1

9 0 00

1

قالت لها أمها : اذهبي واطلبي منه أن يعطيك قليلا مما يأكل من الجبن والتين المجفف !

مشت خطوات قليلة ومرزوق يتأملها ، تتردد ، تتوقف وتتراجع خطوتين أو ثلاثا ، تتقدم ثانية ينظر لوجهها ولبشرتها الخشنة ، التقت عيناه بعينيها الواسعتين جدا لكنهما كانتا معكرتين ، وشعرها كان شبه أشعث ، لا شك أن أمها لم تغسله ولم تمشطه لأيام خلت ، لو كانت كبيرة لانطبقت عليها صفات (الغولة ) التي حدثته جدته عنها كثيرا ، كما سمع من والدته وزوجة عمه وابنة خاله التي كانت تكبره بعشر سنوات . وقفت زاهرة على مقربة منه ، تتأمل كيف يقضم قطعة الجبن البلدي المالح ، كان يتذمر لأمه قبل قليل ؛ لأنه ملّ من الجبن ، ويريد شيئا آخر يأكله مع الخبز ، لكنها حين وضعت عينيها على ما يأكل حلا في نظره ، صار يأكل بنهم وبتبجح ، يتباهى أنه يأكل لوحده ، ولا يريد أن يطعمها .. ( لماذا ذهبت تشكو لأمها ؟ لو طلبت مني كما هي العادة ، لأطعمتها بهدوء ودون تدخل أحد !) .. يقضم الجبن المالح مرة ثم يتبعها بقضمة من التين المجفف مرة أخرى ، يعطش فيضع طعامه في جيبه ثم يهجم على إبريق الماء الفخاري ، يحمله ويتقدم به الى أمه يطلب منها أن تساعده على الشرب منه لأنه ثقيل قليلا ، تفعل أمه ما يطلب دون تفكير ، ولا تتعطل عن التحدث ولا عن الإنصات الى رفيقاتها ، وحين كرر ذلك تذمرت أمه منه ، فقال لها :-لماذا لا تشتروا إبريقا صغيرا ؟

- شربت ماء كثيرا هذا اليوم ، ولماذا لا تساعد نفسك بنفسك ، لقد كبرت ، وتستطيع أن ترفع الإبريق وتشرب بنفسك ، ثم لا تكثر من أكل المالح والحلو حتى لا يستمر عطشك !

- أحب أن أشرب من يديك يا أمي ! طعم الماء يكون أطيب .

دلالك أتعبني ! فهل ستبقى ولدا مدللا ؟ ..

لا تدري لماذا يكثر من أكل الجبن هذه الساعة برغم ملوحته الشديدة ويسرع في البلع ، إنها الغولة التي تترصده ، يشعر بشيء من الأمان ، يخرج التين والجبن من جيبه ، لم تتحدث زاهرة ولم تهدد، ومع تظاهره بعدم الاكتراث، وأنه يأكل طبيعيا ، إلا أنه كان متوجسا منها ، فهو يعرفها قوية وسريعة ،التصق بكتفي أمه ، شكت أمه من ثقله المتواصل على ظهرها ،قالت له

-ابتعد عني واذهب للعب مع زاهرة كما تفعلان دائما !

تتواصل أحاديث النساء الأربعة عن أزواجهن وعن ملابس العيد ، هذه تتباهى فيما طرزت أو خاطت من ملابس جديدة لها ولبناتها ، وأخرى تتذمر من قسوة زوجها وبخله ، حتى القماش والخيوط يرفض شراءهما لها ، يقول لها وفري من ثمن البيض وبيع طيور الحمام لتشتري ما تحتاجين أنت وبناتك وحتى أولادك دون أن تطلبي مني قرشا واحدا .

هجمت زاهرة فجأة كانقضاض الحدأة على الكتكوت الصغير ، اختطفت قطعة الجبن الباقية وحبتي التين اللتين كانتا في يد مرزوق ،ألقت قطعة الجبن بين أسنانها فورا وركضت صوب أمها تحتمي بها ، تبكي وتشكو أن مرزوق يريد أن يأخذ منها حبتي التين ،فهمت أمها وأم مرزوق الحكاية دون استفسار ، قالت لها أم مرزوق :

-لا تعطه شيئا مما استطعت الحصول عليه ، لقد أكل جبنا مالحا كثيرا هذا اليوم ، ابتلعي الجبن الذي في فيك حتى لا تشرقي واشربي بعض الماء ، بعدها تأكلين حبتي (القطين ) ، وأنت يا مرزوق : ألم أقل لك أن تطعم صاحبتك زاهرة ، هي تطعمك من كل شيء عندهم عندما نزورهم ؟ أطعمتك من الصبار ومن الزيتون والبصل الأخضر والكراديش الساخنة مع البصل والبنادورى ،وقلت أنها أعجبتك ؟ أكلت كثيرا يومها ، ثم أضفت قائلا ( لماذا لا نحضر عند دار زاهرة كل يوم يا أمي !) رفس الأرض بقدميه ، احمرُ وجهه وصاح في وجه أمه قائلا : - إنك تحبين الآخرين أكثر مما تحبينني ، وتساعدين الغريب عليُ ! ..

وعندما أشرف الدمع أن يطفر من عينيه ، سكت وأدار وجهه للجهة الأخرى حتى لا يراه الحاضرون ، وبدلا من أن يتبع مرزوق ( الغولة الصغيرة ) ، عاد ليقف قرب أمه ملتصقا نافخا متوجعا دون كلام ، ومتذمرا من خسارته ومن الإهانة التي لحقت به .ظل ينظر لزاهرة بشزر وهي تبتلع بقية حبتي التين بعد أن التهمت الجبن في البداية ، طلبت هي الأخرى من أمها أن تشرب ، قالت لها أمها : لا تقلدي غيرك ، أنت كبيرة واشربي لوحدك كالعادة هدأ مرزوق حين تأكد أنها ابتلعت كل ما اغتصبته منه ،ولما سمع ورأى أمه وأم زاهرة تتحدثان وتضحكان في شغل عنهما حاول تناسي الأمر،كانت أمها أطول الحاضرات وأقلهن سمنة ، تتحدث بصوت منخفض لكنه من أعماق حلقها،وعندما تأكد أنه لم يبق لديه المزيد من الطعام،اقترب من زاهرة وقال لها :

-عندما أحضر مع أمي لمنزلكم فهل ستطعمينني عسلا من نحلكم ؟ …. كانت أصغر منه بما يقارب العامين ، ومع ذلك كانت أطول منه ، وكان هذا يضايقه كثيرا مع أن عمره عشرة أعوام ، حين سمعت تساؤله ضحكت وبانت سناها الكبيرتان في مقدمة فمها، اقتربت منه أكثر ، كاد وجهها أن يلامس وجهه وقالت :

-سأطعمك عسلا وخبزا ساخنا ، بعدها نسي كل ما حدث ولم يلعب إلاُ معها ، وأهمل الأطفال الآخرين في الحارة حتى انفض سامر الجمع ، وتفرقت النسوة الريفيات الى بيوتهن المتباعدة. وفي اللحظات الأخيرة قالت أم زاهرة لمرزوق :

- ألا ترى ما أحلاكما الآن ! عيب على الولد أن يضرب البنت ، هل تبكي على قليل من الجبن ! لماذا لم تعطها دون زعل ، وأنت يا زاهرة لا تغضبي مرزوق منك ، يجب أن تلعبا مع بعض وكونا مع الأطفال الآخرين على وفاق حينما نجتمع نحن الأمهات . يزداد هدوء مرزوق من كلام أم زاهرة ، يتذكر رحلته الى تل أبيب ، دخل إلى إحدى المتاجر لشراء ملابس للعيد ، أعجبت به المرأة اليهودية ،طلبت منه أن يستريح لتحضر له شرابا ، قالت لقريبه الذي يرافقه (أحببت هذا الغلام ، فدعني أقدم له شرابا أو شيئا من الحلوى ) ،غطت الكأس بقطعة من الورق المكتوب عليها بحروف عبرية ، ولما حملتها لتناولها لمرزوق ، قربت الماء من فمها ووجهها وعينيها ، نفخت على سطح الشراب الملون في الكأس ، ثم شرب مرزوق معظم الكأس. قالت للغلام : هل تحب الحساب والأرقام ؟

-نعم أحبها جدا ، بل أنا أفضل طالب في الصف بها ، هل تريدين أن تختبريني ؟

- نوعا ما ، خذ هذه الحروف المكتوبة على هذه الورقة ، ستلزمكم أوراقنا يوما ما ، احتفظ بالورقة حتى تحفظها جيدا ، بعدها إما أن تخفيها أو ترميها في أي مكان فيه ماء قوي . قد تفيدك هذه الحروف والأرقام في حياتك .

برغم صغره وقتها سخر من كلام المرأة اليهودية، لكنه احتفظ بالورقة طول الأيام السبعة التي بقي فيها في يافا ، بل حفظ أكثر ما فيها بالترتيب و حسب أشكال الحروف المكتوبة فيها ، وكلما وجد فرصة في الباص آو في العربة التي يجرها الحصان أو في المطعم أخرج الورقة وحاول رسم ما جاء بها ، لم يسأل نفسه لماذا أعطته العجوز اليهودية هذه الورقة ذات الأشكال والأرقام ، ولولا صغر سنه لما سمح له عمه الذي يرعاه في هذه الرحلة أن يخرج تلك الورقة ، لكنه سايره وصبر على محاولاته. وأول ما قام به بعد حفظها ، كتبها على ورقة صغيرة ،ودسها في جيب عمه،وظل يسير بجانبه تارة وخلفه تارة أخرى،كان عمه يضحك مسرورا من هذه الرحلة وسأله : ( هل أنت سعيد يا مرزوق؟ )

-نعم يا عمي ، أحب المدن وأكل المدن ، وملابس الرجال والنساء مختلفة هاهنا !

وما إن أكمل جملته حتى قفز عمه فزعا ضاربا يده على جنبه فوق جيبه اليسرى ،حيث وضع مرزوق قطعة الورق الصغيرة، تذكر اليهودية التي ناولته إياها ، صاح عمه متألما من نار لسعته في بدنه ،ضحك مرزوق ، لم يجرؤ أن يبلغه أنه رمى ورقة في جيبه ، مع أنه لم يتوقع أن تفعل الورقة مثل ذلك . قال مرزوق :

-هل أسقطت سيجارتك في جيبك يا عمي ؟

-ألا تراني ؟ ! إنني لم أدخن منذ ساعتين ، فمن أين أتت النار الى جيبي ؟ هل تعتقد يا مرزوق أن سيجارة سقطت من يد شخص مار عمدا أو عفوا ؟

-وكيف لي أن أعلم يا عماه ، ولا أرى إلا ما ترى ؟

نظر مرزوق الى زاهرة ، مدّ يده صوبها ، ثم نفخ على يده وباتجاهها ، أجفلت فانفكّ الزران العلويان سقط فستانها عن كتفيها ، تبين أنها لا ترتدي ملابس داخلية ولا حتى سروالا ، ولولت أمها وهجمت على ابنتها تضربها وتعاقبها ، وتلومها لما حصل لها ! حمدت الله أنه لم يمر رجل من الشارع ، غادر الأولاد والبنات الآخرون قبل قليل . تذكر مرزوق الحروف التي حفظها من البائعة اليهودية فرسمها في عقله لنفسه ، نظر الى قدم أم زاهرة فانزلقت بعد أن تعثرت في حصاة مثبتة في الأرض ، سقط حزامها عن وسطها ، وسقط كيس نقودها التي تخفيه عن زوجها وعن النساء الأخريات مدعية الحاجة والفقر . أحست بالخجل ، فتبارت النساء لمساعدتها ، وتفرق الجمع ، أمسك مرزوق بيد أمه ودخلا المنزل ، لكن أمه لاحظت برود أصابع يده وكأنه كان يلعب بالثلج في شتاء طويل ، حزنت عليه وفركتها له ، ثم صارت تنفخ عليها ، فطن ونفخ معها تجمدت يد أمه هي الأخرى . أطلقته وصارت تنفض يدها من شدة البرد ، وقالت : إن عدواك أصابتني فابتعد عني بالله عليك. لم يجب مرزوق على كلام أمه ، ولم يبلغها عن الشراب الذي سقته إياه البائعة اليهودية ، لكن الطفل انفجر ضاحكا ووالدته تنظر له غير مصدقة .

قبل دخوله البيت ، رأى أطفالا بهيئة مزرية كأنهم ضائعون ، لا كبير معهم ولا رقيب عليهم ، يرقصون ويقلعون ملابسهم ، يتقافزون ويقومون وينامون ، أولادا وبنات يدخنون ويغنون .