-2-

8 0 00

-2-

والدته أضحتْ بعيدة ، وبعد أن توارى المعزون بعيداً عن القبر ، سمع ناصر أنيناً مخنوقاً من جهة اليسار. إنه قبر تاجر السيارات المعروف (بوالخير) . ولم يكن يعرف الخير في حياته !. كان يرفع أسعار السيارات بصورة واضحة ، ولم يكن يقنع بالملايين التي كان يجنيها سنوياً من تجارة السيارات . كان الناس يتضايقون من حجم فواتير إصلاح سياراتهم التي تصل إلى الآلاف ، كما أن السيارات الجديدة لا تلبث في المعرض إلا أياماً معدودة . كما أن الدولة تطلب منه سيارات لمرافقها بمئات الملايين . بوالخير لم يكن يعرف الزكاة ، ولا الصدقات ولا مساعدة المعوزين . كان يقضي في مكتبه المنيف المطل على المعرض أكثر من اثنتي عشر ساعة يومياً . يُوقّع المعاملات ويستلم إيصالات الشيكات ويلاحظ بيعَ السيارات . وغير ذلك لا يهمه من الدنيا شيء !. بل ما كان يعرف أسماء أحفاده ؛ لأنه أنجب عشرة أولاد وثلاث بنات . كلهم تزوجوا وأنجبوا العديد من الأولاد . كما أن أولاده كانوا ناجحين في أعمالهم الخاصة ولم يحتاجوا لمال والدهم . استمر العزاء في منزل بوالخير أكثر من المعتاد نظراً لمعارفه ووضعه الاجتماعي ؛ بل جاءت وفود تعزيه من دول الجوار. حضر الجنازة أكثر من 500 شخص من أهله وموظفيه وأصدقائه . لم يكن يريد الموت، ونجا منه عدة مرات . حيث أُصيب بجلطة قلبية قبل وفاته بعشرة أعوام . استأجر له أولاده طائرة خاصة نقلته فوراً إلى أضخم مستشفيات الولايات المتحدة . تم علاجه وعاد بعد شهرين مستمتعاً بأحسن صحة . بوالخير تزوج ثلاث نساء !. كان مزواجاً في حياته ، ويحب النساء ويغدق عليهن . مشكلته الأولى زوغان عيونه !؟ إذ رغم زوجاته الثلاث ، إلا أنه فتح منزلاً خاصاً ، على أنه ( بيت ضيافة ) لضيوف شركته ، بينما في الواقع كان يمارس فيه مُتعَهُ ، ويَسعد بأوقات جميلة مع سكرتيراته وعشيقاته . أما مشكلته الثانية فقد كانت حُب جمع المال !. إذ لا حديث لديه إلاّ عن الصفقات وعدد بيع السيارات ومدخول الكراج وحجم رواتب الموظفين. ولا دخل له بما يجري في المدينة الوادعة !. فهو رجل أميّ تقريباً ، ولا يقرأ من الصحف إلا إعلانات شركته أو صور تزويج أبنائه وأحفاده . بوالخير نموذج لكائن لم يستمتع بدنياه كما يجب ، لأن حُب المال استحوذ عليه ، وحُب المُتع سيطر عليه ، فانفصل عن مجتمعه وأهله وعاش مع حبيبيه ( المال والُمتع) و ( ضرب الدنيا بالجزمة ) . لقد تعذّب كثيراً في قبره لأنه لم يكن من الصالحين !. رغم أنه يحتفظ بسجادة في مكتبه ويؤدي الصلاة ، لكن السماء لها حسابات أخرى .

استوحشتْ روح ناصر القبر .. وحاولتْ التعرُّف على الجيران .. ضرب بيده جدار القبر ..قال :

مساك الله بالخير يا الجار .

ردّ بوالخير مذهولاً مرتجفاً :

منهو ؟. من اللي يتكلم ؟.

آنه جارك الميت .. اسمي ناصر .

ومن مته إنته جاري ؟.

توني من ساعة ! وأنت من مته ميت ؟

آنه من خمس سنوات .. تعبت يا خوك .

توه الناس .. جدامنه طريق طويل .. المهم قولي من حضرتك ؟

آنه بوالخير .. ما عرفتني ؟.

أوه .. شهالصدفة الحلوة .. بوالخير جاري !.

وأنت من تكون ؟

آنه ناصر الساكت .. تذكرني يوم جيتك أشترى سيارة حق ولدي ؟.

إيه أذكر .. قبل عشر سنوات يمكن !.

نعم .. بس الله يهداك ما عطيتني خصم إلا ألف ريال .

شاسوي ياخوك .. السيارات سعرها غالي وتكلفنا وايد في الشحن .

بس تبيعون أعداد وايد .. وأرباحكم تتزايد كل سنه !.

عاد حتى في القبر بتحسدنا .. إذكر الله يا خوي .

والنعم بالله .. ما قلت لي إشفيك ؟.. سمعتك تون !

إيه يا خوك .. تألمت وايد من الرقدة على جنبي الأيمن .

والعذاب ؟

يه .. إشدراك إني تعذّبت .

المكتوب يبين من عنوانه يا بوالخير.

الله غفور رحيم .. لا تيأس من رحمة الله .

زين بوالخير.. ما ودّك ترجع الدنية مرة ثانية !؟

ياريت.. يا خوي مِتْ بسرعة قبل وقتي !.

يعني جم عمرك يوم مِتْ ؟

بس ثمانين سنه !.

الله .. ثمانين سنه وبعد بدري !؟

يه .. لا تنظلني .. ناس عمّروا لين الإميه !.

إيه بوالخير.. العين ما يملاها إلا التراب !

يا خوي شبلاك تتظنز عليّ.. إنت في حياتك كله ساكت..شللي نطقّك الحين؟

اللي نطّقني إن محد يسمع كلامي إهني !؟ ومحد ينقله ويحَرْفه ومحد يحاسبني على كلامي .

يعني إنت كنت تخاف تتكلم في الدنية حتى لا يحبسونك !؟

آنه أصلاً كنت محبوس !. ما يفرق الحبس في البيت أو الحبس في السجن .

أقول.. ليكون كنت تبي تتكلم في السياسة ؟

إيه وشفيها السياسية ؟ الحجي فيها لا حرام ولا ممنوع !.

إسكت يا خوي لا يسمعونك .. لا تفضحنا .. لنا مصالح معا الحكومة !.

ها..ها .. أي مصالح الحين ؟ الحين شوف مصالحك معا الخالق .. وفتش في أوراقك عن العمل الطيب يا بوالخير !.

ياخوي .. وايد هذرت عليّ اليوم .. آنه خمس سنوات ما تكلمت معا أحد .. وإنت اليوم جايني مثل إبليس.

قول لي .. ما حسيت بالوحشة في هالقبر ؟

وحشة وبس .. يا خوي ظلمة ..وقلة نفس ..وما أشوف الملايين في الخزنة ولا الوجوه السنعة .

للحين متعلق بالدنية يا بوالخير .. لو رجعت الدنية اشبتسوي ؟

ياريت أرجع بس يومين .. بأكفر عن كل ذنوبي ..بأزكي عن كل السنين اللي طافت .. وبأروح الحج وبأحب إعيالي .

صار لك ثمانين سنة ما فكرت في هالأشية ؟ الحين تتحسف ! كم مطوع دعاك للزكاة وصلة الرحم والحج ! نسيت ؟

ياخوي إنت منهو مسَلْطك عليّ ؟ بدال ما تكون لي عون صاير لي فرعون!ّ

آنه ساكت طول خمسين سنه .. والحين فرصتي أتكلم لأني ميت ومحد بيحاسبني . ورقمي خذوه وعطوني رقم (5555) على فكره رقم مُميز وببلاش !.

زين .. خلاص لا تثرثر أكثر .. خلني بأرقد !.

بترقد .. جدامك مئات السنين بترقد وبتشبع نوم . الله يعلم متى بتقوم الساعة .. خلنا نسلي بعضنا.

لا يا ناصر .. آنه ما أحب أتدخل في السياسية .. لي مصالح ما أبيها تتعرض للخطر .

زين قول لي : إشلون الجماعة يدفعون لك زين في السيارات ؟ ما فيه ( كوميشن) مني وإلا مناك ؟!

أوهوه .. هاذي اللي بيفضحنا .. إسكت سِكتْ رسّك !. لا تلعوزنا يا خوي .. الجدران لها آذان .

هاذي في الدنية .. إهني محد يسمعك والقبور ما لها آذان . جان بعد حاطين لك سماعات تعقّب !.

أرجوك يا ناصر .. خلني في حالي .. لا تورطني معاهم .. أخاف يضايقون إعيالي .. بعد هالأيام التهم جاهزة !.

أقول لك لا تخاف .. محد يسمعنا .وبعدين إحنه ميتين يا الذكي !.

زين خلاص.. آنه بأنام .

بعد قال بأنام .. يبه لاحق على النوم . جدامك وقت طويل .. خلنه نقصّر الأيام .. قول لي :

شنهو بعد !؟

شرايك في الديموقراطية وحقوق الإنسان !؟

ناصر .. إشفيك إنت ما تستحي .. هاذي كلام سياسة ممنوع.. ممنوع !.

أي سياسة .. قلت لك إحنه ميتين محد يحاسبنا .. وبعدين إشقد سمعنا كلام عن الديموقراطية وحقوق الإنسان .. يعني آنه ما جبت الكلام من عندي !.

أرجوك .. خلني أموت بسلام .. ما أبي يفتحون عليّ قبري ويأخذوني.. وأصير طنازة للي يسوى واللي ما يسوى .

محد بيأخذك.. القبر لين تسكّر محد يفتحه .. وبعدين من زين سيرتك حتى يفتحون قبرك ؟ يعني تفتكر يبون ( DNA) حتى يسوون واحد مثلك يأذي الناس ؟.

تراك وايد سَفّلت فيني .. وآنه أحترمك وما غلطت عليك .. خلني أرتاح وفكني عن هذرتك .

إذا كنت شفتك في الدنية خمس مرات .. في هالمكان بأتم معاك لين تقوم القيامة .

والله والصحبة .إذا هاذي أول يوم .. الله يعين من اللي جاي !

وسّع صدرك .. إنت مهب في الدنية الحين .. ومالك إلا ترضى بالأمر الواقع .. إهناك كنت تختار وترفض ، وتسافر وتصرف على كيفك ، إهني ما في إلا الأمر الواقع .

زين خلاص.. خل الكلام حق بكره .

زين .. يللا مع السلامة .

مع السلامة .

عانت أم عبدالله وطأة الترمل بغياب ناصر . وازدادتْ وحشة المنزل ، وخيّم صمت جديد كان على الأقل يقطعه في السابق ناصر بكلمات أو تعليقات هامسة . لكن اليوم أصبح صمتاً أبدياً ومخيفاً. قطعتْ أم عبدالله اتصالاتها وانكبتْ على تربية أحفادها ، ولم تغب صورة ناصر عنها في يوم من الأيام . كانت تمرّ على مكتبه في طرف المنزل ، وكثيراً ما كانت تسمع له همساً مع كتاب أو كلمات متردّدة مع صديق .. يتجلى لها في صورة باسمة .. تقترب منه فتلامس الهواء !. كان المكتب ينطق بوجه ناصر ، وكانت كتبه التي قرآها تمارس الانتحار الجماعي حزناً على رحيله. وكان الألم الحقيقي أنه انفصل عن أمه أو انفصلت عنه دون مبرر، وهذا ما ورثته أم عبدالله من ناصر . نابتْ عنه في التفكير والاحتسابات والتوقعات والهواجس والتفسيرات . ما أقسى المشكلة عندما لا تَعرفُ أسبابها !. وما أكبر الفداحة عندما تقسو الأمُ بهذه الطريقة على ابنها . ذبلتْ أم عبدالله مع الأيام ويئستْ من الحياة ، وكانت تُردّد أنها لن تتأخر كثيراً عن اللحاق بناصر ، فذلك يُريحها أكثر ويجعلها أكثر اطمئناناً وقرباً من زوجها . تعود من وقت لآخر إلى ألبومات الصور التي جمعتْ ما بينهما على مدى ثلاثين عاماً . ترى الابتسامة على وجه ناصر وهو يحتويها بذراعيه . ترى شعره المنفوش أيام الدراسة في الجامعة . تراه ُ في زيه الوطني يوم العيد مع الأولاد . ترى رحلات العائلة إلى تركيا ولندن والقاهرة والبحرين ودبي ، وتشعر بروح ناصر تتخلل الصور وتعانقها وتلمس يدها فتبكي وتبكي وتخرُّ دموعها حرىّ فوق الصور . هذه هي حال زوجة ( الساكت) الذي قتله صمته .. وقتلته أمه !. ولكن لمن الشكوى غير الله . تنهض أم عبدالله ملبية دعوة المؤذن لصلاة المغرب . تؤدي الصلاة وتترحّم على ناصر وتدعو له بالجنّة . تبكي بحرقة على السجادة . وهكذا في كل فرض. لقد كُتب عليها الحزن في حياة زوجها وفي مماته . تتلقفها الجدران الصامتة التي تعلّمتْ نقمة الصمت أو نعمته من ناصر . ما كانت تطرب للأغاني ولا تتابع المسلسلات التركية المطولة ، ولم تكن تُلبي دعوات الزواج المتكررة من صديقاتها ومعارفها . لقد شطرتْ أم ناصر هذه العائلة ومزّقتها شرّ مُمزق . كانت قبيلة من الشرّ ومن التسلط ومن الغضب ومن القوة والقسوة والتجبُّر. لقد خافها ناصر ومات وفي حلقهِ غصة الصمت . لم يكن ليفعل أي شيء.. فهذه هي أمه . ومن يجرؤ على إغضاب أمه ، مهما كانت قسوتها.

تنهض أم عبدالله نحو الصالة لتواجه صورة ناصر المعلقة على الجدار وهو يرسل نصف ابتسامة ولكأنه يمارس التلذذ بالاحتراق الداخلي .. ولكأنه يحمل تاريخه المنكوب كعاصمة الرشيد المنكوبة في العصر الحديث ، ومن بعدها عاصمة الأمويين على أيدي حكامها ! . تنظر إلى الصورة وتردُّ بنصف ابتسامة تخالجها آهةٌ حرىّ ، فتسيل دموعها . يدخل عليها أحفادها فتتلقفهم وتتعامل مع الواقع الافتراضي الذي لا بدَّ منه ؛ بينما واقعها الحقيقي يسكن القبر.