-3-

6 0 00

-3-

قبر جديد يُفتح هذا الصباح . حركة غير طبيعية في المقبرة . السيارات والمُعزون بالعشرات . يبدو أن الميت شخصية معروفة أو ذات عمق اجتماعي كبير. وقفتْ سيارة نقل الموتى على حافة القبر المُعد جيداً . نزل ثلاثة من الشبان مشمرين عن سواعدهم .. تلقفوا الجثة من نظرائهم .. وأدخلوها في اللحد وأرخوا الكفن على الوجه .. وأطبقوا بالألواح الإسمنتية فمَ القبر . خرجوا بعد أن سدّوا فُرجَ الألواح بالطين . هدرتْ محركات الجرافات . وفي عشر دقائق كان القبر قد سوّي بالأرض ووُضعَ الشاهدان عند رأس ورِجل الميت . بدأ أهالي الميت تلقيَّ العزاء من الحضور ، بعد أن نفضوا عنهم الغبار . غادر الجمعُ المكان في مسيرة صامتة إلى صخب الحياة .

تنبه ناصر إلى صوت المحركات .. تساءل : من يكون هذا الميت ؟. خصوصاً وأن عائلته وأصدقاءَهُ قد أحدثوا جلبة في المقبرة . كان الميت رَجُلَ أمن . ولقد خدم الدولة أكثر من خمسة وثلاثين عاماً .. عُرفَ بقسوته وحزمه في عمله . لم يصعب على ناصر التعرف عليه بعد أن حادثهُ ، نظراً لسمعته المعروفة وحرصه الشديد على معاقبة المجرمين والمُشتبه بهم .

بادر ناصر بضرب جدار القبر .. تلفّت الميتُ الجديد.. وبدأ عليه القلق ! من يا ترى يكون هذا الطارق وقد ذهب المعزون ؟. توالت الضربات والميت يزداد ذعراً . أيكونا المنكر والنكير ؟.

قال ناصر :

أهلاً بالجار ؟

أُسقط في يد رجل الأمن ! ما الذي يحدث تساءل بداخله ؟. عاد صوت ناصر:

الحبيب .. رد عليّ آنه ناصر الساكت ..عرفتني ؟

بعد برهة تردد قال الميت :

نعم . وشبغيت ؟

إسمع يا ميت .. إنته مهب في الدنية .. ردّ عليّ بأدب .

وش ذا الكلام ؟ إنت ما تعرف اللي قدامك ؟

لا .. يعني من تكون ؟ نابليون ؟ وإلا مانديلا ؟

لا أنا عضيد بن عاضد ..عرفتني؟

أوه .. يا مرحبه .. بس ترى الحين ما تنفعك نجومك ونياشينك .. خلك متواضع معا الميتين .

حقيقة إنك ما متربي .. شهالكلام ؟ ومن تكون إنت؟ وشمناسبة هالكلام السخيف؟

ابتسم ناصر .. لأنه أثار الميت الجديد وقد عرفه .. واصلَ حديثه :

إسمع آنه متربي زين .. وعمري ما ظلمت أحد أو عذّبت أحد .. وبعدين كلامي مو سخيف .. أفعالك إنت سخيفة .

انفعل عضيد ولم يعد يضبط أعصابه ..ردّ :

جَب (صَهٍ) ولا كلمة .. إنت ما تستحي على وجهك .. ميت وترفع صوتك على أعمامك !.

عِمَتْ عيونك .. آنه صح ميت .. لكني أتكلم بحرية ! تعرف معنى الحرية اللي حرمتنا منها أكثر من خمس ثلاثين سنة .

لا .. إنت الظاهر قليل أدب وما عندك أخلاق .

آنه ما عندي أخلاق ؟ الله نسيت يوم خذتوا ولد الناس وكطيتوه في السجن ثلاثة شهور في حالة اشتباه وبدون تهمه ! وبعدين قلتوا له روح ما عليك شيء ؟ نسيت قضية ( خالد العوَر) ؟ تذكر إشقد عذّبته وهو بريء؟ تذكر إشلون كنت تخليه ينام على الإسمنت البارد بدون لحاف وبدون ملابس؟ تذكر الكلمات السخيفة اللي كنت تكطها عليه وتهين كرامته بدون حق؟

إسكت يا كلب .

زاد ناصر في تلذذه بنرفزة الميت الجديد ..

الكلب إنت .. إسمع ولا تقاطعني . تذكر قضية الصحافية اللي عذّبتها على مقال ؟ تفتكر تستحق البنت الضعيفة كل الضرب والإهانات وتمزيق الملابس ؟ هاذي كانت صفاتك يا صاحب التيجان والنجوم !. هاذي كانت أخلاقك . ضيعت الضمير .. وما عرفت إن المعلومات يمكن تحصل عليها بدون إهانة الناس وإهدار كرامتهم .

تلعثم الميت الجديد ( عضيد) وردَّ وهو يغمغم :

آنه كنت أُودي عملي .

صرخ ناصر ..

تؤدي عملك بإهانة الناس .. عاد لو كانوا مجرمين جان قلنا ماعليه يستحقون.. هاذيله أهل بلدك .. مواطنين مثلك .. ويحبون البلد أكثر منك .. وما وراهم خلايا ولا جماعات مثل ما تعتقدون !. هاذيله مخلصين .. ويحبون الحاكم وما يؤمنون بالعنف .. ليش عاملتوهم بقسوة ؟. وليش حبستوهم دون تُهم ؟ وليش ما حاكمتوهم طول هالفترة ؟ الله عينه صاحية إذا كانت عين بعضكم غافية . شوف اللي بيجيك الحين !.

رانَ صمت قاتل بين القبرين . أخذ ناصر يسترق السمع . كان الضابط يبكي بحرقة .. ولكأنَ جبلاً سقط فوق صدره . تذكّر الضابط أيامه .. وتراءتْ له الصور الماضية .. شاهدَ نفسه وهو يُلهب بالسوط الرطب ظهور المُعتقلين ، وأنه لم يكن يفرق بين المجرمين والمُهربين والقتَلة وبين معتقلي الرأي أو المُشتبه بهم . كان العنف عنوانه والقسوة صفته الرئيسية . كان يعتقد أنه سينال ترقياته ونياشينه عبر هاتين الوسيلتين . وهذا الاعتقاد لم يكن خاطئاً ! فالرجل نال أكبر عدد من النجوم والتيجان . تراءى له مشهد مواطن مُشتبه به فقط ! وكان قد مرّ بالقرب من قصر رئيس الدولة . فتحركت الحاسة الأمنية عنده بعد الإشارة التي تلقاها من المصدر. أحضرَ المواطن وكال له التهم والإهانات . كما اتهمه – دون حق – بأنه يتعامل مع جهات خارجية ضد وطنه !. ويعرّض أمن وسلامة الوطن للخطر . ظل المسكين شهرين في السجن دون أن يُسمح له بملاقاة أسرته ولا التحدث إلى المحامي . وكان يتلقى يومياً وجبات متكررة ومنوعة من التعذيب والإهانات والممارسات الحاطة بالكرامة الإنسانية التي تتعارض مع دستور البلاد والمواثيق الدولية . تراءى له مشهد الشابة التي قُبض عليها إثر مشاركة لها في تجمُّع في (لندن) يناهضُ العنف ضد المرأة . وتم اتهامها بأنها تتعامل مع جهات خارجية . كان الضابط يُوسعها ضرباً وإهانة ، ويسبّ عائلتها وزوجها ويشتمها مع كل ضربة . كانت الشابة تستجدي ، وأنها ليست لها أية علاقة بجهات أجنبية ، بل إن مؤتمراً لمناهضة العنف ضد المرأة قد عُقد في بلدها وحضره مسؤولون كبار ألقوا كلمات واضحة ضد العنف ضد المرأة . وهو نفس الكلام الذي تكرَّر في التجمع في مكان عام في (لندن) ؛ وليس في كلامها أي مساس بالوطن أو الأمن الوطني . لامَ الضابط نفسه كثيراً . وهو يستحضر تلك المشاهد العنيفة والتي قام بها دون مبرر؛ ولم يكن أحد ليغصبهُ على القيام بها . لكن الزهو بالمنصب ، ولذة التعايش مع النياشين قد حكمتْ عليه عقله وغيَّبتْ ضميره ؛ فتعامل مع البشر كما الحيوانات ، ولم يحسب حساب يوم لقاء ربه. هكذا هم الطغاة !. لكنهم أيضاً درجات حسب نياشينهم . الرؤساء الطغاة سقطوا خلال العامين الماضيين في كل من تونس وليبيا ومصر واليمن ، وطاغية سوريا ما زال يُمعن في القتل وتعذيب وتشريد الشعب المُطالب بالكرامة والحرية. ولقد وصل عدد القتلى هذه الأيام إلى أكثر من 100 ألف قتيل ، بينما تم تشريد الملايين في العراء وفي دول الجوار . لقد عودوا الشعب على استلذاذ فقدان الكرامة وخوفوه من جرم رفع الرأس والمطالبة بالحقوق . كانوا يريدونهم قطعاناً تُساق لأية جهة حسب مزاج السلطة ، وحسب استشعار أذن الأمن . لقد سكنتْ العديدُ من الشعوب العربية قبوراً مفتوحة لأربعين عاماً ، وعانتْ من وطأة التخلف والخوف وسلب الثروة وانتهاك الحريات . لكن ( البوعزيزي) في (تونس) أشعل الثورة مطالباً بحقه في الحياة عبر الموت !. وهكذا انتفضتْ شعوب أخرى ، كانت تُمارَس عليها ممارسات خاطئة ، ويُفرض عليها واقع مؤلم لا تستطيع عمل أي شيء تجاهه. وحتى لما اشتد الحبل على عنق الأنظمة لم تنس الفرق الأمنية ، وظلتْ تحتمي بها لآخر لحظة . كانت الكرامة من أبسط مطالبات الشعب العربي المُنتفض. وكيف لإنسان أن يعيش دون كرامة ؟.

وجد ناصر في الضيف الجديد فرصة مناسبة للتعبير عما بداخله من غصّات . ضرب جدار القبر من جديد .. لكنه لم يسمع شيئاً !. عاود الكرّة . وبصورة أوضح قال هازئاً :

يا الحبيب.. لا تنام .. ترى وراك سنين طويلة بتتعب من النوم .. خلك معاي شوي !.

تأفف الضابط .. زمّ شفتيه .. ردّ بحزم :

إشبغيت ؟

هزّ ناصر رأسه هازئاً من حزم الضابط الذي فقدَ نياشينه وهليمانه والتحيات الحارة كل لحظة ممن هم دونه ، حتى أصبح محاطاً بعقدة (التمحور حول الذات) Ego Centralism. قال ناصر :

شفيك تصرخ .. خلك طبيعي تراني أسمعك يا سعادة الضابط .

وشبغيت ؟

بغيت أتسلى معاك يا أخي .. يعني ما يصير ..بنكون جيران حتى يوم القيامة وتبينه نتخاصم مثل ما كنت تسوي في دنياك معا الناس .

غضب الضابط ونرفز .. وكاد أن ينفجر القبر من تأففه .. قال :

يا ابن الحلال خلك في حالك .. وخلني في حالي .. مالك شغل فيني .. إنت ما تفهم !؟ وإلا تتغيشم !؟

ردّ ناصر هازئاً :

لا .. أبي أتسلى يا أخي .. تدري القبر موحش .. وما عندي أي شيء إلا إنت.

آنه أقول لك خلك في حالك . وفكنه عن الهذرة .

ضحك ناصر من أعماقه وقهقه كثيراً .. قال :

آنه طول عمري كنت ساكت .. وأعتقد ما سمعتوا عني أي شيء ؟ بدليل ما يوم اعتقلتوني .. لكني كنت أشوف أشيه غلط ولازم تتصلح .. بس صدوركم كانت ضيقة ما تتحملون كلمة حق . وبعدين التُهم جاهزة عندكم . تطعنون الناس في وطنيتهم وتخونُونهم . وتتهمونهم بأنهم يتعاملون معا جهات أجنبية .. وكل هاذي كذب وافتراء.

إسمع .. إحنه نقوم بواجبنا في حفظ الأمن حتى إنت وغيرك تنامون مرتاحين.

حلو .. حلو .. لكن ليش تسجنون الناس بدون محاكمة ؟ وليش تتهمونهم افتراء.. ودون إثباتات ؟ وليش تعذبونهم وتهينونهم ؟ منهو بيأخذ حقهم لين طلعوا براءة ؟ ما تخافون يصيرون مجرمين أو ينتقمون منكم !؟ ما تخافون الله .

ليكون أحد حاطك تحاسبني الحين ؟.. خل الله يحاسبني .

أكيد الله بيحاسبك .. وحسابك عسير بعد !. ظلم الناس مهب زين .. خصوصاً الأبرياء اللي شوهتوهم .. وشتتوا أُسَرهُم ..وعقدّتوهم .

خلاص فكنه من هالكلام .. هالوقت ما لك حق تكلمني .. الله بيتكفلني .

آنه بأجننك قبل ما يحاسبك الله .. لأنك ما قصَرّتْ في الدنية .. وشرّدتْ عائلات .. وكذبت على الحكومة بعد .

إتخسي .. آنه عمري ما كذبت على أحد .

عيل شتسمي افتراءاتك على الناس اللي اشتبهتوا فيهم .. وأخبرتوا الحكومة إنهم مجرمين ولهم علاقات مع جهات خارجية؟؟ .. وبعد المحاكمة ثبت العكس.. وكانوا أبرياء . إنتو خدعتوا الحكومة و سببتوا ذعر ماله مبرر حق المسؤولين . وخليتوا الإعلام الخارجي يشمت إبْ بلدنا بلا سبب !.

ضاق الضابط ذرعاً بهجوم ناصر.. صمتَ قليلاً ثم انفجر:

أفضل لك تسكت عن هالكلام .. وخلك في حالك .. واللي فات مات .

لا والله .. ضميرك اللي مات .. اللي فات حيّ في ذاكرة التاريخ .. وفي عقول وأجساد اللي عذبتهم بدون سبب !. عقلك البوليسي ما كان يعرف معنى العاطفة ولا الإنسانية . إنت مثل الكلب البوليسي اللي علموّه فقط يعضّ.. وحرموه من نعمة الوفاء .

الكلب إنت وأبوك وهلك .. حقيقة ما عندك سنع .

الله وأكبر.. الحين تتكلم عن السنع !؟ تذكر كلماتك حق بنت بلادك اللي اتهمتوها إنها توزّع منشورات . تذكر الكلمات اللي كنت تقولها لها في التحقيق؟ تعرف الساعة كم كان التحقيق ؟ كان الساعة 4 الصبح !. وما كانت البنت نايمة قبلها لأنكم حطيتوها في غرفة ما فيها أثاث ولا أغطية ؟ تتذكر الكلمات اللي كنت تقولها لها ؟! منهو عنده سنع الحين ؟ آنه اللي سِكتْ طول عمري ، وما أذيت أحد وإلا إنت ؟!.

تعوّذ من إبليس .. وخلك في حالك وفكني .

إنت أبو الأباليس ..وآنه جالس لك لين يوم القيامة .. وما لك فكاك مني . تبي تغيّر القبر كلمهم !. كلهم كبار ربعك ، خلهم يغيرون لك القبر ويعطونك قبر (V.I.P.) .

تململ الضابط ولم يجد كلاماً يردّ به على ناصر . هذا الجار الذي لا يتعب من الثرثرة .. وقرر أن يصمت ولا يرد .

عاد ناصر إلى التحرش به من جديد .. لكن الضابط لم يُبد أي رد . ضحك ناصر في داخله ، وقنع بما سببه له من احراجات في اليوم الأول لوفاته .. وقرر أن ينام.