3
-يا شيخنا أريدك أن تحفظه ما استطعت من القرآن ومن أحكام التجويد والتلاوة والشعر والحكم!
والشيخ ( أليف ) صامت سارح النظر ، هل يفكر بما يفكر به مرزوق ؟ ( والد مرزوق شيخ ومربي وخبير في تدريس الصغار والكبار، وكل ما يقوله في أي مكان أو مجتمع هو تعليم للحاضرين فيه أو لابنه مرزوق فلماذا لا يعلم ابنه هو بنفسه؟ ) ، هزّ الشيخ أليف رأسه موافقا ووعد بأن يبذل كل جهد مستطاع لتلبية رغبة والد مرزوق ، استدرك الشيخ أليف مجاوبا :
-سأنتبه له أثناء تواجده مع الأولاد في الكتّاب، وعندما أحضر لزيارتكم كل يومين سنعلمه القراءة والكتابة وترتيل القران وحفظه .
أما كيف نجح والد مرزوق في أن يجعل ابنه مطيعا له ، محترما معظم رغبات والده ، متمسكا بكل ما ينصحه به فذلك أمر يصعب تفسيره ، قسا عليه كثيرا في طفولته ، عاقبه وأرعبه مرتين في صغره ، فكيف يطيق الاقتراب من أبيه ؟ يحبه كثيرا ، يلتصق به ويحرص على سماع كل كلمة منه ، بل ينسى مجالس النساء حين يكون بصحبة والدته ، يحب الجلوس قرب أبيه ، ينتبه لكل ما يقول ويحفظ عنه كل ما يسمع ، قال له مرة :
-أريدك أن تحفظ هذه الحكمة بعد قراءة القصة التي في يدك !
كان مرزوق يحس بنعاس شديد ، فتجرأ وقال لوالده :
غدا صباحا يا والدي ! سأحفظ الكتاب كله ، وسأقرأ القصة وسأحفظ الحكمة التي وراءها . وافق والد مرزوق هذه المرة على كلامه الواعد المقنع ، لكنهما ظلاُ ساهرين ليلتها حتى الفجر، زاد حب مرزوق لوالده في تلك الليلة ، طار نعاسه وظل صاحيا يسامر ويستمع له ، يلف له سجائر الدخان ، ووالده يدخن ويسعل ، فيناوله مرزوق علبة فارغة ليبصق فيها حتى لا يتكلف عناء النهوض ، ولعدم وجود مناديل عندهم يبصق بها ، تغنى والد مرزوق ليلتها بالكثير من أشعار الحب والغزل وقصائد الصوفية ، حكى له عن الشيخ الرفاعي والشيخ الجيلاني ، قطبا الصوفية المعروفين في بلاد الشام ومصر والعراق . عرف منه أن أنواع الغناء وألحانها كثيرة منها العراقي ومنها المصري ومنها الحجاز والبيات والحلبي .
كان والد مرزوق ينسب معظم ما يحفظه الى الإمام الشافعي ، وكل موضوع أو حديث يسنده بحكمة أو أثر أو ببيت من الشعر منسوب الى الإمام الشافعي ، وربما لا يكون ذلك ، لكن أكثر ما كان يثير إعجاب مرزوق هو كثرة محفوظ والده من الشعر والحكم والأمثال عدا عن حفظه للقرآن الكريم غيبا . وكان ينسب الى الرسول (ص ) لكنه كان يتحرج من ذلك إذا لم يكن متأكدا من نص الحديث ، وحسبما ذكر له مرة يخشى أن يكذب على الرسول ، حتى لا يتبّوأ مجلسا له في النار ، ثم كثرة ورود اسم كتاب ( جواهر الأدب ) على لسانه ، فكل بيت أو حكمة لا يعرف قائلها يقول:جاء في كتاب جواهر الأدب ، ومن الأمثلة على النصائح التي ينسبها للشافعي :
عليك بالحفظ دون الجمع في كتب
فإن للكتب آفـات تفرقهـــا
الماء تغرقها والفأر يخرقها والنار تحرقها واللص يسرقها
وأكمل نصحه له : ألم أقل لك أن تقرأ القصة وتفهم الحكمة وراءها الليلة ؟ ستنفعك في حياتك ! وحول هذا الكلام قال : قال الإمام الشافعي :
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي
أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وفي أمسية أخرى قال له : قم يا بيني وليعنك الله واقرأ ما طلبت منك ، ولديك وقت وعمر لكي تنام وتمل النوم .
تبخر النوم ثانية من عيني مرزوق ، وطال سهره مع والده ، بعدها غنى ولحن له والده أبياتا من الشعر الغزلي مثل : يا زارع الريحان حول خيامنا ،لا تزرع الريحان لست تقيم ،وأبياتا من معلقة امرئ القيس : ((أفاطم مهـلا بعض هذا التـدلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي،تسلت عمايات الرجال عن الهوى،وليس فؤادي عن هواك بمنســل ، تقول وقد مال الغبيط بنا معــاً ، عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلي ، فقلت لها سـيري وأرخي زمامه، ولا تبعديني عن جناك المعـــلل )) وشرح له معاني مفردات ( عقرت ، وجناك ، وأزمعت ، الغبيط ) ثم غنى له ليلتها الكثير من الشعر الصوفي لرابعة العدوية ، وابن العربي والشريف الرضي والحلاج ، ومرزوق يعيد وراءه ويحفظ كل ذلك لدى سماعه من المرة الأولى أو الثانية ، ظلا ساهرين حتى الفجر صليا الصبح ثم استراحا واستسلما للنوم .
يقول والد مرزوق للشيخ أليف : ولا تنس أيضا أن تعلمه الشعر والحكايات على لسان الحيوان يا أستاذ !
-سيكون ذلك يا شيخ أبا مرزوق ، لديّ نسخة قديمة من كتاب قديم اسمه ( كليلة ودمنة ) سنقرأ به ، عملت له جلدا جديدا ، ولو أن الكثير من أوراقه قد نزعت قبل حصولي عليه .
ثم لا تنس سهرة الغد يا أستاذنا ! .. ، مساء وبعد صلاة العشاء سنكون في مجلس الذكر.
نادرا ما تتكلم الحجة خضرة ، ولا تدخل في النقاشات ، تترك الحديث للرجال ، إلا إذا واجهها أحدهم بسؤال خاص يصعب على (خويها ) إجابته ، أما مؤاخيها الشيخ عثمان فكان يقوم بالرد عنها على معظم التساؤلات . فهو رفيقها وصديقها (وخويها ) وحاميها ودرويشها أخذت الطريقة عنه . بلغ عدد الحاضرين لحلقة الذكر أكثر من عشرين رجلا ، ومرزوق كان الطفل الوحيد في الجلسة ، تمتد يد الشيخ عثمان الى مزهر صغير ، يداعبه قليلا بيديه ، وبأسلوب ينمّ على أنه لا يقصد التبجح ، أو أنه لا يريد أن يعرف الحاضرون ماذا سيفعل .
إذا تحدث شخص ما أنصت له جميع الحاضرين ، هذه العادة لم يكن أحد يحتاج الى تعلمها في القرية ، فهي تراث مفهوم ، وأعصاب الناس ممطوطة ، لا يتكلم الشخص ، إلا إذا فرغ الشخص السابق من حديثه ودون مقاطعة ، فكان الجمع منشغلا في التحدث عن الدين والزهد والصوفية والدروشة ، وبعضهم يروي غرائب ما حصل أمامه ، ينقر الشيخ عثمان على المزهربأصابعه الرشيقة نقرا خفيفا شنف الآذان ، فقال معظم الحاضرين (الله الله ! يا سلام يا شيخ ! ) يعرف الشيخ عثمان كيف يستثير الحجة خضرة ، وكيف ينطقها ، ظلت أصابعه تداعب المزهر ،حتى أحسّ بالحماس ، قام وذكر الله مرتين وتلوى قليلا ، ثم رفعت الحجة صوتها(بالترويد) وغناء أبيات من الشعر الصوفي والعشق الإلهي ، والتعلق بالرسول (ص ) وبفضائل أخلاقه وصفاته ، يؤشر الشيخ عثمان للحاضرين بالنهوض للصلاة على النبي ولإحياء حلقة ذكر ، يقفون في صف واحد متراصين الكتف بالكتف ثم يتمايلون اماما ثم اعتدالا ( لا إله إلا الله ! لا اله إلا الله ! ثم الله حي الله حي ) حتى تضطرب الألسنة ويجف لعاب الحاضرين ، ويزيدون في تمايلهم هذه المرة شمالا ويمينا ، والشباب منهم يحركون ويحمسون الحاضرين بقوة حركاتهم وبارتفاع أصواتهم ، وبإشارة من الشيخ عثمان يطلب خفت أصواتهم ، فيرفع صوته هو بالدعاء الى الله بالمغفرة ، وبالتوسل برسول البشرية والهداية محمد ( ص ) ، يعدد شمائله وبركاته ، يغني الأبيات الشعرية على دف الطبل والمزهر ، وهو يتحرك ويحوم ويتلولب كأنه بلا عظام تحد من حركاته ، فيحاول الواقفون الآخرون تقليده لكن هيهات ، ومرزوق كالقزم بينهم يتحرك ويقفز ويتنقل بعينيه الى كل شخص يحاول تقليد كل من ابتدع حركة جديدة أو أتقن تحركا أو انسجاما ، تؤشر الحجة خضرة للواقفين ، وهي معهم وبينهم مبتعدة عن أي واحد من الحاضرين ، إلا الشيخ عثمان حيث تقترب منه ، لكنها لا تلمسه ، ولا تتحرك بالقوة والعنف والنشاط الذي يتحرك به الرجال ، توقف الجميع عن الحركة والذكر ، تومئ لهم بالجلوس أو الوقوف لمن أراد ، وتبدأ تغني وتلحن بصوتها القوي الجميل .
بعد أن كبر مرزوق وفي أثناء دراسته في الصفوف الثانوية ومن الكتب التي كان يستعيرها من مكتبة المدرسة عرف أن الشعر الذي تحفظه الحجة خضرة كان من شعر رابعة العدوية أو الحلاج أو غيره من شعراء الصوفية ، لم يكن أهل فلسطين يعرفون في تلك السنوات وبعد الحرب العالمية الثانية أن هناك هموما وبلاء ينتظرهم ، كان مرزوق يجد صعوبة في أغلب الأحيان في فهم ما تقوله وما تغنيه الحجة خضرة حيث كانت تلحن الكلمات وتلوي لسانها ، يضطر مرزوق للاقتراب من والده يسأله عن البيت الذي غنته أو الكلمة التي قالتها ، وكانت أحيانا تخلط أغاني أم كلثوم أو سيد درويش أو منيرة المهدية بالشعر الصوفي المغنى ، يتمايل الرجال الحاضرون طربا ، يتذكرون الله فيهللون ويصلون على النبي،شيبا وشبانا ، يطربون ويثنون على غنائها ، يصيح أحدهم قائلا : يسلم لسانك يا حجة !
ويقول آخر : الله الله ! ما شاء الله .. وثالث يقول : الله يفتح عليك ،الله يزيدك من نعيمه . يزداد حماس الحاضرين ، فيقوم الشيخ عثمان ثانية ويدعو الحاضرين بإشارة من يده ، للاصطفاف ثانية لجولة ذكر جديدة ( الله حي ، الله حي ) حتى يدوخ الجميع ويتعبون ثانية، حتى مرزوق الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر يحاول التحرك مثلهم ، ينظر لكل واحد من المشاركين ، يحاول نقل الحركات غير عارف أيهم الأفضل ، وإذا أتقن حركة نقلها عن أحدهم استمر يقوم بها ، يقول في نفسه ( ليتني أستطيع الذهاب لاستدعاء زاهرة أو شقيقته لتحضر واحدة منهن على الأقل هذا الاحتفال الجميل ! )، لكن الدنيا ليل ويخشى الظلام ، ثم أن البنت أو المرأة محرم عليها المشي في هذا الوقت المتأخر من الليل ، والبيوت متباعدة ، فيلزمه وقت للوصول الى بيت زاهرة ، والتي يعجبها أي شئ يفعله ، آه لو كان لديه دراجة مثل فاخر ليقفز على ظهرها ويصل الى المكان الذي يريد بسرعة ، ثم ما يلبث أن يتذكر أن كل هذه أحلام ، الحجة خضرة فقط هي التي يحق لها أن تكون بين الرجال ومعهم. يقول مرزوق في نفسه : ( عندما يطلع النهار سأحاول أن أشرح لشقيقتي ولزاهرة عن حلقة الذكر هذه ) فجأة توقفهم الحجة خضرة لترديد أبيات يشنفون لها آذانهم ، مع أن معظمهم ما يزال في شبه غيبوبة تصبح كأنها المايسترو الذي يقود فرقة موسيقية بمهارة وإعجاب
طلعت شمس من أحب بليل فاستنارت فمالها من غروب
إن شمس النهار تغرب باللـــيل ، وشمس القلوب ليس تغيب
من أحب الحبيب طار إليه اشتياقا إلى لقــاء الحبيب
يمدّ الشيخ عثمان يده بهدوء وتؤدة ، ليزيد من اهتمام الحاضرين ، يقرأ هامسا بصوت مرتفع مبحوح ليشد أسماع الحاضرين :
كفى حَزَناً أني أناديك دائبــا كأني بعيــد أو كأنك غائب
وأطلب منك الفضل من غير رغبة فلم أر قبلي زاهداً وهو راغب
تتراخى الأكتاف ، وتنحني الجباه وتغرّب العيون وتشرق ، ويخفت تلاحق الأنفاس المسموعة ، ثم يفطن العجائز للتعب ، فيرخون أبدانهم للجلوس على الفراش لكنها كالسقوط ، أما الشباب فيؤخرون جلوسهم حتى يرتاح كبار السن ويأخذون الأماكن التي تعجبهم .
يتضايق مرزوق ، يتمطى ولا يجرؤ على الشكوى ، يود أن يقول شيئا لوالده ، يتقدم صوب باب الصومعة ، يلمح " أبو العدس " ومعه مجموعة من الشباب يتأملون ما يجري في الداخل ، يقهقه وهو يضع يده على فمه ، والآخرون يتمايلون هزوا . يقول أبو العدس : ( لماذا تكون الحجة خضرة هي المرأة الوحيدة بين هذا الجمع ؟ ! .. ) يعود مرزوق لوالده ، يهمس في أذنه :
-أبي ! أبي ! أحس بالتعب والنعاس ! …
يقترب من والده أكثر ويبوح بتفاصيل أكثر قائلا له في همس ، أخاف أن أخرج بمفردي ، بطني تؤلمني ، أريد إخراج شئ بسرعة ، لا أستطيع ضبط نفسي يا والدي ، الدنيا آخر شهر ، ولا يوجد قمر في السماء يخفف الظلام. ، أشار له والده بالانتظار قليلا حتى تنتهي حلقة الذكر . ينكمش مرزوق وهو متهيب ، يسند ظهره الى الحائط ، يلتصق بوالده حتى يكاد يختفي فيه ، يقول لنفسه ( لو كانت لدي دراجة ، فهل كنت سأبقى مع المشايخ في سهرتهم وذكرهم ؟ ) مد والده يده ، تفقد الصبي ، قال هامسا بصوت مسموع : ( جميل أن تهدأ وترتاح وتغفو قليلا ، لقد تعبت هذه الليلة ، على كل حال هي ليلة مباركة يا ولدي ! ) يحرص مرزوق على إرضاء والده ، لم يغف بل كان يسمع ويرى كل شيء ، لكنه ازداد هدوءا .
تبدأ الحجة خضرة بتلاوة وترتيل آيات من القرآن الكريم تذكر الحاضرين بالاهتمام بالمرأة او الأولاد أو العفاف وتجنب فحش الكلام ، أو عن الطلاق والحمل والولادة والفطام ، والغريب أن الشيخ عثمان أو الحجة خضرة لم يتطرقا إلى قصص بني إسرائيل في القرآن ولا الرسل الذين أرسلهم الله لهم ، وحين واجههما أحدهم طالبا قراءة سورة مريم او سورة يوسف قالت الحجة خضرة : إننا لا نريد أن نظل بسيرة بني إسرائيل ، وإن ما يهمنا هو سيرة رسولنا العربي العظيم محمد عليه الصلاة والسلام ، وكذلك إطاعة أمر الله بحماية بلادنا المقدسة التي بارك الله فيها وحولها .
ويضيف الشيخ عثمان علينا أن لا ننسى من أتوا بعد رسولنا العظيم محمد من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، وأن نتذكر أولياء الله ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون : الحلاج ، وابن العربي ، ورابعة العدوية والسيد البدوي ، والجيلاني وشيخ طريقتنا الرفاعي طيب الله ثراهم جميعا ، وأولئك الذين استشهدوا على تراب هذه البلاد المقدسة لطرد الغرباء منها .
ثم استدركت الحجة خضرة قائلة :
-قاتل الله الإنجليز الذين يسمحون للمهاجرين والكفار من كل أنحاء العالم بالهجرة والإقامة في بلادنا ، ينكدون علينا عيشنا ويحاولون إفساد أخلاقنا .
يحاول مرزوق الانتصاب في جلسته ، ولا يعرف الحاضرون هل كان نائما أم كان يحرك جذعه طربا وخشوعا ، بعد حلقة الذكر التي دامت حوالي ثلاث ساعات بعد صلاة العشاء .