4

7 0 00

4

أبو حمّـاد يحب أرضه والمسجد وجمله وزوجته ، وبرغم بساطة ذلك الرجل ، وعدم صحة نطقه أحيانا ، حيث كان يضطر ان يكرر الكلمة مرات عدة ، حتى تستقيم له الجملة ’ الا أن مرزوق أحب ذلك الرجل ، حين يمر من الزقاق قرب بيتهم كان يتوقف عن اللعب او الجري ، لم يكن مرعبا ولا متمددا ، فوقوف مرزوق له كان احتراما ، وربما يأتيه الإلهام أحيانا فيقول له (السلام عليكم) ، يتنبه أبو حماد ، يتوقف هو الآخر ، يلتفت الى الأولاد الحاضرين ، فيعرفه من صوته حتى لو كان بعيداً ، يهش له ، يضحك عاليا ، يتقدم قليلا ، يحاول الإمساك بمرزوق ، لكنه يجفل ، لا يسمح مرزوق لأحد أن يمسك به ، هكذا أفهمته أمه مرارا وتكرارا ، ( احذر الرجال يا ولدي ‍‍‍‍ ‍‍‍…‍، الطفل والمرأة لا يمسكهما الرجال الغرباء ! …. ‍) ، يشير لمرزوق بيده مناديا : تعال يا مرزوق لأسلمّ عليك ، أنت ولد مهذب ، أريد أن أعطيك (تعريفة ) تشتري بها الحلوى التي تريد ‍. مرزوق يتذكر كلام أمه ولا يستجيب لإغراء خمسة فلوس ( تع.. تع.. تعال يا ولد ! ..قد أجد بجيبي قرشا..)

-لا أريد لا أريد !!

حينما يلتقي بمرزوق في الصيف وقت الحصاد ، يمد يده الى حمل جمله ويسحب منه حزمة من حصاد القمح ، والجمل مستمر في المشي .

كان الجو حارا في ذلك اليوم ، والجمل مثقل بالحمل ، بطيء المشي ، نظر مرزوق لوجه أبي حماد فراه يتصبب عرقا ، معظم ملابسه مبللة من العرق كذلك ، اصبح وجهه اسمر غامقا ، وكذا يداه وذراعاه ، وقعت عينا مرزوق على المرج الذي يحاذي الطريق ، رأى عروق القمح المحصود ناتئة كالإبر ، وجه أبي حماد يزداد المرة واحتراقا ، شعر ذقن أبي حماد خشن يعلوه غبار خفيف فيبدو كمستنبت أشواك متراصة متشابكة ، لمعت عروق القمح وبدت نظيفة لامعة بلون أشقر مصقول فاتح ، شعر بنت واحدة في البلدة يشبه خير القمح الناضج .

-حليمة .. لماذا شعرك يختلف في لونه عن بنات البلد ؟

-قالت أمي أنها حضرت من بلاد بعيدة مع والديها أيام الحكم العثماني ، رحل أهلها وانزرعت هي هنا في منزل والدي .

لم يقنع هذا الكلام مرزوق ولم يفهم معناه ، لكنه يحاول تغيير الكلام ……

-لكن أمك صديقة والدتي ، وزرتمانا قبل أسبوع ، أليس كذلك؟ لذلك فأنا وآنت أصدقاء ، هل توافقين ؟…. ، هبت نسمة هواء باردة قوية قليلا ، وتساقطت عصافير الدوري على الأرض في صخب وتنافس ، حطت في بقعة واحدة ، احتار مرزوق هل ينظر للطيور المتلاصقة المتمازحة المتزاحمة أم ينظر الى عيني حليمة ، لترد على تساؤله ، تطاير شعر حليمة ، كاد يلامس أهداب عينيه ، اقترب منها ، دعاها لمنزلهم ، كانت تصر على البقاء في الخارج، مر بيده على شعرها يتلمسه ويحاول ترتيبه ، نفضت رأسها متجنبة يده ، أجفلت معظم العصافير خوفا من حركاتها ، لكنه قال لها انه يعيد شعرها المتطاير بسبب الهواء القوي. قبلت حليمة تبريره ثم قالت له :

-أنا لا أحب لون شعري لأنه لا يشبه شعر معظم بنات القرية ولا شعر بنات أقارب والدي .

- أنا احب القمح وخبز القمح ، وحقول القمح في موسم الحصاد وهي تزين الحقول ، شعرك يا حليمة وهو مدلى على رقبتك من الخلف وعلى صدرك من الأمام يشبه محصول القمح الذي يحمله أبو حماد على جمله كل يوم ، حاولت أن ارسم شعرك في دفتري أمس ، لكن الألوان التي عندي لم تعجبني .

-دعني أرى الرسم الذي عملته حتى أريه لوالدتي ؟ وكيف تعرف أن ترسمني دون أن تراني ؟

-لكن الرسم ليس جميلا مثلك يا حليمة! ..ألا ترين؟انظري ..!!

- يا إلهي هذه صورة بنت كبيرة ،بل صورة امرأة .

- ستصبحين كذلك بعد سنوات قليلة ، وقتها سأساعدك في حمل القش أو الحطب أو الماء .أحاول أن أرسمك دائما لأنني أعرفك جيدا ، قلت لوالدتي انك بنت طيبة وتحبين ان تلعبي معي، وعدتني أمي ان تقول لوالدتك بإحضارك معها كلما زارت والدتي،

تغافله ، تخطف الرسم منه وتهرب به بعيدا في الزقاق ، لم يفكر كثيرا ، كالكلب المخلص ، يقفز خلفها وساقاه تسابقان الريح وإذ به يلحق بها ، هم بالإمساك بشعرها الأشقر المدلى الذي يتراقص في الهواء علوا وهبوطا ، شمالا ويمينا وهي تجري ، لكنه لم يشأ إيذاءها ، زاد من سرعته وتقافزه حتى سبقها ، توقف فجأة حتى تصطدم به ، تدحرج الاثنان على الأرض، انشمر فستانها الطويل الواسع ، بانت ركبتاها وإحدى فخذيها، رفعها بلطف قائلا لها: هل أصابك ضرر ؟ وقبل ان تستسلم بإعطائه الرسم التقطت يده و عضته عضة شديدة ، اختطفت الرسم من يده ثانية ثم ولت هاربة إلى منزلهم ، صاح متألما بأعلى صوته ، لعنها ولعن كل البنات وكل الشقراوات .

-أنت مجنونة .. أنت مجنونة ؟ أمك أيضا مجنونة !

-لا أريد رسمك ولا تريني وجهك بعد اليوم . سأمزقه إذا أمسكت به ثانية . طلبت والدتي مني إعادته لك ، وإلا كنت مزقته .

-سأرسمك وأنت واقعة على الأرض ، وشعرك ممدد على ارض الشارع ، بل سيبدو ممّرغا بالتراب .

يفرح مرزوق كثيرا بحزمة القمح المحصود التي أعطاه إياها أبو حماد ، يجري الى بيتهم ، لتعمل أمه له منها (قليـّة ) تطلب أمه منه أن يوفر الحزمة للبقرة أو للدجاجات ينتشنها ، تقنعه ان الدجاجات سيبضن كثيرا بسبب القمح الجديد ، وسيكون نصيبه بيضة أو اثنتين يشتري بهما من الدكان ، بالإضافة إلى ما يأكله مع العائلة من إنتاج دجاجاتهم .

بعدها بشهرين قال أبو حماد لعامل الطرق ( أبو محمود ) أستطيع أن أوقف دراجتك بعباءتي ، سخر الرجل الآخر منه ، فما كان منه إلا أن تحداه ، قال له : لن ادعك تغادر هذا المرج حتى تركب دراجتك أمامي وتسرع بها بأقصى ما تستطيع لأرى قوة تسارعك ، وبينما كان الرجل الآخر قادما مسرعا فوق دراجته ، قفز أبو حماد يعترض طريقه قائلا : أنت موهوم وتتحدى الناس دائما بدراجتك ،سأريك مدى ضعفها ، سأحضنك أنت وإياها بعباءتي ، وما إن اكمل كلمته تلك حتى كان يرتفع في الهواء وينطرح بعيدا وفي مكان منخفض ، وحتى صاحب الدراجة تضرر من الصدمة ، وهاهو يعرج ورأسه ملفوفة من جرح كبير فيه . أما أبو حماد فمازال لا يقوى على الوقوف ولا حتى على الجلوس ، رأسه ، يداه ، ساقاه كلها مضمدة من الجروح ، وربما يكون بإحدى ساقيه كسر كما قال المجبـّر .

(بؤسا لك أيتها الدراجة ! كم أعشقك وأعشق كل جديد وسريع ، ومع أنني أنتظر اليوم الذي أمتلك دراجة فيه ، سأقهر الخطر بك ، أدرجي إليّ أيتها الدرّاجة، أتمنى أ ن يشفى صديق والدي وصديقي أبو حماد العجوز ، سأقول لأمي أن تسأل زوجته عن حاله ، ويا ليتها تأخذني معها لزيارته وللاطمئنان من زوجته عن صحته أو سأتقدم نحوه لأقول له كالعادة -السلام عليكم …. سوف أشتري بالبيضتين حلاوة طحينية وآخذها هدية له معي ، وربما أمتطي ظهر جملهم إن كان باركا أمام دارهم .)

بقي أبو حماد مريضا مدة طويلة ، لم يكن مرزوق يحب المرور من ذلك الشارع الضيق ، لكن بعد مرض صديقه العجوز أبو حماد صار يمرٌ أمام دار أبي حماد مرتين أو ثلاثا كل أسبوع ، أصبحت عادة لديه ، وحين يقابل زوجته أو أحد أبنائه يسأل عن صحة العجوز ، يتوقف قليلا ، يتردد ثم يبتعد وهو يأمل أن يرى أبا حماد خلف جمله في الصيف القادم . طالت أيام الصيف وشهورها في ذلك العام ، ملَ الناس من الحر ، جاعت الدواب وعطشت ، والناس تضايقوا كثيرا من رجال الشرطة لأنهم يتربصون للناس ، يمنعونهم من تسريح دوابهم في الأراضي الغربية ، حتى لا يقتربوا من الأرض الحرام بين العرب وبين اليهود ، جفت معظم الآبار في القرية ونبع العين كذلك ، فاحتار الناس في تدبير إبريق الماء للشرب ، اضطر الكثيرون من العجائز والمصلين الى التيمم للصلاة ، لم يطل موسم ثمار التين ولا الصبار بسبب طول فترة الجفاف في ذلك الصيف ، اتسخت ملابس الفلاحين واعتاد الناس على ذلك ، مل الناس طول الصيف ورحل الكثير من الشبان الى عمان والزرقاء للعمل في أفران الخبز وفي مشاغل القوات المسلحة ، أهملوا أرضهم وأشجارهم ، وكانت ثمار الزيتون شحيحة في ذلك العام .مرزوق يحب الصيف كغيره من الأطفال والطلاب لأسباب أهمها استمتاعهم باللعب عصرا وليلا لساعات طويلة ، وفي موسم الحصاد يكثر ارتياد الأطفال للدكاكين ، حيث يحصلون على الحبوب من أهاليهم أو الجيران لشراء الحلاوة والدبس والكعكبان والكبريت ، والسبب الثالث لعشق مرزوق للصيف هو قطاف الزيتون ، حيث كان الأولاد يساعدون الجيران في التقاط الحب عن الأرض فيعطونهم حفنات عدة فيسارعون بها الى الدكان لشراء الحلاوة المطاطية والحلاوة الطحينية ، وكان مرزوق ماهرا في تسلق الأشجار العالية فيلتقط حبوب الزيتون المنسية بعد ذهاب أصحابها ، يجمعها ويشتري بها لرفيقته زاهرة وحليمة ، أما شريفة فبرغم أنها كانت تكبره بخمس سنوات ، إلا أنها كانت تحضنه وتقبله كثيرا وهو لا يقاوم ولا يبدي معارضة ولا رغبة في ذلك .

ضعف جمل أبي حماد وأصابه الهزال بعد مرض صاحبه ولقلة الغذاء وضيق أماكن الرعي في البلدة ، وبعض الناس قالوا أن الجمل مرض حزنا على صاحبه ، وانقطاعه عن مرافقته ، فاضطر ابنه الكبير لذبحه واشترى أهل البلدة لحم الجمل لمساعدة أصحابه تعاونا كما كانت العادة .