(1)
" كنت أسمع تلك الخطوات.. كنت أسمعها كل ليلة "
اليوم أحتفل بمرور عامين على وحدتي..
أن تعيش وحدك، فهي تجربة قاسية.. تجربه فريدة.. تجربة ممتعة..
أنت تعيش وحدك، فهذا هو الكمال في حد ذاته..
أن تعيش في شقة بمفردك، دون أصدقاء، أو أهل، أو أقارب، أو حتى هاتف، يقطع خلوتك الذاتية برنين مزعج، هذا هو ماكنت أصبو إليه، وهذا هو ماحصلت عليه..
يغلفني الصمت التام.. صمت لا يلوثه حتى ضوء الشمس، فلقد دققت ألواحًا خشبية على جميع النوافذ، لأصنع سجني الخاص، الذي لا أملك فيه سوى كتابي الوحيد أيضًا، أقرأ فيه كل ليلة دون أن ينتهي..
أستيقظ كل يوم لأجلس ساعات طويلة على الفراش، لا أملك حتى القدرة على معرفة إن كان الوقت ليلاً أو نهارًا، ولا أبارح مكاني إلا لتلبية ضروراتي القصوى، ثم أفتح كتابي، وأبدأ في القراءة حتى يغلبني النعاس، فلا ألتقي بأحد إلا في أحلام مضطربة أستيقظ منها، والعرق اللزج يغمرني، عاجزًا عن تذكر ماكنت أحلم به..
هذه هي حياتي، بلا زيادة أو نقصان..
لماذا اخترت هذا النمط من الحياة؟؟...
لا أذكر... كنت أذكر السبب في مرحلة من مراحل وحدتي، لكن كل الأسباب وكل المنطق ذاب في أطنان الصمت الذي يحيط بي من كل جانب..
صمت طويل مستمر ثقيل مقدس... أشك أنني لو حاولت أن أصدر صوتًا، فلن أستطيع أن أبدد جزءاً من هذا الصمت...
كنت أحدّث نفسي في مرحلة أخرى من مراحل وحدتي هذه، وهي عادة تحتاج لتدريب وإصرار لتكتسبها، وإلى مزيد من الصمت لتتوقف عنها، بعد هذا لن يتبقى لك شيء..
في المرحلة التي وصلت لها، ستدرك أن الجدوى من أي شيء.. لا شيء !
ستصل إلى حالة لم يصل إليها كاهن قضى نصف عمره في التبت، وستبدأ الموجودات من حولك، تتحول إلى صور ثنائية الأبعاد، غير ذات قيمة أو لون..
مجرد ظلال صامتة هي الأخرى.. وفي النهاية.. مزيد من الصمت والوحدة..
أصبحت عاجزاً عن التفكير في أي شيء، أو تذكر أي حدث مررت به، قبل أن أدفن نفسي في عزلتي الاختيارية هذه..
حتى الكتاب الذي أقرأ فيه كل ليلة، أستيقظ دون أن أتذكر حرفاً واحداً مما قرأته..
لكنني لم أتوقف عن القراءة.. لا يوجد شيء آخر لأفعله..
لا مذياع.. لا تلفاز.. لا صحف.. ولا أنزل حتى من المنزل لأشتري شيئاً من الطعام، فلدي هنا ما يكفيني لأعوام مقبلة..
ولدي الكتاب، والوحدة، والصمت.. أنا أغنى رجل في تاريخ البشرية إذن!
دخنت لفترة على سبيل التغيير، لكن سحب الدخان المتراكمة مع نقص التهوية، أجبرتني على التوقف، وها أنا قد نجحت فيما عجز عنه أي مدخن آخر..
على كل حال لست هنا، لأصف لك سعادتي المفرطة ولا بؤسي المتراكم، أنا هنا لأحكي لك ما حدث - لا يعني هذا أنك تهمني في شيء! - لعلي أفهم..
مشكلتي بدأت حسبما أذكر.. أذكر.. حتى هذا لا أذكره على وجه الدقة، لكني أعرف أن الوقت كان ليلاً حينها، وأنني كنت أقرأ في كتابي كالمعتادوالذي حدث هو أنني سمعت تلك الخطوات لأول مرة..
خطوات ثقيلة.. خطوات واثقة.. خطوات أنثوية لحذاء ذي كعب معدني، أخذت تصعد الدرج متجهة إلى أعلى..
إلى شقتي..!
أذكر أنني انتفضت حينها، فأنا لم أعرف زواراً منذ جئت إلى هنا، ولم أعتد أن يصعد أحد إلى شقتي، فهي في الطابق الأخير، ولم يجرؤ أحد من الجيران على محاولة التعرف إليّ، لذا.. لكن مهلاً..
هذه الخطوات تتجاوز الشقة، لتسير قليلاًُ في الممر أمام المنزل، ثم هاهي تواصل الصعود إلى السطح، ولكن..
ولكن كيف؟!
باب السطح مغلق ببوابة معدنية صدئة، لم ينجح أحد في فتحها من قبل، فإلي أين تذهب صاحبة تلك الخطوات؟
أذكر أنني ألصقت أذني بباب الشقة مصغيًا إلى صوت الخطوات تواصل طريقها إلى الأعلى، ثم ارتجفت حين سمعت صوت الباب المعدني يفتح بصرير مخيف لأول مرة منذ جئت إلى هنا..
من هذه المرأة؟.. وكيف فتحت الباب بمفردها؟
سؤالان لم أحاول التفكير في إجابتهما طويلاً، قبل أن أعود لأغوص في وحدتي وصمتي، ولكن ما حدث بعد هذا، كان جديراً بإثارة فضولي أكثر وأكثر..
الخطوات الأنثوية الثقيلة بدأت تدق السقف فوق رأسي، ثم سمعت الصوت المعدني المميز لسلسة مفاتيح تتراقص في أصابع صاحبها، ثم صرير فتح الباب مجددًا..
باب آخر في السطح الذي أعرف يقيناً أنه خالٍ تماماً، لا توجد فيه ولو غرفة ذات باب لتفتح....!
لم تتوقف الأصوات عند هذا الحد، بل تحركت الخطوات قليلاً، يصاحبها صوت إغلاق الباب الثاني، كأن صاحبة هذه الخطوات دخلت شقتها، وأغلقت الباب خلفها..
لكن.. لكن.. لكن لا توجد شقة في الأعلى!
صمتت الأصوات عند هذا الحد، وعاد الصمت المقدس يغمرني من كل اتجاه، لكن صخب الأسئلة في رأسي كان مدوياً بحق، فلم أستطع النوم في هذه المرة..
كيف فتحت الباب المعدني؟!
إلى أين دخلت وما الذي تفعله في الأعلى؟!
من هي أصلاً؟!
بالطبع لم أحصل على إجابة واحدة لأي من هذه التساؤلات، فعدت لكتابي الأثير، أقرأ فيه حتى غلبني النعاس.. إلى هذا الحد يكاد الأمر يبدوا سخيفاً مكرراً، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن كذلك..
أبدًا
في اليوم التالي استيقظت والعرق اللزج يغمرني، شاعرًا بثقل على صدري يكتم أنفاسي.. هذه الشقة تحتاج للتهوية حتماً.. لكن لا.. الهواء الذي سيدخل سيحمل معه أطنانًا من ضوضاء، لم أعد قادرًا على احتمالها..
أذكر أن شيئًا ما غريبًا حدث في الليلة الماضية، لكني لا أذكر ما الذي حدث بالضبط..
سنوات الصمت أحالت ذاكرتي إلى مصفاة لا تبقي على شيء، وها أنا لا أحمل من ذكريات الليلة الماضية سوى صورة مشوشة لحذاء أنثوي ذي كعب معدني، دون أن أملك القدرة على تذكر ما الذي تعنيه هذه الصورة..
شرحت لك يومي من قبل، لذا لن أطيل عليك، بل سأقفز مباشرة إلى النقطة التي أعرف جيدًا أنك توقعتها..
لقد سمعت الخطوات مجدداً..
خطوات بطيئة.. خطوات مهيبة.. خطوات تصعد..
تتتابع الأصوات بعد ذلك، حدث كالمرة الأولى تماماً.. الصرير المعدني..
سلسة المفاتيح..
باب يفتح ويغلق، والخطوات تدق السقف طيلة الوقت كأنها ستهوي به..
ثم بدأ صوت الخطوات يتعالى، والأسوأ.. يتزايد!
نعم أصبح صوت الخطوات لأكثر من شخص.. ثلاثة أو أربعة.. لا يمكنني التمييز بدقة، لكنني أثق جيداً، أنني سمعت الخطوات الأنثوية وحدها.. أكرر وحدها.. تصعد..
إذن.. خطوات من هذه؟!
تراكم الاسئلة، نقلني إلى تلك الحالة الخاصة، التي يعرفها كل من عاش بمفرده تماماً لعدة أعوام، إذا أصبح في رأسي أكثر من (أنا) وكلهم يتناقشون معي بصوت مرتفع، يبحثون عن إجابات لهذه الأسئلة..
- ربما صعد آخرون في وقت مبكر حين كنت نائماً..
- ربما هو صوت شخص واحد يتحرك بسرعة..
- مستحيل أن يكون شخص واحد.. أنا أسمع خطوات كفيلة بهدم السقف على رأسي!
- ربما أنا أهذي.. نعم.. كل هذا الوقت بمفردي أصابني بالجنون أخيراً..
- ربما.. لكن.. لا.. أنا أهذي..
لا يوجد أحد.. لا توجد خطوات.. أنا أتوهم هذا كله..
نعم..
لو صدقت هذه الفكرة ستختفي الأصوات.. سيعود الصمت.. سينتهي كل شيء..
فتحت كتابي، وأخذت أنظر في الصفحات محاولاً التركيز، وقد بدأ صوت الخطوات يبتعد تدريجياً.. الصمت يعود ليغلفني.. كل شيء يعود لطبيعته..
ثم دوت الصرخة الرهيبة، لتمزق غلاف الصمت حولي...!
وإلى الأبد!