الفصل الأول
( دمبى وولده )
_________
جلس دمبى فى ركن الحجرة التى أظلمت على كرسى كبير ذى مساند بقرب الفراش . أما ابنه فكان راقدآ على سرير صغير أمام النار , وقد ألف فى غطائه الدافئ .
وكان دمبى فى العام الثامن بعد الأربعين من عمره أما أبنه فكان قد ولد منذ ثمان وارعبن ودقيقة فحسب , وكان دمبى أصلعآ يميل الى الأحمرار . وكان حسن المظهر , قوى البنية , بيد أنه كان قاسيآ ذا كبرياء وخيلاء فى مظهره .
ولقد كان حينئذ سعيدآ بالحادث الذى ظل ينتظره ردحآ طويلا من الزمن .
قال مستر " دمبى " لزوجته : سوف تصبح الشركة مرة أخرى يا مسز دمبى , ليس فقط هذا الأسم ولكن فى الحقيقة والواقع أيضآ شركة ( دمبى وولده ) ...دمبى وولده !
وأثارت هذه الكلمات عاطفة مستر دمبى كثيرآ حتى أنه أضاف كلمة (ياعزيزتى ) الى اسم مسز دمبى . ولم يكن معتاد أن يفعل ذلك , ولهذا قال فى تردد :
مسز دمبى ,يا ...عزيزتى .
واحمر وجه المرأة المريضة فى عجب ودهشة .
- سوف ندعوه بول يا ...يا مسز دمبى , طبعآ .
فأجابت فى ضعف " طبعأ " ثم أغلقت عينيها مرة أخرى .
- " أنه أسم أبيه , يا مسز دمبى , واسم جده ! ليت جده حتى اليوم " . ثم قال مرة أخرى : "دمبى وولده " فى نفس اللهجة السابقة تمامآ .
وكانت الكلمات الثلاث تعبر عن أهم فكرة فى حياة مستر دمبى . لقد رتفع , كابيع من قبله , من مركز الابن الى دمبى فى اسم الشركة ( دمبى وولده ) . وكان قد تزوج منذ عشرة أعوام , ولكن حتى هذا اليوم , كان لم يخلف أطفالا – أطفالا ذوى أهمية .
كان قد انجب بنتآ فى حوالى السادسة عشر من عمرها من قبل . وكانت هذه البنت قد دخلت الى الحجرة للتو فى هدوء . ولكن ماذا كانت فيمة فتاة لشركة دمبى وولده ! .
وكان مستر دمبى راضيآ فى هذه اللحظة حتى أنه استطاع أن يتحدث فى رقه الى أبنته ..فقال لها" يا فلورنس , أظن أنه يمكنك الذهاب والنظر الى أخيك الجميل . ولكن لا تلمسيه ! ".
وتطلعت الطفلة فى حدة الى السترة الزرقاء والرابط الأبيض المنشئ . وكانت هذه بالأضافة الى زوج من الأحذية يحدث جلبة فى السير , وساعة تدق فى صوت عال , هى الأشياء التى تكون فكرتها عن الأب . ولكن عينيها تحولتا الى وجه أمها فى الحال , ولم تتحرك أو تجب .
وفى اللحظة التالية , فتحت السيدة عينيها ورأت الفتاة التى جرت نحوها . وتعلقت بأمها فى حب عظيم .
"يالله " قال مستر دمبى , وقد نهض غاضبآ " هذا سلوك غير مناسب بالتأكيد . سوف أنزل الى الدكتور ييس " . ثم أضاف قائلا وهو يقف برهة أمام النيران " أرجوك أن تولى هذا السيد الصغير عناية خاصة يا مسز بلوكت " .
اجل يا سيدى بالتأكيد , وأجاب الممرضة " أذكر أنه عندما ولدت الأنسة فلورنس ...."
" نعم ..نعم " قال مستر دمبى وهو ينحنى على الفراش .
" ولكن هذا أمر مختلف . أن على هذا السيد الصغير أن يؤدى رسالة محترمة! " ثم رفع أحدى يدى الطفل الى شفتيها وقبلها . ولكنه لم يلبث أن غادر الحجرة مهرولا , خشية أن تنال هذه الفعلة من كرامته وأعتداده بذاته .
وكان الدكتور باركر بيس يسير جيئة وذهابآ فى حجرة الأستقبال وقد عقد يديه خلف ظهره .
-" حسنآ يا سيدى " قال الطبيب فى صوت عميق رنان :
" هل تجد أن صحة زوجتك العزيزة قد تحسنت بعد زيارتك لها ؟ " .
وكان مستر دمبى لم يفكر الا قليلا فى زوجته المريضة حتى أنه لم يستطع الأجابة على ذلك السؤال . وعندئذ قال أنه يسره أن يتفضل الطبيب بزيارة مسز دمبى فى الدور العلوى مرة اخرى .
" حسنآ ! لا يجب أن نخفى عنك يا سيدى " , ثم تابع الدكتور باركر بيس " أن على زوجتك أن تبذل جهدآ كبيرآ لكى تشفى . واذا لم تستطع مسز دمبى أن تبذل هذا الجهد بنجاح , فأن ازمة ما قد تقع " .
وكان مستر دمبى يعرف أنه سوف يغدو حزينآ جدآ لو ماتت زوجته . أن حزنه سوف يكون حقيقيآ ولو أنه لن يكون عميقآ جدآ .
وانقطع حبل أفكار مستر دمبى بدخول سيدة متوسطة العمر , تتزين على نمط الفتيات , لم تلبث أن لفت ذراعيها حول عنقه وهى تقول :
" يا عزيزى بول ! أنه دمبى تمامآ " .
" حسنآ , حسنآ ! " أجاب اخوها – لأن مستر دمبى كان أخاها – " أعتقد أنه يشبه العائلة . ولكن ماذا عن ( فانى ) نفسها ; كيف حال فانى ؟ .
" يا عزيزى بول " , أجابت لويزا ( لا شئ بالمرة . هناك ضعف ما . ويلزمها بذل شئ من الجهد , ولكنها شوف تبذله حين تعرف أن ذلك واجبها )." .
وأتبعت هذه الكلمات بطرقة خفيفة على الباب . ثم قال من الخاجر فى أدب بالغ :
" مسز تشك , كيف حالك الآن يا صديقتى العزيزة ؟ " .
" ياعزيزى بول " , قالت مسز تشك " أنها الأنسة توكس , صديقتى الخاصة " .
وكانت هذه السيدة ذات وجه طويل نحيل شاحب اللون . وكان لها صوت بالغ النعومة , كما أنفها حادة مستقيمة .
" أن التعرف على مستر دمبى لهو بالتأكيد شرف كنت أنتظره طويلا " – قالت مس توكس . غير أن مستر دمبى كان قد أستدعى الى خارج الحجرة على عجل فى تلك اللحظة . ولم تلبث أخته أن صاحت قائلة عندما عاد :
- ماذا يا عزيزى بول ! أنك تبدو شاحبآ جدآ ! أيوجد فى الأمر شئ ؟ .
يحزننى أن اقول يا لويزا أنهم يقولون أن (فانى )....
" والأن يا عزيزى بول " . قالت أخته وهى تنهض , " لا تصدق هذا الأمر . هيا معى الى الطابق الأعلى " . وتبعها مستر دمبى فى هذا الحال الى غرفة زوجته المريضة.
وكانت السيدة مستلقياة على فراشها , وقد أمسكت بأبنتها الصغيرة بشدة .
" لقد كانت قلقة بدون الفتاة الصغيرة " . همس الطبيب لمستر دمبى .
وساد وجوم كئيب حول الفراش .
" فانى يا عزيزتى " , قالت مسز تشك " هاك مستر دمبى قد اتى ليرالك , ألا تتكلمين معه ؟ " .
ولم تنبس المريضة ببنت شفه .
وأنحنى الطبيب , وهمس فى أذن الطفلة . ولم تفهم الطفلة معنى لهمسه , وتحولت اليه بوجهها الشاحب وعينيها الداكنتين . غير أنها لم تترك أمها .
وعاود الطبيب الهمس .
" ماما " . قالت الطفلة .
وأستيقظت الأم لبرهة وجيزة . وارتعشت جفناها , وظهرت أبتسامة باهتة على وجهها .
" ماما " صاحت الطفلة بصوت عال : " يا حبيبتى ماما ! يا حبيبتى ماما! " .
وهكذا أنطلقت الأم, وهى تحتضن طفلتها , فوق البحر المظلم
المجهول الذى يحيط العالم بأسره ......ماتت مسز دمبى .
الفصل الثانى
( بعد الجنــازة )
عندما أنتهى المأتم , امر مستر دمبى أن تغطى أثاث المنزل , وتركت جميع الغرف , عدا تلك النى كان يستعملها فى الدور الأرضى ..عارية من التحف والزينة .
والغرف التى كان يشغلها مستر دمبى كانت تتألف من غرفة للجلوس , ومكتبة كانت تستخدم فى الواقع كغرفة لأرتداء الملابس , وغرفة زجاجية لتناول طعام الأفطار . وكانت الغرف الثلاث تؤدى كل منها الى الاخرى . وفى الصباح , عندما كان مستر دمبى يجلس الى مائدة الأفطار , وبعد الظهر , حين كان يحضر لتناول الغداء , كان الجرس يدق لأستدعاء ( بوللى رتشاردز ) المربية الى الغرفة الزجاجية حيث كانت تسير جيئة وذهابآ مع بول الصغير .
وفى ذات يوم , بينما كانت رتشاردز جالسة فى غرفتها الخاصة , فتح الباب ببطء وهدوء , ونظرت فتاة ذات عينين داكنتين الى الداخل .
أنها مس فلورنس فد عادت من منزل عمتها دون شك " . ظنت رتشادرز التى كانت لم تر الفتاة أطلاقآ من قبل – " هل هذا هو أخى ؟ " سألت الطفلة وهى تشير الى المولود الصغير .
أجل يا جميلتى " , أجابت رتشاردز , " تعالى وقبليه " . ولكن الطفلة لم تأت , بل نظرت الى رتشاردز فى جد وقالت :
" ماذا فعلت بماما ؟ " .
ياله من سؤال حزين ! . قالت رتشاردز " هل أنا التى فعلت ؟ لا شئ يا أنسة " .
" ماذا فعلوا بماما " , سألت الطفلة ؟
" يا حبيبتى , قالت رتشاردز " أنت ترتدين هذا الرداء الأسود الأنيق تذكرآ لامك " .
أننى أستطيع أن اذكر أمى ...أجابت فلورنس والدوع فى عينيها , " فى أى رداء أرتديه " .
كانت الطفلة رقيقة هادئة فى حزنها وانفرادها , وكان قلبها مشحونآ يحب كثير لم يبد على أحد أنه يريده , حتى ان قلب " بوللى " أفهم بالحزن عندما تركت بمفردها مرة أخرى .
وحاولت "بوللى " أن تفكر فى طريقة ما لابقاء فلورنس الصغيرة معها . ولم تلبث أن سنحت لها الفرصة لذلك فى نفس الليلة .
فلقد أستدعيت للنزول الى الغرفة الزجاجية كالمعتاد , وسارت فيها وهى تحمل الطفل الصغير جيئآ وذهابآ لفترة طويلة . وبعدئذ نهض مستر دمبى فجأة ووقف أمامها .
مساء الخير يا رتشاردز ..كيف حال السيد بول ؟ .
فى خير حال يا سيدى .
ولكنها ترددت فجأة , حتى أن مستر دمبى وقف ينتظر ما سوف تقول , بعد أن كان قد تحول بعيدى عنها .
أعتقد أنه ليس أجدى على الأطفال لجعلهم مرحين مبتهجين من رؤية الأطفال أخرين يلعبون بجوراهم , قال بوللى :
- أذا كنت تظنين حقيقة أن هذا مفيد للطفل , قال فى غضب " اين مس فلورنس ؟ " .
- ليس هناك من هو أفضل من مس فلورنس , يا سيدى .
ولما أتت فلورنس الصغيرة فى وجل وتردد , توقف مستر دمبى عن السير جيئة وذهابى , ثم تطلع نحوها . ولو كان قد نظر اليها حينئذ بأهتمام أكبر وبعين الأب الحنون , لكان قد فهم لماذا أجفلت وترددت . لقد كانت لديها الرغبة القوية العارمة فى أن تبدو أليه وتلتصق به وهى تصيح " يا أبتاه , حاول أن تحبنى " . ولكنها كانت تخشى أن يردها خائبة ..على أن مستر دمبى لم يكن يدرى شيئآ من ذلك .
" أدخلى ..أدخلى " قال مستر دمبى " مما تخاف الطفلة ؟ " .
ودخلت الطفلة , غير أنها وقفت الى جوار الباب .
" تعال الى هنا يا فلورنس " , قال والدها ببرود : هل تعرفين من أنا ؟ .
" نعم يا بابا " .
أليس لديك ما تقولينه لى ؟ .
وقفت الدموع فى عينى الطفلة . ونظرت الى أسفل , ومدت له يدها المرتعشة .
" هيا ...هيا....كونى بنتى طيبة ...هيا اذهبى الى رتشاردز " .
ولما حان الوقت للصعود الى الدور العلوى مرة أخرى , أرادت بوللى أن ترسل فلورنس الى الغرفة الداخلية لتقول لوالدها " ليلة سعيدة " قبل الذهاب الى الفراش . ولكن الطفلة كانت خجلة وغير راغبة فى الذهاب .
" أوه كلا , كلا , أنه لا يريدنى ! " صاحت الطفلة ,ثم لم تلبث أن اختفت قبل أن تتلفت صديقتها المتواضعة حولها مرة أخرى .