- 4 -

5 0 00

- 4 -

معاملته السيئة وأدت قناعتي في بعض ليرات كنت أدسها خلسة في جيب بنطالي، ولأن الإحساس بالقهر وبالظلم قد دفعني إلى مدّ يدي حين أشعر بالحاجة الشخصية، فقد بدأت أفكر بما هو أكبر من ذلك بكثير!.

ورغم شكوكه التي ساورته غير مرةٍ، كانت أكاذيبي المفتعلة تجعلني أخرج من خرم الإبرة حتى وقعت في شرك غلطة العمر!.

بعتُ سيدة أنيقة وجميلة بعض أشياء من بينها قلم أحمر الشفاه وقلم أسود لكحل العين، لم يكن يخطر في بالي أن المرأة ستعود تريد استبدالهما بعد أن أخفيت الثمن في جيبي، وحين عادت تريد أن تستبدلهما، كان حاضراً فانكشفت سوءة ما فعلت!.

وجدت نفسي، بعد خروجها، بين يديه مثل حيوان يتلقفني حائط المحل، وغصص من دموع متحجرة ازدحمت في حلقي، لتسقط المفاجأة التي أنقذتني، تبددت ملامح الرجل الساخط بغضبه المريع إلى بشاشةٍ أذهلتني، فرْحْتُ أحدق في وجهه أكثر من كل مرة، "من هذا الرجل ؟ " إنه يقول وبهدوءٍ: - بابا، إذا ممكن تشتري " كازوز".

غرقت في محيط من القهر، كنت غريقاً وأنا على سطح الأرض أتنفس، وقيعتي بين يديه انحفرت في تلافيف الذاكرة مثل شامة مرضية لا تعني الصحة أبداً.

إذن تدعني وشأني حين تدخل صاحبتك المحل، هذه الفتاة الشقراء استحوذت على كلّ ما فيك، أتحسبني غبياً لا أفهم في هذه الأمور ؟.

وحين تخرج يلبسك شيطان الانتقام، ملامحه، شيطان القبور يشبه ملامحك الآن، أسمع صوت قهقهاته، اللون الأزرق يتحول إلى سوادٍ مشوبٍ بالزرقة، ماذا تقول ؟ سأعمل أجيراً عند الكهربائي أبي بكري وتلك الشقراء ستحل مكاني " يا لرحمة الشقاء !".

بضع دقائق مرت كأننا غرباء لا نعرف بعضنا حتى انسلت خطواتي بعد أن غادرت المحل في أصيل حي الميدان وئيدة، وئيدة أصبحت ألف وأدور في الشارع ذاته من غير أن أعرف ما أريد وعما أبحث حتى تعبت!.

في البيت كان إخوتي ينامون على الأرض بلا غطاءٍ وبلا فراش ٍ وأختي فريدة متكورة مثل حمامة ورقاء حزينة! راعني المشهد، كادت دموعي تتساقط، كان قلبي ينبض بارتعاش ٍ باردٍ !!

أيقظت أختي بهدوءٍ :

- فريدة، فريدة انهضي، وحين فتحت عينيها فركتهما ونظرت في وجهي ثم نهضت من غير أن تقول شيئاً.

ساعدتها على مدّ الفراش ووضع "المخدات"، حملتهم واحداً واحداً إلى الفراش، ما أذكره عن الليلة تلك أني كنت شبه نائم، وفي الصباح تأملت الوجوه، كانت فريدة مثل ملاك طاهر فردّ خصلات الشعر على "المخدة" فاحتوتها، اقتربت منها همست برفق ٍ :

- فريدة... انهضي.

فتحت عينيها وبخفوتٍ واضح ٍ قالت :

- صباح الخير.

- صباح النور.

أورثني استيقاظهم متوعكين من الكآبة والحزن على ترك أمي البيت بعد شجارها مع أبي حين خرجت جدتي شعوراً بالكره نحوها هذه التي تتركنا ولا تجعلنا نشعر بمعنى الحنان والهدوء والأمان، واحدة مثلها لا تستحق أن تكون أماً!!

فتشتُ عن علبة كبريتٍ فلم أجدْ، طلبتُ من ناجي أن يسأل جارتنا أم نوري التي ما إن سمعت بحاجتنا إلى علبة الكبريت حتى سارعت إلينا وهي تدمدم ببعض كلمات خافتة عن حرد أمي !.

وفي غوص معاناتي داخل جدران أحزاني التي تؤويني وإخوتي جعلتني أشعر أني أكبر من عمري بسنواتٍ، وجعلتني أحس أنها أكبر من عمرها بسنواتٍ !.

كانت نظرات عينيها تثيران في نفسي عالماً بدأت أحلم به وأفكر في كيفية الدخول إليه، كنت أحس بهذه المشاعر تريد أن تفيض على العالم بالجنى وأنا أرمق صدرها الناهض بإعجابٍ فأقرأ الانشراح على وجهها لحظة أحدق في تكور نهديها الصغيرين الذين بدأا ينموان من تحت "البلوزة" الضيقة!

والذي كان يثير دهشتي جرأة نوال حين تختطف قبلة سريعة من خدي بعيداً عن وجود أمها وتتوارى مثل فراشة كانت لتوها موجودة ثم اختفت!.

في ذلك الصباح عملت جارتنا أم نوري على تنظيف الأواني وكنس الأرض ومسحها تساعدها أختي فريدة، وبناءً على ما طلبته جارتنا أنزلتُ كيس الزبالة، رميته قرب الحاوية، ولم أدفع به إلى جوفها، فاشتممت رائحة عفن عطن قريبة الشبه من رائحة نفسي وأفكاري، تابعتُ طريقي نحو محلنا بتلكؤ مقصود، فهو ليلة البارحة لم ينمْ معنا، ترى أين نام !.

وبدأت أخمن، ربما كان عند أمه، وربما كان عند واحدة من فتياته الشقراوات، أو ساهراً عند واحدٍ من أصحابه يلعبون الورق، فجأة هذه التخمينات توقفت !.

حين شاهدني انطلق من داخل المحل بسرعة والعقدة المرسومة على حاجبيه لا تفارقه، والتي اقترنت بلهجته القاسية:

- لمَ تأخرت، ألمْ أقلْ لك لا تتأخر، هيا امض ِ معي !.

أغلق باب المحل وقفله بالمفتاح، فتبعته مثل جروٍ جريح ٍ ساكتٍ عن النباح، ووقفت أتزود بالصور الجديدة.

تصافحا، تحاورا ببضع كلمات عن أحوال السوق، ثم دعاه الرجل إلى فنجان قهوة فجلس، شرب القهوة، وضع الفنجان على الأرض، والتفت ناحيتي وبنبرته المتسلطة:

- افتح ذهنك واسمع الكلام، لا أريد شكاوى ولا مشاكل أتفهم!!.

تركني ظلالاً متكسرة ومضى، تركني ظلالاً تئن ليكبر مقت وحقد من جعلني مسوراً بعفونة الإنجاب وألف غمامة من الغمّ والأسى تلّف روحي، ومن الطبيعي أن يجعلني هذا الموقف رافضاً كلّ الرفض أن أكون أجيراً للأجير، فمنذ اللحظة الأولى حاول استفزازي بفرض أوامره عليّ:

- اغسلْ فناجين القهوة وتعالَ ساعدني.

كان أبو بكري خارج الدكان يدخن سيكارته وهو يتراهن مع جاره السمان عن سحب اليانصيب، وحين سمع صوت صرخة في أنة صادحة سارع نحونا!.

رميت بالمفك نحو وجهه فأصابه جرح بسيط في خده دمى بعض الشيء، فصرخ أبو بكري في وجهي:

- يا بن ال-- ؟!

وابتلع ما كان سيقوله، وأنبأني أنه سيشكوني إلى والدي!.

الأشقياء لا يُِكذبون أخبار بعضهم، فسرعان ما جاء المسيطر على حياة ولي العهد، جاء ساخطاً، غاضباً، وفوق كلّ هذا وذاك لاعناً يوم ولادتي، يسبني في مقتٍ من بغضاء ويشد أذني في تقزز، كأني لست ولده، فأقرأ تباشير ابتسامة شامتة مازلت أذكر وهج انتصارها في أجواء روحي المعذبة!.

ومن بادلتني مقام الرئاسة في المحل ترفض وجودي في فترة الغداء ووالدي يختم على رأيها بالشمع الأحمر، فكل شيء من حقه، المحل، البيت، الأولاد، النساء، وزهرة الربيع المقطوفة الكرة في يدها !.

في نهاية الأسبوع جئته فارغ اليدين لم أقبض أجراً، اكفهر وجهه وبلهجة سافرة عن كوامنه المادية الرديئة قال:

- تستحي عينه من عيني، على الأقل تشجيع، ناس ما في ذوق !.

ضحكت نفسي في داخلها بصمتٍ، كادت ضحكتي تصدح بنذير شماتة وسخرية:

" ألم تتخذ قرارك بتعسفٍ من جشع الذئب وطمعه الراقص في داخلك أن أترك المدرسة، ما قالته معلمتي، أني ربما أكون في يوم من الأيام ذا شأن في مجال الأدب إن تابعت تحصيلي الدراسي وقُيض لي الظرف المناسب، أنت لم تسأل لتعرف أني كنت الأول في المدرسة والمتميز الوحيد في كتابة مواضيع التعبير.

قتلت المستقبل، قتلت فرحة الغبطة من النجاح الذي حققته يوم أحضرت تقدير نجاحي بترتيبٍ ممتازٍ، وبوحي ٍ من أناك المسيطرة تركتني أهدر الوقت أمام أفلام "الفيدو" من دون أن تسألني:

- هل انتهيت من واجباتك المدرسية ؟.

والأكثر أهمية من كل هذا أن أكون بين يديك مثل عامل تنظيفات مطيع، ومطيع جداً لسادته في قطاع النظافة، واليوم آتيك حاملاً في يدي نتيجة الرسوب، وحيداً أحمل نتيجة الرسوب، وحيداً أبكي، ما عاد في مدرسة، من البداية عارف ما مصيرك، تمديد الكهرباء تُدرّ ذهباً، تعلمها !.

والآن تسألني ما أعطاك ؟... ناس ما في ذوق... اّ... تستحي عينه من عيني، لأفقد الرهبة من أنك أبي!.

ويأتي المساء محملاً بالصمت ويعود المتخاصمان إلى بيت الأحزان كأنهما غريبان لا يعرف أحدهما الآخر!.

ونحن نصعد الدرج فوجئنا بجارتنا أم نوري، كانت واقفة تنتظرنا وبهدوءٍ قالت المرأة الغريبة :

- أبا غالب، الله يرضى عليك، أم غالب فوق أحضرتها أنا، حرام الأولاد مالهم ذنب وأنت ابن ناس وبتفهم بالأصول.

هزَ رأسه وابتسم في وجهها بمكرٍ كي ينفي الشكوك عن نفسه قائلاً:

- كله خير.

وداخل البيت لم يكن للخير الذي نرجو أي وجود، حين دخل لم يسألها عن أي شيء، ولم تتحرك هي من مكانها، كلّ الذي فعلاه أن نام كلّ واحدٍ منهما منعزلاً عن الآخر ووجهه عابسٌ!.