(3)

8 0 00

(3)

نظرة الود فى عينيه اجتذبتك ، فلم تحاول السؤال بضيق ـ كعادتك ـ ولا المناقشة ، ولا الاعتراض ..

وأنت ترفع كتفيك :

ـ أفعل كما يفعل المصلون ..

ـ المفروض أننا نفعل كما يقول القرآن والسنة ..

ثم وهو يضغط على نظارته :

ـ العودة إلى أصل الدين تلغى البدع تماماً !

تحدث عن اختلاط الطريق أمام المسلمين . لا فجوة فى الإسلام بين الدين والحياة . الفجوة تنشأ ، وتتسع ، بقدر الابتعاد عن قيم الدين وشرائعه وشعائره . علينا إعادة الناس إلى دين الله . لكى نعيد بعث الفكر الإسلامى الصحيح ، لابد من إعادة فهم الإسلام ، وإعادة تذكير الناس بهذا المفهوم . يجب العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله . القول بأن الإسلام لكل البشر ، ولكل زمان ومكان ، معناه أن الإسلام ليس ديناً متجمداً . إنه دين متجدد ، متطور . العقيدة الصحيحة توجه السلوك ، وتقومه . لا معنى لطقوس دينية بلا تصرفات شخصية . عدم أداء الشعائر أفضل من الأداء المظهرى ..

قال :

ـ لابد أن يعود العقل إلى موضعه الذى أزحناه عنه !

وضغط على الكلمات :

ـ الاعتقاد السليم هو البداية الحقيقية لكل أمور الدين والدنيا .

لاحظ ضيقك بتلويحة الشاب إلى من تغيب ملامحها خلف المشربية ، فى مصلى السيدات المطل على صحن الجامع ..

فاجأك بالقول :

ـ الدنيا تتغير . يجب أن نستوعب تغيرها !

ثم وهو يشير إلى الشاب :

ـ أيامهم تتغير عن أيامنا !

وافتر فمه عن ابتسامة :

ـ عندما نتقدم فى السن نكتشف أن جيلنا أفضل من الأجيال التالية ..

قلت فى لهجة مستنكرة :

ـ لم أبلغ الثانية والثلاثين ..

وهو يومئ برأسه :

ـ هؤلاء الشبان جيل آخر ..

ثم وهو يبتسم :

ـ هذا ما اعتاده المصريون منذ نصائح إيبو وير ..

أضاف فى لهجة غامزة :

ـ تذكر تصرفاتك فى سنهم ..

الرؤى والأخيلة تشعل النيران فى داخلك : احتكاك بجسد أنثوى فى زنقة الستات ، مايوه فوق رمال الشاطئ ، عبارة ذات إيحاءات ، قبلة فى مشهد سينمائى . تعانى القيد ، والمحاصرة ، والجيشان ، والتصورات الوحشية ، والتوق إلى لحظات غامضة . تجرى راحتك باللذة إلى منتهاها .

قلت :

ـ لكن هناك اختلافاً حقيقياً بين سلوكيات أيامنا وما نراه الآن ..

لمحت على شفتيه ظل ابتسامة فاهمة :

ـ عندما يكبرون سيتغيرون إلى الأفضل ..

الجيل ـ فى رأيه ـ ساخط ، لكنه لا يدرى سر سخطه ، ولا أين يتجه بهذا السخط . المشكلة فى هؤلاء الذين يجدون زمن شبابهم هو الزمن الجميل . من يصل الكهولة عليه أن يفسح الطريق للجيل التالى ، للأجيال التالية . يعتزل الوظيفة والسلطة وصداقة المستقبل .

صرخت رئيفة للجرح فى جبهتك ، والدم المتناثر على البلوفر ..

ـ ماذا حدث ؟

أشحت بيدك فى استهانة :

ـ لا شئ . شاركت فى مظاهرات المطالبة بعودة محمد نجيب ..

ـ إنهم شبان صغار ..

ـ وجدتنى وسط مظاهرة فانسقت معها ..

المظاهرات تصب من الشوارع الجانبية فى الميادين . الهتافات تعلو : عاش محمد نجيب . فليعد الجيش إلى الثكنات . أين خالد محيى الدين ؟ . اشتعلت المواجهة بين المتظاهرين وعساكر البوليس . حطم المتظاهرون أعمدة إنارة كتب عليها شعار عبد الناصر : ارفع رأسك يا أخى . تمطت الفوضى فى الشوارع . آثار التدمير على واجهات المحال ، واللافتات الزجاجية ، وأعمدة الإنارة ، وأسلاك التليفون . آثار دماء على السلم الصاعد إلى سينما ريالتو ، فروع أشجار ، قطع أحجار ، كراسى محطمة ، بقايا أقمشة أطفئت فيها النيران ، نثار زجاج متكسر ، إطارات سيارات مستعملة . حتى قصارى الورود أمام " إيليت " بشارع صفية زغلول ، تناثرت ورودها فى الطريق ..

وهى تمسد شعرك بأصابعها :

ـ لا شأن لك بهذه المظاهرات ..

أشحت بيدك مهوناً :

ـ أنا واحد من مئات ..

ـ الخروج فى المظاهرات ليس مجاملة ..

ثم وهى تغالب الانفعال :

ـ لا تفعل إلا ما تقتنع به !

بدر العدوى .. أين أنت ؟

تنفض الرأس بتلقائية ، وتزمع البقاء فى البيت .

تشعر أن زجاج النافذة المغلق يفصلك عن حركة الطريق . يضعك فى عزلة . تفتح النافذة ، وتدفع الشيش . يندفع الهواء ، فترتفع الستارة . يلتصق طرفها بالسقف ..

تميز المواقع فى بحرى بمئذنة أبو العباس . ارتفاعها ـ من بعيد ـ وسط البنايات بوصلة يدل اتجاهها على اقترابه وابتعاده من المكان الذى يقصده ..

اجتذبتك الأغنية ، فرددتها :

اقروا الفاتحة لابو العباس .. يا اسكندرية يا أجدع ناس

أهملت نظرة الدهشة فى عينى رئيفة. ترنو إلى انغماسك فى المتابعة ، والنشوة ، وترديد كلمات الأغنية ..

اندسست بين الواقفين حول المقام . مسحت القضبان الحديدية ، وهمست بالاستغاثة . دعوت بزوال المعاناة ، وتحقق الأمنيات . استعصت الكلمات ، فأعدت ما التقطته من أفواه الملتفين حول المقام . أدركك التلعثم تماماً ، فهمست :

ـ يا رب .. أنت عارف !

قال بدر العدوى فى نبرته الهادئة :

ـ أنت كثير الوقوف أمام المقام ..

حدقت فى وجهه تتبين مقصده :

ـ خطأ ؟!

اختلجت عيناه وراء النظارة الطبية :

ـ الخطأ هو لمس القضبان الحديدية وهزها ..

وابتسم ، ربما ليخفف وقع الكلمات :

ـ حرام أن نتوسل بعظام الموتى أو بالحديد ..

ثم وهو يربت كتفك :

ـ اتجه إلى الله !

لاحظت أن ملامح بدر العدوى خلت من الاطمئنان لحديث إمام جامع أبو العباس ـ فى درس المغرب ـ عن إقامة الحد على مرتكبى الخطيئة : قطع يد السارق ، جلد شارب الخمر ، جلد رامى المحصنات ، جلد الزانى ، ورجمه إن كان متزوجاً .

قال بدر العدوى فيما يشبه الهمس :

ـ الدين يسر ، ولكل عصر ظروفه !

علا صوت خادم الجامع وهو يصفق بيديه :

ـ الجامع سيغلق أبوابه ..

قال بدر العدوى :

ـ لماذا ؟

قال الخادم :

ـ الجامع يفتح فقط فى مواعيد الصلاة ..

أردف وهو يرفق التصفيق بالنداء على المتناثرين فى الصحن الواسع :

ـ النوم فى اللوكاندات ..

رفع بدر العدوى نظرة مستاءة ، وأنتما تهبطان الدرجات الرخامية إلى الميدان :

ـ لم تكن الجوامع تغلق أبوابها فى أى وقت !

حدثك العدوى عن عمله فى شركة النقل والهندسة ..

قال لنظرة الدهشة فى عينيك :

ـ مهنة المرء لا شأن لها باجتهاداته الدينية . كان أبو حنيفة خزازاً ، وابن حنبل تكسّب من استنساخ الكتب ، والصفّار عمل فى بيع الأوانى ..

وتنحنح ليستعيد وضوح صوته :

ـ الإسلام لا يعرف رجال الدين ، من جعلوا الدين مهنتهم ..

ثم وهو يضغط على النظارة :

ـ إنه يعرف العلماء والمجتهدين !

ـ أنت إذن عالم دين ؟

رفع كتفيه ، ومط شفته السفلى :

ـ لا أنسب لنفسى ميزة !

لاحظت أنه لم يكن يميل إلى التحدث عن أسراره الشخصية ، أو ما يرى أنه يجب أن يحتفظ به لنفسه . لم يشر إلى ظروفه الأسرية . ردد كلمة " الأولاد " فلم تدرك إن كان يقصد زوجته وأبناءه ، أو أخوة يصغرونه . تعددت لقاءاتكما فى أبو العباس ، فلم يستضف أحدكما صاحبه فى بيته .

تتابع بعينين غير واعيتين حركة المرور فى نهر الطريق ، والجالسين والمارة على رصيف الكورنيش . تعيد النظر فى الرجل ذى البنطلون والبلوفر والخطوات المسرعة ..

عبد المنعم فرغلى ؟

لم يعد ينزل من البيت إلا لأوقات قصيرة فى مكتبه ، أو لقضاء مشاوير عاجلة ، أو للتمشى على الكورنيش ، أو للجلوس على القهوة التجارية . اعتاد قراءة صفحة الوفيات فى " الأهرام " . يسير فى الجنازة إن كان الراحل من الإسكندرية ، أو يكتفى ببرقية عزاء إلى أسر الراحلين فى المدن الأخرى .

هده الحزن يوم وفاة عبد الناصر . حرص على أن يسير فى الجنازة ..

عرّفك به كامل عبد الرحيم . نحن نتفق فى الصداقة ، ونختلف فى السياسة . روى أنه شارك أباه فى بيع الشروات من حلقة السمك . ضاق بسطوة المعلمين ، وتخاذل الأب ، ورزق الثقوب الضيقة . تفرغ لمذاكرته ، حتى تخرج فى أول دفعة من حقوق الإسكندرية .

قال كامل عبد الرحيم :

ـ لا أفهم سر حبك لبطل النكسة ؟!

قال عبد المنعم فرغلى :

ـ أحبه لأنه حاول وأخفق . المهم أنه حاول !

قلت :

ـ خدعتنا طيلة ثمانية عشر عاماً . كنت أظنك اشتراكى الهوى ..

واتجهت إليه بالسؤال :

ـ أكان لابد من موت عبد الناصر ، ليصبح زعيمك بدلاً من أحمد حسين ؟

قال :

ـ أنا مصرى الهوى .. وهو ما تحقق فى أحمد حسين ، ومن بعده جمال عبد الناصر .

ثم وهو يهز إصبعه :

ـ ولا تنس أن عبد الناصر بدأ حياته السياسية عضواً فى مصر الفتاة .

يلخص حياة عبد الناصر فى إلغاء الإقطاع ، والإصلاح الزراعى ، وحرب الاستعمار ، وهزيمة حلف بغداد ، والانتصار فى القناة ، والتحرر الاقتصادى ، وإنشاء القطاع العام ، والسيطرة على أموال الشعب ، ومجانية التعليم . يعيب على زعماء ما قبل ثورة 1952 أنهم حرصوا على التمتع بكل لحظة حياة . سافروا إلى الموانى البعيدة ، والقريبة ، وسكنوا القصور ، واستمتعوا بالخدم والحشم والأبّهة . عبد الناصر لم يغادر بيته منذ كان ضابطاً ، واعتبر رؤيته للقاهرة فى الليل جائزة غالية ، قبل أن يودع الحياة .