الفصل الأول

7 0 00

الفصل الأول

انجلت الغارة الأولى على جبل صهيون بعيد المغرب بقليل, كان نهارا ممطرا بغزارة, اختلط فيه هزيم الرعد بأصوات انفجارات القذائف الثقيلة, من المدرعات التي تحيط بالقرية والمنتشرة في شوارعها, كما امتزج صوت حبات المطر تطرق الأبواب والنوافذ وسطوح البيوت بأزيز الرصاص, وضاع دوي الصواعق في تلك المنطقة الجبلية بين جلبة القنابل يلقي بها الجنود كيفما اتفق, لزرع الرعب و إخماد الثورة في النفوس الغاضبة.

انفجار كبير زلزل تلك القرية وهز جدران بيوتها, ارتفع بعده عمود من النار طويل, من منزل خليل درويش, انتهى بدخان أسود, تماهى مع الغيوم الثقيلة, وظلت الأمطار تهطل بغزارة لم تشهدها المنطقة من قبل, لكن تلك الأمطار على غزارتها لم تتمكن من إطفاء الحريق الذي التهم منزل الأستاذ رشيد, والد خليل, بكل ما فيه من أثاث جميل أنيق, تعبت الأسرة على امتداد خمسين عام في جمعه وترتيبه, وأتت على المكتبة التي تحوي مئات الكتب, بلغات ثلاث, كان الأستاذ رشيد يتقنها قراءة وكتابة ومحادثة, كما أفنت تلك النيران المشغولات اليدوية والمطرزات التي اشتهرت بنات الأستاذ رشيد, أخوات خليل, بإتقان صنعها.

انجلت الغارة وانقضى النهار, لكن النار لم تنطفئ في ذلك المنزل الذي تحول إلى جمرة كبيرة, وظل الدخان يتصاعد من جنباته, أبيض تارة, أسود تارات, بنفسجيا بين هذا وذاك, وراح من بقي من سكان القرية يحمدون الله على أن الأسرة غادرت القرية قبل ذلك بيوم واحد.

هل كانت غارة؟ أم حرب؟ أم اجتياح؟ في الحقيقة كان كل هذا, مئات السيارات العسكرية والمدرعات دخلت القرية الآمنة الوادعة من محاورها الأربعة, نزل الجنود منها وانتشروا انتشار الجراد في الأزقة والحارات والدروب, اقتحموا البيوت بهجوم يندى له جبين المغول والتتار, نهبوا ما خف حمله وغلا ثمنه, وحطموا ما عجزوا عن حمله من نفيس الأثاث والأدوات الكهربائية, عبوات زيت الزيتون التي تتسع لعشرات الكيلوغرامات, والتي تنتجها تلك القرية وتحتفظ بها لمؤونة أسرها, أراقوها على المقاعد والأسّرة والسجاجيد, فتحوا الخزائن بعثروا الملابس على الأرض وتبولوا فوقها, ثم انصرفوا مع غنائمهم مع بداية الليل.

أحمد الشب رجل سبعيني, ضئيل القامة يصبغ شعره بالأسود, أرسل زوجته مع أبنائها إلى منزل ذويها في مدينة اللاذقية, منذ بلوغه الانذار بهذه الغارة, وبقي وحيدا في منزل كل أثاثه حصير وبضع مساند من القش, وبعض الأشياء التي لا تتغني عنها اية أسرة فقيرة في العالم, لم يرافق زوجته في رحلتها, فهناك في الطابق السفلي من الدار, أبقار هي كل ثروته ومصدر عيشه, لابد من اطعامها وحلبها في كل صباح ومساء.

وقف العجوز ذاهلا في شرفة بيته يرقب ما يجري, كان العساكر بكامل لباسهم الميداني يركضون بجنون تحت المطر الغزير, يركلون أبواب البيوت, يخلعونها, يدخلون الزرائب ومخازن العلف, يفتشون, يحرقون, يخربون كل شيئ, يطلقون رصاصهم عشوائيا في كل الاتجاهات, ثم ينسحبون ليدخلوا حارة أخرى, يكررون فعلهم, على خلفية موسيقية من رصاص بنادقهم, وقذائف مدافع زملائهم, التي اصطفت أمام منزل خليل درويش, تحت نظر العجوز الذاهل في شرفته.

انتبه اليه أحدهم فأشار إلى رفاقه, تبعوه جريا على السلم الحجري الضيق المتسخ, اقتحموا الأبواب وأحاطوا بالرجل موجهين اليه فوهات بنادقهم

أخرج ما عندك من سلاح فورا

هذا بيتي, فتشوه وخذوا منه ما تريدون

أخرجها بنفسك وسلمها لنا, اياك أن تتعرض لغضبنا

لن أتحرك من مكاني, البيت أمامكم فابحثوا فيه عن غايتكم

هدوء الرجل وبرود أعصابه أربكت قائد المجموعة, تأتأ وفأفأ, تهدد وتوعد, ثم أمر جنوده بمغادرة المنزل والخروج من الحارة, وظل العجوز يرقبهم من شرفته, حتى غابوا عن نظره متجهين إلى منزل الأستاذ حسين ديب, لكن صوت رصاصهم وصياحهم لم يغب, بل اشتد وعلا, في حين اقتربت مجموعة أخرى من الجنود قادمة من ساحة الواطية, على وقع خطى سابقتها, خلع أفراها الباب الحديدي لمنزل أم تركي, وانتشروا داخله, عندئذ تراجع أحمد الشب عن شرفته وقد ابتل جسده بعدما ابتلت ثيابه بماء المطر, وصار يرتجف من شدة البرد, دخل المنزل ليستبدل ثيابه بأخرى جافة, وليكمل متابعة المشهد من وراء زجاج النافذة.

فات النهار, لا أحد يعلم كيف انقضى, ولا كيف غربت شمسه من وراء الغيوم الدكن والمطر الغزير, الذي لم يتوقف لثانية واحدة, ولا توقف إطلاق الرصاص, ولا خمدت النيرات المشتعلة في منزل خليل درويش, بل تحولت من اللون الأحمر إلى الأصفر المبيضّ, ثم الأزرق, مما جعل من تبقى في القرية من سكانها يتساءل: أية مواد هذه التي تحترق داخل المنزل؟ وأي نوع من التفجرات زج فيه لتشتعل بهذه الألوان الغريبة؟

بدأ الظلام يلف القرية بسرعة رهيبة, مستمدا بعض ظلمته من الغيوم التي تركت سماءها وتنزلت إلى الأفق الأدنى متعجبة مستكشفة, توقف إطلاق النار, فما عاد يسمع سوى بعض الرشقات تطلقها فلول الحملة أثناء مغادرتها القرية, لتؤكد وجودها وتثبت تهديدها ووعيدها, في حين بدأت سيارات الجيش ومدرعاته بالعودة أدراجها, محملة بالغنائم والأسلاب, ووقف سكان قرى خافلة والرطيلية وبزفت الواقعة على طريقها إلى ثكناتها, يتفرجون بصمت, ويتلمسون رؤوسهم, منتظرين دورهم, ليصيبهم مثل ما أصاب جيرانهم.

لم يرد سكان القرية على كل تلك الحرب برصاصة واحدة, كانوا يفضلون بقاء هذه المنطقة هادئة آمنة, برغم حملات الاعتقال التي سبقت هذا الاجتياح, منصتين لكلام كبارهم وعقلائهم, بألا يشعلوها حربا بينهم وبين جيرانهم في القرى العلوية المحيطة بهم, والتي ضربوا صداقة مع كثير من رجالها, يبيعون لهم ويشترون منهم, لعلمهم أن شرارة الطائفية لو قدحت هنا, ستضرم نارا تأتي على البلاد والعباد, ولن تنطفئ جمرتها الا بعلم الله, هذه ثورة, شعب يريد إسقاط نظام شمولي مخابراتي جائر, وليست حربا طائفية, برغم هذا, كانت حصيلة ذلك النهار ثلاثة شهداء من نخبة شباب القرية.

بدأ الرجال بالخروج الحذر من مخابئهم, بملابس يسيل منها الماء, اذ اضطر بعضهم للاختباء في ظلال أشجار لم تستكمل كسوتها الجديدة من أزهار وأوراق الربيع, أغصانها شبه العارية لا تمنع حرا ولا مطرا, وآخرون اضطروا للاختباء في أنفاق تتجمع فيها مياه السيول قبيل انصبابها في السد, أو في مجاري الأنهار المحيطة بالقرية, أما أحسنهم حظا فهم من تمكنوا من الوصول إلى الكهوف في بطون الجبال, حيث أمضوا نهارهم في إعادة استكشاف ما يعرفون من تفاصيلها...في مغارة العليّة اجتمع عدد منهم, توزعوا بين أسرة منحوتة بالصخر, وتأملوا رفوفا حجرية أعدّ بعضها لوضع السراج, وبعضها لوضع أشياء أخرى, وفرنا للخبز يوقد بالحطب, يخرج دخانه من مدخنة منحوتة أيضا بالصخر, الى ظاهر الجبل, هذه المغارة كانت ملجأ لأجداد لهم في الملمات, كان آخرها أيام الاحتلال الفرنسي, حيث بدأت المعارك بمعركة (بزفت) يوم استقبل رجال الصهاونة الحملة الفرنسية القادمة من البحر ودحروها في معركة هائلة, في ذلك الحين جرت معاهدات بين كبار رجال صهيون ورجال القرى العلوية على الوقوف صفا واحدا لصد الهجوم الفرنسي, لكن تلك المعاهدات لم تصمد سوى أيام قليلة, إذ انضم العلويون الى صفوف المحتلين الغزاة, واجتاحوا القرية مسلحين بالسلاح الفرنسي, نيابة عن جنودهم, كمثل اجتياحهم لها هذا النهار.

وصل الرجال بعد انحسار الغارة إلى الساحات والمساجد يتفقد بعضهم بعضا, دفنوا شهداءهم ورجعوا إلى البيوت لاستبدال ملابسهم, ومناقشة الوضع فيما بينهم, واضعين أسوأ الاحتمالات لما هو قادم في الأيام القريبة الآتية.

كان ذلك يوم الخميس الخامس عشر من شهر آذار من عام الفين واثني عشر, هدأ المطر بعد العشاء وتقطعت السحب, انكشفت بقع من السماء, فأطلت النجوم من فرجات الغيم تنظر إلى الأرض بصمت, تعبر عن دهشتها بوميض متقطع ثم تعود للاختباء وراء السحب الراكضة عبر الأفق, فزعة من هول ما رأت, عشرات الأبقار والأغنام والخيول, وحتى الكلاب, خرت مضرجة بدمائها صريعة الرصاص, وبعضها ما يزال يتخبط بآلام صنعتها رصاصات استقرت في رؤوسها وأحشائها ولم يسعفها الموت بالراحة.

هدأ صوت الرصاص, ما عاد يسمع في الجو سوى أصوات مبهمة بعيدة المصدر, توقف هطول المطر فجاء أحمد الشب إلى بيت أخيه الأكبر يطلب الدفء والأمان, ففي البيت ليس سوى العجوز وابنتيه, وأم حليمة مع أطفالها, سهر الجميع في غرفة واحدة أمام مدفأة الحطب, التي لم تخمد نيرانها, ولم تستطع تدفئة عظام العجوزين, التي نخرتها الثياب المبتلة طوال النهار, برغم حرارة حطب الزيتون والسنديان المشتعل في جوفها, تناولوا عشاء خفيفا من حساء العدس, ثم شربوا الشاي, وجلسوا يتحدثون, بل يستمعون لحديث العجوزين.

بدأ الرجلان يتبادلان حديثا عاديا يتناول الحياة اليومية متجاهلين ما حدث, في محاولة لبث روح الأمان, بعد نهار لا يشبهه نهار, بينما كان الأطفال يلتصقون بأمهم, يلجمهم الرعب ويطفئ بسماتهم, برغم محاولات الجميع لإخراجهم من حالة الرعب التي شلت ألسنتهم وأجحظت عيونهم.

قال أحمد الشب: حكايات أبي ما تزال ماثلة في خاطري, حية كأني أسمعها الآن, وأشاهد في خيالي أحداثها مفصلة, في خيالي؟؟ بل اني أشهدها حقيقة وأعيش أحداثها حقيقة واقعة, حدثني أبي بأنه كان شابا يوم تعرضت صهيون لمثل هذا الهجوم, وهذا الاجتياح, ما اكتفى المهاجمون يومها بجولة واحدة, بل توالت هجماتهم , يحرقون فيها وينهبون ويقتلون, مما اضطر الرجال إلى إجلاء النساء والأطفال والدواب إلى جبل الزاوية في الشرق قريبا من ادلب, أخلوا القرية من سكانها ورجعوا ليحاربوا دفاعا عن أرضهم وشرفهم.

هل سنترك بيوتنا ونهاجر يا عمي؟ سألت أم حليمة.

ليس بعد يا روح عمك, نأمل أن يعود الغزاة إلى تحكيم العقل, ويأخذوا العبرة من التاريخ.

لو اعتبروا لما رجعوا بهذا الشكل الوحشي الذي رأيناه هذا اليوم.

كان هجومهم في الماضي أكثر وحشية, أحرقوا بيوتا بسكانها, ودفنوا الرجال مقيدين أحياء.

مدت أم حليمة ذراعيها بلاوعي وشدت إليها أبناءها, تحميهم من خطر يتهددهم, تذكرت الهياكل العظمية التي اكشفها خليل في باحة داره حين كان يحفر مكان عمود جديد ليمد شرفة البيت أمتارا نحو الشرق, بعد متر واحد عثر على جمجمة, تأنى بالحفر ووسع دائرته, ليكتشف ثلاثة هياكل عظمية في وضعية الوقوف, مقيدة أرجلها بسلسلة حديدية واحدة, الجثث لا تقف, لابد أن أصحابها قد دفنوا أحياء, سأل أحد العجائز تفسيرا لما رأى فأخبره أنهم افتقدوا ثلاثة رجال يوم هاجروا من صهيون في بداية الاحتلال الفرنسي ومشروع إقامة الدولة العلوية, وضاع أثرهم, لا بد أن هذه الهياكل تعود لهم, صارت هذه الهياكل حديث القرية لسنوات تالية, واستفزت الشباب للبحث عن حقائق ما جرى في تلك الفترة, والذي لم يدون منه شيء سوى قصائد يحفظها بعض من عجائز القرية, أترانا نعود الآن الى مثل تلك الحقبة من التاريخ؟ هل قرر التاريخ إعادة الأحداث بنا؟ أحكمت المرأة ذراعيها حول ولديها خائفة هلعة, وذرفت عيناها دموعا صامتة, سقطت إحداها على وجه ابنتها حليمة, ذات السنوات الثمانية, المتمددة قرب المدفأة, واضعة رأسها في حجر أمها, رفعت الصغيرة رأسها بهلع تنظر في الوجوه

أمي..أنت تبكين

لا يا حبيبتي, مدفأة الحطب تطلق دخانا طرف عيني

لماذا لم تطرف عيوننا كلنا؟ بل أنت تبكين, هل سيحرقوننا؟

من هم يا صغيرتي؟ سأل العجوز

هؤلاء الذين تتحدثون عنهم

نحن نحكي حكاية يا حليمة, ألا تريدين سماع حكاية قبل النوم؟

هذه ليست حكاية يا جدي, أخبرتني الجدة أم علي بأنها كانت في مثل عمري, وأنها عاشت رحلة المهاجرة

يجب أن يعرف الصغار ما يدور حولهم يا أخي...تدخل الحج محمد

سيكبرون ويعرفون, دعهم لطفولتهم يا أخي...حرام ..

ران الصمت, كانت هسهسة النار وحدها تقطّع السكون الرهيب, العيون تدور في الفراغ وكل من الساهرين غارق في بحر منفصل من الأفكار مظلم عميق, توهجت الشمعة باعثة مزيدا من النور, معلنة عن نزعها الأخير, تنبهت عائشة, فقامت تتلمس طريقها عبر الظلام إلى خزانة المطبخ, حيث تختزن كمية من الشموع خبأتها لمثل هذه الظلمة, فانقطاع الكهرباء شيء عادي على امتداد القرى والمدن السورية, اعتاد الناس عليه منذ سنوات, بذريعة التقنين, اذ ينقطع التيار في السادسة صباحا ويستمر إلى الثانية عشرة ظهرا, ثم يعود فينقطع في السادسة مساء حتى منتصف الليل, لكنه يطبق الآن على هذه القرية كنوع من العقاب, كان سكان القرية يطلون من نوافذهم وشرفات بيوتهم, القديمة الضيقة, المحكومة بقوانين البلدية, والتي لا تعطي رخصة للبناء أو الترميم الا مقابل مبالغ باهظة يعجز عنها فقرهم, ويفضل بعضهم العيش في البيوت القديمة المتهالكة, على دفع مبالغ تذهب الى جيب رئيس البلدية, وجيوب أسياده الذي وضعوه في هذا المنصب, ينظرون بغيظ إلى القرى العلوية المحيطة بقريتهم, والتي لا تخضع للتقنين, تتلألأ المصابيح الكهربائية في شوارعها الفسيحة وساحاتها, وفي نوافذ قصورها, بينما يلف الظلام الدامس قريتهم في معظم ساعات الليل, تلك القرى أبناؤها مقربون من السلطة, معظمهم ضباط في الجيش والمخابرات, وهنا وزير أو معاون لوزير, لا ينبغي ان تقطع عنهم الكهرباء, بينما منع أبناء صهيون من دخول الكليات الحربية بمختلف اختصاصاتها, ومن المناصب العليا, فترى الشهادات الجامعية مصلوبة على الجدران الباردة,تصرخ في وجوه أصحابها كل حين: أنتم المنسيون, حظكم من الدولة المراقبة الأمنية فقط, على كل حركة لكم وكل سكون, على كل كلام وكل صمت, على كل ما تفعلون ومالا تفعلون, على ما يدخل جيوبكم وما يخرج منها, على ما تتمازحون به من هرج الكلام في ساحاتكم ومساجدكم وبيوتكم, كانت هذه المراقبة تتم عبر مخبرين زرعوا بين الرجل وأخيه, بين الرجل وظله.

لكن أهل هذه القرية لا يعبؤون بشيء من هذا, استغنوا عن الدولة وعن خدماتها, أنزلوا شهاداتهم عن صلبانها, أودعوها أدراجا مظلمة, واستفادوا من كل ما هو في متناول أيديهم من مصادر الرزق, اشتغلوا في الزراعة فأنتجت أرضهم أجود أصناف الفواكه والخضار والزيتون, وفي تربية الأبقار الحلوب, وصنعوا الفحم من خشب الغابات المحيطة بقريتهم, بل تجاوزوا حدود قراهم ليدخلوا حرم القرى العلوية. يصادقون فقراءها, فالفقر نسب , أو يعادل النسب في بعض الظروف, يشاركونهم قطع الحطب وصنع الفحم, يتعاونون معهم على التعامل مع حراس الغابات, يخبرونهم بمواعيد الدوريات ليبتعدوا عن مواجهتها, أو ليقدموا الرشوة لأفرادها, يراهم أهل تلك القرى فينسحبون بصمت أمام شجاعتهم وجرأتهم, يدخلون بيوتهم ويغلقون أبوابها, ما استطاعت سنوات القمع والقهر والافقار, ولا استطاعت ضغوط فروع الأمن بكل ثقلها النيل من جبروتهم وشجاعتهم, أو زرع الفتنة فيما بينهم, نعم لقد جندت فروع المخابرات أشخاصا منهم كمخبرين, ينقلون لها ما يدور بين الجدران وخلف الجدران, لكن هؤلاء معروفون, مكشوفون للجميع, يعاملونهم كما يعاملون كلابا جرباء, يقصونهم عن مجالسهم التي يقيمونها في الحقول وحول المشاحر, على كتف الوادي أو في ساحة الواطية, وعلى مرتفع قبر غزيل, وحين ينحشر بينهم أحد المخبرين, يتركون كل الأحاديث ويجعلونه مادة لسخريتهم, وما أبرعهم بصياغة الطرائف والسخريات, يضحكون, دوما يضحكون, فيضطر للانسحاب من بينهم ذليلا مهانا, ليتابعوا ما انقطع من أحاديثهم الجادة.

أمي أنا جائعة

ماذا تشتهين يا صغيرتي؟

لا أريد شيئا الآن...أمي ..هل سنجوع ونأكل الخرنوب وثمار البلوط كما حكت لي جدتي؟؟

لا حول ولا قوة الا بالله

******