- 3-

6 0 00

- 3-

في هذه الحياة التعيسة كان لا بدّ لي من إيجاد صديق يؤنس وحشة الفراغ، فالمحل كان يحتاج إلى شخص ٍ أكثر وعياً وأكثر إدراكاً لما يحصل من ردود أفعال مع بعض الزبائن الذين يستاؤون من غلاء الأسعار بعد بعثرة العديد من الملابس الولادية، وكان يترتب عليّ بعد خروجهم أن أعيد كلّ شيء إلى مكانه!.

وبحثاً عن صديق لا يشي مثل نمّام فقد كنت أنتظر قطة أمام باب المحل تناديني بموائها العذب الرقيق، قطة وليس قطاً فالقط يأكل أولاده والقطة تفرُّ بنفسها بعيداً لتضع صغارها وترعاهم حتى يكبروا، حينذاك تعود إلى قطها، ولأنها تعودت أن تراني وحيداً كانت تجلس على قوائمها بشموخ ٍ وهي تنظر في وجهي بعينين تلمعان كأنها تخاطبني !.

كنت ُأغبطها على حريتها وممارستها طقوس التجول بين حواري وشوارع الجامع الفرعية، وكنت أتمنى بغفلة عن العالم أن أتحول إلى قطٍ مثلها أجري من مكان لآخرٍ، بلا رقيبٍ وبلا منكدٍ، وبلا سوط جلادٍ!

وأنا في بحبوحةٍ من سديم الخيال جاءني والعقدة تزور حاجبيه وكعادته سأل:

- هل بعت شيئاً؟.

ولأنه كان على يقين ٍ أن حركة ركود الأسواق ليست شخصية ولا محلية فقد اشترى جهاز " فيديو " واستأجر عدداً من الأشرطة لأفلام بوليسية واجتماعية وكما كان مكتوباً على واحدٍ منهم - " كومندوس " للكبار- بعد أن أغلق المحل وذهبنا إلى البيت يحمل الجهاز على صدره بكلتا يديه وأنا أحمل كيس الأشرطة !.

على حدّ زعمه هذه الأفلام توقظ الخيال، وتهدئ النفس، وتغذي الفكر إضافة إلى القضاء على الملل، هكذا قال لجدتي.

فرحنا بدخول السينما إلى بيتنا وجلسنا صامتين نتفرج نتابع المشاهد بعيون ٍ واجفةٍ ترف أهدابها مرتعشة كلما شاهدنا قتيلاً يتضرج بدمه، فالحرب النازية تثير الخوف والتقزز، والنازية كلمة واحدة في عددٍ كبير ٍ من أبواب التعدي والتحدي والتردي.

بعد الفيلم الحربي، وضع فيلماً سياسياً، إذا لم تخن الذاكرة قلمي كان اسمه /المحترف/، ولم يكن أقل شأناً من الفيلم الأول.

صراع الساسة على السياسة أمرٌ مخيفٌ، والأمر الأكثر إخافة وإجهاضاً لأعصاب الطفولة هذه الهياكل التي كانت تخرج من القبور وهي تقهقه مزمجرة وسط الظلام بأصوات ضاجة صاخبة واللون الأزرق الغامق كان يتماوج مع الحركة الدامية!

كنا مثل تماثيل جامدة يُمسك الخوف بخناقنا أيمّا إمساك حتى بالت أختي فريدة على البساط ولم تنهض إلى الحمام إلا وأمي تسحبها من يدها وهي تلعن بخفوتٍ مكبوتٍ هذه الجلسة حتى صرخ فينا :

- هيا إلى النوم!.

بعد هذه المشاهدات المثيرة للأعصاب تلبسني الأرق وتفتحت في داخلي مشاعر مبكرة في أن أكون صاحب سلطة أحكم، لا أحاكم أعجبتني مواقف انتصار البطل !.

وحتى أكون بطلاً حقيقياً لا بطلاً أسطورياً فقد أكدّ والدي في طلبه هذه المرة على ترك المدرسة بعد أن كان ما ينفك يردد:

- ماذا ستصبح، مهندساً، طبيباً، معلم مدرسة مثل موجهك؟ وإن أصبحت طبيباً من أين لك أن تشتري عيادة ؟

استغل الزمن، تعلم صنعة، زميلك صلاح كسب الوقت وعما قريب يصبح معلماً تبحث عنه أكبر "ورشات" المدينة!.

هذا التحطيم جعلني أبحث عن تعويض ٍ آخر أثبت من خلاله قدراتي، وقدراتي آنذاك كانت قد بدأت تتجه نحو عواطفي التي تبرعمت قبل الأوان على نظرات بنت الجيران وهذه اللهفة الملحوظة حين تراني.

ولكي أكون جديراً بهذه النظرات، امتدت يدي إلى درج الغلة !.

أجل امتدت يدي إلى درج الغلة، لم تكن المرة الأولى، لكنها من أجل شراء كتاب رسائل العشاق كانت الأولى! اخترت رسالة راقت لي كلماتها، نقلتها بأمانة، ورسمت أسفل الصفحة قلباً زينته بزهور من رسم يدي، لونتها بالأحمر والأصفر، وطلبت من أختي فريدة أن تسلمها سراً إلى بنت جارتنا أم نوري!

من هنا ابتدأت أحاسيس عواطفي ومشاعري تقودني إلى الإدمان على مدّ يدي إلى درج الغلة والنداء الخفي يبتر كلّ تأنيب "مع هذا الصنف من الآباء

لا ينفع التعفف، خذ ْ، عشْ كما تريد أنت، لا، كما يريد هو!".

هذا النداء من هذا الطغيان أصبح قريب الشبه من عواء الذئاب وقتما تجوع، الحرمان يتمرد على الخوف، مصاهرة الأفلام تنفي وجود دارس ٍ يسعى نحو مستقبله، فأنعطف نحو الكسل!.

ومن الطبيعي أن يجعل الموجه من كسلي نافذة تجعله يعرض على أبي أن يعطيني دروساً خصوصية !

تخيلت وجهه وقد فرت الدماء منه بعد أن باءت أحلامه بالفشل! البائس لم يكن يدري أن والدي أكثر حنكة وفراسة منه للتملص من مسؤولية مصاريف مدرستي، والأهم من هذا كله أنه غير مهتم بتعليمي كان يأمل أن أترك المدرسة وأن أنصرف إلى تعلم صنعة كي أعينه على مصاريف البيت التي أنهكته كما كان يردد على مسامعنا، والغريب الذي حدث أن والدي قد تذكر أخيراًَ أن تستر أمي على قصة التدخين في المدرسة حطم وعيه لهذا حين عاد وقت راحته في فترة الغداء صرخ في وجهها :

- كله منك، ينقصني واحد حتى تكمل خسارتي، آخر يوم سأغلق المحل وأجلس مثل"الحريم" في زاوية البيت، وموتوا من الجوع !.

أمام ذلك التجريح تنسفح دماء أمي وتنزوي في مطبخها وهي تمضغ بلوى أحزانها المنطمرة في صدرها كأنها تقول:

- منك، أمْْ من أمك، أمْ من الأولاد؟.

ولأن جدتي كانت موجودة، ولأنها كانت تبحث عن ضالتها في إشعال فتنةٍ، وبدلاً من أن ترطب الجو في ودّ من تسامح ووئام، ترمي بسهام كلماتها لينفجر صوت أمي مخترقاً حالة السكون الملتهبة:

- أنا صابرة من أجل الأولاد!

- "دخيلك"على"إيش" صابرة؟ تردد جدتي.

ولأن أمي تعودت على الحرد وما عادت تحتمل كيّ التسلط الأجوف فطوق الصبر انفرطت حباته تصرخ بصوتٍ عال ٍ :

- أتريدين أن أترك لك الجمل بما حمل؟!

- لا والله أنا من سأترك لك الدار ومن فيها!

يا فريد تنادي ابنها :

- والله لو كان بيتك كعبة مشرفة ما عدت داخلة عليه "وجوه كالحة ومياه مالحة "... يا الله... " يا بيتي يا بويتاتي... يا مسترلي عيوباتي!".

وتخرج مثل قنفذٍ تحجرت أشواكه!.