الفصل الثالث
يدافع الجيش المصري عن كيانه وكرامته دفاع الأبطال ويذيق الأحباش أنواع البلاء، ويعلق أهميةً كبرى على بعثة (أمين بك) الاستكشافية قاصدًا من ورائها إلى معركةٍ حاسمةٍ، ولكن ممالأة (حسن بك) للعدو — وهي التي أدت إلى فناء البعثة وأسر (أمين بك) وكاد يقتل أيضًا — سببت هزيمة الجيش المصري؛ لأن (حسن بك) عاد إلى المعسكر المصري بأخبار ملفَّقة كاذبة، وأشاع فيما أذاع وفاة (أمين بك) كما أنَّه انتهز أول فرصة فهرب إلى مصر عن طريق السودان. وهذا الجزء من الحوادث الأليمة التاريخية لا يمثَّل على المسرح لسببين: أولهما نفساني، والثاني الرغبة في حصر مشاهد هذه الأوپرا في دائرة معينة غير متسعة. وعلى ذلك يبدأ الفصل الثالث بمنظره الأول في غرفة حقيرة هي مسكن (الحاج رضوان) خادم (أمين بك) القديم بعد أن انتهت الحرب، وعاد الأخير من أسره غائبًا عن وطنه خمس سنوات، وقد علم بأن صاحبه المخادع (حسن بك) لم يكتف بإشاعة موته، مما أدى إلى بقائه في الأسر والهوان هذا الزمن الطويل، بل أيضًا حقد على أخيه (كمال) الذي تزوج من (إحسان) عملًا بوصيته، فسممه تدريجيًّا وأصيب (كمال) بالسل أيضًا، فنقل العدوى إلى (إحسان) ومات تاركها على فراش المرض الأليم.
نرى في أول هذا الفصل (أمين بك) جالسًا حزينًا مفكرًا يندب حظه بينما (الحاج رضوان) يؤاسيه ويعزيه ويدعوه إلى الاهتمام (بإحسان)؛ لأنها كل ما بقي له من ذكرى شبابه ومن ذكرى أخيه أيضًا، وإن للحي حقًّا عليه قبل الميت، ويخبره مؤاسيًا أن الجاني قد افتضح أمره وأصبح رهن العقاب، وأخيرًا يثوب إلى (أمين بك) رشده ويذهب إلى قصر عمه حيث المشهد الأخير من الرواية، وهو مشبع بصنوف من العواطف الإنسانية من يأسٍ إلى صبرٍ إلى مواساة إلى تحايل الطبيب إلى عذاب الفراق وآلام المرض، فيجد (أمين بك) أن (إحسان) في حالة الاحتضار ومعها والدها والطبيب وبجانبها مربيتها، وهي في حالة إغماء ووالدها في أشد حالات الجزع، فيحال بينه وبين رؤيتها خشية أن تعود إلى اليقظة، وهي تعلم أنه مات منذ خمس سنوات، ولكنه يهيب بهم طالبًا توديعها، وتسمع هي صوته فتتملكها الدهشة ثم الفرح برؤيته، فتموت لافظةً اسمه المحبوب، ويجاوبها باسمها ويبللها بدموع الحزن، والوفاء راكعًا مقبلًا باكيًا …