتوريا: «هاه!» ثم حاولت الابتعاد، وقد اغرورقت الدموع في العينين الداكنتين الجريئتين. «لو تعلمين عدد النساء اللواتي سمعتهن يقلن ذلك. فهن لم يرينه، حين رأيته أنا، حين جاء إلي! لم يرين ذلك أبداً. نساء محترمات، مثلك! لم يرين ذلك أبداً.» وبدأت الدموع تنهمر على وجهها. «ربما عرفتِ فيه ولداً لطيفاً، ربما كان رجلاً لطيفاً، معك! لكنك لم تعرفي فيه ذلك الرجل الذي فعل.. الذي فعل.. ما فعله معي!»

سألت شارون: «لكن، هل أنت متأكدة أنك تعرفينه؟»

- «نعم، أنا متأكدة. لقد أخذوني إلى هناك وطلبوا مني التعرف إليه، وتعرفت إليه. هذا كل ما في الأمر.»

- «لكنك كنت... أقصد، حدث ذلك، في الظلام، وأنت تعرفت إلى ألونزو هانت في الضوء.»

- «المدخل مضاء، كان الضوء كافياً لأراه.»

أمسكتها شارون ثانية، ولمست الصليب.

- «ابنتي، ابنتي، بحق الله...»

نظرت فيكتوريا إلى الصليب، وصرخت، كان صوتاً لم يسبق لشارون أن سمعت أعلى منه. ابتعدت عن شارون، وركضت باتجاه الباب الذي كان لا يزال مفتوحاً طيلة الوقت. وهي تصرخ وتبكي: «اخرجي من هنا! اخرجي من هنا!»

فُتحت الأبواب، وبدأ الناس يظهرون. سمعت شارون بوق السيارة. مرة، مرتان، مرة، مرتان، مرة، مرتان، ثلاث مرات، مرة، مرتان، ثلاث مرات. أخذت فيكتوريا الآن تصرخ بالإسبانية. واقتربت من الباب إحدى النساء الناضجات اللواتي كن في الرواق وأخذت فيكتوريا بين ذراعيها، كانت منهارة، تصرخ في صدر المرأة التي قادتها بعيداً دون أن تنظر إلى شارون. أما باقي الموجودين، فقد اجتمعوا وهم يحدقون في شارون التي لم يكن يصل إلى مسمعها الآن سوى صوت واحد هو بوق سيارة جيم.

كانوا يحدقون فيها، في ملابسها. لم يكن لديها ما تقوله لهم. تحركت نحو الرواق، نحوهم، وسترتها الخفيفة على ذراعها، وحقيبتها في إحدى يديها، وصورتي بصحبة فوني في اليد الأخرى. عبرتهم ببطء، ونزلت الدرج بتأنٍ. كان الناس متجمهرين في كل مكان. خرجت من الساحة إلى الشارع. فتح لها جيم باب السيارة. دخلت وأغلق هو الباب، ثم انطلق، دون أن ينبس أياً منهما ببنت شفة.

في المساء، ذهبت إلى النادي، لكن البواب أخبرها بأن السيد ألفاريز لن يكون موجوداً هذا المساء، وأنه لا طاولات لامرأة وحيدة، كما أن النادي، بكل الأحوال، مكتظ كلياً.

مثل العقل كمثل شيء يستثير الغبار. لكن العقل هو الوحيد الذي يمتلك القدرة على أن يدرك، أكثر من أي شيء آخر، لماذا علق فيه ما علق. وحين يتبدى لك هذا الشيء العالق في عقلك كائناً ما كان، فإنه لا يبارح ثانية. وهذا ما حصل معي. فبعد مساء مخزن الخضراوات ذاك، أصبحت أرى بِيل في كل مكان وفي جميع الأوقات.

لم أكن أعرف اسمه حينئذ، لأنني اكتشفته في الليلة التي طلبته منه. ولكني كنت أذكر رتبته مسبقاً.

من المؤكد أنني سبق ورأيته قبل ذلك المساء بالتحديد، لكنه حينها كان كغيره، مجرد شرطي. أما بعد ذلك المساء، فقد عرفت أن له شعراً أحمر وعينين زرقاوين. كان في حوالي الثلاثينيات من عمره. وله مشية كمشية جون واين، يهم بها لإصلاح العالم، وهو مؤمن بكل هذا الهراء. إنه ابن زانية شرير، غبي، طفولي. مثله كمثل أبطاله؛ كان أبله، ببطن ثقيلة ومؤخرة كبيرة، وعينين متبلدتين كعيني جورج واشنطن، بدأت أدرك ما يدور وراء بلادة عينيه، وما أدركته أخافني حتى الموت. إذا نظرتِ مباشرة إلى ذلك الأزرق الباهت، إلى تلك النقطة الصغيرة في مركز العين، فإنك تكتشفين قسوة عميقة، وشراً بارداً، بل جليدياً. وإن كنت محظوظة، فمن الأفضل أن لا تكوني داخل تلك العين. أما إذا أجبرتِ تلك العين على ملاحظتك من علوّها، إذا ما وجدت نفسك داخل ذلك الشتاء بجليده الذي لا يصدق والذي يستقر خلف تلك العين، فستصبحين ملحوظة، ملحوظة كمن يتدحرج أو يهرب على الثلج بمعطف أسود. إن تلك العين ترفض وجودك في المنطقة، وتتحرك باضطراب لترقب المشهد. وفي الحال، يهمد المعطف الأسود، ويتحول لونه إلى الأحمر بسبب الدم، مثلما يصبح الثلج أحمر. ترفض العين هذا المنظر، تومض لمرة واحدة، تعمل على هطول المزيد من الثلج ليغطي كل ذلك. كان يحدث أحياناً أن أكون برفقة فوني حين أمر إلى جانب بيِل، وأحياناً أكون وحيدة. فإذا ما كنت مع فوني، نظرت العين باستقامة إلى الأمام، إلى الشمس المتجلدة. أما حين أكون وحيدة، فإن تينك العينين كانتا تمزقاني كبراثن القط، وتجمعاني كما تفعل المدمّة. تانك العينان تحدّقان فقط في عيني الضحية المهزومة. ولا تستطيعان النظر إلى أية عيون أخرى. وعندما كان فوني وحيداً، حدث الشيء نفسه. فقد مرت عينا بيِل على جسد فوني الأسود بشبق وحشي هائج، فبدا كأنه يشعل موقد اللِّحام ليحرق به قضيب فوني. وعندما تقاطع مسارهما، وكنت هناك، نظر فوني إلى بِيل مباشرة، بينما نظر بيل إلى الأمام. سوف أنال منك أيها الفتى. ذلك ما قالته عينا بِيل. وأجابت عينا فوني: لا. لن تفعل، فأنا سأجمع ما لدي وأنتقل من هنا.

شعرت بالخوف في شوارع الفيليج، اكتشفت أننا كنا وحيدَين تماماً. لا أحد يهتم بنا سوانا، وأن كل من يحبوننا لم يكونوا هناك.

تحدث بيِل إلي مرة واحدة. كنت عائدة من العمل إلى بيت فوني في وقت متأخر. وفوجئت لرؤيته لأنني نزلت من حافلة القطار في الجادة الثامنة من الشارع الرابع عشر، وهو يتواجد عادة في منطقة بليكر وماكدوغال. كنت ألهث وأنا أسير حاملة حقيبة فيها حاجيات وأشياء سرقتها من اليهودي، عندما رأيته يسير نحوي ببطء. انتابني الخوف للحظة لأن حقيبتي التي تحتوي على أشياء كالغراء، والرزز السلكية، والألوان المائية، والأوراق، والمسامير والإبر والدبابيس، كانت مسروقة. لكنه لم يستطع اكتشاف ذلك، كما أنني كنت أكره أن ينتبه إلي أصلاً. مشيت باتجاهه، ومشى باتجاهي. كانت الساعة حوالي السابعة، أو السابعة والنصف، ساعة الغسق. وكانت الشوارع مزدحمة، رجال عائدون إلى بيوتهم، مخمورون متمايلون، نساء مسرعات، أطفال بورتوريكيون، فتيان مدمنون. وهنا وصل بيِل.

- «هل لي أن أحمل عنك هذه؟»

كادت الحقيبة أن تسقط من يدي، والحقيقة أنني، كدت أن أبول على نفسي. نظرت في عينيه.

قلت: «لا. شكراً جزيلاً.» وحاولت أن أتابع سيري، لكنه كان يقف في طريقي.

عدت ونظرت في عينيه. لعلها المرة الأولى التي أنظر فيها فعلياً في عيني رجل أبيض. أوقفني، فوقفت ساكنة. لم يكن ذلك كالنظر في عيني أي رجل. لم يكن ذلك كأي شيء عرفته من قبل، ولهذا كان شديد التأثير. كانت نظرة إغواء تنطوي على وعد بالاغتصاب. ذلك الاغتصاب الذي يعد بأمرين: الذل والثأر. أردت أن أقترب منه، أن ألج إلى داخله، أن أنزع ذلك الوجه وأغيره وأحطمه، أن أنحدر وإياه إلى الوحل، ثم، لنتحرر بعد ذلك سوية. وبصعوبة استطعت سماع الغناء.

قال بصوت منخفض جداً: «لا بأس، فطريقك ليست بعيدة، ولكن مع ذلك، أؤكد أن بإمكاني أن أحملها عنك.»

لا يزال بإمكاني استذكار مشهدنا في ذلك الشارع المكتظ والذي كان يمور بالحركة، في وقت الغسق، أنا وحقيبتي في يدي، أحدق فيه، وهو يحدق في. وفجأة أصبحت ملكه، وانتابني شعور بالتوحد لم يسبق لي أن شعرت به من قبل. نظرت إلى عينيه، إلى شفتيه الرطبتين الصبيانيتين واليائستين، وشعرت بذكره ينتعظ أمامي.

قال: «أنا لست شخصاً سيئاً، قولي ذلك لصديقك. لا يجدر بكما أن تخافا مني.»

قلت: «أنا لست خائفة. سوف أخبره. شكراً.»

قال: «تصبحين على خير.»

أجبت: «تصبح على خير.» ومضيت مسرعة في طريقي.

لم أخبر فوني بذلك أبداً. لم أستطع أن أخبره به، بل محوته من رأسي نهائياً. ولست أدري إن كان بِيل قد تحدث يوماً مع فوني، لكنني أشك في ذلك.

ليلة اعتقال فوني، كان دانييل في المنزل يتحدث مجدداً عن الفترة التي قضاها في السجن ويبكي. كان مخموراً بعض الشيء. لقد رأى تسعة رجال يغتصبون صبياً واحداً. وهو نفسه كان قد اغتصب. لن يعود أبداً أبداً ذلك الدانييل الذي كانه قبل السجن. أمسكه فوني، أمسكه قبل وقوعه مباشرة. وذهبت أنا لتحضير القهوة.

ثم جاؤوا يدقون الباب.