١
أصبح إبراهيم، ذات يوم مكتئبا، متبرما، يشكو إلى كل من يلقاه من الإخوان أنه لا قدرة له على فهم «هذه المرأة».
ولم يكن يعنى امرأة خاصة على الرغم من اسم الإشارة. وإنما كان — وهو يتكلم ويبسط كفه، ويمد ذراعه، ويطوح بها فى الهواء — كأنما يومئ إلى «الجنس» كله ويدل عليه.
وكان فى العقد الخامس من عمره، ولكنه كان ذا وسواس. وكان أخوف ما يخاف، أن يكون قد شيِّخ، أو أشفى على الشيخوخة. ولم يكن لهذا الوهم ما يسوغه سوى إرباء إحساسه بالحياة على القدر الذى تتسنى به الراحة فيها. وكانت امرأته ذكية رحيبةَ أفقِ النفس، بعيدة مطارح العين. وكانت تتوخى أن تجدد نفسها له وتحرص على أن تحيطه بجو من «الشباب»، ولا تفتأ تدعو من ذوات القربى، أو من بنات المعارف، الفتيات الناهدات، واللاتى ما زلن فى عنفوان الشباب. وكانت ترجو بهذا أن يجد بعلها ما ينعشه وينشطه، ويميط عنه أذى الإحساس بالشيخوخة المخوفة أو المتوهمة. ولم تكن تخشى عليه الفتنة، فقد كانت تعرفه رزينا حكيما، وحَييًّا محتشمًا. غير أن هذا الذى تحرَّته معه، كان يعمِّق شعوره بأنه ارتفع عن حد الشباب، ودخل فى الكهولة، أو هو على عتبتها الباردة. وصار يحس أن به حاجة إلى ما يطمئنه على شبابه الذى ينضب معينه بسرعة. وكان يعلم أن امرأته تحبه — أو لا تزال تحبه — غير أنه كان يخشى أن يكون حبها له عادة، أو بفضل الذاكرة وتشبثها بما نعمت به منه فى شبابهما. فاشتاق أن تحبه غيرها واشتهى أن يسمع كلمات الحب والإعجاب من فم آخر. ولم يكن يعدم ثناء سارًا، بل ودًا صريحًا، من الفتيات اللواتى يحطن به. ولكنه كان يقول لنفسه إن هؤلاء غريرات لا خبرة لهن بالحياة ولا تجربة لهن فيها، فلا اعتداد برأيهن فيه. وكان يستريب بالمجربات الحاذقات، ولا يطمئن إلى صدقهن، وخلوص سريرتهن. فصار الأمر مشكلاً، لا حب امرأته يقنعه، ولا مودة الغريرات بها اجتزاء، ولا ثقة له بغيرهن.
وعرف فتاة — فى بيته، وبفضل امرأته — اختلط أمرها عليه. فما كانت، فيما يرى، من الغريرات، ولا كانت تبدو ذات تجربة ما. وكانت متزنة ذات عين فاحصة ولكنها غير صارمة. وكانت أحلى ما تكون حين تبتسم وتتقارب جفونها حتى لتكاد تنطبق. وكانت على سكونها وهدوء مظهرها فى كل حال، لايشك الناظر إليها فى أنها زاخرة بالحياة الفوَّارة، بهذا كانت تنطق كل حركة وإيماءة، ونظرة، ولفتة. وكان اتزانها فيما يبدو له، كالسد الذى يحبس الماء وراءه، ويمنعه أن يتدفق. ولم تكن مع هذا يبدو عليها الكبت، ولا كان سكون طائرها تكلفًا، بل كان خفرًا طبيعيًّا واحتشامًا مكتسبًا بالعادة على الأرجح.
وما أسرع ما توادا، بل ائتلفا — لا يدرى كيف؟ — وصغا إليها، وصغت إليه. وأنس بها، وأنست به. التقيا مرة فى غير داره، اتفاقا، فوقفا هنيهة يتبادلان التحية والكلام الذى لا محصول وراءه. وكان يهم أن يدعوها إلى مرافقته فلا يسعفه لسانه. فلما وضعت يدها فى يده وهى تودعه وتفتر له عن ابتسامة رقيقة، وأيقن أنها ذاهبة، وأن الفرصة قد لا تسنح مرة أخرى، انطلق اللسان المحتبس، وزايله حذره المألوف فسألها هل تسمح بمقابلته فى يوم آخر؟ وكان يتوقع الاعتذار. وإذا بها تتقبل دعوته باغتباط وبساطة عجيبة.
وصارا يلتقيان. واتفقا على أيام معينة يخلوان فيها بنفسيهما بنجوة من الرقباء. وأعادته بسكونها، فهدأت ثورة القلق وذهبت عنه الوحشة التى كان يكابدها إذ يكون مع الناس. ونفثت فيه من حرارة شبابها فنسى أوهامه، وعادت إليه الثقة والاطمئنان — إلى حد ما — وصدق ظنه أن سكينتها سد وراءه فيض زاخر من الحيوية محتبس، حتى لصار يخشى جدًّا أن تنفتح «البوابات» كلها دفعة واحدة، فيغرقها — ويغرقه معها — التيار الجارف. وراح يقنع بعلمه باضطراب الماء واصطفاقه وراء الأبواب الموصدة. وسعد بها، وسعدت به، وصارت له، وصار لها، مألفة.
وكانت دائمة البشر والبشاشة، سلسة كالجدول الرقراق، فلا سورات غضب، ولا دلال تتكلفه، ولا هستيريا. وكان هو أيضًا معها على هذا النحو الموافق من الرقة، ولين الجانب؟ لأنه أمن منها البطر وسوء السلوك.
غير أنه أقلقه عليها — ومنها — ما علمه من صدها الخُطَّاب وزهدها فى الزواج. وكان يقول لها، وهو يحاورها، إن هذه حياة غير طبيعية، فتقول إنها قانعة راضية وأنها لا تطمع فى غير ذلك، ولا تتطلع إلى ما يجاوزه، وأنها سعيدة هكذا فلماذا تغير الحال؟
وكان هذا يسره، ويسوءُه. فأما وجه السرور فذاك أنه وجد فتاة لا ينقصها المعجبون والعشاق ترضى غروره بهذه القناعة به وتقوِّى شعوره بأنه ما زال كفؤا للحياة، وأن ما كان يخشاه لم يكن إلا وهمًا ووسواسًا أورثه إياهما تلف الأعصاب. وأما ما ساءه — كما قال لها مرارًا — فذاك أن عمر هذه الصلة لا يمكن أن يكون إلا محدودًا. فإنه أسن منها أكثر من خمسة عشر عامًا، فهى تستقبل الدنيا، وهو يستدبرها شيئًا فشيئًا.
فكان ردها الذى لا يختلف أنه لا يزال بينهما وبين هذه الخاتمة التى يراها محتومة أمدٌ طويل، وما زال أوانها بعيدًا، فلماذا تحمل همها سلفًا؟
فيأبى أن يقتنع ويقول: «وهل تظنين أن الرغبة فيك ستظل كما هى الاَن بعد سنوات أخرى؟»
فتقول: «ولم لا؟ إن لكل سن مزيتها، ولكل امرأة من يطلبها فى سنها. دعنا من هذا، خلِّنا فى الحاضر، فإن الغد غيب..».
وكان لتلف أعصابه يتطير أحيانًا من هذا الكلام، ويذكر أن فتاة أخرى كانت لا تنفك تبدئ وتعيد فى أنها لن تتزوج، وقد صدقت وما تزوجت لأنها ماتت. فكان يحدث نفسه أن لعل هذا يحدث له أو لصاحبته فيموت أو تموت. وكانت تضحك من كلامه هذا وتصرفه عن هذا اللون الثقيل من التفكير وتقول له: «وماذا إذا مت أنا؟ أليس خيرًا أن أموت سعيدة فى شبابى؟ أم تراك تريد أن ترانى شمطاء تشيح عنها الوجوه وتتحول عنها العيون نافرة، وتجفوها القلوب؟ لا يا سيدى..».
فيقول: «ولكن أنا؟ أنا؟ إنى أخب إلى الشيخوخة..».
فتقول: «يمكنك أن تثق أنى سأظل صديقة وفية ولا ألومك على شيخوخة لم تجنها على نفسك، ولم تدركك بفعلك، ولم تتعمد أن تبلغها لتكايدنى».
ولم يجد جدوى فى مثل هذا الحوار الذى كان ينتهى فى كل مرة إلى غير نتيجة يحسن السكوت عليها، أو يمكن الاقتناع بها. وراح يطفو معها على متن التيار، وكان تيارًا رقيقًا لا يطغى به ولا يعنف. وكانت هى قريرة العين، صريحة البشر في غير تعمل. وظلا سنتين على هذا الحال، لم يقع بينهما خلاف مرة، ولم تنظر إليه قط بغير الابتسام والبشاشة، وخلت حياتهما معًا من العتاب والغيرة. وكان خير ما يسره منها أنها لا تعرف قولة «لا»، فما سمعها منها ولامرة واحدة فى عامين طويلين. وكانت تكل إليه أمرها واثقة مطمئنة، فكان لهذا حفيًا بها، متحرزًا من أجلها ساهرًا عليها، لا هم له إلا أن يذيقها أقصى ما يدخل فى الطوق البشرى المحدود من السعادة الميسورة، وكانت كأنها على يقين من هذا.
إلى أن كان يوم وقعت فيه بينهما جفوة لسبب سخيف. وكانا قد استأجرا سيارة «تاكسى» ومضيا فى الطريق الزراعى الذى ينتهى إلى الإسماعيلية، لينعما بنضارة الخضرة على جانبيه.
فلما صارا على مسافة فراسخ من القاهرة، انثقبت إحدى العجلات، فوقف السائق ليضع مكانها العجلة الاحتياطية فإذا هى فارغة من الهواء. ولم يكن معه منفاخ، فحمل المسكين العجلتين وذهب بهما ليصلحهما. وبقيا على الطريق ينتظران ويتحدثان، ويتضاحكان. ولكن الانتظار طال فثقل عليها واربد وجهها. وحاول أن يسرى عنها ويعيد إلى محياها البشر المألوف الذى لم يعهد سواه فأخفق.
وبعد ساعات عاد السائق المسكين يحمل عجلة ويدحرج أخرى. ورجع بهما إلى القاهرة. فلما بلغاها أبت أن يصحبها وأصرت على ركوب الترام وحدها، وكانت مقطبة. وكثيرًا ما عاد بها الترام وحدها فليس فى هذا جديد، ولكن الجديد هو التعبيس الذى يراه أول مرة فى عامين. ولم ير أن له ذنبًا، أو أنه يستحق هذا التقطيب، وثارت نفسه على الظلم، وكره أن يفضى بهما الأمر إلى الشجار والنقار السخيفين، وعجز عن فهم البواعث التى جاءت بهذه السحب وعكرت صفاء وجهها ونفسها، فانصرف ناقمًا ساخطًا، أثقل ما يعانيه أنه غير فاهم شيئًا.