(1)

7 0 00

(1)

تشرد عيناك فى تلاقى البنايات والسماء والأفق ..

شمس الضحى تصبغ الواجهات والأسطح والمدى . أسراب الطير تلتمع فى وهج الأشعة كنثار الفضة . تحط على الأمواج ، تلتقط الأسماك ، ثم تعاود الطيران . الفلوكة الصغيرة تتمايل وهى تجر الطراحة فى عومها المتباطئ . أصداء إيقاع الأمواج تنداح على الشاطئ . أصوات الطريق شاحبة من وراء النافذة الزجاجية المغلقة ..

حين ترامى صوت من الطوابق التحتية : المصعد معطل ، اصطدم كل ما أعددت له نفسك بحائط مسدود . لم تعد تملك التصرف الذى يصلك بالأماكن التى كنت تعد نفسك للذهاب إليها فى داخل المدينة ، مقهى التريانون ، مكتبة دار المعارف بالمنشية ، مبنى الغرفة التجارية . تقدم ترجمة تقرير إنشاء منظمة التجارة العالمية . قواعد جديدة ومبادئ للمعادلات التجارية والاقتصادية فى العالم . بدا الفرق هائلاً ـ فى الأرقام ـ منذ بدأت الترجمة للغرفة التجارية حتى بلغت الخامسة والسبعين . رحل الأجانب ، فغابت تأثيراتهم . تأتى التأثيرات من الخارج . العولمة ، تعبير لم تقرأ عنه جيداً . التأثيرات واضحة على الحياة التجارية فى المدينة .

نزع الجاكت بنية الاسترخاء قرار أملته الظروف ..

الصعود إلى الطابق الثانى عشر ، لم يعد متاحاً منذ ذلك المساء الذى ارتميت فيه ـ بثياب الخروج ـ على أول كرسى تصادفه فى الصالة . خانك الجسد ، وتهيأ للسقوط .

همست من بين لهاث أنفاسك :

ـ الشيخوخة !

ثم فى كلمات متهدجة :

ـ تقدم العمر يعطى تأثيراته !

ربما هى فرصة للانفراد بالنفس ، أو للراحة ..

لم تعد تجلس إلى مكتبك ، أو تتحرك من موضعك ، إلا بجهد تشعر به وإن حاولت إخفاءه . كأنك تدارى ما يجب ألاّ يعرفه الآخرون . حتى إيناس أخفيت عنها متاعبك . تنشغل بالقراءة ، أو بالترجمة . الطابق الثانى عشر تصل إليه الأصوات من أسفل كالأصداء البعيدة . ربما أدرت جهاز الريكورد بموسيقا بيتهوفن وبرامز وباخ وسترافينسكى . تجتذبك شهرزاد كورساكوف . تنقلك إلى جزيرة مفعمة بالحنين والشجن . تنعزل عن كل ما حولك ، وتغيب أصداء حركة الطريق . لا شىء ، إلا القراءة والترجمة .

قلت للطبيب :

ـ حتى الفيتامينات لا تساعد على استعادة نشاطى القديم ..

قال الطبيب مداعباً :

ـ العطار لا يصلح ما أفسده الدهر ..

ثم احتواك بنظرة مشفقة :

ـ ماذا تقول أم كلثوم ؟

ثم بصوت مترنم :

ـ عايزنا نرجع زى زمان .. قول للزمان ارجع يا زمان ..

وأعاد السماعة الطبية إلى موضعها على المكتب :

ـ تقدم السن له أحكامه يا سيد رفعت ..

أعدت ما قاله الطبيب على أنور عيسى فى الغرفة التجارية ..

أذهلك تأمينه على كلمات الطبيب : يصبح المرء ـ بالشيخوخة ـ بيتاً آيلا للسقوط . ما يفعله الأطباء أشبه بعمليات الترميم ، فيتأخر سقوطه ، لكنه يعانى خطر الانهيار فى لحظة ما متوقعة . بواعثه لها تسميات عدة : أزمة قلبية ، ارتفاع فى ضغط الدم ، ذبحة صدرية ، هبوط فى الدورة الدموية ، التهاب رئوى ، وغيرها من المسميات التى تمثل أنفاقاً إلى الموت !. ماذا لو عرف المرء موعد موته ؟ هل يعد له نفسه ، أو يموت فى خوف الانتظار ؟

تحدث عن آلام الساقين . همس بتخوفه من أن تلزمه البقاء فى البيت :

ـ هل أضيف جلسة القهوة إلى رصيد الذكريات ؟!

تدور نظراتك فى الشقة ، كأنك تراها للمرة الأولى ..

الصالة المربعة ، تناثرت على مساند الفوتيلات والترابيزات الصغيرة وسطح التليفزيون قطع بيضاء مستديرة من الكروشيه . فوق الأرفف مجلدات قديمة تآكلت أغلفتها . تتوسط السقف نجفة تتدلى منها عشرات اللمبات البلحية الشكل . على البوفيه شمعدان من الفضة ذو فروع ثلاثة . على الجانب الأيسر ـ قبالة الشرفة المستطيلة ، والنافذة ـ حجرة تطل على البنايات المجاورة . على الجانب الأيمن طرقة قصيرة تفضى ـ من ناحية ـ إلى المطبخ والحمام ، ومن اليمين ، وفى المواجهة ثلاث حجرات متلاصقة ..

مدحت ـ شقيق رئيفة ـ هو الذى دلّك على هذه الشقة ..

أدهشك موقعها المطل ـ فى طابقها الثانى عشر ـ على شبه جزيرة الإسكندرية . البحر من الجهات الثلاث والكورنيش والبيوت والجوامع والساحات والشوارع والأسواق . لما خصّت إيناس أمها بالسر الذى أخفته عن الجميع ، طالبت رئيفة بحجرة لإيناس لا يشاركها فيها أحد . شقة شارع فرنسا ذات الحجرات الثلاث لم تكن تسمح بذلك . حجرة لكما ـ رئيفة وأنت ـ والثانية للأبناء الثلاثة ، والثالثة للسفرة ، والصالة للاستقبال ..

وأنت تميل من شارع الغرفة التجارية إلى شارع الإبيارى ـ ثالث أيام انتقالكم إلى العمارة ـ تنبهت إلى أنها تحتل الزاوية نفسها التى كانت تحتلها سينما كونكورديا . موقع سينما كونكورديا نفسه قبل هدمها ..

اكتفيت بالقول لرئيفة :

ـ هذه البناية فى موضع دار سينما ، شاهدت فيها الكثير من الأفلام الأجنبية ..

الشقة الجديدة اكتشاف أسعد الجميع ..

تحدثت رئيفة عن الأحلام التى تحققت ، بالأبناء الثلاثة ، وبالشقة المطلة على الكورنيش ، وبالمساحة التى تزيل الحرج . استقلت إيناس بحجرتها ، وإن اعتادت جلوسك على مكتبها فى أوقات المدرسة . تلاشى الحرج فى حياة الولدين داخل حجرتهما . ألصقا على الجدران قصاصات من صور المجلات : جيمس دين وألفيس بريسلى ومارلين مونرو وإستر وليامز وعبد الحليم حافظ وشادية وصباح . لم تعن بالسؤال ما إذا كان هانى أو مسعد هو الذى ألصق الصور ، وإن اتفقا فى حب الموسيقا والغناء ومشاهدة الأفلام . المكتبة الخشبية الصغيرة ـ فى ركن الحجرة ـ خلت إلا من الكتب الدراسية . لم يكن بينها ما تتعرف به إلى نوعية قراءاتهما . نقل التليفزيون من حجرة السفرة إلى الصالة الواسعة ، المطلة على البحر .

لما نظرت ـ للمرة الأولى ـ من نافذة الطابق الثانى عشر ، أحسست بدوار ، وما يشبه الميل إلى إلقاء نفسك . أدركت أنك تعانى عقدة الخوف من الطوابق العليا ..

اكتفيت ـ فى الأيام التالية ـ بالنظرة الخاطفة السريعة . ثم ألفت المشاهد دون أن تشعر بالدوار ، أو بالميل إلى إلقاء نفسك ، أو تغادر موضعك ..

أدرت الريكوردر ..

ليلى مراد . ماتت أمس . لم تغادر الشقة . أسلمت الذهن ـ بالأغنيات الجميلة ـ إلى شرود ، وذكريات ، وملامح مختلطة ، ومتشابكة . الماضى المجهول ، وقفت أمام شباك التذاكر فى سينما محمد على ذات النسق المعمارى الإيطالى . مشاعرك تختلف عن مشاعر حدثتك عنها رئيفة . أهملت إشفاقك على حملها فى أول الأبناء . أحبت ليلى مراد منذ " يحيا الحب " . رويت حكايات عن أحمد سالم ، استفزت فضولك لمشاهدته . أحببت أغنيات ليلى مراد لحب رئيفة لها . أحببت كل ما أحبته ..

قالت :

ـ فلنأخذ إجازة فى مرسى مطروح ؟

ـ لا بأس بالإجازة .. لكن لماذا مرسى مطروح ؟

وشى صوتها باللهفة :

ـ أزور شاطئ الغرام !

يرافق انحسار أشعة الشمس من داخل الحجرة صوت الأذان من مسجد قريب . لا تحدد مسجداًُ ، فالأذان يرتفع حتى من الزوايا الصغيرة ، والحصير المفروش داخل الحدائق ، وفى المساحات الخالية بين البنايات ..

تقف وراء النافذة الزجاجية المطلة على المينا الشرقية . فى مدى الأفق مبانى السلسلة ، و حاجز الأمواج المتصل ـ فى الناحية المقابلة ـ بقلعة قايتباى . لا نهائية أفق البحر إلى ما بعد المصدات بين السلسلة وقلعة قايتباى . تهبك الشعور بالامتداد . تغيب اللحظة فى توالى الأمواج من نقطة غير مرئية . تذوى ـ فى سطح المياه العريض ـ احتمالات القلق . يغيب حتى الإحساس بالعمر ، يفقد الاتصال بين ما قبل ، وما بعد ..

لما اقتحمتك نظرات الرجل ذو الشارب الأشيب ـ قبل أن تصبح السلسلة منطقة عسكرية ـ أعدت التلفت لتواجهك النظرة التى كأن الرجل خصّك بها . كنت فى التاسعة والعشرين . تناثر فى المكان جنود يمتشقون الأسلحة ، ودبابات ..

ـ حاول أن تقف بعيداً ..

حدجته بنظرة مستفهمة :

ـ لماذا ؟

ـ المدينة فى حالة طوارئ ..

تستعيد ـ بعفوية ـ أحداث الليلة السابقة : الدبابات تهدر على طريق الكورنيش . المسافة قصيرة من البيت القديم بالحجارى إلى الطريق . أربع أو خمس دبابات يتقدمها ، ويتبعها ، موتوسيكلات ولوريات تحمل جنوداً ، أمسكوا بالبنادق والمدافع الرشاشة . تشق طريقها ـ وسط الجموع الواقفة ـ إلى سراى رأس التين . أعداد من عمال ورش المراكب ، والصيادين ، والمطلين من النوافذ ، والواقفين على أبواب البيوت والدكاكين ، والمارة . يضع الجنود الكردونات أمام الحديقة الواسعة ، ويصطفون . تهمس التعليقات ، وتتعالى ..

قلت :

ـ أفلح الجيش فيما عجزت عنه الأحزاب ..

قال كامل عبد الرحيم :

ـ قطف الجيش فى ساعة ما عمل المصريون لتحقيقه فى سنوات ..

ثم وهو يهز إصبعه :

ـ لا تظلم من ماتوا أو قتلوا لإسقاط النظام ..

قال عبد المنعم فرغلى :

ـ احتمال أن يحكم مصرى واحد من أبنائها ..

قال حنفى جامع :

ـ هل يتكرر ما حدث فى سوريا ؟

قال كامل عبد الرحيم :

ـ أنا لا أطمئن إلى جيش المحمل ..

وأنت تنظر إلى كامل عبد الرحيم بجانب عينك :

ـ لعلهم يجبرون الملك على إعادة النحاس ..

قال عبد المنعم فرغلى :

ـ المهم أن تعود البلاد إلى أبنائها ..

حين بدأت يومك الأول فى سراى الحقانية ، تذكرت قول أبيك وهو يطوى الجريدة ، ويضعها على الطاولة :

ـ إلغاء المحاكم المختلطة بداية النهاية لوجود الأجانب فى مصر ..

قال جابر عثمان ، صديق أبيك :

ـ أمنية مستحيلة ! إنهم موجودون فى الهواء الذى نتنفسه ..

حرصت على أن تحضر آخر جلسات المحكمة القنصلية فى 14 أكتوبر 1949 . لم تخف تأثرك لكلمات القضاة والمحامين ، لكنك شاهدت نهاية نظام قضائى دام أربعة قرون .

الحقانية هى المكان الذى كانت تشغله المحاكم المختلطة . لم يدر فى بالك أن تخلف فيها أباك . عمل موظفاً فى الأرشيف ، وعملت موظفاً فى إدارة الترجمة .

قال أبوك :

ـ هل عندك مشوار بالقرب من شارع المسلة ؟

قلت :

ـ تقصد صفية زغلول ؟

ـ ما أذكره هو المسلة ..

ـ عندى موعد فى التريانون ..

ـ لم نكن نقصده على أيامنا ..

ثم وهو يدفع لك أوراقاً :

ـ هذه نتيجة التحليل .. يريدها الدكتور سيمون ..

وأومأ برأسه :

ـ عيادته على ناصية الفلكى والمسلة ..

ثم وهو يربت كتفك :

ـ أقصد صفية زغلول ..

وأنت تحتضنه بنظرة مشفقة :

ـ هل فقدت الثقة فى الدكتور حسن النجار ؟

ـ لا بأس به .. لكن الأوروبى أفضل !