(2)

8 0 00

(2)

أغلقت منطقة السلسلة . اختفى التيرو ، والتصويب على الأطباق والحمام . قل ـ إلى حد الندرة ـ سيرك كل غروب على الكورنيش . وجدت فى نصيحة الطبيب بضرورة المشى فرصة للحياة فى التأمل . نصحك بالمشى السريع . لا الهرولة ولا الجرى . يقى ـ فى رأيه ـ من أمراض كثيرة : القلب والسمنة وهشاشة العظام والتهاب المفاصل والاكتئاب والسكتة القلبية . أضاف : السكتة الدماغية هى الأدق . الدماغ يعطى إشارة إلى القلب ، فيسكت . مبعث الإشارة ضغط الدم ، وزيادة الكولسترول ، والإرهاق ، والجلطة الدموية ، وأمراض أخرى أهمل الطبيب ذكرها ، أو أنك شردت عن التقاط أسمائها .

تمشى من موضع الكورنيش المواجه لشارع الإبيارى إلى قلعة قايتباى ، وتعود . أو تقطع المشوار نفسه فى الاتجاه العكسى إلى السلسلة . تخلى ذهنك للتأمل ، ما يخطر على بالك ، أحداث بعيدة وقريبة ، وتعبيرات ، وتصرفات ، وسحن ، ورؤى ..

لمحت التفاتة حنفى جامع إلى مسرح الأزاريطة . الألعاب المتوقفة من فوق السور العالى تشى بخلو المكان . حتى الأبواب مغلقة ، وبقايا ليلة الأمس تكومت على جانب الرصيف .

قال حنفى جامع :

ـ جئت أمس إلى مسرح الأزاريطة لمشاهدة المطرب الجديد عبد الحليم حافظ .

قلت لمجرد المسايرة :

ـ ما رأيك فى صوته ؟

ـ فوجئت بكارم محمود يغنى بدلاً منه . عرفت أن الجمهور أنزله ـ فى الليلة السابقة ـ من فوق المسرح ..

واتجه بنظرته إلى أفق البحر :

ـ رأيى لم يتبدل منذ عشرين عاماً : الغناء هو أم كلثوم وعبد الوهاب .

ـ وبعدهما ؟

ـ عبد الوهاب وأم كلثوم !

ـ وترددك زمان على فرق الكسار والمسيرى وحمامة العطار ..

ـ هؤلاء نجوم أمام الكوكبين !

استعاد حكايات أبيه عن منافسات سيد درويش والليثى مطرب بحرى . كانا يغنيان فى قهوتين متجاورتين . خاضا معركة بالأيدى ، فضها الناس ، قبل أن يؤذى أحدهما الآخر .

وابتسمت عيناه :

ـ لا أحد يذكر الليثى . الجميع يذكرون سيد درويش !

وهز إصبعه مؤكداً :

ـ لا يتذكر الناس إلا من ترك أثراً حقيقياً !

الصداقة قديمة ، تعود إلى مدرسة رأس التين الثانوية ..

اكتفى بالبكالوريا . ترقى فى الوظيفة ، حتى أحيل إلى المعاش بدرجة مدير عام . دائم التحدث عن أنه صعد درجة درجة . كل درجة فى وقتها ، لم يلجأ إلى الوساطة ، ولا إلى المزاحمة . قرأ ماجدولين وآلام فرتر وغادة الكاميليا والعبرات والنظرات . حلق فى أجواء من الرومانسية الشفيفة . يقتنى مجلات اللطائف المصورة والاثنين والدنيا ومسامرات الجيب . ملاحظاته أعمق من قراءاته . ربما روى الحكاية أكثر من مرة . يلجأ إلى الإضافة والحذف والتعديل والتغيير . يفاجئكم ـ فى الروايات التالية ـ بما لم تتوقعوه . يحب المناقشات والأخذ والرد . يتذكر أنه دخل فى قافية مع رواد قهوة النجعاوى . ظلت المساجلة حتى أقروا بحضور بديهته . يعتز بأنه لم يتردد فى حياته على طبيب ، وأن تقدم عمره لا يحول دون أن يفتح الزجاجات بأسنانه ، ويكسّر بها المكسرات .

اقتصرت المسافة من ميدان المنشية إلى انحناءة الطريق فى اتجاه الشاطبى ..

لم تعد تلتقى ـ فى موازاة الكورنيش الحجرى ـ بأحمد فرغلى باشا وأم كلثوم وتوفيق الحكيم وعشرات ممن تطالعك صورهم فى الصحف والمجلات ، يمارسون رياضة المشى ، ويتأملون مفردات المكان : الشمس الغاربة ، وطيور النورس ، وصيادى السنارة ، والبلانسات المتناثرة ، واللانشات المنطلقة إلى خارج حاجز الأمواج . اقتصرت رؤيتك للبحر ـ فى معظم الأيام ـ من البعد . من الشرفة ، أو النافذة ، المطلة على المينا الشرقية ..

قال كامل عبد الرحيم :

ـ الإسكندرية مدينة . أما القاهرة فمدينة كبيرة !

قال أنور عيسى :

ـ إسكندرية زمان كانت أقل مساحة ، وأكثر هدوءاً ، وكان شتاؤها أجمل من الصيف ..

وزفر فى ضيق :

ـ الآن .. صارت واسعة ومزدحمة ، ولا تحتمل فى الشتاء ولا فى الصيف ..

قلت لمجرد أن تشارك فى الكلام :

ـ لو أنى المسئول عن تسمية هذه المدينة لسميتها سوتر . هو الذى بناها وليس الإسكندر !

قال كامل عبد الرحيم :

ـ كثر الممنوع فى الإسكندرية . حتى صيد السنارة يواجه مناطق ممنوعة ..

اعتاد التحسر على الذكريات القديمة . حياة بلا ذكريات لا معنى لها ، لا نقدر أن نزعم أننا عشناها . يعيب على الأجيال الحالية أنها لا تعرف ماذا تريد . هى ترفض لمجرد الرفض . زاوج بين الدراسة والعمل فى الميناء .

لم يمارس عملاً محدداً : التخليص والتصدير والاستيراد واستخراج التراخيص . تبين ـ قبل أن يحصل على التوجيهية بعام واحد ـ أنه لا يحتاج إلى شهادات ليواصل عمله فى الميناء . لم تشغله السياسة حتى أحزنته إقالة الملك فاروق لمصطفى النحاس . أحس بالانتماء للرجل ، وللحزب .

لا تستطيع أن تقبض على لحظة واحدة فى مشاعره . قد يطيل التأمل والصمت ، أو ينطلق فى الكلام إلى حد الثرثرة ، أو يبدو عليه الضيق من أية ملاحظة .

عاب عليه حنفى جامع أنه يتخلى عن هدوئه بلا سبب . يغضب من كل كلمة ، يثور على كل تصرف . ربما أعاد فنجان القهوة إلى بقشة الجرسون لأنه لم يلحظ انسكابه فى الفنجان . حتى الأسئلة التى يشغلها ملء مساحات الصمت ، يجد فيها ما يستحق المؤاخذة . حتى الباعة السريحة استبدل توبيخهم بالنظرة اللامبالية . إذا فاجأه الميل إلى النوم ، تشفق عليه من المغالبة بإغماض العينين ، وفتحهما ، وتصنع المتابعة ، حتى يصعب عليه الجلوس ، فيستأذن .

قلت :

ـ الأمن !

ـ على أيامنا لم يكن هناك باب مغلق ..

ثم فى نبرة ملمزة :

ـ ولم نكن نعرف الجماعات الإرهابية !

ربما تستطيع النزول . تستريح بين كل طابقين أو ثلاثة ..

ماذا لو ظل المصعد معطلاً ؟ هل تلجأ إلى أحد الفنادق القريبة ؟ هل تتجه إلى بيت إيناس ؟ وهل تتحمل ملاحظات ياسر السخيفة ؟

قال ياسر :

ـ لو أنكم ظللتم على رفض زواجى من إيناس ، كنت سأختطفها ..

رشقته بنظرة غاضبة :

ـ ماذا ؟

أومأ برأسه دلالة التأكيد :

ـ هذا صحيح . لم أكن أتصور لنفسى حياة بدونها !

لم تدر إن كنت تحزن للعبارة ، أم تسعد بها !

تحدثت رئيفة عن علاقة بين إيناس وياسر . داخلتك مشاعر غريبة ، غامضة . ما يشبه المفاجأة ، أو الحرج . سرقك العمر ، وإيناس فى سن الزواج . تلاحقت أسئلتك : هل هو زميلها فى الكلية ؟ هل هو جار لنا ؟ هل وافقت إيناس عليه ؟

اكتفيت بالقول :

ـ علينا أن نسأل عنه ..

تركت لموظفى السنيور جويدو مهمة السؤال عن الشاب ..

تحدثوا عن مشواره اليومى بين الإسكندرية وعزبة خورشيد . ينفق على تعليمه الجامعى من العمل فى مكابس القطن بمينا البصل . وجدت فى الفارق الاجتماعى ما يدفعك إلى رفضه ..

واجهتك إيناس بما لم تتوقعه ، ما لم تتصوره . استمعت ـ مذهولاً ـ إلى قولها :

ـ رأى المفتى ليس ملزماً ..

ـ ماذا تقصدين ؟

ـ زواجى مسألة شخصية .. لا أطلب موافقة أحد ..

صرخت :

ـ تكلمين أباك !

ـ أتكلم عن مستقبلى !..

نقلت رئيفة ما لمحت به : لن تنفق على ما ترفضه . همست وهى تخفض رأسها :

ـ وافقت على طلب ياسر بأن تترك البيت دون حقيبة ملابسها ..

تحدثت إيناس عن دخل ياسر من وظيفته ، ومن أعمال أخرى ، وعن الشقة التى أعدها فى رشدى ، لا ينقصها شىء . حتى دراستها فى الجامعة ، سيدفع ياسر تكاليفها وحده ..

تملكتك الحيرة : ترضخ ، أو تواصل الرفض ؟

ـ زوجتك ابنتى !

قال بهجت عبد المنعم العبارة ، ويدك فى يده تحت المنديل الأبيض .

ـ وأنا قبلت .

رددت العبارة خلف المأذون المعمم . قدم من دكانه الخشبى الصغير قبالة أبو العباس . الجلسة مختلفة . اختلف المأذون فهو يرتدى البنطلون والقميص . لم تختلف العبارتان : أزوجك ابنتى ، وأنا قبلت . شعرت ـ وأنت تردد ما قاله المأذون ـ بطعم المر فى شفتيك . اصطدم رفضك بأفق غائم . تحدثت رئيفة عن الخطر الذى تلوح نذره ، وبكت ..

كتمت الرفض ، والألم ، فى داخلك . وضعت ما يجرى فى إطار الفرجة . تشارك بما أذنوا لك به : أزوجك ابنتى !. تطلب منه ما لا توافق على أن يطلبه ، لو أنه هو الذى ردد العبارة الأولى وراء المأذون . إذا كانت إيناس قد لوحت ـ بإيعاز ياسر ـ إلى ما لم يدر لك ببال ولا تصورته ، فإن الشاب هو الذى يجب أن يردد العبارة : زوجنى ابنتك !. ترد بالموافقة أو الرفض . لكنك عرضت ما ترفضه ، ومنحك ياسر موافقته !

لو أن الظروف لم تجبر بدر العدوى على الفرار ، كنت تنزل عنده . تتوق للقائه ، مناقشته فى مشكلات تهمك ..

التقيت فى صحن أبو العباس المكسو بالسجاد ـ للمرة الأولى ـ ببدر العدوى . لم تكن تعرفه ولا التقيت به من قبل . فاجأتك ملاحظته على تكبيرة الصلاة لركعتى تحية المسجد :

ـ النية موضعها القلب ..

واجهته بنظرة متأملة ..

فى حوالى الثلاثين أو أكبر قليلاً . وجه أسمر مستدير ، وجبهة عريضة . تناثر فى شعر رأسه الأسود شعيرات بيضاء . تطل من وراء النظارة الطبية عينان بنيتان ، فيهما طيبة واضحة ، وإن وضع على وجهه قناعاً من الهدوء ، فلا تستطيع أن تقرأ مشاعره . حليق الذقن والشارب ، وفى خده الأيمن خال أسود . يرتدى بنطلوناً وقميصاً أبيض من البوبلين ذى خطوط زرقاء رفيعة [ أضاف السويتر أو البلوفر فى الشتاء ، لكنه لم يرتد ـ ذات يوم ـ بدلة كاملة ]