(4)

6 0 00

(4)

إلى ما قبل لحظات تأميم قناة السويس ، كان يأخذ على عبد الناصر غدره بمحمد نجيب ، اتهاماته ضد الإخوان المسلمين ، وإلغاء الأحزاب ، والتساهل فى وحدة وادى النيل ، وتقييد الديمقراطية ، ومنع من لا يروق له من الاشتغال بالعمل السياسى ، وعدم التفرقة بين المحسوبين لمصر والمحسوبين عليها ، ومظهره الذى لا يوحى بالثقافة .

كان يستند إلى جدار سراى الحقانية ، ينصت ـ بالفضول ـ إلى خطبة عبد الناصر فى 26 يوليو . فاجأه قرار التأميم . فاجأ آلاف المحتشدين فى ميدان المنشية . انعكس تأثير المفاجأة ـ صباح اليوم التالى ـ فى مصر كلها . أهمل الثقب الخلقى فى قلبه ، وهو يجرى مع المتابعين للموكب ، يخترق شارع الكورنيش إلى ميدان المنشية ، ثم إلى شارع سعد زغلول ، والنبى دانيال ، حتى ميدان محطة الإسكندرية . عبد الناصر هو الرجل ، وحلم السنوات القادمة . استمع إلى خطبته فى جامع الأزهر . أحزنه أنه لم يكن فى القاهرة ليرى عبد الناصر فوق منبر الجامع ، يرفع الشعارات ، ويتحدى ، ويتوعد . حفظ خطبة الأزهر ، وفقرات من خطب المناسبات الأخرى : محاولة اغتياله فى ميدان المنشية ، تأميم قناة السويس . حتى خطاب التنحى ظلت فى ذاكرته فقرات بأكملها : إذا قتلوا جمال عبد الناصر ، فكلكم جمال عبد الناصر . لقد زرعت فيكم العزة ، وزرعت فيكم الكرامة . سنقاتل ولن نستسلم . باسم الأمة : تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية .. لقد قامت دولة كبرى فى هذه المنطقة من العالم ، ليست عادية عليه ولا مستعدية ، دولة تصون ولا تبدد ، تبنى ولا تهدد .. قلت لهم : فلنمهد للوحدة ، لأن الوحدة تحتاج إلى تمهيد . الوحدة مشاكل ، والوحدة امتزاج . قلت لهم هذا ، لكنهم قالوا لى : أين الأهداف التى ناديت بها ؟ أين الأهداف التى أعلنتها ؟ هل تتنكر لهذه الأهداف ؟. قلت لهم : أبداً ، أنا لا أتنكر لأهدافى ، ولكن ليطمئن قلبى .. وستبقى الجمهورية العربية المتحدة رافعة أعلامها ، مرددة نشيدها ، أعان الله سوريا الحبيبة على أمورها ، ووفق شعبها ..

قال عبد المنعم فرغلى وهو يغالب التأثر :

ـ لولا ممارسات أعوان عبد الناصر لاعتبرته نبياً !

قال كامل عبد الرحيم :

ـ حتى جرائمه تنسبها إلى أعوانه ؟!

قلت :

ـ الديمقراطية مشكلة حيرت الحكام والمحكومين فى دول العالم المتقدمة والمتخلفة .

قال كامل عبد الرحيم :

ـ حكاية زرع العزة والكرامة تكفى لإقالته أو قتله !

قال حنفى جامع :

ـ تصورت من كلامه قبل النكسة أن صحته بمب . تحدث عن إيدن الخرع ، ثم ظهر أن جثته لم تكن خالصة !

قلت متذكراً :

ـ لماذا أبرز الأهرام صورة زكريا محيى الدين فى مقدمة الجنازة ؟

قال عبد المنعم فرغلى :

ـ لا تنس أن عبد الناصر رشحه لخلافته بعد التنحى ..

قال كامل عبد الرحيم :

ـ هل هى وراثة ؟

ورمقه بنظرة مستفهمة :

ـ وهل يرضى الناس ؟

قال أنور عيسى :

ـ منذ متى كان للمصريين رأى فى من يحكمهم ؟!

يأخذ على المصريين أنهم يمتلكون موهبة صنع الطغاة . يحولون البشر العاديين إلى آلهة معصومين من الخطأ ، ومحصنين ضد الحساب حتى لو كان إلهياً . يفدونهم بالروح والدم ، ويحسنون التغنى بمآثرهم ، والتطبيل لإنجازاتهم ، ويحرقون البخور لذكراهم .

عبد المنعم فرغلى .. هل هو فى طريقه إلى القهوة التجارية ؟

الطاولات المتقابلة لصق النوافذ المطلة على طريق الكورنيش . ربما تباعد ترددهم عليها ، لكنهم ظلوا حريصين على لقاءاتهم فيها . رفضوا اقتراحاً ـ أنت صاحبه ـ بأن ينقلوا جلساتهم إلى التريانون أو أتينيوس أو نادى سبورتنج أو نادى سموحة . التجارية هى المكان الذى ألفوا الجلوس فيه كمجموعة . طرف خيط يكرونه فى الأحاديث العفوية ، ربما تقاطعت ، أو تشابكت ، معه خيوط أخرى ، حتى يحل المساء ، فتتهيئون للانصراف ..

داخلك ما يشبه السعادة ، أو النشوة ، حين اختلف الأصدقاء فى القهوة التجارية حول قضية لا تذكرها . اتفقوا ، واختلفوا . هدأت الأصوات بقول أنور عيسى وهو يومئ برأسه :

ـ هذا الرجل لا يكذب .. أى الروايات هى الأصدق ؟

ظل يتردد على القهوة التجارية . لم يصرفه ما بلغه من مكانة . يمارس العادات نفسها ، دون أن يشغله حتى النظرات ، أو الإحساس بالحرج ..

آخر مغادرتك للقهوة التجارية منذ ثلاث سنوات . بدأ الأصدقاء فى التناقص ، بالموت ، وبالمرض ، وبأسباب شتى . قل ترددك على المقهى ، تباعد ، ثم شغلتك الترجمة فى كتب أعجبتك من الفرنسية والإنجليزية . لم تعد تثيرك الأخبار المهمة ، ولا التى كانت تثير دهشتك . تنزل من البيت للتمشى على الكورنيش ، حتى أول طريق قلعة قايتباى ، أو ـ من الناحية المقابلة ـ إلى تمثال عرائس البحر ، والعودة ..

قرأ حنفى جامع خبراً فى " الأهرام " . معلم على المعاش يلخص كتاباً قرأه لجمهور من الشباب . يسألونه ـ بعد التلخيص ـ ويرد على أسئلتهم . إضافة إلى حياة ما قبل المعاش ، وفائدة يحصل عليها من يستمعون ـ بواسطة معلم ـ إلى تلخيص الكتاب .

قال كامل عبد الرحيم :

ـ ما قرأته نسيته ، وعينى لا تساعدنى على القراءة !

تأملته بعفوية : تهدل جفناه . بدت العينان تحتهما أشبه بخطين . ظلت قامته على امتلائها ، وإن مال كتفيه إلى الانحناء ، وتناثرت البقع البنية فى ظاهر يديه . جعله امتلاء جسده أميل إلى القصر ، وإن بدا طوله فى جلسته إلى جانب حنفى جامع ..

قلت :

ـ منذ بلغت السبعين صرت أراقب نفسى . ألاحظ إن أصبت بالخرف !

قال عبد المنعم فرغلى :

ـ مادمت تراقب نفسك فأنت فى عز شبابك الذهنى ..

استطرد حنفى جامع :

ـ والجسدى أيضاً ..

حنفى جامع !.. يرفض أن يكون ضيفاً على الحياة ، طارئاً عليها . تحركه رغبة عارمة فى الاستمتاع بها :

ـ لا معنى للحياة إن لم يعشها الإنسان طولاً وعرضاً وعمقاً :

حياتنا نعيشها مرة واحدة . نحن لا نملك ترتيب الأيام . لا نملك إلغاء الماضى ، ولا حجب المستقبل ، أو بتره . نوح طال عمره ، ثم مات فى النهاية . لابد أن يموت المرء فى النهاية ..

لماذا لا نعيش المتاح من حياتنا إذن ؟

أطرق وهو يعض شفته السفلى بأسنانه :

ـ بعد الرحيل لن نملك وقتاً للندم !

يستعيد أعوام انضمامه إلى الطريقة الشاذلية . وجد فى الصوفية خلاصاً مما كان يشغله . قرأ سيرة الرسول ، وسير الصحابة والمجاهدين والأقطاب ، والأوراد الشاذلية ، ودلائل الخيرات . وجلس إلى الشيوخ ، وعكف على العبادة ، والانقطاع إلى الله ، ومجاهدة النفس ورياضتها . ثم هجر الصوفية ـ ذا يوم ـ بلا سبب محدد ..

همس باعتزازه من الصحو ـ منتصباً ـ كل صباح ..

كتمت ضحكة قصيرة :

ـ أشعر أنى شاب .. لكن حركة جسدى لا تساعدنى على هذا الشعور ..

قال أنور عيسى :

ـ زمان .. كنا نتباهى ببراعتنا فى المضاجعة ..

واغتصب ابتسامة :

ـ أقصى ما نتباهى به الآن براعتنا فى التبول دون عناء ..

ظلت صداقتكما ، حتى بعد أن تركت أسرته شارع أبو وردة ..

ترددت عليه فى الوكالة بشارع الميدان . يساعد أباه مع شقيقيه ، ويدرس فى كلية فيكتوريا ، حتى رحل الأب ، فورثوا الوكالة . ظل الإشراف له . زاد من نشاطه . تحققت له مكانة ، بعد أن فاز فى انتخابات الغرفة التجارية ..

من الذكريات التى لا يمل ترديدها ، أنه ورث الجلوس على القهوة التجارية من أبيه . من أقدم مقاهى المدينة ، ومن أولها فى الإنارة بالكهرباء . الجلوس فيها يشعرنى بالصبا . أظل أنور الصغير الذى يرافق أبيه إلى القهوة ليدعوه إلى زجاجة " تسيباس " ساقعة .

تبدى ملاحظة عن اختلاف ارتدائه للجينز والقمصان المشجرة ، أو الكاروهات الملونة ، مع البدلة الكاملة ورباط العنق . يرد : لكل وقت زيه . هذا هو معنى الأناقة . أميل إلى النحافة والقصر . تكسو وجهه القمحى ابتسامة طفولية . له حاجبان خفيفان ، وتطل من عينيه بساطة وعفوية . حركاته طبيعية وغير متكلفة . يلجأ إلى التعبير باليدين ، وبملامح الوجه والرأس . زحف الصلع على مقدمة رأسه ، وخط الشيب فوديه . تفتر شفتاه عن أسنان صغيرة لامعة . إذا ضحك ، فبجانب فمه ، وليس بفمه كله . يضع فى خنصره خاتماً كبيراً من الذهب ، يتوسطه فص من الياقوت . يمتلك قدرة مذهلة على الحكى . يلتقط طرف الخيط من حيث لا تراه . يكرّه فتغيب النهاية ، وإن امتلك القدرة على الإنهاء فى الوقت المناسب .