9
غادة رشيد
كانت زبيدة في الثامنة عشرة من عمرها، وقد تفتح فيها الشباب كما تتفتح زهرات
الربيع، وجالت بنفسها خواطر وثارت بها نزعات لم تعرفها في عهد الطفولة الغريرة،
وأحست بما تحسه الفتاة في هذا السن، من ميول متدفقة يكبتها الحياء وتكظمها بقية
من أدب ودين، وللعُرف قانون لم يكتب في أوراق، وهو أشد القوانين عنفًا، والناس أكثر
له طاعة وقبولًا، وللمجتمع آداب، يحكم بها المرء بنفسه مستكينًا مستسلمًا.
كانت زبيدة فارعة القد ممتلئة الجسم، جرى حديث جمالها الفاتن من فم إلى فم،
وتنقل من دار إلى دار، حتى أصبحت مضرب المثل بين فتيات المدينة، ومقياس الجمال
كلما عرض ذكر الجمال، وتهافت أبناء التجار والأعيان والحكام على خطبتها والتقرب
من قدس حسنها، ولكنها كانت ترد كل توسل بالإدلال، وكل إغراء بالرفض والإباء، ولم
تكن أمها لتستطيع أن تعمل شيئًا أمام هذه الحسناء الجامحة، ولم يكن أبوها — وهي
وحيدته — ليرد لها كلمة أو يقف بينها وبين ما تكره أو تحب، كانت الفتاة المدللة العابثة
المتحكمة، وقد ملأتها ثقتها بجمالها كبرًا وغرورًا، وزادتها ثروة أبيها الضخمة ميلًا إلى
الإسراف، والتأنق في الرفَه، وإنفاق المال الكثير على الحليّ والجواهر والملابس، فكانت في
جمالها وأزيائها، ودلالها وإبائها جَنَّةً محرمة الثمرات، وأملًا حلوًا عزّ على كلشيء حتى
على الخيال.
جلست زبيدة أمام مرآتها ورأت ما رأت، فابتسمت ابتسامة لؤلؤية، ثم عبست
وتجهمت أساريرها، ثم رفعت حاجبيها وشخصت بعينيها كالمفكرة المأخوذة، ثم قالت
تحدث نفسها: ولِمَ تكذب »رابحة « العرافة؟ أليسفي حسني ما يذل له كل عزيز، ويخضع
لسطوته كل ذي نفوذ وسلطان؟ ألم يسر ذكر جمالي مع كل سائر؟ ويطر مع كل ريح؟
نعم إن رشيد مدينة نائية عن القاهرة مقرِّ عظماء الحكام وكبار الأمراء، ولكن الملاحين
الذين يسافرون إليها في كل يوم لا يزال يحفظون ويتغنَّون بتلك الأغنية السائرة، التي
نظمهاسرٍّا الحاج عبد لله البربير والتي فيها:
ا ?ل ??ح ??سن ?? ك ?له ??? ف ?ي ر ?ش ?ي ?د ??ف ?ي ?ب ?ي ??ت وإن ك?ن ???ت ت?ن ??ك??ر? إس?أ ?ل ال?ب ??وَّ?ابْ
لا، لا، لن تكذب رابحة، وهي لم تتكهَّن بشيء مستحيل أو بعيد المنال، لقد سمعت
من أبي ما أخبره به السيد أحمد المحروقي زوج خالتي من أن السيدة نفيسة زوج
مراد بك لها حظ من الجمال، وهي مع ذلك صاحبة الصولة والنفوذ في حكم مصر، فلِمَ
10