2

9 0 00

2

أبو العدس

كان راعي الغنم الشيوعي ( أبو العدس ) طويلا كثير الحركة والمزاح ، ينكر وجود الله ولا يطيق رؤية رجال الدين ، فمن الغرائب الكثيرة التي أفرزتها غلطة هجرة الفلسطينيين لمدنهم وقراهم أن يصبح راعي الغنم شيوعيا .

كان في الثلاثينيات من عمره ، لا يستطيع القراءة جيدا وربما يستطيع أن يكتب كلمات بسيطة ، أما كيف صار شيوعيا ؟ ومن علمه المفاهيم الشيوعية ؟ لم أدرك ذلك حتى اليوم ، كان شديد التأثير في من حوله وفي من يتعاملون معه ، كان يساريا متطرفا وضد كل تراث أو تقاليد ، ولولا أنه كان ينكر وجود الله ولا يطيق رؤية رجال الدين لأثر في معظم شباب القرية ، ولجعلهم يتبعونه ، حتى مرزوق برغم وجوده في رام الله ، يقابل ويناقش الشباب المثقف والذين عندهم ميول حزبية ، كاد أن يتأثر بأفكار (أبو العدس ) ، ومن أقوال أبي العدس : أن هجر الفلسطينيين لبلادهم وتركها كان غباء وتخلفا ، ومثل غنماني بلا راعي

يجد مرزوق الكثيرين يستمعون لراعي الغنم ، برغم أنه من اللاجئين الذين هجروا قريتهم القريبة على الحدود ويرونها أمام أعينهم عند خط الهدنة ، فعل أبو العدس كغيره ، حمل معه غنمه وهاجر الى أقرب قرية مجاورة .

كنا ننظر لراعي الغنم على أنه أكثر الناس فقرا وجهلا ، يكون عادة إما يتيما معدما ، أو يعاني نقصا نفسيا أو جسما نيا ، أخرس أو أعور أو أعرج ، لكن ( أبو العدس ) كان سليم الجسم والعقل والمنطق ، قويم القامة ممشوقها كأنه عمود مستقيم ، نادرا ما تراه عابسا أو حزينا ، قد يتذمر أحيانا لكنه لا يتألم ولا ينتكس ، يشكو لكنه لا يتوقف عن المحاولة ، قال مرة :

-إذا لم أنجح في أن أجعل مزنية تحبني فلا أستحق الحياة

-عشمك مثل عشم إبليس في الجنة

-هذا الكلام لا يقال ل ( أبو العدس ) ، ولا أريد أن أقول ستشاهدون ، لكن (سيأتيك بالأخبار من لم توصّه )

المهم أن أبا العدس غيّر فكرة الناس عن راعي الغنم . كانت عادة قبيحة ، وأعني عادة جلوس الرجال فوق حجارة كالكراسي على جانبي الطريق ، ويعلم كل أهل القرية صغيرا وكبيرا أنها عادة غير مستحبة على الأقل ، يرصدون الطريق ويتحدثون ساعات طويلة لقتل أوقات الفراغ التي كان ما أكثرها في تلك الفترة ، يقول أبو العدس :

-ومتى كان للوقت أهمية في حياة إنساننا ،……

بعض النساء يضطربن ويخجلن من نظرات الرجال إن كثروا ، حين تمر المرأة وهي تحمل جرة الماء أو معها ابنها أو أي غرض، وبعضهن كسرن جرارهن ، أو اصطدمت أقدام بعضهن بالحصى الناتئ في الشارع فتعثرن وكدن يسقطن أو كاد الطفل يسقط من بين أيديهن ، ومع ذلك يصرَ رجال القرية على طقوس تلك الجلسات ، وربما جلس بعضهم أمام المسجد ، فيلحق بهم أبو العدس إلى أي مكان يستريح الناس فيه ، وعلاوة على ذلك كان يشارك في أفراح أهل القرية وأتراحهم ، ولا همَ لديه إلا المناقشة والمناكفة والانتقادات اللاذعة ، يتدخل في كل موضوع ومع أي شخص من القرية ، وبصوت يعلو على أصوات الجميع ، حتى أن كثيرين شهدوا بأنهم سمعوه ورأوه يتحدث مع أي امرأة مارة في الطريق حين يكونا بمفردهما ، كثيرون قالوا أنه نجح في نسج صداقات مع نساء عديدات ، يخلو بهن في البراري والقفار ، سبحان كاتم الأسرار ! .. لديه ثقة بنفسه ، مما يجعل الناس يستمعون له ولحواراته حتى لو كانت لا توافقهم . كيف تثقف ؟ ومتى تعلم كل هذه الأفكار والمعلومات العامة … الله أعلم ثانية . لكن معظم الناس قالوا أن المدرسين اللذين عملا بالتعاقب في القرية خلال السنوات الثلاث الأخيرة صدف أن كانا شيوعيين ، كان مقررا للبلدة مدرس واحد فقط ، يعلم الأطفال حتى الصف الرابع ، ومن أراد مواصلة التعلم فعليه الانتقال الى مدرسة القرية المجاورة التي يدرس الطلاب فيها حتى الصف السابع ، ثم من أراد مواصلة الدراسة الثانوية فلينتقل الى مدارس مدينة رام الله الحكومية إن كان مجتهدا ، أو المدارس الأهلية والتبشيرية المكلفة إن استطاع أهله دفع أقساطها ، انتظر مرزوق تلك الفرصة بفارغ الصبر ، حيث سيتعلم ركوب الدراجة هناك بلا شك ، يجتهد في كل شئ ويسابق الريح والبشر والسيارات والخيل والبغال والحمير ، بعدها يبدأ بالتفكير كيف يمتلك دراجة لنفسه .

كان المدرس الوحيد في القرية يشعر بالملل وبرتابة الحياة وضيقها ، لابد أنه كان يتمنى أن يجد شخصا يزوره أو يكلمه وهو الغريب وليس من سكان القرية نفسها ، فما أشد حاجة أي غريب الى من يسهر معه أحيانا .كان أبو العدس يحمل معه الجبن أ واللبن أو الحليب ويقدمه مجانا للمعلم ، لم يكن أبو العدس بخيلا بل كان يقدم الحليب أو اللبن لكل من يطلبه من أهل القرية ، أما الجبن فكان يتعب بصنعه هو وزوجته ليبيعه في أسواق المدينة أو يوصله لبيوت الأغنياء الذين خبروا منتجاته من أهل المدينة ، بحثا عن السعر المرتفع ، حتى في الاقتصاد والتسويق كان أبو العدس أعجوبة ، عدا عن أنه كان كما ذكر أكثر من مرة ، يعجبه نساء المدينة حين يكلمنه وهن بملابس النوم ، وعندما تتقوى العلاقة بسبب تردده ، يدعونه لفنجان قهوة ويجلسن معه ، ويصبح له عناوين متعددة في المدينة ، يستريح بها ، حيث كان يزور المدينة مرتين أسبوعيا ، أبو العدس لم يكن غشاشا ، كانت الجبن التي يصنعها في بيته من أنقى وأنظف الجبن حسبما قال معظم من اشتروا منه .

عمل المدرسان بالتعاقب على تثقيف (أبو العدس ) ردا على كرمه معهما وتعلم منهما مبادئ الشيوعية . ومن غرائب الصدف أن يكون الاثنان شيوعيين ، انقسم الناس أيامها وتبعثرت آراؤهم . … قال الشيخ علي " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى " ، هاهي انتشرت الأحزاب وانشغل الناس بها عن الوطن والهجرة وعن التحدث حتى عن محاولة الاستعداد لمقارعة العدو لإعادة اللاجئين ، أو لاسترجاع بعض الأجزاء التي هجرها أهلها بلا حرب ، فأكمل الحج داود مؤكدا كلام الشيخ علي

-أخطأ الفلسطينيون كثيرا ، واقترف العرب أخطاء أكبر حين أحجموا عن سرعة تجنيد الفلسطينيين للجوء الى السلاح قبل فوات الأوان . وقال أبو العدس- من أبشع الأخطاء هو منع من أراد من الفلسطينيين حمل السلاح لمقارعة اليهود . لكن الحج أسعد أضاف:

- بل قل لاقى الكثيرون عنتا ومطاردة وسجونا من العرب جزاء محاولاتهم محاربة اليهود أو اختراق الحدود دخولا الى فلسطين .هل نسوا أننا على أرض فلسطين منذ ثلاثة آلاف سنة على الأقل ، ولا ندري كيف نجح الغرب وعلى رأسهم بريطانيا في فرض إقامة " دولة إسرائيل " وبإصدار قرار تقسيم فلسطين من الأمم المتحدة لإقامة دولتين ، فلماذا لم يدعموا الفلسطينيين حتى يقفوا على أرجلهم وليقيموا دولتهم كاليهود ؟ أجابه أبو العدس ساخرا :

-احتج العالم ان الفلسطينيين والعرب رفضوا قرار التقسيم ، ورفضوا قيام دولة عدوة على جزء من فلسطين ، فثبت العالم إسرائيل وأهملوا الشأن الفلسطيني ، هل قرؤوا قصة التحكيم بين علي ومعاوية ؟ … !!! ، ولو بذلت دولة واحدة مجهودا صادقا لأقنعت الفلسطينيين بإقامة دولتهم على أي أرض بقيت أو حسب خطوط الهدنة الدولية التي اقرها العالم البعيد ، حكام معظم الشعوب الأخرى قالوا أن الأيام كفيلة بإيجاد حلول للنزاع المرير بين الفلسطينيين واليهود .

قال مرزوق لرفاقه مرة أنه لولا فكر أبى العدس الشيوعي وإنكاره لوجود الله لحول القرية كلها الى محاربين وفدائيين ضد اليهود ، ولربما انتقلت العدوى للقرى المجاورة ، لكن انشغال الناس بالأحزاب أنساهم مشكلتهم الأساسية ، ولم يكن من بينها حزب انبثق في فلسطين ولا في الأردن حيث يقيم معظم الفلسطينيين ، يكفر الواحد الآخر حتى لو كان أخاه إذا تخالفا في الرأي ، وطال انشغال الناس بمثل تلك الخلافات و" دولة إسرائيل " تستوعب المهاجرين وتوطنهم في كل موقع في فلسطين .

** ** **

يذهب أبو العدس الى مسجد قديم صغير مقام على قبر أحد الأولياء الصالحين بعيدا عن القرية ، وهذا ما ينكره أبو العدس قائلا : كيف نعرف أنه كان من الصالحين ؟ ولماذا أوصى ذلك الشيخ –المزعوم- أن يدفن في موقع ناء على راس جبل وعر ومرتفع جدا ، وببعد يقارب ستة كيلومترات عن أقٌرب قرية من القرى الأربعة التي تحيط به ، لماذا لا نقول أنه كان يهوديا و أوصى بدفنه بعيدا عن قبور المسلمين ؟…..

أما لماذا كان يذهب أبو العدس الى ذلك المسجد الصغير البعيد المنعزل ؟ ! … راعي غنم ! …وماذا تتوقع من راعي الغنم غير اللف والسعي ؟ يطارده معظم الناس ، يضايقونه خوفا من غنمه واعتدائها على أشجارهم القليلة وزر وعهم الضعيفة ، لأن معظم الأراضي الواسعة لأهالي القرى التي على الحدود والصالحة جدا للزراعة وللرعي تحكمت بها إسرائيل وصادرتها مجانا واستقواء و منعت أي شخص يقترب منها ، فكان أبو العدس يضطر الى الابتعاد بغنمه ، وما أكثر الرعي والأشجار البرية والغابات فوق ذلك الجبل الوعر المرتفع جدا ، وحين يصل المسجد الصغير على رأس الجبل يحمل ما يجده فيه من أباريق زيت الزيتون، ويعود بها الى أهل بيته . تشقى بعض النساء وغالبا العجائز منهن ويتحملن عناء تسلق ذلك الجبل الصعب ليضعن نذورهن من زيت الزيتون الصافي لإنارة المسجد ، فكلما مر شخص هناك تفقد السراج الكبير وملأه وأشعل فتيله ، يحاول أن يخفض من شعلته الى أقصى ما يمكن اقتصادا في صرف الزيت وحتى يبقى المسجد منارا طول ليالي السنة ، يضعون السراج في إحدى الزوايا بعيدا عن هبات الهواء ، فيبقى الفتيل مشتعلا لأسابيع أو لشهور ليلا ونهارا . أما في موسم قطف الزيتون ونضج التين فيكثر تردد الفلاحين من القرى الأربعة المحيطة بالمسجد الصغير ، يتفقدونه وينظفونه ، يصلون فيه ويرتاحون ، ثم يخزنون فيه ما يقدمون من نذور تقربا الى الله . ولا يعلم أولئك الناس الطيبون أن ( أبو العدس ) يعتدي على الزيت ويتنعم به هو وأهل بيته مجانا .