القسم الرابع
عادت إليّ كل آلامي فرانك، تأوهت أبولين دوفيل، وهي ترمي الأوراق المصفرة جانبًا.
ما لك، يا حبيبتي؟ سألت العجوز سلوى بلهفة.
ساندروم القدس، همهم فرانك لانج، وهو يمسك يد الساحرة الشقراء.
بعيد الشر! لفظت جدة سامي.
فتحت الصندوق الذي تخبئ فيه حياتها، وأخرجت قنينة زيت، سقت أبولين دوفيل منه ملء سِدادة.
هذا الزيت من الناصرة، أوضحت سلوى، بهذا الزيت كان المسيح يشفي المرضى، ويقال إنه كان به يقيم مراسم التعميد. هذا الزيت ليس كزيت القدس الذي لا طعم له ولا رائحة، وعلى أي حال جبل الزيتون اليوم بدون زيتون، كله باطون، هذا الزيت معجزة. خذي، قالت لضابطة المخابران الخارجية، وهي تقدم لها الزجاجة، اشربي منه ليومين، وستبرأين. انتظري... عادت تبحث في الصندوق إلى أن أخرجت ضمة مرامية في كيس من البلاستيك. أما هذه المخملية، فهي السحر بعينه، إنها مرامية الجليل. ليس هناك بعد مرامية الجليل. اغليها كلما أحسست بألم، مهما كان الألم، واشربيها، فيها شفاء للناس. هذه الأشياء صارت نادرة اليوم، لهذا أنا أخفيها. في إسرائيل صار كل شيء نادرًا، فلسطين لم تنته إلى الأبد، ولكن في إسرائيل صار كل شيء نادرًا.
شكرًا، همهمت أبولين دوفيل.
شكرًا، همهم فرانك لانج.
هل تأخذان قهوة ثانية؟ سألت الجدة، وهي تنهض.
سأعملها أنا، سارع رجل التحري الخاص إلى القول.
أنا أقف على قدميّ كما تراني، رمت سلوى، وأنت لا تعرف كيف تعمل قهوتنا.
شكرًا، عاد فرانك لانج يهمهم. أحسن؟ سأل أبولين دوفيل أول ما وجد نفسه وحيدًا معها.
أسوأ، جمجمت ضابطة الدي جي إس إي.
كل هذه الحكايات تؤثر عليك نفسيًا.
ألم أقل لك إنها اللعنة؟
لن أدعك تسقطين فريسة لها.
بعض الأيام وسنترك كل هذا من ورائنا.
ككل شيء.
ككل شيء.
إذن لِمَ كل هذا؟
لنترك كل هذا من ورائنا.
ألا يمكن للمرء أن يرتاح؟
المرء يرتاح.
في قبره تريدين القول.
الخنازير أيضًا ترتاح، ولكن الفرق بيننا وبين الخنازير أننا لسنا خنازير.
سلوى تلك تعرف هذا، ويعقوب ذاك يعرف هذا.
يجب أن يعرفا، دون أن يعرفا لن يتعبا.
ها أنا، طلع عليهما صوت الجدة، وهي تحمل البكرج. سنشرب القهوة، ومع القهوة سيجارة، قالت، وهي تصب السائل الأسود. تلفتت حولها، وأضافت، ابن بنتي ليس هنا.
عادت تجلس على الدوشك، وهي تهمس: احمنا من الشياطين الإنس قبل الشياطين الجن، يا إلهي. وزعت السجائر، وأشعلتها.
في الدخان نرى الأشياء كما لو كنا ننظر إليها من ضباب البحر، همهمت العجوز. وإلى فرانك لانج، وهي تعطيه الأوراق المصفرة: خذ، اقرأ لنا بصوت عال.
*
بعد مصرع الأبوين، وجد يعقوب وسلوى نفسيهما وحيدين. كان كل واحد منهما عائلة الآخر، ولكن كل القدس كانت ضدهما، القدس الغربية كالشرقية، كل القدس، كانت كل القدس ضدهما. لو كانت يهودية مع عربي لهان الأمر، فالكثير من الفلسطينيين تزوجوا من إسرائيليات. أما عربية مع يهودي... كان الأمر غريبًا. كان الأمر جسيمًا.
سنتزوج بعيدًا عن كل هذا، قال يعقوب.
بعيدًا أين؟ سألت سلوى.
بعيدًا.
أين؟
سنذهب إلى فرنسا.
ولم لا إلى أمريكا عند أختيك.
أختاي كغيرهما لن تقبلا بنا.
إذن لن نتزوج.
فرنسا.
أنا لا أعرف الفرنسية، وفرنسا بعيدة.
ليست أبعد من أمريكا.
أنا لا أعرف الفرنسية.
ستتعلمينها.
لم يعد لي رأس لهذا.
سأعلمك إياها.
لم يعد لي رأس لهذا.
سأبدأ بتعليمك إياها منذ اليوم.
لم يعد لي رأس لهذا قلت لك.
سأنشئ هناك مصنعًا للعطور والمساحيق.
أنت المحامي عطور ومساحيق.
فكرة ورثتها عن جدي.
جدك؟
جدي. فكرة غالية على قلب جدي. فكرة لم يتمكن أبي من تحقيقها.
وأنت ستتمكن.
معك سأتمكن. سأنجح في كل شيء من أجلك.
أحبك يعقوب.
تقبله قبلة طويلة، ثم تدغدغه، فيفرط وإياها من الضحك، يريدها، فتهرب، يركض من ورائها، ويمسك بها، وكلاهما يضحك، يرفع فستانها. دومًا ما كانت عارية تحت فستانها. فخذاها المرمريتان يأخذها منهما، ويرميها، فتفتح فخذيها. كان محرابه هناك، توراته، قرآنه، إنجيله، كان يقرأ الآيات المقدسة بلسانه، يرشف العسل بلسانه، يلعق اللبن بلسانه، كان كل الوعد هناك، وعندما ترفعه إليها، كان يسمع صوت الله، كان الله يكلمه، ليس كموسى، ولكن لأنه موسى. وهو يغرق في بطنها، كان كليم الله، وهو يعض ثديها كان يبحث عن سوفوكل، ويجده تحت لسانها. كل التراجيديا الإنسانية كانت تحت لسانها. لم تكن التراجيديا التي نعرف، كانت التراجيديا التي لا نعرف. كانت تراجيديا زمن المتعة، زمن لا يتعدى بضع ثوان. وكل العالم كان يرتعش لذة. كل العالم كان يضاجع معهما. كل العالم كان يتأوه متعة. كل العالم كان يخترق مهبل سلوى كنعان الصغير، كل العالم بإنسه وجنه وملائكته وشياطينه. القدس أول العالم. كانت القدس أول العالم الداخل في معركة العناق، كانت القدس وكل العالم مع القدس في المهبل الصغير. وكان المهبل الصغير يسع العالم والقدس، القدس بكل أطيافها، القدس بكل قديسيها، القدس بكل رذيليها، وكانت القدس تتأوه من اللذة، لم تعد القدس، تهدمت القدس، واندثرت، وسكن المهبل سكون العاصفة بعد طوفان، انسحب منه العالم، دون القدس العالم لا مكان له هناك.
*
استأجرا شقة صغيرة في حيفا، ولم يخالطا أحدًا كيلا تعرفهما حيفا. اختبآ بين سكانها، ولم يجعلا أحدًا إلا البحر صديقًا. وقعت سلوى حاملاً، فكان يعقوب أسعد الناس. لم تكن حال سلوى. لو كان أبوها لم يزل حيًا لما أسعده ذلك. لو عاد أخوها إلى الحياة لانتحر مرة ثانية. في أحد الأيام، قررت الإسقاط. كل هذا عبث. كل هذا إذلال. كل هذا مسئولية. لم تقل له. رتبت كل شيء مع الطبيب، وهي في طريقها إلى غرفة العمليات، فطن يعقوب إلى كل شيء. جاء يجري، سقط عليها، وهم ينقلونها على العربة، وانفجر باكيًا. بكى كما لم يبك أحد. بكى بقدر كل المعذبين على الأرض. بكى. بكى، وهو يتشبث بها. كالطفل يتشبث بها.
في تلك الليلة، بقي يقظًا حتى الصباح، قال لها هناك قضية هامة يقوم بتحضيرها، قضية يتوقف عليها مستقبله. إذا نجح سيواصل مهنة المحاماة، وإذا لم ينجح... لم يقل ماذا سيفعل. ولم ينجح. ذهب إلى مقهى، وشرب حتى تختخ.
لم تنجح، قالت له سلوى أول ما دخل.
في حيفا الكثير من الملائكة لهذا السبب، همهم يعقوب.
من الملائكة العرب أم من الملائكة اليهود؟
من الملائكة، راح يصرخ كالمجنون، فقط من الملائكة، من الملائكة، لماذا يجب أن يكونوا عربًا لماذا يجب أن يكونوا خراء، من الملائكة، أنت مثلهم، مثلهم كلهم، لست أحسن منهم، أنت أسوأ من الجميع. من الملائكة، يا رب السموات، فقط من الملائكة.
أنزلت حقيبتها من فوق الخزانة، وبدأت ترمي فيها ثيابها دون أن تفوه بكلمة واحدة.
سلوى، ماذا تفعلين؟ ذهب عنه سكره. سلوى لماذا كل هذا؟ سلوى إلى أين أنت ذاهبة؟ سلوى أجيبيني. سلوى ما كل هذه الخرينات؟ سلوى ردي عليّ عندما أسألك. سلوى لم نعد أطفالاً. سلوى كل الأرض سأحرقها. سلوى كل البحر سأغلقه. سلوى كل العجول سأذبحها. سلوى، وجذبها من ذراعها لتصرخ من الألم.
أتركني، يا وغد! صاحت بأعلى صوتها. جذبت حقيبتها، وخرجت.
لم تعد سلوى إلى دارهم في القدس، سارت في شوارع حيفا. كان في حيفا الكثير من الملائكة بالفعل، فالكل كان ينظر إليها، وهي تجر حقيبتها من ورائها دون هدف، والكل كان يكتفي بذلك. الملائكة لا يتعذبون من أجلنا، قالت المرأة البائسة. جلست على مقعد قرب الشاطئ، وأصغت. لم يكن البحر يصرخ من وضعها، كانت الأمواج تنساب واحدة تلو الأخرى، وتذوب في الرمل. لم يكن الذهب، كان الموت. لم يكن الزمن، كان المحطة. لم يكن حلم البحارة، كان كابوس الصيادين. كانت الأمواج تنساب الواحدة تلو الأخرى، وتذوب في الموت. كل لحظات حياتها كانت كالأمواج، تنساب الواحدة تلو الأخرى، وتذوب في العدم. وجدت نفسها تنهض، وتسير باتجاه البحر، وتدخل البحر إلى حيث يعود البحر بالأمواج. غمرها البحر كما يغمر كل حيفا، وبدا البحر منتشيًا لعناقه معها. ملأها بالماء. كان الماء منيه. وجذبها إلى القاع.
بعد هذا الحادث، فترت العلاقة بين الحبيبين. عاشا تحت سقف واحد كغريبين. هكذا هي النوارس. كانا ينعقان من وقت إلى آخر كلما جاءت سفينة من بعيد، ويحلقان معها حتى تصل الميناء. عندما وضعت يوسف، أحست بخلاصها.
إني أتركه لك، همهمت سلوى.
باع يعقوب دارهم في حوش القدس، وغادر مع ابنه إلى باريس.
*
هل تشعرين بالألم، يا حبيبتي؟ سألت سلوى أبولين دوفيل.
وأنت؟ ردت ضابطة الدي جي إس إي، وهي مريضة بحكايتها.
أنا ألمي ميتافيزيقي، أجابت الجدة باسمة.
في الخارج، همهم فرانك لانج مأخوذًا، وهو يشير بيده إلى جهة ما، في الخارج.
ماذا؟ سألت الشقراء الفرنسية.
في الخارج.
في الخارج ماذا فرانك؟
في الخارج.
يريد القول، نعم، في الخارج، همهمت سلوى.
في الخارج ماذا فرانك؟
في الخارج.
نعم، نعم، هذا لا شيء، قالت العجوز لتطمئنه.
نهض رجل التحري الخاص، وذهب.
فرانك! صاحت أبولين دوفيل من ورائه. وقفت على الباب، ونادت: فرانك، عد. رجعت إلى الداخل، وقالت لسلوى: سأذهب، سألحق به. وسارعت إلى الذهاب.
لم تأخذي... سارعت إلى القول، وهي تشير إلى قنينة الزيت وضمة المرامية، فلم تلتفت أبولين دوفيل.
وضابطة الدي جي إس إي تجري من وراء فرانك لانج، كانت أصوت الطبول والأبواق، الطبول تدق، والأبواق تدوي، في فناء الأقصى، كيوم القيامة. نظرت، ورأت مئات المؤمنين قيامًا قعودًا، وكأنه يوم الحشر. كانت كل تلك الطقوس توحي بأن هناك شيئًا مدنسًا في مملكة القدس. مضى فرانك بهم، وهو لا يعيرهم أدنى انتباه، ظل يمشي كمن ركبه شيطان من الشياطين. كان يبدو كالمسحور، وكان لا ينظر إلى أحد. وهو على مقربة من حائط المبكى، كان المؤمنون هنا هم أيضًا قيامًا قعودًا، الطبول تدق، والأبواق تدوي.
فرانك ماذا دهاك؟ سألت أبولين دوفيل، وهي تجذبه من ذراعه.
ماذا؟ سأل رجل التحري الخاص بدوره كمن يصحو.
لماذا؟
ماذا لماذا؟
لا شيء.
سنأكل شيئًا.
سنعود إلى الفندق.
أنت لست جائعة؟
لا.
سآكل شيئًا، وسألحق بك، قال، وذهب.
فرانك، نادت، فالتفت. كل شيء على ما يرام؟
رفع لها يده، واختفى.
*
سلوى، ما الذي تقولينه، يا مجنونة؟ استغرب يعقوب آدم.
أعرف أنني مجنونة، أجابت سلوى كنعان.
وليس مجنونة فحسب.
ماذا؟
مهسترة.
مستهترة.
أيضًا.
أخذت مني ابني ألا يكفيك هذا؟
أخذت منك ابنك لأنك...
أريد أن آخذ منك كما أخذت مني، هكذا نصبح متساوين.
لكنى لن أمكث في القدس سوى ثلاثة أيام.
ثلاثة ايام تكفي لصنع ابن لي.
سلوى!
ثلاثة ايام تكفي، ثلاثة أيام فيها الكفاية.
سلوى، فكري.
فكرت.
تعالي معي إلى باريس إذن.
لن نعود إلى ما سبق وتحدثنا فيه آلاف المرات، أنت كحكامك أرعن لا تمل.
كحكامي وحكامك.
كحكامك.
وحكامك أنت؟
أنا لا حكام لي.
كما تشائين.
تعال، سأفتح لك، وستبصق في.
سأبصق فيك.
ستبصق فيّ، فتصنع لي ابنًا.
سلوى.
ابصق فيّ قلت لك.
أبصقُ فيك.
أبصق فيّ، أبصق فيّ، أمرته، وهي تجذبه على السرير، تحت صورة أبيها، أبصق فيّ، وهي تخلع بنطاله، وتمسكه، وتضعه فيها. أبصق فيّ، همهمت المرأة اليائسة، ودموعها تسيل على خدها.
قال الكشف بعد عدة أسابيع بوقوع سلوى حبلى، وبعد عدة أشهر، ولدت سلمى.
*
انتظرت أبولين دوفيل عودة فرانك لانج في غرفته، فتأخر رجل التحري الخاص إلى ساعة بعيدة من المساء. لم تكن تشعر بألم، وكأنها برئت تمامًا. فكرت في جرعة الزيت التي أخذتها، وابتسمت.
لماذا تأخرت فرانك؟ سألت الساحرة الشقراء أول ما دخل، فلم يجبها.
أخرج من جيبه الأوراق المصفرة، ورماها لها.
قرأت إذن باقي الحكاية، همهمت أبولين دوفيل.
هل تشعرين بألم؟
لا، أعني قليلاً، تعال، وجذبته من يده إلى السرير، أريدك أن تدلكني قليلاً.
تريدينني أن أحنو عليك.
آه! صاحت، لكم أريد.
الحنان، هذا ما كان ينقصها.
من؟
سلوى.
والإدراك.
إدراك ما لا يُفهم.
هل تريدني أن أخلع ثيابك أولاً أم ثيابي؟
تريدين أن "نتضاجع" بالفعل؟
آه! صاحت، لكم أريد.
وإذا كنت لا أحبك؟
هذا لا يهم.
أحبك أبولين.
التقط شفتيها، وذهب معها في قبلة طويلة، أثارت كل الرغبات الحيوانية في جسديهما، كان ذلك هو فعل الحب الصادق. خلعا ثيابهما، وهما في أقصى درجات الهيجان، ودخلا الفراش معًا. لم يكونا يريدان أن يصنعا ابنًا بل عالمًا أبديًا من المتعة، لهذا قدمت أبولين دوفيل كل جسدها له، ليعبث به على هواه، ريثما يأتي دوره، فيقدم كل جسده لها، لتعبث به على هواها.