الفصل الرابع
اليوم التالي
فايد 6يونيو 1967
قبل شروق الشمس بوقت كاف، تحركت أشباح في الظلام خارجه من مبني المبيت وتجمع الطيارين واحدا تلو الاخر في السياره التي ستقلهم الي المطار ،صمت رهيب يغلف السيارة التي تعالي صوت محركها وهي تتجه للمطار ،لم يعجب احمد هذا الصمت الحزين ، فصاح في الرجال ))وحدووه )) فرد الجميع موحدين الواحد القهار ، فأستكمل مداعبته لهم ))بصوا يا رجاله ، علشان نفضل زمايل وحبايب ، اول طياره تطلع باذن الله هكون فيها ،ولو حد تعرض ليا ، الدم هيبقي للرُكب )) تعالت البسمات من الرجال من طريقه أحمد
ورد محمد خميس (( بس يا كابتن احمد ، الطيارات اللي في المطار سوخوي ، وانت طيار ميج ، يعني ملكش طلعات النهارده ، يعني لو ترجع تنام يكون أحسن ))تعالت الضحكات من الرجال ، خاصه مدحت المليجي .
ولم يترك أحمد الرجال يضحكوا كثيرا فرد علي محمد خميس مستهزءا (( يا كابتن أنت عارف إن طيارين الميج أحسن من طياري السوخوي ، وانا خدت دورة سريعه علي السوخوي وممكن اطير بيها وانا مغمض ))
أحس المليجي بأن عليه واجب الرد لانه اقدم طياري السوخوي المتواجدين بالسياره ،
فبادر مدافعا (( لا يا كابتن احمد ، انت خليك في الميج بتاعتك وسيب لينا احنا السوخوي، ولما نحتاجك أكيد هنطلبك )) حاول أحمد الرد لكن السياره كانت قد وصلت لبوابه المطار ، فتعلقت الانظار متسائله متطلعه ، التقطت اعين الرجال فورا طائرتين تقفان علي اول الممر الفرعي وحولهم رجال فأستدار المليجي موجهها اوامرة للرجال بالتجمع في الميس فور توقف السياره .
لكن عندما توقفت السيارة فوجئ الجميع بالمليجي يركض وهو ممسك بخوذته تجاه الطائرتين ، تبعه أحمد ركضا هو الاخر وتبعهم الباقون .
وصل المليجي الي أحد الطائرتين فوجد بها العقيد تحسين لابسا ملابس الطيران ومستعدا للطيران ، فصعد المليجي السلم محدثا العقيد تحسن ، بينما أستكمل احمد ركضه تجاه الطائرة الاخري .
سئل المليجي العقيد تحسين (( انت بتعمل ايه يا فندم ؟؟((
رد العقيد تحسين بلا مبالاه )) زي ما انت شايف ، عندنا طلعه ((
المليجي منفعلا)) مينفعش تطلع انت يا فندم ، انت منمتش كفايه واكيد مجهد، وكفايه المجهود بتاع امبارح))
العقيد تحسن (( مش مشكله انا جاهز يا مدحت ))
المليجي بنفاذ صبر (( أرجوك يا فندم ، انزل وانا اطلع بدالك ، انا نمت كفايه ومستريح ، يا فندم لو حصل لسيادتك حاجه الروح المعنويه للرجاله هتنهار ، انت قائدنا ولازم تقودنا))
نظر العقيد تحسين في عيني مدحت ووجد التصميم في عينيه ، فحاول المراوغه لكن مدحت واصل الحاحه بأصرار وعناد وحجه ، فأمتثل العقيد تحسين لمنطق العقل وبدأ في فك احزمته
في نفس الوقت كان الحديث بين أحمد وبين السمري قائد الطائره الاخري قد تطور الي نقاش عنيف ،
وصل لدرجه ان السمري اخرج مسدسه في وجه احمد مقسما ان احدا لن يخرج بهذه الطائرة سواه ، فأسقط في يد أحمد امام أصرار السمري فعاد يجر أذيال الخيبه ليجد مدحت يتلقي التلقين من العقيد تحسن ، فزادت خيبه أمله ، فها هوا زميله ورفيقه سيخرج بدونه في اول قتال حقيقي .
انتهي تلقين القائد لمدحت وصعد مدحت بعدها بدورة لكابينه الطائره ، أسرع أحمد الي زميله رافضا ان يقوم اي من الفنيين بمساعدته وأصر علي ان يساعده بنفسه .
عاد العقيد تحسين لمركز قيادته وتجمع حوله الطيارين حيث يستطعيا ان يتابعوا الموقف
كان أول ضوء قد بدأ في الظهور ، وبدأت الطائرات في الظهور بوضوح ، ووضحت حمولتها من القنابل والصواريخ .
ردد العقيد تحسين في اللاسلكي (( استعد يا سمري – عشر دقايق )) منذرا السمري قائد التشكيل بأنه باق عشر دقائق علي الاقلاع
ثم أستكمل الرجل في اللاسلكي تلقينه للمرة الثانيه )) الاوامر هي ضرب مطار للعدو بمنطقه الخالصه عند جبل خروف طبقا للاحداثيات اللي معاكم ، الطيران حتي الهدف علي ارتفاع منخفض لتحقيق المفاجأه ثم الضرب والعودة بسرعه علي ارتفاع عال ، لاحظوا عداد الوقود بأستمرار – مش عايز تهور ولا انتحار – فقط نفذوا المطلوب وارجعوا سالمين))
كان أحمد يغالب دموعه وهو يتمم علي استعداد زميله للطيران بدرجه ازعجت المليجي ، بعدها بثوان دارت محركات الطائرات .
فنظر أحمد الي المليجي بتأثر (( هتاخذ بالك من نفسك ؟؟؟))
المليجي مبتسما)) متقلقش يا أحمد – عمر الشقي بقي ، ولا انت كنت فاكر انك بتحميني فعلا ؟؟ أنا ميتقلقش عليا يا كابتن ((، أحتضن أحمد مدحت ونظر لعينيه بحده (( مش عايز جنان ، خلص بسرعه وارجع ))
رد مدحت مداعبا (( حاضر يا فندم )) لكن أحمد لم يضحك من مداعبه مدحت لان تأثره كان بالغا.
تركه احمد وهرع الي السمري وأحتضنه متمنيا له العوده سالما وعاد بجوار طائرة مدحت مرة اخري
وتعالي صوت محرك الطائرات وباتت منتظره الاذن بالاقلاع ، ورغم شده الصوت الا ان عيني احمد كانت لا تفارق مدحت الذي اغلق غطاء الكابينه وأستعد للأقلاع في تركيز
صدر الامر من العقيد تحسين للتشكيل بالاقلاع ، فبدات الطائرات بالتحرك ببطء علي الممر ، فوقف أحمد في وضع الانتباه وادي التحيه العسكريه لزملائه ، و بادروه بالرد
وانطلقت الطائرات علي الممر الفرعي وحلقت سريعا،وبعدها جري أحمد الي مركز القيادة ليستمع الي اللاسلكي ، وكانت التعليمات بمفاجأه العدو مما يعني الطيران علي ارتفاع منخفض لتفادي الكشف الراداري كذلك منع اي احاديث لاسلكيه لتجنب الرصد
أستقر التشكيل وأتخذ أتجاهه شرقا ،السمري في المقدمه يليه والي اليمين منه المليجي ، سرعان ما وصلت الطائرتين الي وسط سيناء حيث أمتلئ الافق امامهم باعمده الدخان الاسود في كل اتجاه ، فالخطوط الاماميه تقترب ، ونظرا لارتفاعهم المنخفض فقد أستطاعا مشاهده تحركات قواتنا التي تتحرك في كل الاتجاهات ، ثم عبرا فوق القوات الاسرائيليه الني وضح انها تقدمت مسافه غير قليله داخل سيناء ، نظر السمري الي مدحت مندهشا بما يراه لكن مدحت كان مركزا كل التركيز في مسارة
كان الطيارين بالمطار منتظرين اي اشارة لاسلكيه فطبقا لحسابات السرعه والزمن التي يحفظها اي طيار ، فقد قدر الجميع ان التشكيل لابد وانه فوق منطقه الهجوم
كان الجميع في حاله صمت ، اما أحمد فقد كان صامتا مدخنا بشراهه محاولا اخفاء قلقه
كان الحديث بين السمري ومدحت بالاشارات المتفق عليها ، ووصل التشكيل بعد دقائق لموقع الهجوم ، وهنا تحدث السمري لاسلكيا (( من أحمد الي تحسين – من احمد الي تحسين))
انتفضت حواس الرجال حول اللاسلكي مع صوت السمري ،
رد العقيد تحسين )) من تحسين الي أحمد –أسمعك بوضوح، أبدا الاشاره))،
السمري (( أحنا فوق منطقه الهدف لكن مفيش مطار هنا ، اطلب تعليمات ))
تدخل المليجي مقاطعا (( يافندم ممكن نتجه شمالا ؟؟الاحداثيات ممكن تكون فيها غلط ((
سكت العقيد تحسين لثوان )) من تحسين الي احمد – اتجه شمالا مسافه عشرين كيلو لو مفيش هدف تخلص من الحموله وأرجع علي طول ))
رد السمري بالعلم وبالفعل أستدارت الطائرتين تجاه الشمال ، كان معدل أستهلاك الوقود علي اعلي مستوي نظرا لاستمرار الطيران المنخفض ، وكانت عيني السمري تتابعان مؤشر الوقود بأستمرار
بعد دقائق صاح المليجي في اللاسلكي بوجود مطار علي اليمين ، كان قلق السمري من استهلاك الوقود دافعا لأمر المليجي بمهاجمه المطار علي غارة واحده ثم الارتفاع والعودة ، وبالفعل أتخذت الطائرتين زاويه الهجوم علي ما اتضح أنه ارض هبوط بها عدد من الطائرات الهليكوبتر وطائرات النقل، اتجه السمري تجاهها وقذف ارض الهبوط ، بينما أتخذ المليجي وضعيه الهجوم علي منطقه انتظار الطائرات ، والقت الطائرات قنابلها بسرعه واستدارت تجاه الغرب ،
وبينما الطائرات تستدير كانت عينيي مدحت تتابع الاتفجارات في المطار واعمده الدخان الاسود المتصاعد
فصاح (( علشان ولاد الكلاب يذوقوا اللي اذاقونا منه امبارح ((
رد السمري بجديه )) أرتفع لثمان الاف قدم وتخلص من خزاناتك الاحتياطيه))
كان السمري يهدف من وراء هذا الامر الي التخلص من الوزن الزائد وتقليل استهلاك الوقود .
وبالفعل أرتفعت الطائرتين وزادت من سرعتهما بعد ان القتا خزانتهما الاضافيه التي فرغت تماما ، وبعد ثوان جاء صوت العقيد تحسين في اللاسلكي
(( من تحسين الي احمد – اربع اهداف وراكم – مسافه تمانين كيلو - أستمر علي نفس الاتجاه والسرعه ))
كانت جمله الرجل مفاجأه لأحمد الذي سارع بالتدقيق في شاشه الرادار التي تظهرالتشكيل يقطع سيناء من الشرق للغرب ومن خلفه بمسافه اربع نقاط تسرع تجاههم
بعد ثوان قال أحمد في قلق )) دول طيارات ميراج ............ حيلحقوهم قبل القنال((
تساءل ضابط الرادار في قلق كيف عرف انهم ميراج؟ فرد احمد ان سرعتهم الكبيرة في اللحاق بسرعه السوخوي تعبر انها طائرات ميراج
)) من تحسين لاحمد – الاهداف المعاديه وراك بعشرين كيلو)) بعدها بثوان
)) من تحسين لاحمد – الاهداف المعاديه وراك بعشره كيلو))
صاح ألمليجي في اللاسلكي (( انا شايف القناه علي الافق ))
كان القلق قد وصل بالجميع لذروته والاعين ملتصقه بشاشه الرادار
جاء صوت العقيد تحسين مرة اخري )) من تحسين لاحمد – الاهداف المعاديه وراك بأثنين كيلو- تجنب الاشتباك قدر الامكان ))
في نفس الوقت هرع الرجل تجاه التليفون مبلغا قرار أقلاع طائرتين سوخوي كانتا جاهزتين ومسلحتين بالصواريخ للنجده، فقد كان متوقعا حدوث مطاردة من طائرات العدو ، وفضل القائد الانتظار حتي يكون الاشتباك قرب القناه حيث يمكن مسانده طائرتنا
كذلك تكون طائرات العدو قد استهلكت جزء كبير من وقودها مما لا يمكنها من الاشتباك لوقت طويل ، وبالفعل أقلعت الطائرتين في ثوان
جاء صوت السمري في اللاسلكي (( أنفصل يا مدحت )) كان السمري يأمر المليجي بالانفصال عن التشكيل والاشتباك فتدخل العقيد تحسين مرة اخري )) من تحسين لاحمد –الدعم في طريقه لك ((
كانت المعركه قد حدثت بالفعل قرب الاسماعيليه لكن موقف الوقود بالطائرتين كان دقيقا جدا والمعارك الجويه تتطلب وقودا اضافيا للمناورات
صاح المليجي في اللاسلكي (( انا راكب ديل طيارة ميراج ))
السمري )) شايفك يا مدحت وضعك ممتاز ))
وبعد ثوان قليله صاح المليجي فرحا (( أنا أصابته ، انا أصابته ((
السمري )) مدحت – فيه طيارة راكبه ديلي – ساعدني ((
أستدار مدحت بطائرته لنجده السمري فوجد طائرة ميراج تطلق نيرانها علي طائرة السمري بينما الاخير يحاول الافلات بمهارة كبيرة ،لكن في النهايه تمكنت الميراج الاسرائيلي من أصابه محرك السمري
فصاح مدحت )) طيارتك بتدخن يا سمري نط منها(( السمري )) لا ...لا أنا مسيطر عليها كويس ((
لحظات المعركه مرت سريعا ، لكن علي الارض وسط القلق الرهيب من العقيد تحسين وطياريه وخاصه احمد مرت كدهرا ، فأحمد يصور ما يسمع في خياله ويفرض الحلول سريعا
وفجأة وبدون أي مقدمات ،أنسحبت الطائرات الاسرائيليه بسرعه عاليه تجاه الشرق تاركه سماء المعركه
جاء الصوت في اللاسلكي من محمد خميس قائد تشكيل الدعم الذي أقلع من ثوان
)) الطائرات المعاديه بتنسحب يا فندم – اطلب الاذن بالمطارده))
رد العقيد تحسين (( لا – أرجع الي قاعدتك – الاولويه للمليجي والسمري في الهبوط))
محمد خميس(( فيه طائره ميراج امامي يا فندم –ارجوك – أنا في وضع ممتاز لضربها ))
العقيد تحسن بعد لحظات تفكير (( أشتبك بسرعه وعد لقاعدتك ((
صوت المليجي في اللاسلكي (( يا سمري انا هاحاول انزل في ابوصوير لانه الاقرب ومش هلحق اوصل فايد ، انت هتعمل ايه؟؟ )) السمري )) انا مسيطر علي الطيارة كويس وانا قرب فايد ))
وفور سماعهم الاشاره أسرع احمد وزملائه الطيارين الي ساحه المطار حيث يتابعون وصول السمري في قلق وترقب ،وبالفعل شاهد الجميع طائرة السمري والتي يخرج منها دخان اسود كثيف تقترب من الشمال وبعد نصف دقيقه تقريبا سمع العقيد تحسين صوت محمد خميس في اللاسلكي بحماس شديد
)) انا ضربته يا فندم ، الطيارة الميراج انفجرت – الطيار مقدرش ينط منها((
العقيد تحسين بفرح (( علم -مبروك – عد لقاعدتك فورا ))
خرج العقيد تحسين الي برج المراقبه سريعا ، وتابع بنظارته المكبره طائرة السمري وهي تدور أستعدادا للهبوط علي الممر الفرعي ووقف الرجال قلقين يتابعون السمري وهو يهبط بطائرته المصابه ،
أسرعت سيارتي أسعاف ومطافئ الي الممر لنجدته ، كان واضحا صعوبه التحكم في الطائرة لكنها هبطت بسلام وتوقفت بسرعه، وشاهد الجميع السمري يقفز منها ويعدو بعيدا جريا حيث مازالت الطائرة معرضه للانفجار في اي لحظه ،سرعان ما أستطاع رجال الاطفاء السيطرة علي النيران بمحركها .
في نفس الوقت كان المليجي يحوم بطائرته فوق مطار ابو صوير ، وكمطار فايد فقد دُمرت الممرات والطائرات ، ولم يكن هذا المطار يشبه ذلك المطار الذي زارة من ايام عند لقاء الرئيس جمال عبد الناصر ، فقد أصبح مدمرا تماما ، ومن الجو لم يجد المليجي مكانا علي الارض الا وبه اثار انفجار لقنبله وكان واضحا من كم الحرائق المشتعله بكل مكان أن المطار قد تعرض لغارة قويه منذ لحظات قليله
المليجي )) من مدحت المليجي الي برج مطار ابو صوير، اطلب الاذن بالهبوط الاضطراري ،مفيش وقود كفايه ))
صوت في اللاسلكي ((معاك المقدم فاروق الغزاوي يا مدحت ابدأ في الهبوط علي الممر رقم1 لك الاولويه ))
مدحت مندهشا (( لكن الممر مضروب يا فندم!! )) المقدم فاروق (( مش كله – ممكن تنزل علي جزء منه ))
أحس مدحت بالقلق والريبه في حديث الرجل ، فمن موقعه بالجو يري انه مستحيل الهبوط علي الممر الرئيسي
مدحت )) أطلب الاذن بالهبوط علي الفرعي )) المقدم فاروق (( طلبك مرفوض- الفرعي عليه حركه هبوط ))
مدحت منفعلا)) انا ليا الاولويه )) المقدم فاروق منفعلا )) نفذ الامر وانزل علي الممر الرئيسي ))
في هذه اللحظه تدخل صوت مرح علي اللاسلكي)) انت ايه اللي جايبك هنا يا برنس؟((
تعرف مدحت علي الصوت بسرعه وصاح (( عبد المنعم مرسي ... انت فين ؟؟؟))
عبد المنعم )) انا داخل علي الممر يا برنس ....))
رصد مدحت طائرة منعم زميله والتف بطائرته ليكون خلف زميله بمسافه وبدأ مدحت يتخذ وضع الهبوط ووضع الممر امام طائرته وقام بأنزال عجلات الهبوط ،مدحت )) هننزل ازاي يا منعم ؟؟ الممر مضروب علي الاخر ))
منعم )) انا عارف ، انا لسه طالع من علي الفرعي لان حالته احسن، بس الاوامر ننزل علي الرئيسي ))
مدحت ممازحا رفيقه )) وايه اللي طلعك من أصله ؟؟))
منعم بجديه )) كان فيه غاره علي المطار ، وطلعت ووقعت لهم طيارتين ميراج ))
مدحت فرحا (( تسلم أيدك يا بطل .. اهو ده الشغل ولا بلاش ))
عبد المنعم مرسي قبل النكسه بأيام مدحت المليجي يتوسط اثنان من زملائه
والصورة من مطار ابو صوير اثناء لقاء الرئيس في مطار ابو صوير
أقتربت الطائرتين من ممر الهبوط والذي أمتلئ بالفجوات نتيجه القصف الجوي
وتمتم مدحت في اللاسلكي محدثا نفسه )) مش هينفع – مش هينفع خالص((
وتابع طائرة منعم تقترب من ملامسه الارض وبكل خليه في جسده تدعو لنفسه ولزميله بالسلامه من هذا الموقف الصعب ،لامست عجلات طائرة منعم الارض وبدأت سرعتها في التناقص ومن بعده مدحت يقترب ، وفجأه شاهد مدحت فجوات صغيره علي الارض يصعب رؤيتها من الجو ، فصاح محذرا )) حاسب يا منعم – حاسب (( وقبل ان يتلقي ردا ، أنفجرت طائرة زميله علي الارض انفجارا مدويا وتحولت الي كتله من النيران نتيجه انقلابها من جراء أحد الفجوات ، وتوهجت السماء امام مدحت من جراء الانفجار ، لكنه وبرد فعل تلقائي وبسرعه البرق زاد من سرعه طائرته وأنحرف مبتعدا عن كرة النار التي أمامه
صرخ مدحت بأقصي ما يمكنه مناديا علي صديقه وزميله الذي فارق الحياه في هذه اللحظه ، ودمعت عينيه سريعا ،وبدون تفكير صاح في ألم (( خيانه – دي خيانه، ليه تقتلوه ، ليه تخلوة ينزل علي الممر وهو مضروب ليه ليه ؟؟ خونه ، كلكم خونه عايزين تموتونا وتسلموا البلد لليهود))
دار بطائرته حول الممر وطائره صديقه تحترق عليه ، وتشوشت الرؤيه من امامه نتيجه شلال الدموع المتدفق وأهتزت يديه التي تمسك بعصا القياده ، كل ما فكر فيه هو ان يهبط ليقتص من هذا المقدم الذي أصر علي هبوطهم علي ذلك الممر المدمر والح عليه هاجس التأمر ، فقرر عدم الهبوط نهائيا بهذا المطار الملعون
وأستدار بطائرته متذكرا تعليمات الطوارئ بإمكان أستخدام أجزاء من طريق القاهرة الاسماعيليه الصحراوي كمهبط أضطراري واتخذ الطريق تجاه الطريق
وبينما أصوات الانذار تصدح بالطائرة معلنه قرب نفاذ الوقود ، شاهد امامه الطريق يقترب وفجأه أختفت أصوات الانذارات من الكابينه أو هكذا توهم ، فقد مر علي ذاكرته شريط طويل بكل ما ربطه بزميله وصديقه عبد المنعم مرسي صاحب الضحكه المميزة والروح المرحه وأشياء كثيرة جميله أفقدته اعصابه وقدرته علي التحكم لبرهه وأهتزت الطائره به ، لكنه عاد وركز كل تفكيرة في الهبوط سالما علي الطريق، وعادت اصوات الانذار الي اذنيه تصرخ في فضاء الكابينه لكن الدموع واصلت انسيابها ساخنه في هدوء وصمت
وبالفعل تخير مدحت بسرعه قطعه مستقيمه وممهده من الطريق الممتد ليهبط عليها ، كانت صافرات التنبيه بالطائره تصرخ بلا أنقطاع بأن الوقود قد نفذ تقريبا
أنزل مدحت عجلات الهبوط ووضع الطريق امام طائرته وبدأ في الهبوط وهو يقرأ ايات قرأنيه ، فأحتمالات النجاه قليله لكنه مجبر علي ذلك ، فهو يعلم مدي حاجه مصر لكل طائرة الان ، ومن المستحيل ان يفرط في طائرته بسهوله، فهو ليس أقل من منعم الذي تمسك بطائرته حتي الموت .
بدأت طائرته في الهبوط ببطء وامامه الطريق خال تماما ، لامست عجلات الطائرة الارض وفي نفس اللحظه توقف المحرك تماما عن العمل فتنفس الصعداء، وحمد الله أن الوقود كان كافيا للهبوط وبدأ في الضغط علي المكابح لتتوقف الطائرة ، وبينما الطائرة تتوقف ببطء فجأه لمحت عينيه سيارة تأتي في الاتجاه المعاكس له – سيارة مدنيه تقل عائله –وكأنها ظهرت امامه من العدم فكيف لم يلاحظها من قبل؟، في لحظه تلاقت عيني مدحت مع عيني قائد السيارة الذي اصيب بالفزع التام ، لمح مدحت سيده تحمل طفلا بجوار السائق ، ملامح الفزع تكسو العائله ومدحت نفسه ، فالطائرة والسيارة تنطلقان تجاه بعضهمها البعض في سرعه ، واصبحت كارثه علي وشك الوقوع ، فكيف يتصرف وقد توقف محركه عن العمل ، ولا مجال لكي يقلع مره اخري ،وبرد فعل لا ارادي ضعط مدحت علي رافعه صغيرة لتنحرف الطائرة بسرعه كبيرة خارج الطريق ومال معها الجناح ليلامس الارض خارجه عن الطريق ، لتمر السيارة في سلام .
العاشرة صباحا : وسط صحراء سيناء
مازال طاقم مطار السر منتظرين النجده في الصحراء وقد باءت كل محاولات أصلاح السيارة بالفشل ، تعالت صيحات الجرحي من الالم بينما توفي اثنان منهم جراء اصابتهم الشديده ، وقام الرجال بدفنهم والصلاه عليهم .
مر وقت كبير علي الرجال في الصحراء ، بلغ العطش مداه بالرجال ونال الارهاق من عزيمتهم فأرتمي كل منهم في ظل السيارة بينما نام بعضهم تحت السيارة اتقائا من لهيب الشمس ،
لم يقو عمر او طارق علي الحديث ، وكان لسان حال الجنود بأنه مقدر لهم ان يظلوا منتظرين للنجده طوال هذه الحرب، وزاد من معاناه الرجال النفسيه عدم أمكانهم نجده المصابين ، حتي المياه التي جمعوها للمصابين نفذت
قاربت الساعه علي الثانيه عشر ظهرا عندما سمع الجميع صوتا قادم من الشرق صوت لمحركات تجاههم ، اهي نجده ؟؟ ظهرت مقدمه السيارات وتعالي صوت المحركات يصم الاذان ، شاهد عمر وطارق عربات مدرعه مصريه وسيارات نقل تسرع بجوارهم متجهه نحو الغرب فخرج الجميع من جانبي الطريق محاولين إيقافهم وبالفعل أستجابت بعض السيارات وتوقفت لتقل الرجال والمصابين ، وتكدس الرجال علي من بالسيارات من جنود، كذلك تكدس المصابون علي الارض، ما لبثت السيارات أن أنطلقت مرة أخري لتنضم للقافله
وبعد دقائق تعرف طارق وعمر علي أحد الضباط الشبان وتساءل طارق عن وجهتهم
فرد النقيب الشاب (( احنا رجعين خط الدفاع التاني))
تساءل عمر في قلق )) وراجعين ليه ؟؟ ليه مش بتهاجوا ))
رد النقيب (( والله دي التعليمات اللي جت لنا الصبح ))
تساءل طارق في فضول (( يعني اليهود هاجموكوا وعلشان كدة بتنسحبوا لخط الدفاع التاني ))
صاح النقيب بغضب وكمن مسه كهرباء (( أحنا مش بننسحب و متقولش الكلام دة امام الرجاله (( فأعتذر طارق في ادب عن سوء اختيارة اللفظ ،واستكمل النقيب شرحه بغضب (( فيه وقت بيكون للمناورة بالقوات تأثير اقوي من أشتراكها في القتال ، أكيد قواتنا بتحارب دلوقت ، لكن تحركنا لخط الدفاع التاني ممكن يكون لتنفيذ مهام اكبر من المهمه اللي كنا متمركزين علشانها )) كانت أجابه النقيب شافيه جدا ومنطقيه جعلت الابتسامه تأخذ طريقا لوجه عمر بينما مال طارق ناحيه حافه صندوق السيارة وهام في التفكير
وبينما طارق هائم في التفكير لمح بعينيه شيئا يلمع في السماء ، دقق النظر لثانيه ، فوجد طائرتين تدوران حول القافله المتحركه ، فأشار الي عمر الذي تابع تحركهم ، ثم نظر الاثنان لبعضهما البعض في فزع ، فقد أدركا بخبرة الطيارين ان هاتين الطائرتين تستعدان لمهاجمه القافله، فصاح عمر في السائق بان يقف بسرعه لكن السائق لم يستجب في بادئ الامر لكنه مع الحاح طارق وعمر توقف وتوقفت معهم السيارات التي خلفهم ، بينما أستمرت باقي السيارات الاماميه في سيرها ، أمر عمر الرجال بمغادرة السيارة سريعا وبدأ في معاونه المصابين للهبوط ، في تلك اللحظه بدأت الطائرات في مهاجمه السيارات والرجال ،والذين بدأوا بدورهم في الاحتماء علي جانبي الطريق ، عم الفزع ارجاء الصحراء ومع أصوات القنابل أختلطت أصوات الرجال تطلب النجده،فبدون اي مقاومه تناوبت الطائرتين مهاجمه السيارات المتوقفه بدون اي حمايه، ثم تحولت لقنص الرجال في الصحراء بمدافعها بعد ان أفرغت قنابلها علي السيارات، مشهد فظيع شاهدته اعين طارق وعمر ، فالرجال يموتون كل ثانيه حولهم والسيارات تحترق الواحد تلو الاخري ويحترق ما بها وحولها من رجال .
أحد السيارات المحترقه وبجوارها جثه جندي مصري
يكاد عمرأن ينهار من وطأه ما يراه امام عينيه، فالموت يلاحق الرجال بدون ان يستطيعوا ان يقاوموا أو يحتموا ، لكنه ظل يتساءل بغضب )) فين طياراتنا؟؟؟((
وانتهت الغارة سريعا وانسحبت طائرات العدو، مخلفه طابورا طويلا من السيارات المحترقه والجثث والمصابين وخرج الرجال من مخابئهم يشاهدون المذبحه ، فالقتلي بالعشرات كذلك المصابين
وكثير من الرجال فقدوا أعصابهم وهو يرون زملائهم قتلى او اشلاء ، فتحولت ساحه المذبحه الي هرج كبير ، فالسباب واللعنات تطايرت من الجنود البسطاء لتطول الجميع ،فقد أنفجر بركان الغضب داخل الجنودالبسطاء وكان لابد من ان يتم السيطره عليه .
ووجد طارق وعمر انهم أقل شاءنا وقوه من أن يتمكنوا من السيطره علي هذا الموقف المتدهور
ثم دوت فجأه طلقتي نار ، التفت الجميع نحو مصدرهم فظهر من جانب الطريق مقدم بالجيش يحمل رشاشا اليا مصوبا تجاه الجنود ، أمرهم بأن يتوقفوا عما يفعلون والا سيضرب عليهم النار فورا .
توقف بعض الجنود عن الصياح وبدؤأ في البكاء المرير ، بينما لم يتوقف البعض الاخر وواصلوا سباب الضابط ، فما كان منه الا ان اطلق بضع طلقات قريبا منهم محذرهم مرة اخري ،فتوقفوا بينما سارع عدد من ضباط الصف في احتواء الموقف وتهدئه الجنود .
أمر المقدم الجنود بجمع المصابين وإيجاد سيارات سليمه لكي تنقلهم فبدأت الحركه تدب مره اخري في الجنود والضباط علي حد سواء وإن لم تتوقف الاعتراضات واللعنات ، وأمكن أيجاد ثلاث سيارات سليمه من أصل عشرون تم قصفها ، وبسرعه تم تجميع الرجال والمصابون الباقون والذي قاربوا المئتين بالسيارات
كان من نصيب عمر وطارق احد السيارات التي ُكدس بها عدد كبير من المصابين، وتحركت السيارات الثلاث مره أخري ،ومن مكانهم بأعلي كابينه السياره ، ودع عمر وطارق عدد من رفاقهم الشهداء الذين تركوهم في الصحراء، و تشتت رجال المطار ولم يبق معهم أحدا يعرفونه
أشعل عمر سيجاره واعطي طارق واحده اخري ، فربما يستطيع دخان السيجاره أن ينفث عما لا تستطيع الكلمات ان تنفثها ، ثم أحس عمر بأصابع تلامس حذاءه فنظر لاسفل تجاه صاحب هذه الأصابع فإذا هو النقيب الشاب الذي كان يتحدث معهم منذ دقائق ، كانت اصابته بالغه جدا، فقد بترت ساقيه وذراعه ، وملئت الدماء نصفه الاسفل تماما ، بهت عمر عندما شاهده لكنه تمالك اعصابه بصعوبه .
كانت عيني الضابط تقول شيئا لكن لسانه لايقوي علي قوله ، فتساءل عمر بود عما يريد ، لكن الرجل لم يقوي علي الاجابه وكانت عينيه متسلطه علي السيجاره التي بيد عمر ، فهم طارق مراد النقيب الشاب ، فأشعل له سيجاره ووضعها في فمه فظهرت علي عيني النقيب نظره رضا وهو يتنفس دخان السيجاره
فبادر عمر بوضع علبه سجائر كامله في جيب ستره هذا الشاب وربت كل كتفيه وهو يتصنع أبتسامه ، ما لبث ان أستدار تجاه الطريق واطلق العنان لدموعه ومشاعره المكبوته طوال يومين ، فهذا النقيب الشاب كان طليقا منذ دقائق والان هو علي موعد مع الموت وتقلصت احلامه وأمنياته في الحياه الي حد السيجاره التي تمناها في لوعه، بينما استمرت السيارات في سيرها تجاه الغرب حامله معها انين المصابين واحلام الباقين بالنجاه
مطار فايد : الثالثه ظهرا
مازال وضع مدحت المليجي غامضا ، فالاتصالات مع مطار أبو صوير لم تأت بجديد عنه ، والقلق يعتري الجميع علي صديقهم وزميلهم ، وإن كان هبوط السمري سليما واسقاط محمد خميس لطائرة ميراج قد رفع الروح المعنويه ، أمر أخر ساعد في رفع الروح المعنويه للطيارين ، فبعد أتصال هاتفي مع مطار غرب القاهرة تم التأكد بان الرجال هناك يقومون بتركيب عدد غير قليل من الطائرات التي وردت قبل الحرب بأيام ورغم هرب الفنيين السوفيت من المطار حين تم قصفه الا ان الفنيين المصريين واصلوا العمل بلا انقطاع .
كان الطيارين يجلسون في ميس الطيارين يتناولون الغذاءصامتين ، وكل منهم في فلكه الخاص بينما أحمد ومحمد خميس والسمري يتحدثان عن نتائج عمليات اليوم ، بينما الباقون صامتون وفي احد اطراف الميس ، ووقف العقيد تحسين مع قائد وحده المهندسين يتحدثون عن اصلاح الممرات ، وعلي أول الممر تربض طائرتي سوخوي مسلحتين بالصواريخ وبداخلهم الطيارين جاهزين للاقلاع ، بينما حملت طائرتين اخرتين بالقنابل ووضعتا بمعزل تمهيدا لاي اوامر مفاجئه .
أحمد ينظر من نافذه الميس الي الطائرتين وعقله يفكر وينقل قلقه علي البرنس الي السمري بينما السمري لديه أحساس مطمئن لسلامته ، وخميس ُيصدق علي كلام السمري،
وبينما الحديث دائر يتواصل حرق السجائر الواحده تلو الاخري دليل علي احتراق الاعصاب ، خميس يلفت نظر أحمد والسمري الي ملامح العقيد تحسين والتي تزداد حنقا وغضبا مع مرور الوقت ، فقد أبلغته القياده بان هناك طائرات جديده في الطريق كأستعواض لخسائره لكنها لم تأت ، وتشبث الطيارون ببريق الامل هذا ، بينما السمري هو الوحيد المدرك ماذا يدور في عقل قائده من أحباط لحجم الكارثه، وان الطائرات الجديدة ربما لن تأتي قريبا ، فقد أنعدمت ثقته في القياده العليا بالقاهره تماما.
وفجأه دخل جندي اللاسلكي الي الميس مهرولا تجاه العقيد تحسين مسلما اياه أشاره لاسلكيه ،و صمتت القاعه تماما وتابعت الاعين والحواس كلها رد فعل القائد .
تمعن القائد في الاشاره ثم دعا السمري وزميلين له من لواء السوخوي الي مكتبه سريعا
ووسط نظرات التعجب والدهشه من باقي الطيارين دلف السمري ومن خلفه النقيب عبد المنعم الشناوي والملازم اول محمد بخيت الي مكتب القائد وبعد ربع ساعه خرج السمري ومن خلفه الطيارين حيث أسرعا الي أرض المطار ، بينما أستوقف احمد وخميس السمري متسائلين .
وبدون ان ينظر في اعينهم أجاب السمري (( فيه قوة أسرائيليه أخترقت الحدود عند الكونتلا ، وصدرت لنا الاوامر بقصفها )) ثم استدار السمري متوجهها لارض المطار حيث يتابع تجهيز طياريه للاقلاع
نظر خميس لاحمد نظره حائرة قائلا (( أنت فاهم حاجه ؟؟؟))،
نظر أحمد للارض قائلا بتأثر (( انا خايف أفهم ))، أستطرد خميس بحيره )) يعني أنت بتفكر في اللي أنا بفكر فيه ؟؟؟؟))نظر أحمد لعيني خميس المتسائله بعمق ، ولم يجب أنما أستدار خارجا الي أرض المطار لمتابعه أقلاع الطائرتين فلحق به خميس مفسرا ما يجول في خاطرة )) يعني نصدق مين ، الراديو اللي بيقول أننا بنحارب جوة أسرائيل من أمبارح ؟؟ ولا إن اليهود هما اللي أخترقوا حدودنا؟ (( ثم صمت لثوان وأستكمل تحليله متسائلا )) تفتكر الاشارة دي غلط ، وقصدهم جوة أسرائيل ؟؟؟(( أستدار أحمد محدقا بغضب في عيني خميس (( حتي لو الاشاره غلط ، فين طيارتنا اللي في سينا علشان هي اللي تهاجم ؟؟؟ أنا خايف يا خميس نكون أنضربنا ضربه كبيرة وأحنا مش عارفين ، أنا من امبارح مشفتش طياراتنا خالص، طيب فين طيارات ابو صوير وكبريت وإنشاص وبني سويف والقطاميه ، المفروض يعلموا لنا مظله لحد ما نجهز؟؟؟ ((
سكت خميس تماما أمام رد أحمد وتغيرت ملامح وجهه ، بينما استكمل أحمد سيره داخل ارض المطار حتي توقف متابعا للسمري الذي فرد خريطه امام الشناوي وبخيت يشرح لهم عليها
بينما أحمد كل حواسه وخلايا جسده تحسد هؤلاء الطيارين علي قيامهم بالطيران بينما هو مكبل بالارض منتظرا طائرات جديدة ميج 21 لكي يطير ، ثم أردف في نفسه متهكما في حنق ))ولاد الكلب ، مكنوش قادرين يسيبوا طيارة واحده ميج أطيرعليها ؟)) وبعد وقت قليل أقلعت الطائرتين محملتين بكميه لابأس بها من القنابل ، متجهتين نحو الحدود وكما كان متبعا مع تشكيل السمري والمليجي ، فقد واصلت الطائرتين تحليقهما علي ارتفاع منخفض جدا وبصمت لاسلكي تام
تابع الرجال في غرفه القياده الساعه المثبته علي الحائط ، كل منهم يحسب الوقت والسرعه ويقدر بطريقته الخاصه مكان تواجد تشكيل الشناوي الان ، مر الوقت سريعا ولم تأت اي أشارة من الشناوي ، أأصيب الاثنان ام ماذا حدث ؟؟؟؟ يميل خميس علي اذن احمد محدثا )) المفروض يكونوا راجعين دلوقت ، ازاي مظهروش علي الرادار لغايه دلوقت ؟؟؟ ((ولم يجب احمد ، لانه ببساطه لا يملك الجواب فقد حسب وقدر الزمن والمسافه وتوصل لهذا الاستنتاج من دقائق
فجأه يقطع صوت اللاسلكي فضاء الغرفه (( من الشناوي لتحسين – نفذنا المهمه – وأحنا غرب المضايق راجعين )) تنفس الجميع الصعداء من هذه الاشارة التي رد عليها العقيد تحسين بالعلم
بعدها بثوان ظهرت نقطتين علي الرادار متجهتين غربا ، صاح عامل الرادار فرحا بأنه تشكيل الشناوي .
تبسم أحمد ومال علي خميس )) الشناوي خدها رايح جاي علي ارتفاع منخفض – علشان كده مظهرش علي الرادار (( اومأ خميس رأسه ايجابا مبتسما
بعدها بدقائق كانت طائرتي الشناوي وخميس تهبطان و تصطفان مرة اخري بجوار الاشجار ، حيث تباري الطيارين والضباط والفنيين علي الهروله تجاههم مهنئين بسلامه الوصول ومستفسرين في فضول عما شاهدوه داخل سيناء.
لكن الشناوي كان غاضبا ولم يتقبل تهنئه اي من زملائه وأخترقهم مسرعا الي مكتب قائده ، وفي فضول بالغ أمسك احمد والسمري بمحمد بخيت متسائلين عن سر غضب الشناوي فرد عليهم بأن القوات الاسرائيليه تبعد عشرون كيلو متر فقط عن المضايق في وسط سيناء
وانهم قصفوا مدرعات العدو في موقع يبعد ستون كيلو مترا عما قيل لهم ، كما اردف بخيت بأسى أن الحرائق تملئ سيناء، وان قواتنا مشتبكه في وسط سيناء وليس علي الحدود
نظر خميس الي أحمد ، فوجده قد أحتضن خوذته ومال عليها برأسه في أسي وأنصرف من دائره الحوار ، هم خميس بأن يلحق به الا ان يد السمري أمسكت به وفي صرامه قال السمري (( سيبه يا محمد ، لازم يأخد الصدمه علشان يقدر يفوق بسرعه ((نظر خميس الي السمري (( يعني انت كنت عارف؟؟ )) فنكس السمري رأسه .
سار أحمد مبتعدا وعقله يحترق ، وأعصابه تكاد تنفجر غيظا وكمدا مما عرفه الان ،ووصل قرب شريط الاشجار المحيطه بالمطار ، وبجوار جناح أحد الطائرات الميج المحترقه ، جلس أحمد وبكي ، بكي كما لم يبك من قبل ، فقد اصبحت مخاوفه حقيقه فقوات العدو تدحر قواتنا في سيناء بينما هو جالس علي الارض لا حول له ولا قوه وأستمر يبكي ويعتصر شفتيه بأسنانه وقتا حتي ادمت دما، تابعه السمري وخميس من بعد لكنهم تركوه ه حتي يهدأ
كان عقله يحاول ان يجد تفسيرا معقولا لما يحدث ، فكيف حدث ما حدث ، وكيف سمحنا بان يحدث ذلك ،أمعقول ذلك ؟؟ قوات اليهود في سيناء مره أخري ؟؟؟ اهذا هو الجيش الذي سيلقي به عبد الناصر اليهود في البحر ، هل معقول ان يصلوا قرب المضايق خلال يوم ونصف فقط من القتال ؟ دار عقله ودار ودار يبحث عن اجابه لتساؤلات ، وكان كلما وقف مشلولا امام جواب لسؤال ما ، يجد الدموع تطفو مره أخري علي عينيه .
بعد حوالي الساعه أتجه السمري لاحمد ، كان السمري جاهزا لان يقول كلاما كثيرا ليشد من أزر أحمد الا انه فوجئ بأحمد يتجه اليه متحديا منفعلا (( الطيارات هتيجي امتي يا سمري ؟؟؟ ولا مفيش طيارات ؟؟ رد عليا …الطيارات هتيجي أمتي ؟؟؟ انا مش قادر اقعد علي االارض واسيب الجيش يتضرب ، لازم نطير يا سمري ، لازم لازم )) ثم أنخرط في بكاء شديد ، لم يجد السمري قوة ليقول شيئا فما كان منه الا ان احتضن احمد وتركه يبكي في مراره وهو يردد (( سينا هتروح منا تاني يا سمري ))
وسط صحراء سيناء – الخامسه عصرا
مازالت السيارات تخترق الطريق الاوسط متجهه غربا ، حامله معها عمر وطارق ورفاقهم من الضباط والجنود والمصابين ، توفي اربعه مصابين في الساعات الخمس الماضيه ، وكان يجب دفنهم سريعا والاستمرار في السير ، وكان الضابط الشاب هو اخر المتوفين ، وقد أصر طارق وعمر ان يشاركا في دفنه .
كانت ساعات أصعب ما تكون علي فتيه في مقتبل الشباب ، فرفاقهم يموتون الواحد تلو الاخر من حولهم ، والمصابين يعانون في الم من أصاباتهم والتي يجب ان يتدخل طبيب لعلاجها ووقف النزيف .
كانت الالسنه مشلوله عن الكلام عندما مرت طائرتي سوخوي مصريه فجأه فوق الرؤس منذ اكثر من ساعتين تقريبا ، حاول السائق وقتها ان يتوقف الا ان عمر صاح فيه فرحا بأنها طائرات مصريه فتابع السائق سيره ، رفعت جمله عمر من معنويات الرجال الذين وقفوا يلوحون للطائرات التي مرت ، أحس عمر وطارق بأحساس غريب جدا لم يعرفوة من قبل ، وهو احساس الجندي علي الارض عندما يجد طائراته تحمي سمائه ، فترفع من معنوياته لتعانق السحب،أحساس بالفخر والسعادة سرا في عروق الرجال بالسيارات الثلاث عند مرور الطائرتين
ربت طارق علي كتف عمر مبتسما رغم كل ما مروا به، فالامل موجود وقواتنا الجويه مازالت في المعركه ،فتابعا بنظرهما الطائرتين حتي اختفتا من الافق ، ودار الحديث وأستمع الباقون لهم في شغف ، تناقش الاثنان في حموله الطائرتين وهدفهما وخمن كل منهم من اي مطار اقلعت ، نبره الحديث اختلفت عن تلك التي سادت منذ ثوان ، فوجود بصيص امل رفع معنويات الرجال ، جعل لديهم دافع أكبر في سرعه العوده لاستمرار القتال سرعان ما هدأت نبره الحديث مع مرور الوقت ما ان وصلت وعادت الي الصمت مره اخري ،
ومع ارخاء الليل لستاره ، عبرت السيارات الثلاث مناطق الجبال الوعره مستمره في التوجه غربا وهم لا يعلمون الي اين يتجهون ، الا انهم لم يقابلوا من يرشدهم ، فأستمر السائق سيره بأقصي ما يتمكن من سرعه لبلوغ الامان.
وقرب منتصف الليل وصلت السيارات الي حافه القناه ، حيث كانت الصدمه تامه علي الجميع ، فسيارتهم الثلاث غرقت في بحر من السيارات والمدرعات المتكدسه استعدادا للعبور غربا ، فقد بدا وكأن الجيش المصري كله قد جُمع في مكان واحد للعبور علي هذا المعبر الوحيد الممتد قرب الاسماعيليه ، كم هائل من الفوضي وعدم النظام تعم الارجاء ، ولا يبدو وكان شخصا ما مسئولا عن تنسيق العبور
وقف عمر وطارق فوق كابينه السيارة يتابعون الموقف وقد شلت الالسنه وأحترقت الاعصاب مرة اخري من هذا المشهد والذي شبهه احد الجنود المارين بأنه يوم للحشر،
نظر عمر الي طارق طالبا تفسيرا لكن طارق كان صامتا كصمت القبور تماما ،فرغم ظلام الليل الا ان مصابيح السيارات والدبابات كشفت عن معبر صغير ممتد بعرض القناه والمرور عليه كله متجه غربا فقط ،
تساءل عمر في حيرة (( مش المفروض ان الدبابات دي داخله سينا ،؟؟؟ طب ليه بينسحبوا ؟؟)) لم يرد طارق أنما أشار الي عمر أن يرافقه ، ونزل الاثنان متجهين نحو المعبر ، وبينما هم سائرون مرا علي عدد من ضباط الجيش الشبان ، لسبب ما توقف عمر ناظرا الي أحد الضباط الذي كان يبكي بحرقه وهو يعض علي ما أتضح بعدها انه غطاء قماشي للرأس ، تساءل عمر في نفسه عما به ، ويبدو ان أحد الضباط قد فهم تساؤلات عمر فأشار اليه غاضبا بأن يمضي في حال سبيله ، وفعلا مضي عمر لاحقا بطارق ونظراته تتابع هذا الضابط المنهار حتي تلاشي وسط الظلام ، كان المرور وسط هذه الحشود من العربات والدبابات للوصول الي المعبر صعبا ، صمت طارق جر عمر أيضا الي الصمت رغم انه يحتاج الي تفسيرات عما يدور حوله ، فالغضب يملئ الرجال ، والاعصاب غير مسيطر عليها تماما ، وشاهد الاثنان عددا من الضباط يطلقون النار في الهواء لكبح جماح رجالهم ، طاف بعقل عمر عما قرأه عن فوضي الانسحاب البريطاني من اوربا في بدايه الحرب العالميه الثانيه عندما دحرتهم القوات الالمانيه بطول فرنسا حتي وصلوا الي جيب ضيق محاصر علي القنال الانجليزي عند ميناء دنكرك الفرنسي ، وتسارع جميع الشعب البريطاني لمساعدتهم في الانسحاب عبر القنال الانجليزي، فكل من كان يملك زورقا او قاربا أستخدمه لنجده الجنود .
تيقظ عمر من تفكيره عندما وجد طارق يتحدث مع بعض الجنود الذي يركبون احد السيارات الجيب الصغيره ، كانت السياره تحمل علامات القوات الجويه وتنتظر دورها في العبور الي الضفه الغربيه للقناه ، فهم عمر من حديث طارق معهم انهم من جنود مطار المليز ، وان التعليمات صدرت لهم بالانسحاب الي غرب القناه ، وقد استشهد عدد منهم في الطريق ، ولم يكن معهم أحدا من الضباط ، فأستدار طارق سائلا عمر (( أيه رأيك نروح معاهم ابو صوير ؟؟(( عمر )) أبو صوير هو اقرب مطار لنا دلوقت (( طارق )) علي بركه الله ((
وركب عمر وطارق في المقدمه وانتظرا حتي يحن دورهم في العبور عند المعبر .
وبعد ثلاث ساعات حان دورهم في العبور علي المعبر والذي كان يملك سلطه العبور عليه هو عريف للشرطه العسكريه ، والذي كان عصبي المزاج جدا وهو ينظم مرور هذا الكم الهائل من السيارات بمفرده ، وعند وصولهم الي الضفه الغربيه ، أضطرا الي اختراق عدد كبير من السيارات والدبابات التي تركها رجالها ، كان مشهدا مماثلا لما يجري شرق القناه ، غير ان الجنود تركوا سلاحهم وعتادهم فور عبورهم القناه .
انطلق طارق متجها شمالا تجاه طريق الاسماعيليه القاهرة ، وعلي الطريق الفرعي كان المئات من الجنود يسيرون علي جانبي الطريق وقد تركوا كل شئ ورائهم
كان مشهدا لا يقارنه مشهد أخر رأه طارق او عمر طوال حياتهم ، فها هو الجيش المصري ينسحب بعد ان ترك سلاحه وعتاده ومعنوياته ، جيش منسحب علي الاقدام ، الاعياء والتعب ينخر عظام الجنود ، جنود يترنحون من شده الاعياء، ملابس ممزقه ، بعضهم حفاه ، لا يجمعهم سوي شئ واحد ، هو الاتجاه غربا بعيدا عن العدو.................................
)) أحنا انهزمنا يا طارق )) أخيرا قالها عمر فجأه بعد ان حاول خلال يومين ان يتجنب التصريح بما يلح عليه عقله ، فعينيه جمعت خلال يومين من المشاهد ما أستنتج خلالها عقله بأنه هزيمه ، لكن عقله أيضا تمسك بأي حدث عكس الهزيمه ، فتمسك بقصه الانسحاب لخط الدفاع الثاني والذي مرا عليه بدون ان يروة لانه في الحقيقه ليس موجودا الا علي الخرائط وعقول القاده فقط .
وتمسك بمشهد الطائرتين التي مرتا عليهم هذا اليوم مما يعني ان قواتنا الجويه ما زالت مشتركه في المعركه ، ورفض بقيه المشاهد من ضرب مطارات سيناء وعدم رؤيه سوي طائرتين فقط ، وتمسك بالامل رافضا الهزيمه ، لكن ما يراه من أنسحاب الجنود سيرا علي الاقدام وتركهم لسلاحهم بدون تنظيم جعل الهزيمه تظهر له عاريه ومجرده من أي شكوك قد تساوره ، فقد قرأ وعرف بأن الهزيمه الفعليه تحدث عندما يفقد الجندي الرغبه في القتال وهؤلاء المنسحبون امامه ابلغ دليل علي الهزيمه
كان ينظر لطارق وهو يريده ان ينفي ما توصل اليه عقله ، لكن طارق كان صامتا تماما، وفي انعكاس لضوء سياره ظهرت الدموع علي وجه طارق تنساب مدرارا في هدوء ، وقتها ووقتها فقط ، تأكدت شكوكه تماما امام دموع طارق .
فأنهار عمر تماما ، وانخرط في بكاء مرير مما توصل اليه ، وبدأ وبصوت متحشرج يخرج من حلق مجروح يتساءل بينما الجنود المكدسين خلفه يحاولون التهوين والتخفيف عنه .
فتوقف طارق بالسيارة في منطقه منعزله وطلب من عمر النزول ، وأصطحبه خلف أحد التلال الرمليه خارج الطريق في هدوء قائلا (( أنت مش تحاول تمسك نفسك يا عمر ؟؟((
عمر منفعلا )) طيب أزاي ؟؟ وليه حصل كدة ؟؟؟ وفين الجيش والطيران ؟؟))
طارق بأسي (( انا كل اللي اعرفه إن الطيران انضرب كله ، كل المطارات انضربت وخرجت من العمليات ، اما بخصوص الجيش ، فحاله امامك أه . مش محتاج لكلام ((
أنهار عمر اكثر، وانخرط في صياح عال وهيستريا غير مصدق لما يقوله طارق رافضا فكره الهزيمه ،
فما كان من طارق الا انه استجمع قوته ورجه من كتفيه بشده صائحا فيه(( ده مش وقت عياط وإنهيار ، ده وقت لازم نمسك نفسنا كويس جدا لان لو كل واحد مننا أنهار زي ما انت عامل كده ، مش هنعرف نحارب ولا نرد عليهم انت فاهم ولا لأ؟؟؟؟)) فقال عمر بين دموعه وصدمته (( خلاص يا طارق … خلاص كل شئ راح ؟؟؟ ليه يا رب بس اعيش وأشوف اليوم دة ؟؟؟)) طارق منفعلا (( ربنا بيكافئ المجتهد ، وأحنا كنا واخدنها جدعنه وفهلوة ، كنا فاكرين أننا بالعساكر اللي بجلاليب هنكسب الحرب ، ولا انت ناسي كل اللي شفناه ؟؟؟؟((
واستكمل مشيرا للطريق والجنود المنسحبين )) اهم قدام عينيك … عساكر الجيش سابوا سلاحهم ومروحين لانهم مش عايزين يحاربوا ، محدش قالهم حاربوا وقالوا لا … كل اللي أحنا فالحين فيه زي 56 اننا ننسحب بس، طب فين الضباط ؟؟ فين اللي يقولهم أثبتوا هنا وحاربوا ...((
كان طارق هو الاخر ينفث عن غضبه في محاوله لكبح جماح عمر المنهار ولكي يقاوم هو الاخر الانهيار فأمسك بعمر واحتضنه ، بينما عمر يبكي وقد بدأ في لم شتات أعصابه المنهاره .
وبعد قليل سار الاثنان الي السياره حيث أستكملا طريقهما في صمت الي مطار أبو صوير، كان الطريق طويلا الي المطار ، ليس بسبب بعد المسافه أنما بسبب أزدحام الطريق بالجنود والعربات العائده الي القاهرة
صمت تام يلف اجواء السيارة ،لا شغل للجميع سوي في التفكير في مصر وما الم بها ،فكر عمر في مصر وعبد الناصر والمشير و ما الذي يخططان له الان ، وفي تفكيره توصل الي ان استعواض خسائر الطيران ولم شتات الجيش يجب ان يتم في اسرع وقت حتي يمكن القيام بهجوم مضاد قوي يعيد الاوضاع لما كانت عليه ،
فهذا هو الحل العسكري الوحيد المتاح الان ، وان علي قواتنا في سيناء ان تثبت وتقاتل حتي نتمكن من استعاده السيطره علي السماء مره أخري
بينما طارق يفكر في ضروره اقتلاع رؤوس الفساد من الجيش والتخلص من البطانه الفاسده اولا قبل ان نحارب أسرائيل ، اما الجنود المكدسين في الخلف فقد جمعهم كلهم التفكير في العوده لديارهم حيث الامن .
وصلت السياره قبل الفجر بقليل لبوابه المطار والذي كان يلفه ظلام شديد ، وبعد وقت تمكنوا من الدخول الي المطار حيث أتجها لتقديم نفسهم لقائد المطار ويضعا نفسيهما تحت امره وبالفعل دخل الاثنان الي مكتب قائد المطار ، والذي كانت كل نوافذه محطمه والصور والانواط كلها ملقاه علي الارض والتي يبدو انها كانت معلقه علي الحائط قبل الهجوم
وبعد التعارف تساءل قائد المطار)) انتوا كنتوا في مطار السر؟؟ ))
رد عمر (( ايوه يا فندم وقائدنا هناك هو الرائد مرعي مرسي ))
قائد المطار (( انا سمعت اخبار إن محدش رجع من السر ، انتوا انكتب لكم عمر جديد ))
طارق )) المهم يا فندم إننا تحت امرك ، لتنفيذ أي أوامر ))
قائد المطار بأسي (( أنا مش عارف أقول لكم ايه ؟؟؟ بس يا ولاد انا معنديش طيارات خالص ، كل قوة المطار انضربت تقريبا ، وعندي طيارين اكتر من الطيارات اللي فاضله، كل اللي اقدر أعمله اني أديكم مكان تناموا فيه لغايه الصبح ، وهابعت للقياده بخصوصكم واشوف ايه التعليمات ))
عمر متسائلا (( طيب يا فندم … هوا مفيش طيارات جديده هتيجي ممكن نطير عليها ؟))
قائد المطار )) لا فيه طيارات المفروض انها توصل خلال يومين ، الاتحاد السوفيتي هيبعت طيارات كتير ، والجزائر بعتت أربعين طياره ميج 17 ((
عمر وقد تهللت أساريره )) يعني لسه الحرب مخلصتش ، وممكن لسه نحارب ؟؟))
قائد المطار (( ربنا يسهل بأذن الله ، نلحق الموقف قبل ما يفوت الاوان ))
طارق متسائلا بهدوء)) هوا أيه الموقف يا فندم؟احنا منعرفش حاجه من اللي بيدور في سينا؟؟))
قائد المطار (( القوات الاسرائيليه بتتقدم علي المحور الاوسط بسرعه ، وقواتنا بتحاول تعطلها ، والمحور الشمالي أنفتح تماما ، مفيش قوات لنا تصدهم ))
طارق بأسي (( العريش وقعت يا فندم ؟؟؟))
قائد المطار )) وقعت الصبح وفيه تقارير بأنهم بدأوا يستخدموا المطار بتاعنا ((
حاول عمر ان يستفسر ، لكن الرجل قاطعه مناديا علي الجندي الواقف بجوار الباب أمرأ اياه بأن يأخذهم لغرف مبيت الطيارين ، ويصرف لهم ملابس بدلا من تلك الغارقه في الدماء والاتربه
دلف الاثنين الي غرفه للمبيت بها ، وتمدد كل منهم علي سرير في صمت ، وسرعان ما ناما بعمق من فرط التعب والاجهاد مما عانوه خلال اليومين السابقين من موت ودمار
7 يونيو 1967 فجرا
مطار فايد
دبت الحركه في أرجاء المطار مبكرا ، فقد تمكن المهندسين من أصلاح الممرات وردم الفجوات وتأكد من وصول عدد من الطائرات من مطار غرب القاهرة بعد أن تم تركيبها تحت القصف الجوي للمطار ،وهو ما يعد معجزة في ظل هروب الفنيين السوفيت المتخصصين.
لذلك تجمع الطيارون بملابس الطيران مستعدين لوصول الطائرات لتنفيذ أي مهام ، روح الطيارين المعنويه عاليه وخاصه أحمد عندما علم بقرب وصول طائرات ميج 21 مما يعني انه سيعود للطيران سريعا
لذلك عادت قفشات ومداعبات احمد للطيارين للظهور مره اخري ولم يسلم أحد من مداعباته مما أضفا علي جو الميس روحا جديده غير التي دامت يومين من الوجوم، فقد كان الامل يراوده بامكان تعديل الموقف .
شدد العقيد تحسين علي السمري بضروره ابعاد الطيارين عن اي أنباء من العالم الخارجي ، لكي يبقي تركيزهم وتفكيرهم في القتال فقط ، وقرب الساعه العاشره صباحا ظهرت في السماء ثمان طائرات مصريه ، دارت حول المطار وبدأت في الهبوط ، ميزها احمد بسرعه ، فأربع طائرات منها كانت ميج 21 فتهلل فرحا ، وعند أصطفاف الطائرات في منطقه الانتظار ،وضع احمد يده علي احداها محذرا زملائه من الاقتراب منها لانها اصبحت له وهو من سيقوم بقيادتها في اول طلعه ، تبسم العقيد تحسين من روح احمد العاليه ورغبته في القتال ، ولم يخيب ظنه عندما بدأ في وضع تفاصيل مظله جويه تمتد من القنطره لبورسعيد طبقا للاوامر التي تلقاها ، فوضع محمد خميس و احمد في قياده المظله ومعهم محمد بخيت ومعتز العتراوي ، ثم اجتمع معهم في مكتبه قبل الاقلاع
وبروح معنويه عاليه توجه الرجال الاربع لمكتب القائد حيث استمعوا وتابع السمري معهم لاخر التعليمات ، حيث تتكون المظله من طائرتي سوخوي وأخرتين ميج21 والهدف عمل مظله لاي تدخل للعدو فوق منطقه القناه وستكون بالمطار ست طائرات في حاله استعداد للتدخل فورا ، واضاف الرجل بان طائرتي السوخوي ستحملان أيضا قنابل نظرا لو أستدعت الحاجه لهجوم أرضي علي قوات العدو
كانت تعليمات الرجل تلقي علي المسامع وعقل أحمد يدور سريعا متمنيا أن يشتبك مع العدو باي شكل لكي ينتقم منهم أشد انتقام، ويذيقهم نيرانه
ثم أنصرف الطيارين جريا تجاه طائرتهم بعد التلقين ، صعد احمد سريعا الي كابينه طائرته وتاكد من استعدادها لتنفيذ المهمه ، وبعد وقت قليل جاءت التعليمات في اللاسلكي باقلاع التشكيل فأقلع خميس وبخيت في البدايه ومن بعدهم أحمد ومعتز
وسريعا التحم التشكيل في الجو وتسلقوا الي ارتفاع متوسط لتقليل أستهلاك الوقود ، وأتجهوا شمالا طبقا للتعليمات ، ومن كابينته ، كان نظر أحمد متوجهها الي يمينه فقط حيث سيناء تحترق علي الافق
فأعمده الدخان تملئ الافق في وسط سيناء من جراء القتال الدائر هناك ، ومن امامهم كانت المعابر تمتد علي القناه تنقل الجنود ، لم يهتم احمد بمتابعه المعابر بقدر شغفه بالدخول الي سيناء بطائرته وقصف العدو بمدافعه ، ظل الصمت اللاسلكي فترة والتشكيل متجه شمالا فمروا بالاسماعيليه ومن بعدها القنطره وظهرت بعدها بقليل بورسعيد علي الافق .
وفي مطار فايد تلقي العقيد تحسين اشاره لاسلكيه من القياده تطلب منه مهاجمه مطار العريش فورا وتبليغ ذلك الي مظلته الجويه ، فرفض العقيد تحسين بشده نظرا لعدم كفايه الوقود للعوده للمطار لان الطائرات لا تحمل خزانات وقود أضافيه ، لكن القياده اصرت بشده ،
ورد العقيد تحسين بهدوء يحسد عليه ))يا فندم احنا محتاجين الطيارات ، و بالطريقه دي مش هيرجعوا وهنخسر الطيارين كمان، هطلع طيارات تانيه بعد ما المظله ترجع ))
لكن وعلي الرغم من قوة حجته فقد أصرت القياده علي ذلك ، بل وقامت بتبليغ الاشارة مباشره الي محمد خميس علي الموجه المفتوحه متعديه العقيد تحسين ، وحاول خميس أيضا توضيح عدم كفايه الوقود للعوده ، الا ان القياده واصلت اصرارها ، وكان العقيد يستمع أيضا الي الموجه المفتوحه في غضب مكبوت وهو يسمع محمد خميس يعطي تعليماته للتشكيل بتغيير الاتجاه راضخا للاوامر
كان أحمد وزملائه فرحيين من تغيير الاتجاه ورغم تأكدهم من عدم تمكنهم من العوده ، الا ان قصف العدو والانتقام منه كان اقوي من تفكيرهم في حياتهم وارواحهم
بدأ خميس في أعطاء التوجيهات بسرعه ، فسيقوم هو وبخيت بمهاجمه المطار بينما أحمد ومعتز يحميان التشكيل ،وبسرعه توجهت الطائرات الي العريش بمحاذاه البحر المتوسط ، وتحقق أمل أحمد في الدخول الي سيناء ومع مرور الوقت أقتربت العريش وأقتربت اعمد الدخان التي مازالت تلف الاجواء فوقها
وبالفعل وصلوا فوق مطار العريش ، وتم رصد عدد من الطائرات الاسرائيليه بأرض المطار ،فألقا خميس وبخيت ما معهم من قنابل عليها وقصفا الممر أيضا لحرمان العدو من أستخدامه ، كان هجوما مفاجئا ناجحا، فقد فؤجئ الاسرائيليون تماما ، لكن احمد صاح فجأه (( طيارتين ميراج طلعوا وراك يا خميس ، انا هشتبك ))
ومن بعده معتز (( أدخل يا أحمد وانا وراك )) خميس )) ربنا معاكوا ..انا هساعد ))
دار خميس وبخيت ليساعدا أحمد ومعتز الذين اشتبكا مع طائرات العدو فوق مدينه العريش وبدأت الطائرات في الدوران لتلحق بذيل الطائرات الاخري ، أحمد )) طيارة وراك يا بخيت ، أبعد عنه ((
خميس )) أنا داخل وراه ، ابعد يا بخيت ((
تدخل خميس لحمايه زميله بينما قام احمد بمطارده الطائره الاخري التي وصلت وراء خميس لاصابته ، بينما بخيت يستخدم كل مهاراته في الخروج من نيران العدو ، أحمد )) فيه ميراج وراك يا خميس ، انا راكب ديلها ، أبعد عنها (( خميس )) لا .. مش قبل ما أضرب اللي قدامي ))
كان العقيد تحسين يستمع في اللاسلكي لحديث الطيارين اثناء المعركه ويكاد يعتصر سيجارتة في يده خوفا علي ابنائه ومن احساسه بالمسئوليه عما قد يحدث لهم بينما أستند السمري علي حافه النافذه وهو يستمع في صمت وعينيه تشق السماء بلا هدف
مازالت دائرة الطائرات تملئ سماء العريش ،تطارد بعضها البعض فأطبق خميس علي الطائرة التي امامه غير مبال بتحذير أحمد له من الطائرة التي خلفه
وبالفعل أطلق خميس صاروخا اصاب الطائرة الميراج في مقتل وفجرها في الجو ، لكن في نفس الوقت تمكنت الطائرة المطارده له من أصابته بطلقاتها فبدأت طائرته في الاشتعال علي الفور
أحمد صائحا (( طيارتك مولعه يا خميس – نط منها بسرعه ))
كان أحمد حانقا من عدم تمكنه من حمايه خميس في الوقت المناسب لكن ظروف المعركه مكنت طائرة العدو من أصابه طائرة خميس اولا فأطلق أحمد صاروخا أخطأ طائرة العدو ولكنه أبعدها عن طائرة خميس ليترك له فرصه القفز بالمظله
وأستجمع أحمد كل حواسه وتركيزه واطلق صاروخ أستطاع أصابه الطائرة المعاديه في مقتل ، لتنفجر علي أثره الي اشلاء صغيره ثم أعطي أحمد أمرا بالاتجاه غربا والتخلص من الحموله فورا ، وذلك لاعطاء الطائرات اقصي سرعه ، فالوقود يكاد لا يكفي .
أنتظر احمد قليلا حتي تأكد من نجاح خميس من القفز بمظلته فوق العريش ، ثم ما لبث أن أتجه هو الاخر غربا محاولا الوصول للقناه
جاء صوت احمد في اللاسلكي مبلغا قائده تقريره (( من أحمد الي تحسين ... تم قصف مطار العريش طبقا للتعليمات ، اشتبكنا مع طائرتين للعدو وتم اسقاطهم .... خميس أتصاب ونط فوق العريش ،حاله الوقود حرجه .. أطلب التعليمات )) (( من تحسين الي أحمد … استمر في الطيران غربا …أنتهى))
تم التحام التشكيل في الجو تحت قياده احمد ، عدادات الوقود بدأت تصرخ بقرب نفاذ الوقود حيث أستلزم استهلاك وقود أضافي لعمل المناورات أثناء الاشتباك
تعمد أحمد أن يطير بموازاه البحر المتوسط حيث يكون أبعد ما يمكن عن قوات العدو
مازالت الطائرات تتجه غربا في سرعه ،وهو يتابع تحته القوات الاسرائيليه تتقدم بسرعه حتي مرا فوق بلده بالوظه ومن بعدها رمانه ، حيث أختفي الوجود الاسرائيلي تماما
صاح بخيت فجأه في اللاسلكي (( المحرك وقف – الوقود خلص ((
أحمد )) علم – نط يا بخيت ، ربنا يوفقك ((وقفز بخيت بالمظله تاركا طائرته تهوي ،وبعد ثوان تبعه معتز أيضا
كان أحمد يبلغ قيادته بالموقف لحظه بلحظه حتي حانت اللحظه الحاسمه وتوقف محركه هو الاخر وهو علي مشارف بورفؤاد ، وبلغ قائده الذي دعا له بالسلامه ، وقفز احمد تاركا الطائره التي لم يهنأ بها سوي ساعات فقط تتحطم علي الارض.
هبطت مظلته ببطء حتي وصلت الارض ، وعلي مسافه منه حطام طائرته يحترق علي الارض، وفور تخلصه من المظله تخلص أيضا من خوذته وفحص مسدسه للتأكد من جاهزيته ،وأتخذ طريقه الي الغرب حيث تظهر مباني مدينه بورفؤاد من بعيد .
سار في الرمال فترة جيزه حتي أنهكت قواة ومباني المدينه تقترب ببطء ، فالسير في الرمال الرخوه يتطلب مجهود مضاعف منه وقد قام بمجهود كبير منذ الصباح ، فاستند علي أول شجره رأها ليلتقط انفاسه ويحتمي بظلها لثوان ، لاعنا السجائر التي قطعت انفاسه سريعا
وفجأه سمع صوت طائره هليكوبتر من خلفه ، تنبهت كل حواسه لصوت الطائره ،ومع اقتراب الصوت استطاع تمييز صوتها ، انها ليست طائرة مصريه بأي حال من الاحوال ،فتسلق جذوع الشجرة واختبئ بين فروعها وأوراقها الكثيفه .
ظهرت الطائره الهليكوبتر من بين تلال الرمال علي ارتفاع منخفض ، وحامت حول ركام طائرته التي ما زالت تحترق ، فكر احمد بصوت عال ، ايعقل ان ترسل إسرائيل طائره وراءه لالتقاطه وأسره ؟
ثم هبطت الطائرة علي مبعده ونزل منها بضع جنود اسرائيليين ، أنهم يتوجهون تجاه شيئا ما ، وفجأة ومن خلف أحد التلال ظهر عدد من الافراد المترجلين ، لابد وانهم مصريين فقد حاصرهم الاسرائيليون وقادوهم خلف احد التلال المواجهه لاحمد ،كان عدد الجنود المصريين يزيد عن عشرين و كلهم بلا سلاح ورافعي أيديهم فوق رؤسهم ،تم جمع الجنود علي فترات حتي وصلوا بعد نصف ساعه الي ما يزيد عن خمسون جنديا كلهم بلا اسلحه ، كان المشهد يجري علي مسافه تبعد مئتي متر فقط عن احمد الذي تسمر وهو ممسكا بجذع الشجره يعتصرها اعتصارا من هذا المشهد المذل لجنود الجيش، وبعد ان تم تجميع الجنود هبط من الهليكوبتر ضابط أسرائيلي يرتدي نظاره شمس ،كان الرجل شديد الاناقه في ملابسه ، لا تحس عندما تراه بانه في رجل في حرب
جنود مصريين يستسلمون
وقف الضابط امام الجنود الاسري وامرهم بالدوران للخلف وقيد الاسرائيلين ايديهم من الخلف، وقتها أحس أحمد بالغدر فقد توقع ما يمكن ان يحدث ، وأنطلقت فجأه النيران من رشاشات الجنود الاسرائيلين تقتل الجنود الاسري بلا رحمه ، كاد أحمد أن يجن وهو يري خمسين جنديا تقريبا يعدمون بلا رحمه وبكل غدر، لكنه بدلا من أن يتهور ويظهر نفسه في تصرف سيندم عليه فقد واصل أعتصار جذع الشجره حتي جرحت اصابعه وتدفقت الدماء منها .
توقف أطلاق النار بعد دقيقه وتوقفت انات الاسري ، بعدها تقدم هذا الضابط ومر فوق الجثث ، ثم توقف امام جثه لجندي يبدو وانه ما زال حيا ، فاخرج الضابط مسدسه وأطلق النار علي رأس الجندي ، تكرر هذا الحدث بضع مرات حتي تاكد الرجل بأن كلهم قد قتلوا .
وبسرعه وبعد انتهاء عمليه الاعدام الجماعي البشع، تم اخلاء المنطقه وغادرت الهليكوبتر تاركه مذبحه تشهد الرمال علي مدى بشاعتها فنزل أحمد من اعلي الشجرة دامعا متخوفا من الاقتراب من الجنود القتلي،
فلماذا سيذهب ناحيتهم ؟ هل ليري وجوه جنود قتلوا بدم بارد بينما وقف مكتوف الايدي عاجزا عن حمايتهم، لكن ماذا كان يمكن ان يفعل لحمايتهم؟؟ ، فكل ما معه هو مسدس به تسع طلقات فقط بينما الجنود الاسرائيليين مدججين بالرشاشات ، فماذا كان يمكنه ان يفعل ، كان عقله يدافع عن تصرفه بينما قلبه ينفطر حزنا علي قله حيلته وعدم قدرته علي انقاذهم،فيرد عقله مدافعا عن تصرفه الذي أنقذ حياته،فلو أستجاب لنداء قلبه ورجولته لكان إما ميتا الان أو أسيرا ولم يكن ذلك ليغير من مصير الجنود المساكين هؤلاء من شئ فأستند علي جذع الشجره مصدوما من هول مارأه ، ولم تقو اعصابه علي الانتصاب فخر جالسا تحت الشجره باكيا .
ومر من الوقت ما لم يحسبه احمد فقط كان عقله يصارع الانهيار الي أن سمع صوتا صارما من خلفه يأمرة بالا يتحرك وأن يرفع يديه لاعلي ، ففعل كما قيل له وأستدار ليجد رجالا مصريين من المقاومه الشعبيه .
هم بأن يتكلم ، لكن قائدهم امرة بالصمت بينما تكفل أحد الرجال بنزع مسدسه ، أمر القائد باقي رجاله الذين يزيدون عن عشر قليلا ، بمعاينه الجثث املا في إيجاد أحياء بينهم
فتكلم أحمد ببطء (( أنا طيار مصري )) رد الرجل بعنف (( أنا قلت لك أسكت )) فسكت احمد
عاد الرجال بعد دقائق الي قائدهم مصدومين لاعنيين غاضبين وابلغوة بعدم وجود احياء ، وتعالت عبارات الاستهجان بين الرجال طالبين قائدهم بالثأر وقتل القاتل وعم الصياح والهرج ارجاء الصحراء ،
للحظه أدرك أحمد انهم يقصدونه عندما قالوا القاتل فطلب الاذن بالكلام ، ومن بين معارضه الرجال ومطالبتهم بقتله،أمرهم قائدهم بدفن الجثث سريعا ثم صرح لأحمد بالكلام
فتكلم أحمد بضبط تام للنفس وبكلمات محسوبه قائلا )) أنا طيار مصري من مطار فايد وكنت بهاجم مطار العريش مع عدد من زملائي ، لكن الوقود بتاعي خلص وأضطريت اقفز بالمظله ، وكنت رايح بورفؤاد لما حصل اللي حصل و....)) تدخل أحد الرجال مندفعا تجاه أحمد وضربه بكعب البندقيه في بطنه صائحا
)) وبتتكلم عربي كمان يا أبن الكلب، تموتوا الرجاله بتوعنا وعايز تضحك علينا فاكر أننا هنرحمك))
وقع احمد علي الارض متألما من فرط قوة الضربه ، وتدخل القائد ممسكا بالرجل حتي لا يفتك بأحمد، ووسط الامه المبرحه ومعاناته النفسيه الرهيبه ووببطء اخرج أحمد مصحفا من جيب سترته الملاصق لقلبه
ووجهه الي القائد )) ده مصحف شريف … وعند النار اللي هناك ،هتلاقوا طيارة مصري مولعه … ده مصحفي ودي طيارتي … ومعايا كمان الكارنيه بتاعي … والله العظيم أنا مصري … مصري )) وأظلمت الدنيا امامه فجأه وغرق في السواد الذي ملئه وهو يردد أنا مصري
مطار أبو صوير
كانت عقارب الساعه تشير الي الواحده ظهرا عندما أستيقظ طارق فزعا من كابوس رأه ، فوجد عمر يجلس علي حافه سريره يدخن سيجاره وقد غير ملابسه واستحم ، اخبره عمر بأن قائد المطار قد أرسل ملابس طيران جديده وانه يطلب منا الراحه التامه ،فألقي طارق بجسده مرة اخري علي السرير ناظرا لسقف الغرفه ، وقد بدأت ذكريات يومين مضي تعود اليه ،بينما وقف عمر بجوار النافذه يطالع المطار المدمر متسائلا بصوت عال
))تفتكر هنعرف نقف تاني علي رجلينا ؟؟؟؟(( فهم طارق بأن يجيب ،الا ان عمر رد علي نفسه )) طبعا هنعرف ، ما هو أحنا لازم نقف علي رجلينا ((تبسم طارق من حديث زميله مع نفسه وسعد بعوده التفاؤل الامل اليه بعد أنهيارة بالامس ،فقال لزميله (( انا ميت من الجوع ، ايه رأيك ننزل ناكل وبعدين نتكلم ؟))
ويعد قليل كانا الاثنان يدخلان ميس الطيارين لتناول وجبه أشتقات لها نفسيهما
عم الصمت فجاه علي الميس فور دخول طارق وعمر ، فرغم ملابسهم الجديده ونظافتهم ، الا ان ملامح الاعياء والصدمه تطل ببشاعه من عينيهم ، فتابع الجميع الرجلين في صمت
ادرك الاثنان ما يحدث ، فألقيا تحيه الصباح علي زملائهم وتوجهها حيث يملئون بطونهم الفارغه ، ورغم استمرار الصمت وقلق عمر وطارق من تصرف زملائهم الا ان نداء البطون كان قاسيا فأثرا ان يتناولا من الطعام ما يساعد اجسامهم علي العمل قبل أن يفتتحا أي حديث مع الزملاء
وفور جلوسهم علي الطاوله تدفق الرجال وتجمعوا حولهم ببطء ،كانوا حوالي عشرون طيارا من مختلف الرتب وتساءل أحدهم (( انتوا راجعين من مطار السر ؟؟)) أومأ عمر ايجابا وهو يأكل بنهم ،
فتساءل أخر )) ايه اللي حصل لكم هناك ؟؟ ((
وقاطعه اخر متسائلا ))أحنا سمعنا إن محدش رجع من السر ،انتوا رجعتوا ازاي؟؟((
تداخل أخر متسائلا )) هو صحيح إن امريكا دخلت الحرب مع أسرائيل؟ ((
كانت الاسئله تنهمر علي عمر وطارق بدون ان يجيبا، فكل شغلهم الشاغل هو أشباع نداء البطون
تدخل أحد الطيارين طالبا من زملائه أن يتركوهم يأكلون اولا.
فجلس الطيارون حولهم منتظرين انتهاءهم من الاكل ، وطلب احد الطيارين كوبين من الشاي لزملائهم الجدد ، بينما وضع أخر علبه سجائر امام كل منهم .
فرغ طارق من طعامه اولا، واشعل سيجاره وبدأ في سرد ما مروا به من أحداث وكان عمر يتدخل كلما نسي طارق حدثا ، تحدث طارق بأسي شديد وتأثر وكان الصمت هو القاسم المشترك للجميع بينما طارق يتحدث والكل يستمع في صمت ، الي ان انتهي من قصته بوصلوهم الي مطار ابو صوير
فتحدث احد الطيارين بحزن (( والله انت جدع انك عرفت تطلع والمطار بينضرب ، أحنا هنا معرفناش نطلع، ما عدا البطل عبد المنعم مرسي هو الوحيد اللي عرف يطلع امبارح ، ده بقي بطل بحق وحقيق ((
وقبل ان يتساءل عمر عما فعله ،واصل احد الطيارين الاخرين الحديث
)) منعم قدر يطلع أمبارح والمطار بينضرب ، الولد ده مجبتوش ولاده بحق ، انا شفته بيجري علي طيارته وبعد ثواني لقيته علي اول الممر ، ورغم ان الممر مضروب جامد الا انه طلع ، زيك كده يا طارق ، بس هو طلع علي مسافه صغيره جدا من الممر الفرعي، وقدر يوقع طيارتين ميراج ، وبعد الغاره ما خلصت المقدم فاروق الغزاوي طلب منه ينط لكن منعم رفض وحاول ينزل علي الممر ، لكن للأسف طيارته وقعت في حفره علي الممر وأنفجرت وأستشهد البطل ))
عم الصمت ارجاء المكان وشرد عقل الطيارين ، فتدخل عمر في الحديث ))المهم تيجي طيارات جديده علشان نلحق الجيش وميبقاش دم البطل منعم وكل ز ملائناراح هدر(( تدخل أحد الطيارين قائلا في مراره
(( جيش ايه ……ما خلاص ))تساءل طارق في فزع(( خلاص أيه ؟؟))
رد اخر بأسي (( امروا الجيش بالانسحاب الشامل لغرب القناه ))
فزع طارق من هذا الخبر وأنسكب الشاي من يدي عمر فلماذا الانسحاب الشامل طالما ان هنالك طائرات جديده في الطريق يمكنهم بواسطتها حمايه سماء قواتنا؟ ولماذا التسرع في اتخاذ هذا القرار المفاجئ ؟؟
وأختلط الحديث بين الرجال ما بين مؤيد ومعارض ، ودام الحوار وقتا من الزمن .
بورسعيد الساعه الرابعه عصرا
بدأ شعاع من الضوء يصل لعيني أحمد ليزيح السواد الذي لفها ، وبدأت الاصوات تصل الي مسامعه ببطء ، وما ان بدأ عقله في العمل بنشاط ، أعتدل في جلسته فجأه ليجد نفسه في مستشفي وبجوارة يجلس جندي للشرطه العسكريه
وما ان رأه الجندي حتي تحدث بصوت هادئ ))حمد الله علي السلامه يا فندم((
تجاهل أحمد جمله الجندي وسأله (( أنا فين ؟؟؟)) رد الجندي (( في بورسعيد ))
حاول أحمد الوقوف لكن الجندي نصحه بعدم الحركه ، لان لديه تعليمات بذلك
حاول أحمد ان يثني الجندي عن اوامره طالبا بأجراء مكالمه تليفونيه الا ان الجندي رفض،وبدا وان النقاش سيتحول الي معركه لولا انسحاب الجندي من الغرفه لثوان تبعها دخول رائد من القوات المسلحه الي الغرفه ، عرًف الضابط نفسه لاحمد بانه من قياده منطقه بورسعيد، وبدأ في طرح اسئله شخصيه علي أحمد
وبعد دقائق من الاسئله المتواليه صاح أحمد بعصبيه )) انتوا بتعملوا معايا ليه كدة ؟؟؟))
)) انت عارف ان الوضع مش مستقر دلوقت ، وكنا عايزين نتأكد من هويتك ، إحمد ربنا ان جماعه المقاومه مقتلوكش لما شافوا مذبحه الاسري ((رد الضابط بهدوء تام
كان أحمد متأكدا ان هذا الضابط هو ضابط مخابرات حربيه وان ما يجري ما هو الا استجواب للتأكد من شخصيته
أحمد )) أطلبوا العقيد تحسين زكي قائد مطار فايد وأسئلوه عني ، او حتي خلوني أتكلم معاه ، هو هيأكد لكم انا مين(( رد الرجل بهدوء )) ده ملوش لزوم (( تساءلت عيني أحمد
فأجاب الرجل(( لاننا بالفعل أتصلنا بيه،وهو أكد علي كلامك ، وطلب مننا نوفر لك وسيله إنتقال لمطار أنشاص ، بس انا كان لازم اتاكد الاول واطابق كلامك مع كلام العقيد تحسين ))
أحمد متعجبا (( وليه أنشاص ؟؟ )) الرجل (( والله هيه دي التعليمات ))
أحمد )) يعني أقدر أمشي دلوقت ؟؟))
الرجل ((ايوة بس، ممكن تكتب لنا تقرير بكل اللي شفته بيحصل مع الاسري،علشان نرفعه للصليب الاحمر ))
أحمد بفراغ صبر (( وأقدر امشي بعدها ؟؟ )) الرجل (( علي طول ))
وقام الرائد ، وسلم احمد السلاح الذي أخذه رجال المقاومه منه كذلك تحقيق شخصيته والمصحف، وقبل ان يغادر الغرفه أستدار تجاه أحمد (( لما تكتب التقرير ، سيبه مع العسكري ، هتلاقي ورق وقلم علي الترابيزه ، وقدام المستشفي هتلاقي عربيه منتظراك )) كتب أحمد تقريرا مفصلا عما رأه ولم ينس ذكر رقم الطائرة الهليكوبتر ونوعها كذلك اوصاف الضابط الاسرائيلي وعندما انتهي خرج من باب غرفته وسلم الجندي التقرير طالبا منه ان يساعده في الوصول الي السياره .
أستقل أحمد السيارة وقبل ان تغادر بوابه المستشفي تقابل مع قائد وحده المقاومه الذي اسره منذ ساعات ، كان الرجل يقف مع الرائد الذي أستجوبه ، وعندما لمحه قائد المقاومه فاستوقف السيارة وتقدم الي احمد معتذرا ،وتقبل أحمد أعتذار الرجل مقدرا لظرف الزمان والمكان الذي وقعت فيه الاحداث، كذلك الضغوط النفسيه الذي يتعرضون لها حيث تواترت انباء عن سقوط طيارين اسرائيليين يتحدثون العربيه بطلاقه
أنطلقت السيارة من المستشفي الي ضواحي بورسعيد الخاليه من الماره تقريبا ، ثم ما لبثت أن أنطلقت علي الطريق السريع المؤدي الي الاسماعيليه ومنها الي طريق القاهره ، وطوال الطريق شاهد احمد الجيش المصري مهزوما فلم تكن المعدات مدمره ولم يكن هنالك قتلي بين الجنود أو حتي مصابين ، لكن مجرد جيش ينسحب بأقصي سرعه عائدا، المئات من العربات تحمل الجنود تسير بدون نظام في أتجاه القاهرة ، عربات ومدرعات مكانها علي الجبهه ، تسير في أتجاه القاهرة ، لماذا؟ لم يعلم أحمد لماذا ، لكنه فقط شاهد مذهولا ما يحدث وعقله يجري ملايين العمليات الحسابيه ، والسؤال الذي الح في عقله بشده ولم يجد له اجابه
متي صدر الامر لهذه القوات بالانسحاب لكي تكون الان علي مشارف القاهرة وعلي بعد أربعمائه كيلو متر تقريبا من المكان المفترض ان تكون به ؟؟ ودهش عندما اجابه عقله بأن هذه القوات لو قطعت مائه وخمسون كيلو متر يوميا في طرق سيناء الشديده الوعوره والصعوبه فأنها تكون قد بدأت الانسحاب قبل قيام الحرب ، فلا يمكن لهذا الحجم الهائل من هذه القوات ان يتحرك تحت سيطره العدو الجويه وقصفه المستمر أكثر من مائه كيلو متر في اليوم وهو امر منطقي .
فتعطل عقل احمد لثوان وهو يشاهد ذاهلا القوات تنسحب في أتجاه القاهرة بهذا المنظر الغير منظم وعقله يعطيه استنتاجات غير مفهومه لكنه رد علي نفسه بسخريه
(( وما الذي حدث خلال اليومين الماضيين مفهوم اصلا))
سارت سيارته متخطيه سيارات الجنود ، في البدايه كان يتفحص ملامح الجنود البائسه الحزينه ، وبعدها لم يعد يكترث بالنظر اليهم أنما القي بكل همومه وأستنتاجاته وراء ظهرة
فلديه واجب محدد ومعين ، كطيار مقاتل ، مهنته القتال والحرب فقط ليس اكثر من ذلك ، وليدع لجمال عبد الناصر والمشير عامر وشمس بدران مسئوليات التخطيط والتنفيذ .
فهو يؤدي واجبه ويضع حياته علي المحك في كل ثانيه ، فهل من المعقول أيضا أن يحمل نفسه عبء تحركات القوات ، فما يدريه بالتكتيك العسكري ،
وكان ذلك هو المهرب الذي فر منه احمد لتفادي الانهيار العصبي من هول منظر جيش مكسور ومهزوم ومنسحب من المعركه مذلولا .
تخطت السيارة مدينه الاسماعليه بمسافه ، وقبل غروب الشمس بقليل لمح احمد من بعد ذيل لامع لطائره مصريه محطمه خارج الطريق، فأستدعي كل حواسه للانتباه الي هذه الطائره التي تقترب منه في الاتجاه المعاكس لطريقه
أستطاع ان يميز ذيل الطائره السوخوي والتي كان جزء من بدنها يلمع تحت الشمس الغاربه بينما الباقي مختف بين الرمال.
أحساس ما دفعه ليطلب من السائق بأن يتوقف ، وعبر أحمد الطريق ومشاعر مختلطه تدور في وجدانه مع كل خطوه يقترب فيها من الطائره ، وعندما وصل اليها وجد الذيل فقط مازال سليما بينما باقي هيكل الطائرة محترق تماما ،استند قليلا علي الجنيح الخلفي للطائره ليلتقط أنفاسه بينما عقله مع الطيار الذي دفعته الظروف لمحاوله الهبوط علي الطريق .
هاجس مخيف مر بذاكرته جعلته يبدأ في كشط الركام من جزء من مؤخره الطائره ، في هذه اللحظه وصل السائق وتساءل في دهشه عما يفعل أحمد لكن أحمد لم يعره انتباها وواصل كشط الركام الاسود من تلك المنطقه بعصبيه ، حتي ظهر أول رقم الطائره ببطء ، ومع توالي ظهور الارقام توالي أحمد في الكشط بسرعه وعصبيه أكبر واكبر ، وفي النهايه ظهر الرقم الثلاثي للطائرة ، وكمن مسته صاعقه فقد أرتد للوراء في صدمه وفزع حتي وقع علي الارض ، لقد تذكر هذا الرقم المشئوم أنها طائرة مدحت المليجي بالتأكيد ، كيف يمكن أن ينسي مشهد طائرة مدحت وهي تقلع وعينيه تلتقط الرقم ، زالت صدمته سريعا فأنتفض مذعورا تجاه كابينه الطائرة والتي غاص جزء منها في الرمال ، وهنا انهارت دفاعاته وامانيه ، فغطاء الكابينه مكسور من الخارج ، ومقعد الطيار ما زال بها بينما الدماء واثار الحريق تملئ جنبات الكابينه .
توقف الزمن تماما باحمد وهو يري المكان الذي أستشهد فيه مدحت المليجي ، زميله في السلاح والاقرب اليه من شقيقه في الاخوة والصداقه والمحبه و.. و.. و.. أشياء كثيره تصعب أن تفسرها كلمات ، تلك الرابطه القويه التي تنشأ بين رفاق السلاح
كانت العبارة الوحيده التي تتردد بأستمرارفي عقله (( مدحت مات )) ))مات ..مات (( تكرار العباره وسط ضخب شديد جعلته يكاد يفقد أنفاسه من شده تسارعها
فاستند علي غطاء الكابينه ساندا رأسه، محاولا فعل أو قول أي شئ فلم يستطع حتي الدموع أبت ان تخرج من عينيه ،حاول السائق مساعدته لكنه نهره بشده وحزم اخاف السائق فأبتعد
محركات عقله توقفت عن العمل بينما اصداء الجمله تتردد بلا توقف فحاول أن يبكي ، وحاول بشده لكنه لم يستطع ، ذكرياته مع مدحت تتدفق في سرعه لتصطدم بما يراه الان أمامه ، مشهد المقعد المحترق والممزوج بدماء صديقه يطل ببشاعه امامه ، لا يمكن لاي طيار ان ينجو من هذا المكان ، هكذا تحدث عقله الخبير
فقد حاول ان يمني نفسه بنجاه مدحت لكن خبرته العمليه وقف حائطا قويا لتمنع امانيه من الاستمرار .
لم يعرف كم من الوقت مر عليه وهو واقف يحدق في مقعد الطائره ، لكن الشمس غربت وأختفت تفاصيل الطائرة التي غاصت في الظلام تاركه الذيل يشق عنان السماء بمفرده .
تنبه الي نداء سائقه له، فنظر اليه بدون أن يسمعه أو يفهم شيئا لكنه اشار اليه بالمضي ، ومضي بعده الي السياره ، وتحركت السيارة وعينيه لا تفارق الطائره المحطمه في ألم حتي اختفت وسط الظلام .
فكر أحمد في امور كثيرة ، فكر في عائله مدحت ووقع الخبر عليها الان ، فكر في زملائه وقادته ، فكر في نفسه وعن مصيره ، فقد شارف علي الموت مرتين في هذا اليوم وكتبت له النجاه ، فلماذا ينجو هو بينما يموت مدحت ، انها مشيئه الله هكذا صًبر نفسه ،أحس ببركان يعتصر اعصارا داخله لم يعد شئ في مكانه داخله ، ولم يعد شيئا كما كان من قبل ، ولن يكون الغد بمثل اليوم أو امس ، فالغد سيكون أشد مرارة وقسوة من اليوم وامس .
سارت السياره بسرعه وأحمد صامت تماما ، ففي هذه اللحظات كان كالثعبان ينسلخ من جلده ، ليهيئ لجلد جديد أن يطفو علي السطح ، فقد بدأت نظرته للحياه ولعمله تتغير ، فأمامه هو وزملائه عار يجب أن يمحا ، وثأر لابد من أخذه ولابد وأن يكون الثمن غال جدا جدا ،
فحياته أصبحت كحبه رمل صغيرة في صحراء شاسعه ممتده ، فليس لحياته قيمه وسط من أستشهدوا وواجهوا الموت بشجاعه ، وهو ليس أقل منهم شجاعه وأذا اتاه الموت فمرحبا به لكن لابد وان يموت مرفوع الرأس وهو يؤدي واجبه بشرف
أجتازت السياره المسافه مخترقه جحافل من سيارات الجيش التي تنسحب عائده للقاهرة ووصلت السياره الي بوابه مطار إنشاص بعد ساعتين تقريبا ، وبعد اجراءات الامن المعتاده ، سمح له بالدخول ، حيث شاهد زملائه بجوار العقيد تحسين في ارض المطار.
كان الظلام قد حل عندما فوجئ الجميع بأقتراب أحمد منهم ، فأسرع السمري محتضنا أحمد بقوة لكن بفتور ، هكذا أحس أحمد وتسارع الجميع مرحبين به ، لكنه ومن بين حشد الطيارين أخترق نظرة الجميع متجها الي عيني العقيد تحسين ،ومتجاهلا عبارات الترحيب به من العقيد تحسين ، قال أحمد بصوت متحشرج يكتم وراءه حزن عميق )) مدحت أستشهد يا فندم (( فنكس الرجل رأسه وأومأ أيجابا، وصمت الجميع من حوله ، بينما أعتصرت يد السمري كتف احمد ، فالكل يعلم مدي الترابط القوي بينهم ، نظر احمد الي عيني السمري والتي كانت تدمع ، فتهرب السمري من نظراته ، ومحاولا تغيير مسار الحديث تساءل أحمد (( فيه اخبار عن خميس ومعتز وبخيت ؟؟)) رد السمري (( قدرنا نعمل اتصال مع خميس،هوا بخير في العريش اما بخيت ومعتز فمفيش عنهم اخبار ))أحمد )) أمال احنا هنا ليه ؟؟))
العقيد تحسن )) صدرت لنا الاوامر بأخلاء المطار والتمركز هنا، لان المطار بقي معرض لمدفعيه العدو ((
نكس احمد رأسه )) علي بركه الله ، هنقاتل ولو حتي من الصعيد ، مش مهم نحارب منين بس لازم نحارب وناخذ بتارنا )) تعالت صيحات الموافقه علي جمله احمد من الجميع وقد لمسوا محاولته الهروب من أحزانه مؤقتا بالحديث عن اي امور أخري غير مدحت ، رغم أن احزانه تطل علي وجه في وضوح صارخ
مازال الحديث دائرا في ارض المطار بين الرجال ، بينما يعمل الفنيين علي تجهيز اكبر عدد ممكن من الطائرات المتيسره ، فرغم ان مطار إنشاص والذي يقع قرب مدينه بلبيس بمحافظه الشرقيه قد تعرض لاعنف قصف جوي يوم الخامس والسادس من يونيو ، الا انه رجاله قد قاموا بعمل المستحيل لاعادته للعمل في أسرع وقت ونجحوا في ذلك ، وأصبح هو المطار الرئيسي الذي يتجمع به من تبقي من فلول قواتنا الجويه العائده من مطارات سيناء والقناه
وكانت روح الضباط والجنود بالمطار عاليه جدا وهناك تصميم علي العوده للقتال ، مما ساعد في رفع معنويات الضباط والجنود العائدين من سيناء
بعد وقت قليل دخلت سيارة نقل الي أرض المطار ، ونزل منها عدد قليل من الطيارين فتمتم السمري
(( دفعه تانيه من الطيارين وصلت ، يا تري دول جايين من أي مطار؟؟))
بعد لحظات أنفصل أثنان منهم واتجهها تجاه العقيد تحسين ، واديا التحيه العسكريه للرجل وعرفا نفسيهما له
(( ملازم أول عمر الشاذلي تحت أمرك يا فندم )) ((ملازم أول طارق عزالدين تحت امرك يا فندم)) فرد الرجل تحيتهم وصافحهم فتقدم طارق بورقه ،قرأها العقيد تحسين جيدا ثم اردف (( أهلا وسهلا معانا يا رجاله))
وقام بتعريف عمر وطارق الي زملائهم الطيارين
ثم أستكمل موجهها حديثه لباقي الطيارين(( طارق وعمر معانا من النهارده يارجاله ))
ثم اردف )) أنتم تحت قياده النقيب أحمد ، عايزكم تكونوا معاه علي طول ((
ثم أمر الجميع بالانصراف والتجمع مع اول ضوء لان لديهم عمل مكثف من الغد
أنصرف العقيد تحسين بينما تجمع باقي الطيارين يصافحون زملائهم الجدد في فتور ويتعرفون عليهم ، أثناء ذلك حضر أحد ضباط المطار والذي سيدلهم علي اماكن المبيت في المطار وينظم حركتهم ، ووسط هذا الحشد من الطيارين تحول الحديث من اماكن المبيت الي الحرب وبدأ النقاش ، فبعض الطيارين كانوا فزعين من الانباء التي تواترت بأن القوات الاسرائيليه بدأت في عبور القناه متجهه صوب القاهرة وأنه ليس لدينا قوات لصدها ،وتعالي الغضب بين الطيارين من هذه الانباء وأشتدت حده المناقشات
لكن أحمد تدخل بصوت صارم هادئ لم يعهده المقربون منه من قبل مؤكدا للجميع انه كان علي ضفاف القناه منذ ساعات وأن القوات الاسرائيليه ليست علي مقربه منها ، وأن الشائعات أوالاخبار المضلله هدفها هدم الروح المعنويه واستكمل (( احنا دلوقت معندناش الا روحنا المعنويه ، ولوالعدو قدر يهزمها كمان تبقي البلد راحت خلاص ، لكن روح القتال هي اللي هترجع اللي راح))
كانت كلمات احمد تخرج لتصيب عقل ووجدان كل طيار صغير أو كبير حوله، فالروح المعنويه لو أنهارت لانهار معها كل شئ ، وهو كضابط يجب ان يحث زملائه وجنوده علي القتال والصمود
وبينما أحمد يتكلم حاثا الرجال علي القتال وأن الامل مازال موجودا ، لمعت عيني طارق ببريق غريب وظهرت الابتسامه علي وجهه بأستحياء، فقد وجد في كلام أحمد الدواء الشافي ، أما عمر فقد مس كلام أحمد ونبرة صوته الهادئه صميم قلبه ، فترقرقت الدموع في عينيه
في هذه اللحظه تدخل السمري في الحديث مستكملا حديث أحمد بحماس وقوه ، (( أحنا خسرنا زملاء وأخوات لينا في اليومين اللي فاتوا دول ، وأكيد كل واحد منكم خسر حد قريب منه … لازم منسبش دم زملائنا يروح هدر ، كل واحد فينا لازم تكون له حربه الخاصه مع ولاد الكلاب دول ، كل واحد لازم ياخد بتار زملائنا ، لان محدش غيرنا هيقدر يمسح العار ده ، ولو كنا خسرنا جوله ، فالمعركه لسه طويله وصعبه ، والجاهز منكم بس هو اللي هيقدر يرد عليهم ، اما اللي حاسس انه ميقدرش او أعصابه مش جامده ، ممكن يسيب مكانه لحد تاني ،وكل واحد لازم يسيب مشاعرة واحزانه وراه لما يركب الطيارة ويكون تركيزه كله في اننا لازم ندفعهم التمن ، و اللي انا شايفه واضح في وجوهكم ، إن كل واحد منكم قد المسئوليه (( توقفت كلمات السمري عندما وجد ان الجميع قد تأثر بكلماته ، ودمعت أعين البعض ، ففضل ان يتوقف للحظه ، وأستطرد بعد ثوان )) من بكره، لازم ننسي كل اللي حصل وننسي أحزاننا ، ونحط حاجه واحده بس قدام عنيننا ، الانتقام و…التار بس ، من بكرة كل واحد منكم يكون جاهز100% لتنفيذ اي تعليمات ، من بكرة الصبح لما الشمس تتطلع ، يكون كل واحد منكم بقي واحد جديد، بقي وحش و فايتر ، هدفه الوحيد تنفيذ واجبه باتقان شديد وتصميم وعنف ، كل طلعه لازم نعمل فيهم خساير ، وكل طلقه وصاروخ لازم تكون في قلبهم ))
ثم أنصرف السمري بعد كلماته التي الهبت عقول زملائه واثرت كثيرا في كل منهم وبالفعل فقد كان كل منهم يتغير من داخله ، كل منهم يقتلع اليأس من جذوره
بعد قليل دخل احمد بصحبه طارق وعمر الي غرفه حيث تم تسكينهم بها معا مؤقتا نظرا لاكتظاظ المطار بالطيارين ، الصمت هو الحوار السائد بين ثلاثتهم بعد حديث السمري الحماسي، الكل غارق في تفكيره الخاص ،أرتمي احمد علي أحد الاسره بينما أتجه طارق وعمر كل الي سرير ، التصقت نظرات أحمد بسقف الغرفه محدقا مسترجعا كل ما مر به في هذا اليوم بينما عمر وطارق يغيران ملابس الطيران .
يقطع عمر الصمت موجهها حديثه لاحمد)) مش هتغير هدومك يا فندم ؟؟(( أومأ أحمد لكنه لم يرد ،
ومازالت عينيه تتعلقان بالسقف صامتا ، وحاول عمر ان يواصل أسئلته لكن طارق أشار له بأن يترك أحمد في سبيله
بعد قليل قام أحمد وخلع ملابسه وظهرت عينيه دامعه، وبدأ في غسل قفازات الطيران الخاصه به في عنف ينم عن غضب مكتوم ، كانت عيني طارق وعمر تتابعانه عن كثب، وعندما فرغ كان قفازه قد عاد ناصع البياض فأشعل سيجاره، وجلس علي سريره صامتا
فتساءل طارق (( انت كنت في مهمه النهارده يا فندم ؟))
أومأ أحمد أيجابا واستكمل بمضض (( كنا بنضرب مطار العريش ))
أحس طارق وعمر بالغرابه للحظات ، فلم يتعودا علي هذه العباره ، فمازال بعقل كل منهم ان مطار العريش مصريا ، وتعالي الاحساس بالمرارة عندما تذكرا انه أصبح اسرائيليا الان ويجب تدميرة كأي هدف اسرائيلي أخر
(( دا كان مطارنا قبل ما ننتقل لمطار السر)) قال عمر بحزن ((هما اليهود لحقوا يشغلوه ؟؟؟)) تساءل طارق واومأ احمد وهو يشعل سيجاره اخري (( في خساير عندنا من تشكيل سيادتك ؟؟(( تساءل طارق وهو يحس بأن أسئلته قد تشعل الغضب المكبوت الظاهر علي وجهه احمد في أي لحظه،
الا ان احمد اجاب بأسي ((خسرنا كل طيارتنا )) أندهش عمر وطارق وتسائلت أعينهم فأجاب أحمد
)) مكنش معانا وقود كفايه نرجع ، وأضطرينا ننط قرب القنال ))
نكس طارق راسه وتمتم (( هوا احنا ناقصين نخسر طيارات تاني كمان ؟؟))
لكن عيني أحمد برقت فجأه وصاح بحماس(( بس ادينا ولاد الكلاب علقه جامده ، ضربنالهم الممرات ووقعنالهم طيارتين ميراج )) هنا قفز عمر الي مقدمه السرير متحفزا متسائلا عما حدث ، فأي خبر سعيد هو طوق نجاه لمعنوياتهم والتي هي في اشد الحاجه الي الانتشال
مضي وقت طويل والثلاثه يتحدثون في غرفتهم عما حدث لكل منهم ، الكبوات والانتصارات ، وأصبحت فجأه ذكري الشهداء دليل علي الامل ، فقد قاتلوا وادوا واجبهم ، ومضي الوقت حتي أرهقهم الحديث ،فأرتمي كل منهم علي سريره وعقله يسير في أتجاهه الخاص .
الثامن من يونيو 1967
الثامنه صباحا
كان صباحا جديدا بالفعل علي كل الطيارين ، فقد وصل عدد من طائرات الجديده للمطار وأصبح لكل طيار في المطار طائرة خاصه به كما كان قبل الحرب ، وتم توزيع الطائرات علي انحاء المطار لحمايتها ، ، كذلك تم أصلاح الممرات جزئيا وازاله الركام، وأرتفعت معنويات الطيارين وهم مهتمين بتجهيز وتسليح طائراتهم استعدادا لاي مهام جديده ، وبكل حماس الشباب كان العقيد تحسين يتحرك وسط طياريه ليشد من ازرهم ، تم الاتفاق علي ان يكون تشكيل أحمد من طائرات الميج 21 مكونا من طارق وعمر في البدايه فقط علي ان يكونا مستعدين لتنفيذ أي مهام في أي وقت، ورغم كل الحزن والاسي والمرارة التي تملئ جنبات كل فرد بالمطار الا ان الجميع وبلا أستثناء كانوا سعداء باستعدادهم وتحمسهم لخوض معارك في اي وقت .
وبجوار طائرته وقف العقيد تحسين وبجوارة السمري بملابس الطيران وعندما وصل أحمد ، بدأ الرجل في اعطاء تعليماته لأحمد (( فيه اوامر أننا نطلع الساعه تسعه نستطلع ممر متلا ))
برقت عيني أحمد فهاهي اول فرصه للانتقام لمدحت وبقيه الشهداء ثم أستطرد الرجل
((الفرقه الرابعه المدرعه صدرت لها الاوامر بالعوده شرق القناه والدفاع عن ممر متلا بأي شكل ولاخر طلقه)) ،
قاطعه أحمد صائحا بحماس(( الله أكبر- الله أكبر أخيرا هنهاجم ))
أستكمل العقيد تحسين (( الاوامر اننا نستطلع الممر ونشوف لو الاسرائيلين وصلوا ولا لسه ، علشان نبلغ الفريق الغول قائد الفرقه الرابعه ، هتطلع معايا ومعانا السمري ، وباقي التشكيل بتاعك هيكون جاهز حاله اولي علي اول الممر )) رد أحمد بتمام تلقيه التعليمات ، أستقل أحمد سياره عائدا الي تشكيله المنتظر علي اطراف المطار فرحا بهذه التعليمات الجديده فالطيران معناه الاشتباك والاشتباك معناه الانتقام وهو لا يضع امام عينيه الان سوي الانتقام فقط
وبينما هو عائد دوت صافرات الانذار في المطار ، فزاد من سرعه سيارته لكي يسرع الي طائرته ودارت عينيه تمسح السماء بحثا عن طائرات العدو، وبينما عمر وطارق يديران محركات طائرتهم ،أقلعت بسرعه من أمامهم أربع طائرات ميج 21 للتصدي للطائرات المهاجمه التي أقتربت وبدأت تحاول قصف المطار مره أخري لكن هذه المره كانت طائراتنا لها بالمرصاد وأقلعت تحت قصف العدو الجوي ،
وبينما أحمد يغادر سيارته ركضا نحو طائرته سمع صوت محركات طارق وعمر يخبو .!!
فنظر الي طارق الذي أشار بأشارة وجود تعليمات لاسلكيه بوقف أي أقلاع وأخلاء الطائرات
فأمر أحمد زملائه بالهبوط من الطائرات والابتعاد عنها حيث تمثل هدفا سهلا وأنبطح ثلاثتهم في أحد الخنادق المجهزة بجوار الطائرات ،يتساءل عمر عن سبب الغاء الاقلاع،وبينما نظرات الثلاثه لا تفارق المعركه الجويه الدائرة الان في السماء بين أربع من طائرتنا وست من طائرات العدو وتقلع طائرتي الحاله الثانيه من طائراتنا، لتعزير الدفاع،فيرد أحمد علي تساؤل عمر))ده السبب يا عمر،فيه طيارت جاهزة وأحنا لسه بعيد عن الممر ))
السعاده تغمر كيان طارق وهو يشاهد المعركه الجويه فهذه المره لم نترك لهم الفرصه لضرب الممرات وأستطعنا ان نحمي المطار باليقظه الشديده، وبعد ثوان قليله أتخذت المعركه الجويه موقعا بعيدا عن انظار الرجال ، فقام الثلاثه من خنادقهم ، واذان كل منهم تحاول ان تسترق السمع لصوت أي طائرات من بعيد
تساءل طارق عمن أقلع في الحاله الاولي ؟؟
فأجاب أحمد بأن الرائد نبيل شكري ومعه الرائد حسن القصري ، وعندما تساءل عمر عن سبب هذا السؤال أجاب طارق بأن سرعه رد فعلهم واقلاعهم الفوري الممتاز قد أنقذا المطار ، وبعد ثوان بدأت الطائرات المصريه في العوده وسط تهليل وتكبير الضباط والفنيين ، أحصى عمر خمس طائرات فقط عائده ، فقد خسرنا طائرة
أستدار أحمد لعمر وطارق (( انا عندي طلعه كمان نص ساعه مع العقيد تحسين وانتوا أجهزوا علشان هتكونوا طيارات تعزيز لنا )) ثم أستدار تاركا الرجلين في حاله نشوي بينما أسرع هو لسيارته منطلقا للأطمئنان علي العائدين وتلقي أي تعليمات جديده، وصل احمد الي مكان تواجد العقيد تحسين بجوار الرائد نبيل شكري الذي هبط لتوة من طائرته
كان الاثنان بجوار طائرة الرائد نبيل . الذي كان يبكي بحرقه شديده بينما العقيد تحسين يحاول ان يهدئ من روعه ، توقف أحمد أمام هذا المشهد واستمع الي نبيل يقص بصوت مخنوق )) يا فندم والله انا كان ممكن اوقعه لو كان معايا مدفع ، أنا كنت راكب ديله وهو بيضرب علي حسن ومقدرتش اعمل حاجه )) ثم أنخرط في بكاء عميق ما لبث ان تطايرت بعض عبارات وسط بكاءه (( كل اللي كان معايا صاروخين بس وضربتهم عليه لكنه هرب منهم ومقدرتش الحق حسن(( فهم أحمد ان الرائد حسن القصري قد استشهد وذلك بسبب عدم وجود مدفع في طائرة الرائد نبيل والمخصصه للقتال الليلي فقط وهي حاله فريده في عدد من الطائرات التي اضطرتنا الظروف الي استخدامها ،وأن بكاء الرجل الشديد بسبب عدم قدرته علي نجده زميله ، تمتم العقيد تحسين ببعض العبارات التي تنفي مسئوليه نبيل عن أستشهاد حسن ، فأنفعل نبيل (( أزاي بتقول كدة ؟؟ أنا شفته بيموت قدام عنيا ومقدرتش أعمل له حاجه (( فأنفعل العقيد تحسين هو الاخر (( يعني كنت هاتعمله ايه؟ هتخبط بطيارتك في طياره العدو علشان تضربها ؟؟انت مكنش ممكن تعمل أحسن من اللي عملته ، وده قدره انه يستشهد ، لكنك برضه حميت المطار وارواح ناس كتير كانت ممكن تروح لو سيبتوهم يضربوا المطار (( كانت كلمات العقيد تحسين الواضحه الشديده اللهجه كفيله بتهدئه نبيل قليلا
ثم أمرة العقيد تحسين بأن يعود الي مسكنه للراحه ، و أستدار موجهها حديثه لاحمد بالاستعداد لتنفيذ المهمه ، بينما نظرات أحمد تتابع الرائد نبيل يسير منكس الرأس خائر القوي
وفي الساعه التاسعه تماما أقلع التشكيل تحت قياده العقيد تحسين ومعه السمري علي يمينه وأحمد علي يساره متجهين شرقا تجاه سيناء علي ارتفاع منخفض
ووصل التشكيل بسرعه فوق ممر متلا الجبلي ولم يشاهدا أي قوات اسرائيليه وتم التبليغ بذلك الي قياده الفرقه الرابعه ، وبناء علي أوامر العقيد تحسين واصلا تحليقهم تجاه الشرق ،بينما عيني أحمد تمسحان السماء فى ترقب وحذر بغيه رصد أي اهداف معاديه ،وقرب بلده نخل شرقي سيناء، رصد السمري مدرعات للعدو تهاجم قوة مشاه مصريه ، فتدخل علي الفور التشكيل وقصف عدد من دبابات العدو بالصواريخ ، بينما ظل أحمد يحمي التشكيل من ارتفاع أعلي ، وكانت سعادته برؤيه دبابات العدو تحترق لا توصف
وسرعان ما انهي العقيد تحسين الاغارة وافرغ كل ما معه من ذخائر فأستدار عائدا تجاه الشرق تاركا عدد من دبابات العدو تحترق بينما احمد يقوم بحمايتهم ، ومرا مره اخري فوق ممر متلا وأستمرا في الطيران غربا
كان السمري قد بدأ يبدي قلقه من تدني مستوي الوقود بطائرتهم، لكن العقيد تحسين لم يرد، وقرب حافه القناه شاهدوا تشكيلا مدرعا مصريا يقوم بالتجهيز للتقدم ، كان مشهدا جميلا لعشرات الدبابات المصريه وهي تستعد للتقدم في هجوم مضاد أنتحاري لمحاوله وقف تقدم العدو ،وهنا تذكر احمد صديقه مدحت المليجي ،
فـ سمير المليجي شقيق مدحت ضابط بهذه الفرقه المدرعه، فدعا أحمد لهم بالنصر من أعماق قلبه ،فقد أصبحوا الامل الوحيد والاخير لمصر الان .
دبابات وعربات الفرقه الرابعه تستعد
مر التشكيل فوق القناه ، حيث الجسور ممتده والقوات تتحرك عليها ، ولاحظ أحمد شيئا غريبا جدا لم يفهمه ، فبينما الفرقه الرابعه تتحرك شرقا للهجوم ، وجد عشرات الدبابات ومئات العربات تعبر علي الجسور قرب الاسماعيليه ، لكنها هذه المره تنسحب غربا !، لم يفهم أحمد شيئا مما يراه ، فقوات تتقدم وأخري تنسحب ! وأفاق من تفكيره علي نداء لاسلكي من السمري يستفسر منه عن مستوي الوقود، كان لدي أحمد وقود كا ف للعوده ، لكن السمري والعقيد تحسين كانا يعانيان من تدني مستوي الوقود ،واستطاعا الهبوط بسلام قبل ان ينفذ الوقود بثوان .
وعلي الارض كانت انباء تقدم الفرقه الرابعه المدرعه هي حديث الساعه بين الضباط والجنود والفنيين وترقب الجميع أي أنباء عن نتيجه المعركه
وبعد الظهر بقليل جاءت تعليمات عاجله للعقيد تحسين بتقديم معاونه جويه للقطاع الاوسط بسيناء ، وعلي الفور أقلع تشكيل بقياده العقيد تحسين مرة اخري ومعه السمري والنقيب زكريا ابو سعده بينما يقوم تشكيل أحمد كاملا بحمايتهم .
أقلعت الطائرات الست في ثوان وتم عمل التنسيق لاسلكيا، فطار تشكيل أحمد وطارق وعمر في المقدمه لاعتراض اي طائرات مهاجمه
فور عبور التشكيل للقناه قرب الدفرسوار ، ظهرت اعمده الدخان الشديد علي الافق في وسط سيناء فتهلل أحمد ، فأثار المعركه لازالت موجوده وتمني الجميع ان تكون الغلبه لفرقتنا الرابعه المدرعه
تشكيل السوخوي في حمايه الميج21
لكن مع أقتراب التشكيل لممر متلا ، اصيب الجميع بالصدمه مما يرونه ، فالدبابات المصريه التي شوهدت هذا الصباح قد دمرت تماما ،وأصبحت مثل علب السردين المفتوحه تماما من تاثير الانفجارات ، ونظرا لان التشكيل يطير علي ارتفاع منخفض فقد استطاع الجميع مشاهده تفاصيل ارض المعركه بدقه، تلقت الاعين هول المنظر في صدمه ودمعت الاعين ، بينما كفت الالسن عن النطق فالعربات المحترقه وجثث الشهداء تملئ ارض المعركه ببشاعه، والنيران مازالت تلتهم المئات من العربات والدبابات ،بينما تركت معدات أخري سليمه وأنسحب جنودها .
فتساءل السمري في أسي (( هيه دي الفرقه الرابعه ؟؟!، أمال فين دبابات العدو ؟؟))
رد أحمد بحزن شديد )) دي انضربت بالطيران ، ملحقتش تشتبك مع دبابات العدو((
،وهطلت الدموع مدرارا لتغرق وجه العقيد تحسين ، فقد ضاع الامل الاخير في تحسين الاوضاع وخسرنا الفرقه المدرعه الوحيده لدينا وأصبح الطريق مفتوحا الان امام العدو للتقدم صوب القاهرة ،وبصوت متحشرج يأس أمر العقيد تحسين التشكيل بالعوده للقاعدة ، فاستجاب الجميع في أسي وحزن ، فلم يعد هنالك ما يمكن ان يقدمونه لهذه الفرقه التي اوقعتها الاوامر الخاطئه وغياب التخطيط للقيام بمهمه انتحاريه تدمرت علي اثرها تماما
بقايا عربات ومدفعيه الفرقه الرابعه
وبينما التشكيل عائدا والصمت يصرخ بينهم ، تحدث عمر علي أستحياء ليفيد برصده غبار شديد تجاه ممر الجدي الي الشمال من ممر متلا ، وأستنتج انها من المحتمل ان تكون مدرعات اسرائيليه تتقدم ، لكن لم يرد العقيد تحسين وتواصلت دموعه في الانهمار ببطء ، تدخل السمري قائلا (( أحنا معانا وقود كفايه يا فندم ، ومعانا حموله كبيرة ، ميرضيش سيادتك أننا نرجع بيها )) كان السمري يستحث قائده بهدوء علي مهاجمه اي اهداف قد يقابلونها لاطفاء لهيب الغضب واليأس بداخلهم ، وتعالت صيحات التوسل من باقي التشكيل لمهاجمه اي اهداف ، ورضخ العقيد تحسين لتوسلات طياريه ، فقد كان غضبه وثورته اكبر بكثير من هؤلاء الشباب الذين لم يعيشوا من قبل مرارة الانسحاب ،اما هو فقد عاصرة من قبل ويعلم مدي تاثيره علي الجميع
لذلك كانت رغبته في الانتقام تعادل بل وتفوق رغبه طياريه ، وعليه فأنحرف التشكيل متجها نحو اعمده الغبار التي تتصاعد ، واقترب الغبار أكثر فأكثر واتضحت الصورة ، فالقوات الاسرائيليه تتقدم صوب القناه بلا مقاومه ، والطريق ملئ بعشرات الدبابات والعربات المدرعه التي تتقدم بسرعه كبيره
أعطي العقيد تحسين اوامره لأحمد بأن يقوم تشكيله بالهجوم بالمدافع، بعدما ينتهي التشكيل الاول من القصف
انقض الطيارون الست بطائراتهم يقصفون الرتل المتقدم للعدو والذي فوجئ تماما بالهجوم المصري ، كان الغضب والرغبه في الانتقام تملئ كل طلقه وكل صاروخ تم اطلاقه علي العدو في دقه شديده ، وبداخل كل قنبله القتها الطائرات أطنانا من الحقد والكراهيه، وبعد دورتين من الهجوم ونجاح التشكيل في وقف تقدم رتل العدو وتدمير عدد من دباباته وعرباته أتخذ التشكيل طريق العوده ، واتخذ تشكيل أحمد وضعا متأخرا لحمايه الاخرين من أي تدخل معادي .
كانت المشاعر مختلطه ومتباينه لحد كبير بين الرضا بوقف تقدم العدو وتكبيده خسائر وبين اليأس من أن ذلك لن يغير في الموقف بأي شئ ، لكن أخراج الشحنات المكبوته داخل كل منهم أحسهم بالراحه
)) كله سلف ودين )) قال عمر في اللاسلكي علي أستحياء
رد العقيد تحسن بهدوء (( يا اولاد .. الحرب لسه مخلصتش وهتيجي لكم فرص كتيرة علشان تاخدوا تاركم وتردوا الصاع صاعين لولاد الكلاب))
وعاد التشكيل الي مطار أنشاص ، وبناء علي تعليمات العقيد تحسين ، فقد اتجه الجميع الي غرفه الطيارين للراحه حتي تتم اعاده ملئ الطائرات بالوقود واعاده تسليحها
هرول باقي الطيارين للاستفسار من زملائهم بنتائج معركه الفرقه الرابعه ، وخيم الحزن والاسي وجوه الجميع عندما أخبرهم السمري في حزن بأن الفرقه الرابعه قد دمرت تماما، وتعالي اليأس الي اقصي درجاته بين الجميع ،ولم تشفع ملاحظه عمر لهم بأنهم دمروا عدد من دبابات العدو في طريق عودتهم في رفع جزء من اليأس من وجوه الجميع فكان البكاء الصامت هو القاسم المشترك لمعظم الطيارين ، فهم يشهدون مذبحه للجيش المصري بأكمله بدون ان يستطيعوا وقف أو تغيير ما حدث، وكانت نظريه المؤامره الدوليه والخيانه هي الاقرب الي عقولهم ، لكن احدا لم يفصح عما بداخله.
وبعد قليل دخل أحد الضباط مخبرا الجميع بأن الرئيس عبد الناصر سيلقي خطابا مساء اليوم ، وقوبل ذلك بفتور بالغ من الجميع وتعالت عبارات السخط
)) هيقول أيه يعنى؟ ((قال أحد الطيارين ، بينما تهكم أخر ))مش كفايانا خطب وشعارات؟؟((
بينما تحدث أخر)) ده كل اللي أحنا فالحين فيه خطب خطب لحد ما ودونا في داهيه((
كانت عيني عمر واذانه لا تصدق ما يراه ويسمعه عن الرئيس عبد الناصر ، ذلك الرجل الذي صال وجـال بمصر والعروبه في انحاء الدنيا والذي وضع لمصر ثقلا ووزنا في العالم كدوله ذات هيبه ،والذي كان الجميع يترقبون خطبه ويتابعونها لحظه بلحظه ويحفظون ما يقال فيها ،
ثم تدخل احد الطيارين الشباب (( مش عبد الناصر بس هو المسئول، ده الكل مسئول ولازم يتحاكموا ، من أول اللي حط واحد زي شمس بدران وزير للحربيه !!!، يا جماعه دا مقدم ، ازاي يوصل لوزير حربيه كده وهو معندوش دراسات وعلم يوصله للمركز الحساس ده، لحد اللي ذبح الفرقه الرابعه انهارده ))
تدخل طارق هو الاخر في الحوار (( يعني واحد زي مدكور ابو العز مثلا ، ده استاذ ومفيش اتنين يختلفوا علي امكانياته القياديه والعلميه ، يروحوا معينينوه محافظ أسوان ، يعني الطيران خسر واحد زي مدكور ، وكنا محتاجينه جدا في المعركه جدا ))
رد اخر بسخط(( دي شغله الكويس هو اللي بعته أسوان بدل ما يكون قائد للقوات الجويه))
تدخل أحمد)) والله يا جماعه ، انا شايف إن اللي حصل ده كان لازم يحصل علشان نصحي((
قاطعه السمري متسائلا )) قصدك أيه يا أحمد))
أحمد موضحا (( يعني لو مكنش الحرب قامت وحصل اللي حصل ، مش كنا هنفضل زي ما احنا ؟، ويفضل اصحاب المعارف والقرايب هم اللي في القياده ، والمغضوب عليهم يطلعوا بره حتي ولو كانوا كفاءه نادره ، أنا معاكوا إن اللي حصل اليومين اللي فاتوا كانوا مصيبه علي البلد بكل الاشكال، بس لازم نتعلم منها ولازم نقف علي رجلينا بسرعه ، علشان اللي راح لازم يرجع ولو اليهود عدوا القنال ، لازم نستعد أننا نحاربهم في كل مدينه وقريه وبيت وشارع )) كانت المناقشات حاميه، التعليقات ساخنه جدا ومتطرفه ، فأحد الطيارين طالب باعدام المتسببين في هذه الكارثه من أكبر قيادي الي الاصغر ، وعندما تدخل عمر مدافعا عن الرئيس عبد الناصر كأكبر قيادي وان المشير عامر هو المسئول عن الجيش ،
أنفعل هذا الشاب قائلا (( انت عايز تقنعني إن عبد الناصر ميعرفش حاجه عن الجيش؟ أزاي وهو القائد الاعلي للقوات المسلحه،بجره قلم منه كان ممكن يعيد كل شئ زي ما كان ((
تدخل أخر )) ما اللي حضروا المؤتمر في ابو صوير شافوا المشير بيقوله انه كله تمام وعلي مسئوليته الخاصه، يعني المشير قال انه مستعد للحرب وهينتصر ، انا كنت حاضر المؤتمر ده ، والريس قال ان الهجوم هيحصل يوم كذا وبالطريقه اللي حصلت ، دة اللي حصل فعلا بالضبط ، يعني الريس حذر الجيش من هجوم جوي ما بين يومي 5و6 يونيو كأنه بيقرأ الغيب))
تدخل السمري متهكما (( انا كنت حاضر المؤتمر ده ، ويوم الضرب كان فيه 22 تحرك جوي صديق ، والدفاع الجوي مقيد ))
أنتفض أحد الطيارين من مكانه (( علشان مش مصدقيني لما قلت انها مؤامره ، يعني الريس يحذر من هجوم جوي واحنا نعطل الدفاع الجوي ونوقف التدريب علشان البهوات رايحين جايين في السما ، والله انا شاكك في خيانه مش مؤامرة بس ((
في تلك الاثناء كان طارق صامتا يشاهد ويسمع فقط ، لكنه كان سعيدا ايضا ، فالرجال بدؤا يفكرون ويحللون وينتقدون وهذا لم يكن موجودا في مخيلتهم من قبل وهذا يعني أن هناك فعل وعمل ، ففيما مضي لم يكونوا يفكرون ، فقط ينفذون ويتغاضون عما يرونه من سلبيات مثلهم جميعا ، مثل عمر والذي لم يري ما يحدث امامه حتي سقطت الاقنعه وازيلت الغشاوه بألم
مال عمر علي طارق مستفسرا عن سبب صمته ، وتوجهت الاعين جميعها تود معرفه رأي زميلهم الصامت
)) تعرفوا ، أنا صدمتي مش زي اي واحد فيكم ، لكن اقل بكثير((
تعالت نظرات الدهشه من وجوه الجميع بينما أعتدل أحمد في جلسته مركزا علي كلام طارق
)) أيوه ، متبصلويش كده كأني جي من القمر ، لا أنا كنت شايف وانتم لا ، كنت شايف اللي انتم رفضتوا تشوفوه ، مثلا عرفت زي كل واحد فيكم إن ميزانيه العرض العسكري بتاع 23 يوليو بتعدي خمسه مليون جنيه ، تعالوا نحسب الخمسه مليون دي تعمل كام دشمه طيارة تحميها من الهجوم ،ولما نطلب يقولوا لنا مفيش فلوس كفايه ، طيب بلاش الدشم ، فيه كام مطار عندنا فيه أكتر من ممر ، يعني ممرات تبادليه نطلع وننزل عليها ؟ …مفيش ولا مطار لان كل مطاراتنا فيها ممر واحد ، واظنكم شفتوا لما الممر بينضرب أيه اللي بيحصل ، والطيارات مش مموهه ،ومفيش رادارات تكشف الطيران المنخفض ولا دفاع جوي منظم ، والحكايه بايظه علي الاخر ، وبعدين يقولوا لنا نحارب ، نقول حاضر هنحارب ، وقبل الحرب يوقفوا المظلات الجويه ، يعني كمان نسيب لهم السما مفتوحه علشان لما ييجوا يضربوا ، ودلوقتي بس انتم جايين تتكلموا في الحاجات دي ، طيب كنتم فين من زمان ؟ ….. ، كل واحد فيكم كان شايف صورة غير الحقيقيه ومصدقها ، ودلوقت خلاص ، الواقع بقي قدامنا أهه ، أتكسحنا علي الارض ، علشان كل ده انا متصدمتش لما حصل اللي حصل ، بس انا سعيد ان كل واحد فيكم قدر يتكلم ويقول اللي جواه من غير خوف ، أصل ايه ممكن يحصل أكتر من اللي حصل ، لازم نتكلم بصوت عالي علشان يسمعونا ، كنا في الاول خايفين نتكلم علشان الكلام لو وصل لفوق ، كل واحد هيروح ورا الشمس ، واهه ادينا رحنا ورا الشمس بكتير من غير حتي ما نتكلم ، علشان كل ده أنا كنت شايف الهزيمه من زمان جدا ، يمكن من سنه 56 لما سابوا الفريق صدقي والمشير عامر في السلطه وهما معملوش حاجه في الحرب خالص وكان المفروض يجيبوا ناس دارسين وعندهم كفاءه علشان يمسكوا الجيش))
كان طارق يتكلم ويخرج بركان هائج من الكبت والاحباط ، ومس كلامه وترا حساسا بكل زميل له ، حتي عمر صديقه وزميله فوجئ تماما بكم الضغوط المكبوته بداخل طارق
بينما كانت عيني احمد وعقله يقيسان كل كلمه وكل رد فعل قام به طارق ، وكانت علامات الاعجاب تظهر علي أستحياء من تحليل طارق الجيد
وفي المساء عم الهدوء اركان المطار ، فقد قام معظم الطيارين بطلعات متعدده للدوريه، ونال الاجهاد بهم ، ورغم ذلك قبع الجميع من ضباط وفنيين وجنود امام جهاز التليفزيون الوحيد بالمطار منتظرين خطاب الرئيس
كان الصمت هو القاسم المشترك بين معظمهم مع أن عقول الجميع تعمل بقوه ، وتجلي ذلك في الكم الهائل من السجائر المشتعله بالمكان ،ودخل العقيد تحسين قبل دقائق من بدء الخطاب ،بينما أتجه أحمد الي النافذه مشعلا سيجارة جديده شاردا في الظلام المترامي حوله ، أما طارق وعمر فقد انهمكا في حديث مع احد الفنيين.
وعم الصمت مع بدأ النقل المباشر لخطاب الرئيس ، وفوجئ الجميع برجل اخر غير رئيسهم الذي أحبوة وعشقوة ، فالرجل الجالس امامهم في التليفزيون غير جمال عبد الناصر المرفوع الرأس المعتز بمصريته وعروبته ، فهو منكس الرأس تطل الهزيمه من عينيه ونبره صوته لدرجه ان عمر صاح بصوت عال
(( هو ده ناصر ؟؟؟)) فقد كان غير مصدق أن الهزيمه من الممكن ان تنال منه أيضا ، وبينما خطبته تستمر شارحا الموقف الدولي وما الت اليه الاحوال ، والاسباب والدواعي التي ادت به لاتخاذ كل قرار قررة ، كذلك التواطئ الدولي ضد مصر والعروبه وما الت اليه الاحوال في فلسطين وسوريا والاردن من احتلال أراض اخري وفقدان سيناء كامله ، والاسباب والدواعي التي من أجلها قبل وقف أطلاق النار ، وبينما الرجل يشرح ذلك ويعلن تحمله المسئوليه كامله عن كل ما جري ، فقد فجر قنبله من العيار الثقيل عندما أعلن تنحيه رسميا عن كل مناصبه.
في هذه اللحظه وقف عمر باكيا منفعلا صائحا كالغريق )) لا يا ريس .. لا ((وخرج من الغرفه هائجا صائحا بأعلي صوته في هستريا لا ...لا ....لا...
بينما أنحني طارق واضعا يديه علي عينيه مخفيا شلال من الدموع ، اما أحمد فقد أخذ يضرب حافه النافذه بيده في غضب وهو يبكي ويعتصر شفتيه من الالم ، وعم الهرج والمرج في ارجاء المكان، لم يكن احدا مما كان يتواجد الا وفاضت عينيه بالدموع ، فقد هزمنا وهذا أمر واقع لكن الرئيس نفسه قد انهزم وتخلي عن المعركه التي ناضل ومعه الشعب طوال خمسه عشر عاما من أجلها ، وهذا امر لم يقبلونه نهائيا ، فالرجل اعلن تحمله المسئوليه لكنهم لم يتوقعوا ان يتركهم ، فرغم كل ما حدث كان وجود عبد الناصر علي رأس الدوله صمام أمن وامان لهم ، فهو الاب الذي زرع بهم العزة والكرامه ومستحيل ان يسلموا برحيله
وتزايد الهرج بالميس ، لم ينتظر احدا لمشاهده باقي الخطاب ، وخرج العقيد تحسين صامتا يخفي دموعه .
لم يكن أحدا من الطياريين أو الفنيين أو الضباط يدري بما يقوله فقد أصبحوا كمن أصابتهم هستيريا الهزيمه ولم يكن أنفعال الرجال من أجل هزيمه عسكريه وضحت منذ أيام لكن انفعالهم كان بسبب هزيمه الاب والام ، فناصر هو الاب الذي هزم وسلم رايته ، أما الام فهي مصر التي هُزٍمت وتركها الاب مع اولادها يواجهون المصير المجهول أمام عدو لا يرحم .
أحس كل منهم بالخواء من ترك عبد الناصر لزمام القياده ، وكان المجهول امامهم بشعا بشاعه الذئب وهو يتهيأ لافتراس فريسه سهله المنال فكل منهم كان لديه طاقه واستعداد للمقاومه والتضحيه ، لكن مع تنحي الاب وضح للجميع أن المسأله أكبر بكثير من مجرد هزيمه، لذلك اعلن كل منهم بطريقته لرفض تنحي الاب وتسليمه للعدو ، فمهما كانت أبعاد الهزيمه فمصر لا يمكن ان تستلم أبدا ولابد للاب ان يعود لقياده معركه التحرير ، مصر التي قادت العالم لقرون طويله لن تستلم لعدو تاريخه لا يتجاوز عقدين من الزمن
خرج الجميع من الميس ، والكل يرفض بغضب وهيستريا ، بينما ظل احمد في مكانه يحسب بعقله المجهول امامه ودموعه الساخنه تنساب بلا توقف .
فقد كان لديه دائما الشعور بأن الله قد خلقه لسبب معين ، سبب كبير وها هو بعد ما يقرب من خمسه عشر عاما من الادارك والتساؤل ، ها هو يري الجواب امام عينيه ، فقد خلقه الله لكي يجاهد في سبيل الله ويساعد مع ابناء وطنه في محو عار لم يلطخ مصر قبله عار
حاول عدد من الضباط في غمره الغضب والهستريا أن يستقلوا عددا من السيارات والتوجه للقاهرة لمطالبه الرئيس بالبقاء في القياده ، لكن العقيد تحسين وبصرامته المعهوده في المواقف الشديده وقف أمامهم واستعان بعدد من جنود الامن المسلحين لكبح جماح هذه الفوضي .
وبالفعل نجح الرجل بعد فترة من تهدئه الطيارين والذين كان من بينهم طارق وعمر والسمري وأخرون ، وبصعوبه أمتثل الرجال لاوامر قائدهم
وبعد فترة تجمع الطيارون امام الميس مره أخري يتابعون الراديو والتليفزيون الذين ينقلان رد فعل الشعب علي قرار الرئيس بالتنحي .
فقد خرجت الملايين من الشعب حتي قبل نهايه الخطاب تعلن رفضها للهزيمه والاستسلام وتؤكد في هتفاتها التلقائيه علي تمسكها بالحرب والتحرير.
لم ينم أي من الطيارين هذه الليله نهائيا وهم يتابعون أذاعه الشرق الاوسط تذيع نقلا حيا للمظاهرات التي ملئت طرق القاهرة تطلب بالمقاومه وعدم التسليم .
كان الجو ملتهبا بين الطيارين ونيران السجائر لا تنطفأ نهائيا والعقول تكاد تنهار من شده الاعياء
طلب العقيد تحسين من احمد وزملائه ان يحاولوا نيل قسط من الراحه لاستعدادهم للطيران في الصباح الا ان الجميع تمسكوا بمتابعه ما يجري في القاهرة، كانت انباء الاستقالات الجماعيه لقيادات المسلحه تذاع في فواصل بين البث الحي للمظاهرات التي توجهت لبيت الرئيس في منشيه البكري .
ورغم كل الضغط النفسي والعصبي الهائل ، تجمع احمد مع طارق وعمر بجوار الميس في حوار عقلاني هادئ بعيد عن الانفعالات المصاحبه للراديو بالغرفه وبعد ان هدأت مشاعرهم قليلا .
ووسط هاله من دخان السجائر سأل طارق أحمد (( تفتكر الريس هيرجع ؟؟؟))
رد أحمد بسرعه)) لازم يرجع …. عبد الناصر راجل عسكري وميقدرش يسيب مكانه في المعركه ، ده عبد الناصر اللي نعرفه كويس ، انا متأكد انه هيرجع ))
عمر متسائلا (( والمشير ؟؟؟)) رد طارق بانفعال (( المشير لازم ينتحر ، ده أشرف له وللجيش كله ، بدل ما يعيش بالعار ده طول عمره ))
أحمد )) المشير لو رجع ، يبقي قولوا علي البلد يا رحمن يا رحيم ، ويبقي مفيش حاجه هتتغير ))
طارق)) لازم دم جديد ، ولازم الناس المتعلمه والفاهمه هيه اللي تمسك القياده ، نفسي مره أشوف الراجل الصح في المكان الصح بقي، ياجماعه البلد لازم تتغير من الغفير للوزير ، لازم نبقي محترفين بقي))
وفي اليوم التالي وبناء علي الضغط الشعبي الهائل ، عدل الرئيس عن تنحيه مما كان له أبلغ الاثر في رفع معنويات الرجال جدا ، فبعد ساعات طويله من الترقب غلفها التوتر واليأس أعلن عن عوده الرئيس للحكم وعن تغييرات هائله بالقوات المسلحه ، ورغم العمل الشاق الذي يقوم به الرجال من اعاده مطارهم للحياه مره أخري الا ان اذان كل منهم كانت تترقب كل خبرا جديد .
كان وقف النار قد اصبح ساريا وتقلصت الطلعات الجويه ، وتوجه الاهتمام بتجهيز المطار والطائرات والدفاعات الجويه للمطار .
الحدث الاهم في ذلك اليوم عندما توقفت سيارة عسكريه امام العقيد تحسين في أرض المطار ونظر أحمد فوجد قائده يحتضن أثنين بالملابس المدنيه فهرول تجاههم مسرعا وعقله يتمني ان يكون أحدهم شخصا ما لكنه لم يخف سعادته عندما وجد أنهم معتز وبخيت فأحتضن أحمد زملائه بشده ، ووسط تساؤلاتهم عن سير الاحداث طلب منهم العقيد تحسين ان يستريحوا وفي المساء سيطلب منهم تقريرا عما حدث لهم.
وأستمر الرجال في تجهيز طائراتهم الجديده التي وصلت من الاتحاد السوفيتي ، وبدأ عمر وطارق يتعلمان أسلوبا جديدا من احمد وهو العمل مع الفنيين يد بيد ومراجعه كل شئ بنفسه ، وهو أسلوب جديد لم يألفوه في الماضي وأعطي لهم ثقه كبيره في احمد لدرايته العاليه بكل قسم في طائرته
وفي المساء تجمع الرجال مره اخري للراحه بجوار الراديو في الميس لمتابعه أخر المستجدات ، ودخل معتز وبخيت بعد قليل وتسأل أحمد بسرعه عما حدث لهم خلال اليومين الماضيين ، وبدا معتز في السرد
وقد تجمع الطيارين والفنيين يسمعون روايتهم في صمت . بدأ معتز كلامه
))بعد ما نطيت من الطياره ، لمحت مظله بخيت علي الارض ، وقدرنا نتقابل بسرعه، وبعدنا بسرعه عن مكان تحطم الطيارتين وكمان دخلنا جوه الصحرا بعيد عن الطريق الاسفلت ، لاننا كنا شايفين المدرعات الاسرائيلي قريبه جدا ، فضلنا نجري لحد ما تعبنا جدا ودخل علينا الليل ، أستريحنا شويه وبعدين كملنا مشي تجاه الغرب ،وطول الليل كنا سامعين أصوات انفجارات ناحيه الغرب وكمان أصوات جنازير الدبابات الاسرائيلي حولنا لدرجه اننا كنا متأكدين انهم هيمسكونا في اي وقت (( سكت معتز لحظه لالتقاط انفاسه ، وتابع بخيت الحديث ))كانت المسافه حتي القنال مش كبيره لكننا كنا تعبانين جدا ومعناش ميه خالص وأتفقنا اننا نمشي بليل ونستخبي الصبح وكمان نستريح، واحنا ماشيين بليل تقابلنا مع بدو بيرعوا الغنم ، كانوا خايفيين جدا وبصعوبه قدرنا ناخد منهم هدوم واكل وميه ، وبعدين تخلصنا من الافرولات ودفناها في الرمل ،وكملنا مشي وقدرنا نوصل لخط القنال ، وهناك شفت منظر عمري ما هشوف زيه طوال عمري ،
علي خط القنال كان في مالا يقل عن مائين عسكري مصري من الاسري وحولهم حوالي عشرين عسكري يهودي ودبابتين ، العساكر بتوعنا كانوا قاعدين زي الغلابه لا حول لهم ولاقوة ، احنا كنا مستخبين ورا ساتر رمله وشفنا اللي عملوه (( وصمت فجأه وأشعل سيجاره وقد ارتعشت يداه ، وترقرت دمعه في عينيه
فألتقط معتز طرف الحديث (( اليهود كان فيهم اللي بيتكلم عربي بلهجه شامي ، كانوا بيخيروا العساكر من أنهم إما ينطوا في الميه للعوم للناحيه التانيه أو انهم يتضربوا بالنار ))
تعالت الدهشه وعبارات الاستهجان من الجميع بينما أستكمل معتز (( ولاد الكلاب كانوا واقفين يضحكوا علي العساكر اللي بيحاولوا يعوموا في القنال ، ولان كتير منهم مكنش بيعرفوا يعوموا خالص فغرقوا قدام عينينا ، واليهود عمالين يضحكوا ، احنا كنا هنموت وأحنا شايفين اللي شايفونه ده ومش عارفين نعمل حاجه ))
فجأه قفزت المشاهد امام عيني أحمد تسترجع حدث مماثل شاهده بعيني رأسه ولم يستطع فعل شئ هو الاخر ، فما ذنب هؤلاء الجنود البسطاء لكي يمثل بهم بهذه الطريقه ؟
تدخل بخيت ))مات حوالي عشر عساكر في اللعبه دي ، والباقي علي الشط كانوا منهارين من اللي بيشوفوه ، وبعدين ضابط أسرائيلي وصل ووقف المهزله اللي بتحصل دي ، ولما الصبح طلع تحولت العمليه من لعبه قتل الي مقايضه (( سكت للحظه بخيت مستمعا لعبارات التعجب والدهشه من زملائه
فاجاب والمرارة تملئ صوته (( أيوة . لعيه مقايضه ، الواحد مننا ببطيخه ، يعني العساكر بتوعنا علي الناحيه التانيه يبعتوا في مركب صيد صغيرة بطيخ يقوم اليهود يبعتوا عساكر بعدد البطيخ اللي اتبعت ))
لا يمكن وصف ما أحس به طارق وزملائه من المهانه والذل مما يسمعون فلو كان مكانهم لفضل الموت بشرف علي ان تكون حياته مقابل بطيخه
فأسترسل بخيت مستكملا (( ولما اليهود حملوا دباباتهم بالبطيخ ، سابوا العساكر علي الشط ومشيوا وهما عمالين يضحكوا ، وقتها قدرنا نطلع للشط أحنا كمان ، وبعد وقت عدينا مع العساكر للناحيه التانيه في قوارب الصيد (( تعالي الصمت بين ارجاء الميس وإن كان الغضب والمراره تفور داخل نفس كل طيار
فجأه دخل ضابط الي القاعه مهرولا وقاطعا صمت الرجال حاملا ورقه ومبشرا الرجال بأن تغييرات قيادات القوات المسلحه قد اعلنت ، فتوجه اهتمام الجميع نحو الرجل الذي أعلن الاسماء بالترتيب
كان المهم للرجال هو وزير الدفاع وقائد القوات الجويه
فأعلن الرجل أن الفريق محمد فوزي عين قائدا عاما للقوات المسلحه وأن الفريق مدكور أبو العز عين قائدا للقوات الجويه ، فتهلل الجميع عند معرفه أسم قائدهم الجديد
والتفت طارق نحو أحمد مبتسما (( مش قلت لكم ، ان لازم الراجل الصح يكون في المكان الصح ، ومدكور أنسب واحد يمسك القوات الجويه اليومين دول، كدة حطينا رجلنا علي اول السلم ((
وتحولت القاعه الي مجموعات تناقش وتحلل من وجهه نظر افرادها نتائج التغييرات الجديده وتأثيرتها المختلفه
أسري مصريين
جريده الاهرام تبرز التغييرات في قيادات القوات المسلحه
نهايه الجزء الاول
12/10/2005
9 رمضان
الساعه 12.00 منتصف الليل
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم