-4-
ينام الخلق وعينا أم عبدالله لا تنام . لقد تعرّضَ ولدها الأوسط لحادث سير وتم إدخاله المستشفى معانياً من كسور في الرجل والأضلع . من أين يأتي الهدوء لهذه الأرملة المُبعثرة ؟. ومن يواسيها ويشاركها حزنها على الولد ؟ لقد كُتب على هذه المرأة تاريخُ الحزن ومدارات الحرمان . لقد عاشت على مائدة الكفاف ، ولكنها لم تشتك يوماً لزوجها ولا لأحد آخر من عائلتها .
عادتْ من المستشفى مع السائق يلفها حزنٌ (يعقوبي) .. دخلتْ غرفتها وإذا بها أمام ناصر .. صامتاً كعادته .. وقد أزال غترته وعقاله . جحظتْ عيناها .. حاولت الارتماء في أحضانه ، فإذا هي تصطدم بالكنبة الخشبية وتقع أرضاً كقارورة عطر منسية . يا لهذه الذكرى والخيالات التي لا تنتهي . يا لهذا الحب الذي انتهى قبل أوانه . ويا لهذه الزهور والأعناب التي خانها الوقت وغافلها التاريخ وغادرها الفلاح الوفي .
اليوم هو الذكرى الأولى لرحيل ناصر . ماذا تفعل الأرملة في يوم كهذا ؟. المرأة الرومانسية قد تشعل الشموع الصغيرة وتضع صورة زوجها بين الشموع وتجلس تقرآ رسائله التي بعث بها إليها . مع تطور التكنولوجيا.. قد تلجأ الرومانسية إلى استحضار رسائل الهاتف أو (الواتس آب) التي بعث بها إليها !. هذا إن كانت لم تمسحها . أم عبدالله مؤمنة بالقضاء والقدر .. ولا تريد ممارسة استحضار ذكرى ناصر بالطرق الرومانسية ..أو حتى بطرق أهل (التيبت) . إن لديها طريقة استحضار واحدة .. وهو شريط القرآن الكريم . في هدأة ليلة الجمعة وهي الليلة الموعودة لها .. التي يلتقيان فيها مع نكهة أخرى .. انطلق صوت القرآن الكريم من ألة التسجيل ، فسكنتْ روحها وغاصتْ في السرير وكأنها ترسل رسائل إلى العالم الآخر الذي يسكنه ناصر . الدموع تنهمر من عينيها مع خشوع أعضائها وصومها عن كل شائبة ، كلما رفع المُقرئ صوته بصورة (الرحمن) التي لها دلالات عميقة في ذات ناصر ، وورّثها أم عبدالله .
في الصباح تناولتْ إفطاراً سريعاً وذهبتْ إلى عملها . راتب تقاعد الزوج لا يفي بمستلزمات الحياة . وكان لا بد لها من العمل . إنها ما زالتْ في الأربعين .. وبكامل صحتها وجمالها أيضاً. عملتْ في مؤسسة تجارية بنصف دوام وكانت مرتاحة من عملها .. والجميع يعاملونها معاملة لائقة . ومع الأيام تلاشتْ مسحةُ الحزن عن مآقيها .. وبدأ جمالها يعود إلى سابق عهده ، خصوصاً بعد أن نزعت لباس الحداد الأسود . أم عبدالله امرأة أنيقة ورقيقة وجميلة . وهي في صمتها تتحدث عنها أشياؤها . وكثيراً ما تعرّضتْ لمواقف مُحرجة مع رجالٍ جُلّ همهم كيانها الجسدي لا الروحي ولا العقلي . لكنها كانت تصدّهم بلباقة وحسن تصرف بحيث لا يعاودون التعرض لها . ذات صباح ، وبعد ثلاثة أعوام على رحيل ناصر ، كانت أم عبدالله مثل القمر في مكتبها .. وقد أحاطت وجهها القمري بحجاب وردي ووضعت مسحة من أحمر الشفاة الوردي على شفتيها .. ونسّقت ألوان ملابسها . كانت تعمل بهدوء وطمأنينة.. صامتة لكنها تغني بوجهها الصبوح . صورة ناصر بجانبها على الطاولة . دخل عليها زميلها محمد وقد تفاجأ بمنظرها الذي لم يتعود عليه خلال ثلاث سنوات .. فغَر فاهُ قائلاً:
صباح الخير أم عبدالله
ردّتْ بعد أن قضمتْ نصف ابتسامة وقورة :
صباح النور .. أهلاً أخ محمد
انتفض محمد ولمسَ جانبي وسطه .. وتقدم نحوها وهو يمعن النظر في وجهها .قال:
أقول أم عبدالله ألاقي عندك شريط لاصق ؟.
فكّرتْ أم عبدالله لبرهة وكأنها ألف عام على محمد .. ابتسمتْ .. رمقته بنظرة مُحيرة تقول : وهل لا يوجد في كل المؤسسة شريط لاصق إلا عندي أنا ؟ قالتْ :
موجود ..
فتحت درج المكتب وناولته الشريط .. سقط الشريط من يده لأنه لم يكن ينظر إلى الشريط .. بل إلى وجهها !. تدارك الموقف وعدّل من هيئته وتناول الشريط من فوق الطاولة وهو يردّد:
شكراً .. شكراً أم عبدالله .
رمقته بنظرة عميقة وأمالت رأسها جانباً كأنه تردّ شكرَهُ نفياً . استدار نحو الباب وغادر مسرعاً وهو يُصرّ بأصابعه على الشريط .
ضحكتْ أم عبدالله لأول مرة ضحكة لم تضحكها منذ رحيل ناصر . وهجمتْ عليها الأسئلة والاستفسارات ، لماذا أتى لها هي بالذات ؟ وهل لا يوجد لديه شريط لاصق؟ ولماذا ارتبك كل هذا الارتباك ؟ ومن أخبره عن وجودي في المكتب اليوم بالذات ؟ حيث أنني أداوم منذ عامين ؟. زمّتْ شفتيها الممتلئتين ورفعتْ إبهامها تساؤلاً وعادت إلى عملها . رنّ جرس هاتفها الداخلي .. تناولتْ السماعة باهتمام ..وردت :
نعم ..
كان المتصل زميلها محمد على الطرف الآخر . وبدا متردداً ومرتبكاً كأنه في امتحان (التوفل) .. ردّت من جديد وبجدية :
نعم ..من معاي ؟
جاءها صوته مسكوراً:
أم عبدالله .. آنه محمد .. اللي..
قاطعته بحدّة لم تمارسها من قبل :
أدري .. وشتبي ؟ خذت الشريط اللاصق !.
لم يأت صوته من الطرف الآخر .. ولكأنه يُعد نفسه لكلمات جديدة منمقة . قال :
نعم . شكراً خذت الشريط .. بس آنه ...
قاطعته من جديد:
بس إنته شنو ؟ ما تقولي وشتبي ؟
قال بتردّد وخبث :
أم عبدالله .. آنه ودي أتكلم معاج في موضوع .
ما في مواضيع بينا .. عندك مشكلة في العمل روح حق رئيس القسم .
ردّ مُبرراً :
لا..لا.. ما في مشكلة في العمل !.
عيل ليش متصل فيني ؟
آنه قصدي .. ودي أجلس معاج نتكلم في موضوع .
نرفزتْ أم عبدالله وخرجتْ عن وقارها الأنثوي .. قالتْ بحدّة:
احترم نفسك .. ما في بينا مواضيع .. آنه أم إعيال . وما أتقبل هالحركات.
أعادتْ السماعة إلى مكانها بعنف متأففة من المكالمة . ضربتْ بكلتا يديها وجه الطاولة . حادثتْ نفسها : ( حقيقة ما عنده سالفه .. إشلون يتجرأ ويطلب مني أرد عليه في موضوع ؟ آنه ما بيني وبين أحد أي موضوع . حقيقة فاضي ) .
قضتْ يومها غاضبة ومُستفزة وغير قادرة على التركيز. عادتْ إلى المنزل وملأتْ (البانيو) بالماء ورحيق الأزهار وغاصتْ في الماء لأكثر من ساعة . برزتْ لها صورة محمد وهو يطلب الشريط اللاصق . وتردّدتْ كلماته وهو يطلبها في موضوع ما . حادثتْ نفسها : ( يمكن يبيني في موضوع أو استشارة ، أو عنده مشكلة معا أهله ويبيني أتوسط له عند أحد ؟؟ ليش آنه أخذت الموضوع بحساسية ؟. الرجل ما أخطأ وكان مؤدب معاي) . نقرتْ الماء المعَطر بإصبعها مُحدثة رشّة عبقة في الهواء وابتسمتْ .
في اليوم التالي كانت مسرعة نحو مكتبها وإذا به يظهر أمامها ولكأنه وَقّتَ موعد حضورها .. رفع يده كما في حالة التوسل :
أم عبدالله .. آنه .. آنه بس حبيت أعتذر عن أمس .
وقفتْ أمامه باسمة .. مشرقة الوجه ..تفوح منها العطور الشرسة .. قالتْ :
عن أيش تعتذر ؟ شللي صار ؟
تشجّع محمد أكثر وبلع ريقه وهو يحفر وجهها بنظراته . قال:
لا .. بس حسيت إنج عصّبتي لما قلت لج عندي موضوع ودي أتكلم فيه معاج.
حاولتْ التحاذق والإيقاع به :
والشريط اللاصق ؟؟
ارتبك محمد وأحسّ بأن قدميه لا تقويان على حمله .. هزّ رأسه محاولاً الفرار من المأزق :
زين .. مع السلامة.
توارى مسرعاً في الردهة .. بينما أشرق وجه أم عبدالله بابتسامة انتصار عريضة .هكذا هن النساء ! يفرحن بمواسم الانتصار .. ولا يعترفن بالهزيمة .. خصوصاً إذا كان الغريمُ رجلاً. انطلقتْ نحو مكتبها رشيقة مثل ريشة .. يلفها الوقار والأناقة وبدأتْ العمل . ألقتْ التحية على وجه ناصر داخل الإطار .. في لحظة صمت كأنها تقول له : ( يا عيوني وحشتني .. كفاية غياب .. آنه أموت كل ليلة .. أتحسبك جنبي.. ألمس يدك .. وأسمع صوتك مثل الشلال المنعش يحتويني ويرسم أجمل الصور في مساماتي . وينك يا ناصر؟ إشقد آنه محتاجة لك ولحنانك اللي ضاع من البيت وضيّعني .. ولهانة عليك . . ميتة عليك.. وينك يا الغالي اللي خليت حياتي جنة ورعيت حدايقي وأزهاري وما تعبتْ ؟ وينك يا ناصر .. آنه ما أصدق إنك رحلت للأبد وما بتقولي صباح الخير من جديد . ما أصدق إن عيني ما بتتلاقى معا عينك مرة ثانية . إشقد كنت تقول لي : عيونج حلوة وفيها أسرار .. وفيها كل الكلام !. إشقد كنت تمدح شفايفي وتسميهم نهر العسل ! آخ يا ناصر .. آنه بدونك ورقة مقطوعة من غصن .. آنه بدونك زهرة نست معنى العطر .. آنه بدونك حنجرة ما عادت تتذكر الكلام ).
قطع استرسالها الجميل صوتُ الهاتف الداخلي .. أفاقتْ من الحلم متأسفة .. وقد اغرورقتْ عيناها بدمع سخي .. رفعتْ السماعة :
آلو..نعم .
كان المدير على الطرف الآخر .. ردّتْ :
نعم طال عمرك .. حاضر الحين بأجيبه .
وضعتْ السماعة بهدوء وتناولت الملفات التي أمامها .. مسحتْ بالمنديل دموعها .. ونظرتْ في المرآة الصغيرة كي تتأكد من هيئتها .. وغادرتْ المكتب . لاحظتْ الشابَ محمد متوارياً في آخر الممر .
أنهتْ المعاملات مع المدير خلال خمس دقائق ! كانت تشعر بأن المدير يلحسُ وجهها بنظراته المُرَكّزة . لكنها لم تُعر ذلك أي اهتمام .. ففي فكرها أن أغلب الرجال (عيونهم زايغة) . رجعتْ نحو مكتبها . لاحظتْ وجود رسالة على مكتبها. فتحت الظرف ..قرآتْ :
" عزيزتي أم عبدالله .. لا تعتقدي بأنني مراهق يريد العبث . أنا رجل أُقدّر المسؤولية .. ولقد توفيت زوجتي قبل عام . كما أنني أعرف أن زوجك قد توفي منذ ثلاث سنوات وأنك تعيشين وحيدة . بودي أن أطلب منك أن أقترن بك .. أنا أعيش فراغاً كبيراً في بيت كبير..ولا توجد لدي أية ارتباطات مع الأهل ، لأن الوالد والوالدة قد توفيا. أرجو أن توافقي على طلبي.. وسأكون أسعد إنسان في الدنيا ! لك محبتي.
محمد "
زمّتْ شفتيها .. رَمت الرسالة فوق الظرف ووضعتْ رأسها بين يديها وغاصتْ في تفكير عميق . ( من وين طلع لي هذا المحمد !؟ ومن قال له إني أبي أتزوج ؟ وكيف يتجرأ ويطلب مني هالطلب ؟ وليش آنه بالذات ؟ البنات وايد ، وهو شاب وسيم ومقتدر .. شهالبلاوي ؟ وبعدين إهو يعرف إني أحبّ المرحوم .. ويلاحظ صورته على طاولتي ).
نظرتْ إلى الصورة ..ولكأن ناصر يشاركها الحديث .. قالت له :
شفت يا ناصر .. يوم رحت إشلون الحياة تبدلت ؟ لو كنت معاي جان محد تجرأ وكلمني .. صج كنت لي جدار .. وجدار قوي أستند عليه .
في الليل .. وعندما حاولتْ الخلود إلى النوم استحضرتْ كلمات الرسالة !. كما استحضرتْ حياتها الموحشة .. وصمت المنزل المُطبق . استحضرتْ كل ما لديها وكل ما حولها وكل ما بداخلها !. هل من المعقول أن تنتهي الحياة هكذا ؟ ما هي سنّة الحياة ؟ ما هي قوانينها ونواميسها ؟ وهل الاقتران برجل جديد يعني عدم وفاءٍ لرجل رَحل ؟. كم من النساء تزوجن بعد رحيل أزواجهن ، حتى في بداية الإسلام !. هل ستكون وفية لناصر لو تزوجتْ ومارستْ حياتها كأي إنسان ؟. نامتْ مع ثورة الأسئلة .. ولم تستطع الوصول إلى قرار .