- 1-

6 0 00

- 1-

تكبر الأشجار في المقبرة بسرعة ولكأنها ترتوي بدماء الموتى وآلامهم . العصافير تتقافز فوق الأغصان الخضراء ولكأنها فرِحة بتزايد أعداد الموتى كل يوم . الموتى لا يُحطّمون أعشاش العصافير ولا يقذفونهم بالحجارة . كم هم طيبون ومسالمون هؤلاء الموتى !. كم منهم ذهب عنوةً إلى قبره !. وكم منهم ذاق مرارات الحياة حتى شبع ومات قهراً !. وكم منهم عاش سعيداً وانتظر (حُسن الخاتمة) وهو قانع . شواهد القبور ليس عليها أسماء ولا نقوش ولا معلومات عن الموتى ، بل يوجد رقم يحتل رأس الشاهد . هكذا يتواصل اسم الإنسان من ولادته برقم وحتى وفاته برقم !. الرقم الأول يأخذه إلى كل بلاد الدنيا ، والرقم الثاني لا يسمح له بالتحرك من قبره حتى يوم القيامة . الناس في الدنيا يعيشون بأرقام قد تُدخلهم عالم التجارة والغنى أو عالم الشهرة أو عالم الجريمة ، وبعضهم يدخلهُ رقمه عالم السجون وهو بريء ؛ إنْ كانت الظروف غير مواتية كي يتصالح صاحب الرقم مع من حوله . البعض الآخر يُسعدهُ رقمه فيظل طوال حياته محمياً ، قوياً ، متسلطاً ، متحكماً ، ظالماً ، ويدُ العدالة تجبُن أن تقترب منه أو تقسمهُ على اثنين !. يكبر صاحب هذا الرقم لينضم إلى (نادي الفساد) الذي يُحدد شروط العضوية وسلوكيات الأعضاء .

عمليات الدفن مستمرة على مدار اليوم . الجرارات الصفراء تُهيل التراب على الميت ، والإمام يتلو بعض الأدعية ، وهمسات بين الحضور حول سيرة الميت وثروته وحسبه ونسبه ، وأيضاً حول نزاهته في عمله أو فساده !. أهل الميت المكلومون يضعون الميت في قبره – جرياً على العادة – والدموع تتساقط من عيونهم . الطين يحتل ملابسهم البيضاء والحجارة الحادة تشقق أرجُل بعضهم دون أن يشعروا بالألم من هول المصيبة . الحضور يكون حسب نوع الميت ، ورقمه في الدنيا ، وجنسيته وثروته !؟ هناك موتى يحضر لهم مئة أو أكثر ، وهنالك موتى فقراء أو آسيويون لا يحضر لهم أكثر من عشرة أشخاص !. هذه هي حال الدنيا ، حتى في الموت توجد درجات تتراوح بين الـ V.I.P.)) وبين الدرجة السياحية التي يسميها البعض ( كولي كلاس ) !. أي درجة العمال .

بعض المذاهب الإسلامية لا تحبّذ زيارة القبور ولكن إنْ صادفَ وزار أحدهُم المقبرة فلا بأس من أن يقصد قبر أحد من أهله أو أصدقائه ويقرآ الفاتحة ويدعو له بالمغفرة . في المقبرة تجتاحُك رهبة الوحشة ، وبأنك ستكون التالي في هذا المكان! كلمات الإمام تزيدك خوفاً عندما يتحدث عن وحشة القبر وفقدان الميت للأهل والأحباب ، وتحوّل القبر إما لروضة من رياض الجنة ، أو لحفرة من حفر النار !. ناهيك عن المنكر والنكير والحساب !.

كانت المدينة صغيرة ، وعدد سكانها محدود ، ولم تكن بحاجة إلى مقبرة كبيرة . أما اليوم فلقد تمدَدت المدينة وانتشرت فيها المباني الضخمة ، وزاد عدد سكانها ، وبالطبع زادت أعداد الموتى . بعض الموتى من الشباب يُدفَنون قبل وقتهم ، لأنهم قادوا سياراتهم بتهور ولقوا حتفهم . وبعض الموتى من سن الخمسين يموتون قهراً عندما لا تكون الرياح مواتية لقلوعهم . وبعض النساء يَمُتنَ بالسرطان أو بالحسرة على العيش مع زوج غير مخلص .

ناصر .. رجل خمسيني .. تقاعد عن العمل عنوة ، وبدأت الأمراض تلاحقه !. لم يحتمل وطأة الحياة وفقدان الأصدقاء . جلس بانتظار الموت ، بعد أن تحمّل الصمت والخوف من الحديث !. في هذه المدينة أشياء كثيرة محظورة إلا الموت ، فهو مجاني ولا يُحاسب عليه القانون . قنع ناصر بقدره !. وبدأ يستجدي الموتَ عامين . وجاءت لحظة الفرج . داهمهُ الموت وهو يقرأ كتاباً قديماً . قام أهله بواجب الغسل والتكفين وأخذوه إلى المقبرة في موكب حزين . كانت الخطى سريعة والجنازة تتمخطر فوق الرؤوس . وخلال عشرين دقيقة كان ناصر تحت التراب ، وقد سدّوا عليه القبر إلى الأبد . كان ناصر مواطناً من الدرجة الأولى ، لاحظوا أن المواطنة أيضاً فيها درجات !. وكان محباً للخير ولوطنه ، وفياً لأصدقائه وأهله . لكن مشكلته كانت مع والدته !. تلك الوالدة لم تكن تعرف الحنان ولا الشفقة في تعاملها مع ابنها ناصر . كانت تنظر في عيني ناصر ولكأنها لا تعرفه !. لا تفعل ذلك مع بقية إخوانه وأخواته . كانت تهملهُ كثيراً ولا تداعبه كما تفعل مع بقية أبنائها الآخرين. كبر ناصر موبوءاً بعقدة فقدان الحب . وبدأت الهواجس تُطيّح به . أيكون ابناً غير شرعي !؟ هذا هو الاستنتاج الأول الذي خرج به ، خصوصاً وأنه بدأ يدرك عندما توفي والده وهو في الخامسة من العمر . كان يتألم وهو يرى الهدايا والملابس الراقية تغدقها والدته على إخوته ، بينما يظل هو يلبس ذات الثوب من العيد إلى العيد الآخر من السنة التالية . أيكون فرداً من الدرجة الثانية – رغم إيمانه أنه من الدرجة الأولى – في هذا المنزل دون ذنب ؟. لم يجد ناصر أجوبة أو تفسيرات لموقف والدته ومعاملتها القاسية له . وحتى بعد وفاة والده ، لم يتمكن ناصر من الحصول على حقه من الإرث لأنه كان صغيراً ، وأخفتْ والدته عنه أية معلومات عن حجم الثروة الكبيرة . لقد تمتعتْ والدته بالثروة ، وأغدقتْ على أبنائها بكل سخاء . ورغم أن ناصر قد تخرّج من الجامعة وتوظّف في الحكومة ، إلاّ أن راتب الحكومة بالكاد كان يفي بمستلزمات حياته وحياة أسرته المكونة من زوجته وثلاثة أولاد . كان يرى كيف كانت والدته تصرف عشرات الآلاف دون حساب ، وتتبرع للجمعيات الخيرية وتبالغ في شراء السيارات لأولادها . كان يتألم ويشعر بالدونية عندما يطلب منه أحدُ أولاده شراء ملابس راقية أو لعباً الكترونية مثلما يفعله أبناء عمومته . لقد تعوّد الصمت ، وحفظ نصيحة أحد أصدقائه المخلصين الذي توفي قبله بسنوات ، الذي كان يقول له دوماً :

اسمع يا ناصر .. احفظ إلسانك ! ترى الدنية ما فيها خير .

كان يردّد تلك المقولة في داخله ، ويتعذّب في صمته دون أن يقوى على الشكوى!. ولمن يشكو ؟. ومن سيسمع شكواه ؟.

مات ناصر صامتاً ككل الأبرياء الذين لا يعرفون سرَّ انقلاب الحياة عليهم ، ولا يدركون لماذا هم بالذات تعاندهم رياحهم وتتكسر مجاديفهم وهم في نصف الطريق؟. مات ناصر وفي صدره كلام كثير . كان يود أن يبوح به لأحد !. ولكن عَزَّ الصديق الكتوم ، وعزّتْ الفرصة التي تأتي من المجهول حاملة منديل البشارة.

قضى ناصر ثلاثين عاماً في العمل وهو صامت ! يؤدي واجبه على أكمل وجه ويعود إلى منزله ، كي يعاني ألم التفرقة والإحساس بالدونية الذي تُغذّيه والدته كل يوم . كان يحاذر الخروج إلى المجالس والأماكن العامة خوفاً من أي سؤال عن حياته الخاصة ، أو سبب التفرقة التي تمارسها والدته بينه وبين إخوته ؛ والتي انتشرت أخبارها في الحيّ مُذ كان في الخامسة . كما كان يتهرب من أي سؤال حول أهله أو والديه ، ويشعر بطعنات والدته كل ليلة عندما يلتقي بذاته بعيداً عن زوجته التي عانت معه كثيراً .

وقفتْ أم عبدالله مع ناصر طول عمر الزوجية . كانت ترعى له أزهار حديقتها مُذ كانت يافعة ، وتعتني بتفاحها وكرزها ، وتُعطّر غرفتها بأفضل أنواع العطور . كانت تعاني مثله ، وتصبر مثله ، وتطيل في الدعاء من أجل أن يهدي الله والدته ، ويرق قلبها عليه فتعامله نفس معاملة أبنائها الآخرين . كانت تدرك حجم مأساة زوجها وعمق جراحه ووطأة العُقد النفسية التي ولدّتها تلك المعاملة بداخله . لكنها لم تقوَ على فعل شيء سوى الدعاء إلى الله . ففي هذه الحالة لا تُجدي الشكاوى ، ولا الالتماسات ولا اللجوء إلى الرأي العام . ومن يتجرأ أن يحاكم أمه ؟! أو ينشر أسرارها في الإعلام ؟.

كانت المأساة أكبر !. ومع الأيام تتوالد مآسٍ عديدة ، وتتنوع أشكال المضايقات . فرغم حرمانه من ميراث والده ، وسَكنهِ في طرف منزل العائلة في غرفتين خاويتين ، فإنه أيضاً عانى نفور إخوته منه ، وإهمالهم له . لقد مسحوهُ من حياتهم ومن اهتماماتهم ومن مناسباتهم . أصبح ناصر مع الأيام في سجن كبير ، يُسمونه افتراضاً (وطن ) !. فرغم خروجه إلى الشارع وسفره إلى الخارج – خلال فترة عمله – إلا أنه يسكنهُ اختناق موجع ، لأنَّ حضن والدته رفضه ، وبات كأي لقيط في شارع التيه ، لا يعرف أصله ولا حبله السري الذي التف حول رقبته وخنقه في غفلة من زمن . كان الإقصاء يُمارس عليه شتى أنواع الظلم والقسوة ! وكان الشوق لوالدته يقتله في اليوم ألف مرة !. لم يكن جباناً حتى ينطبق عليه المثل (الشكسبيري):" الجبان يموت ألف مرة قبل موته ، ولا يموت الشجاع إلاّ مرة واحدة". بل كان في حيرة من أمر أمه !. وها هو يُودَع القبر ولم يعرف سبب كراهية والدته له . كان بوده لو صحب معه إلى القبر بعضاً من كتب نزار قباني وغازي القصيبي وعبدالرحمن منيف وأحلام مستغانمي وعزيز نيسين وتركي الحمد وعبدالله المدني وميسون صقر وبرهان أموك وسعاد الصباح وحمد الزيد وابراهيم الكوني وعبدالله إبراهيم ونورة آل سعد وقماشة العليان وبدرية البشر وفريد هاليداي وباولو كويلو وفايق عبدالجليل وعبدالرحيم الصديقي وغيرهم ممن لازمَ كتبهم في حياته . لكن تقاليد الدفن على الطريقة الإسلامية لا تسمح بذلك ، كما كان الحال مع (الفراعنه) الذين يدفنون مع الميت أشياءَهُ وما يعتقدون أن الميت سوف يحتاجها فيما بعد .

كان بوده لو صحب معه آخر نسخة من جريدة قرأها لتكون أنيساً له في القبر . لكن العادة الإسلامية تقول : إن أعمال الإنسان هي خير أنيس له في وحشة القبر. بكى أولاده بكاءً مراً وهم يضعونه في اللحد ويصفون خلف ظهره قوالب الاسمنت القاسية . ثم أهالت الجرافات الضخمة التراب على القبر . غاب ناصر عن الدنيا ، وغابت معه غصته وصمته وحيرته من والدته ، ولم يدرِ ماذا سيحدث بعد ؟ ودُفن معه سرُّ والدته .