1

10 0 00

1

اختطفتُ حين كان عمري ست أو سبع سنوات، لا أذكر حقاً هذه الحادثة لصغر سني ولأن كل ما عشته فيما بعد محى هذه الذكرى التي أصبحت كابوساً مرعباً بعيداً يعود في بعض الليالي ويفزعني حتى في النهار: شارع مشمس مغبر وخاو، سماء زرقاء، نواح طائر اسود.. وفجأة تمتد يدا رجل لترميني في قاع كيس كبير، فأشعر بالاختناق. كانت لالا أسمى هي التي اشترتني.

لهذا، لا أعرف اسمي الحقيقي الذي منحتني إياه أمي عند ولادتي، ولا اسم أبي ولا مكان ولادتي. أعرف فقط الأشياء التي أخبرتني بها لا لا أسمى... وصلتُ إلى بيتها ليلاً، ولهذا السبب دعتني ليلى. قدمتُ من الجنوب ومن مكانٍ بعيد جدا، ربما من بلاد لم تعد موجودة. أما بالنسبة لي، لم يكن هناك شيءٌ قبل ذلك... سوى هذا الشارع المغبر والطائر الأسود والكيس.

أصيبت فيما بعد إحدى أذناي بالصمم. حدث ذلك حين كنت ألعب في الشارع أمام باب المنزل، صدمتني شاحنة وهشمت عظمة في أذني اليسرى.

كنت أخاف السواد.. أخاف الليل. أذكر أني كنت استيقظ أحياناً... أتحسس الخوف الذي يدخل فيّ كأفعى باردة... فأفقد الجرأة على التنفس. فأنسل إلى سرير معلمتي والتصق بظهرها البدين كي لا أرى... كي لا أشعر بشيء... إني متأكدة أن لالا أسمى كانت تستيقظ، إلا أنها لم تطردني مرة واحدة... لقد كانت حقا جدتي.

لوقت طويل.. كنت أخاف الشارع، لا أجرؤ على الخروج من الباحة، لم أكن أريد حتى أن اجتاز الباب الأزرق الكبير الذي ينفتح على الشارع، وإن حاول أحدهم أن يقودني الى الخارج، كنت أصرخ وأبكي متشبثة بالجدران أو أركض لأختبئ تحت الأثاث. كنت أشعر بصداع فظيع فيما كان ضوء السماء يخدش عيني وينفذ الى داخل جسدي.

بلّ.. كان صخب الخارج يخيفني.. صوت الخطا في الشارع عبر الملاحة.. أو حتى صوت رجل يتحدث بصوت مرتفع في الطرف الآخر من الجدار. غير أني كنت أحب أصوات الطيور عند الفجر وصرير طيور السمام في الربيع، التي تطير على مستوى الأسطحة. لم تكن الغربان توجد في هذا الجزء من المدينة، لم يكن هناك سوى الحمام واليمام. في بعض الأحيان كانت اللقالق تعبر أثناء الربيع، وتجثم في أعلى الجدران تصك بمناقيرها.

لسنين.. لم أعرف شيئا سوى الباحة الصغيرة للمنزل وصوت لالا أسمى التي تصرخ باسمي «ليلى». كما قلت فإني اجهل اسمي الحقيقي واعتدت على هذا الاسم الذي منحته لي معلمتي، كما لو كان الاسم الذي اختارته لي أمي. غير أني أفكر أنه في يوم ما سيخبرني أحدهم باسمي الحقيقي وسأختلج وأتذكره.

هي أيضاً لم يكن اسمها لالا أسمى كانت تدعى عظيمة، يهودية إسبانية كانت الوحيدة التي لم تغادر الملاحة حين اندلعت الحرب بين العرب واليهود في الطرف الأخر من العالم. اعتزلت خلف الباب الأزرق الكبير وأقلعت عن الخروج إلى أن وصلت أنا تلك الليلة، فتغير كلّ شيء في حياتها.

كنت أدعوها «معلمتي» أو جدتي. كانت تريد أن أدعوها «معلمتي» لأنها هي التي علمتني القراءة والكتابة بالفرنسية والإسبانية، وهي التي علمتني الحساب الذهني والجبر وأعطتني مبادئ الدين، دينها حيث لا اسم للإله وديني حيث ندعوه بالله. كانت تقرأ لي مقاطع من كتبها المقدسة، علمتني كلّ ما يجب عدم فعله كالنفخ على الطعام ووضع الخبز بالمقلوب أو المسح باليد اليمنى. علمتني بأنه من الواجب قول الحقيقة دائماً والاغتسال كل يوم من القدم حتى الرأس.

بالمقابل كنت أعمل لها من الصباح حتى المساء في الباحة.. أكنس، أقطع الحطب لموقد الحجر، أو أجلي. كنت أحب الصعود إلى السطح لأنشر الغسيل، من هناك أرى الشارع وأسطحة المنازل القريبة، والناس الذي يمشون والسيارات، حتى أني كنت أرى من شقين في الجدار طرف النهر الأزرق الكبير. كان الضجيج في الأعلى يبدو لي أقل رعباً، وأني في مأمن.

حين كنت أبقى طويلا على السطح، كانت لالا أسمى تصرخ، كانت تبقى طيلة النهار في الغرفة الكبيرة المفروشة بالوسائد الجلدية، كانت تعطيني كتاباً لأقرأ لها أو تقوم بتعليمي الإملاء، تسألني عن الدروس السابقة، كانت تمتحني، ولمكافأتي كانت تسمح لي بالجلوس في الصالة بجانبها فتضع أسطوانات المغنين الذين تحبهم في جهاز البيك أب «أم كلثوم، سيد درويش، حبيبة مسيكا، وبشكل خاص فيروز بصوتها الخفيض الأبح فيروز الجميلة الحلبية التي تغني يا قدس..، كانت لالا أسمى تبكي دائماً حين تسمع اسم القدس.

ذات نهار انفتح الباب وأُذنَ بالعبور لإمرأة سمراء خشنة دون طفل، تدعى زُهرة، إنها كنة لالا أسمى. كانت تجيء لتطبخ شيئاً ما لحماتها ولتفتش المنزل. كانت لالا أسمى تقول بأنها تفتشه كشيء سترثه ذات يوم.

كان ابن لالا أسمى يجيء نادراً، كان يدعى عبل، رجل طويل وقوي يرتدي بزة رمادية جميلة، غني، يدير مشروع مقاولات عامه، حتى أنه كان يعمل في الخارج.. في إسبانيا وفرنسا. غير أن لالا أسمى كانت تقول أن زوجته أجبرته على العيش مع حمويه، أناس غير محتملين، مغترين يفضلون المدينة الجديدة عن الضفة الأخرى للنهر.

كنت دائما حذرة منه. حين كنت صغيرة، كنت اختبأ لحظة وصوله خلف البسط كان يضحكه ذلك «يالها من ساذجة». حين صرت أكبر عمراً، صار يخيفني أكثر. كانت له طريقة خاصة في النظر إلي، كما لو كنت غرضا يملكه. كانت زُهرة تخيفني أيضاً، لكن ليس بذات الطريقة. ذات يوم لأني لم أجمع الغبار في الباحة، قرصتني لدرجه أني أدميت «يالك من بائسة يتيمة حتى أنك لاتعرفين التكنيس». صرخت: «لست يتيمة، لالا أسمى جدتي». هزأت مني، غير أنها لم تتجرأ على اللحاق بي.

كانت لالا أسمى تدافع عني دائماً. غير أنها عجوز تعبة، ساقاها منتفختان من الدوالي. حين تكون متعبة أو متوجعة، كنت أقول لها: «أأنت مريضة يا جدتي؟» كانت تجلسني قبالتها وتنظر إلي. كانت تكرر المثل العربي الذي تحبه، وتقوله بتفخيم، كما لو أنها تبحث في كل مرة عن الترجمة الفرنسية المناسبة : «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لايراه إلا المرضى».

لم تعد تجعلني أقرأ وأدرس كثيراً، ولم يعد لديها أفكار لتبتدع نصاً للإملاء. كانت تمضي معظم وقتها في الصالة الخالية تشاهد التلفاز أو تطلب مني بأن أحضر لها علبة مجوهراتها ونقودها المخبأة. ذات مره، أطلعتني على زوج أقراط ذهبية:

«ليلى، هذه الأقراط ستكون لك بعد موتي».

وضعت زوج الأقراط قي ثقوب أذني. كانا قديمين، باليين على شكل هلال مقلوب في السماء. وعندما قالت لي لالا أسمى اسم هلال اعتقدت أني أسمع اسمي، تخيلت أنه القرط الذي كنت أحمله حين وصلت إلى الملاحة.

«إنه يناسبك. تشبهين بلقيس، ملكه سبأ»

وضعت الأقراط في يدها، وثنيت أصابعها وقبلت يدها.

«شكرا يا جدتي، كم تتكرمين علي»

نهرتني: «- اذهبي.. لم أمت بعد.»

لم أعرف زوج لالا أسمى إلا من خلال صورة، تحتفظ بها في الصالة تتبوأ صواناً بجانب ساعة الحائط المتوقفة، سيدٌ قاس يرتدي السواد، محام غني جداً، إلا أنه لم يكن وفياً، وحين مات لم يترك لزوجته سوى منزل الملاحة والقليل من النقود عند كاتب العدل. كان لا يزال حياً حين جئت إلى المنزل، غير أني كنت صغيرة جداً لأتذكره.

كنتُ على حق في حذري من عبل!

كان عمري أحد أو إثني عشر عاماً، اصطحبت زُهرة حماتها إلى الخارج، على غير العادة، للتسوق أو لرؤية طبيب. دخل عبل المنزل دون أن أعرف، لابد أنه بحث عني في الداخل ووجدني في الغرفة الصغيرة الواقعة في آخر الباحة حيث يوجد المرحاض والمغسل.

كان طويلاً وقوياً جداً بحيث أنه سّد كلّ الباب ولم أستطع الهرب. كنتُ مذعورة لم أستطع الحراك على أي حال، إقترب مني، كانت له حركات عصبيه فظة، ربما كان يتكلم، غير أني أدرت رأسي من جهة أذني اليسرى، كي لا أسمع. كان طويلاً، عريض المنكبين، ذو جبهة صلعاء تلمع في الضوء. ركع أمامي، وتحسس تحت ثوبي، تلمس فخذي، عانتي كانت يداه خشنتين من الإسمنت. شعرت بأنهما حيوانان باردان وجافان، يختبئان تحت ثيابي. كنت خائفة جداً، بحيث أن قلبي كان يدق في حلقي. فجأة، استعدت الشارع الشاحب والكيس والضربات على الرأس، ثم اليدين اللتين كانتا تلمساني وتضغطان على بطني وتؤلماني. لا أدري كيف تصرفت. أظن أن الخوف جعلني أبول، ككلبة. فابتعد، وسحب يديه، نجحت بالمرور خلفه، تسللت مثل حيوان واجتزت الباحة وأنا اصرخ، وأغلقت على نفسي الحمام، لأنه كان المكان الوحيد الذي يغلق بمفتاح.

انتظرت، القلب يخفق بسرعة وأذني السليمة على الباب.

جاء عبل. في البداية، طرق بهدوء، بأطراف أصابعه، ثم أكثر قوة بقبضة يديه «ليلى، افتحي لي. ماذا تفعلين؟ افتحي، لن أفعل بك شيئا» ثم لا بد أنه قد ذهب. أما أنا، فجلست على الأرضية، وظهري مستند على المغطس المرمري الذي صنعه عبل لأمه.

بعد وقت طويل، جاء شخص ما خلف الباب. سمعت صياحاً، غير أني لم أفهم ما يقال. طُرق الباب أيضاً، في هذه المرة تعرفت على يد لالا أسمى. حين فتحت الباب، لابد أني كنت مرعوبة بحيث أنها ضمتني بذراعيها «ماذا حدث لك، ماذا جرى؟» اقتربت منها، وأنا أعبر أمام زُهره. غير أني لم أقل شيئاً. صرخت زُهره: «أصبحت مجنونة» لم تسألني لالا أسمى أية أسئلة أخرى ولكن، منذ ذلك اليوم، لم تعد تتركني وحيدة حين يجيء عبل إلى المنزل.

ذات يوم، فيما كنت مشغوله بغسيل الخضار في المطبخ لإعداد حساء لالا أسمى، سمعتُ صوتاً قوياً في المنزل كغرض ثقيل سقط على الأرضية وأوقع الكراسي. وصلت راكضة، رأيت السيدة العجوز على الأرض ممددة على طولها. اعتقدت أنها ماتت، وكنت سأهرب لأختبئ في مكان ما حين سمعتها تتأوه وتدمدم. لم تكن إلا في حالة إغماء. أثناء سقوطها، اصطدمت بزاوية أحد الكراسي على رأسها مما أدى إلى نزيفٍ خفيف لدم أسود سال على صدغها.

كانت تنتفض مرتجفة، عيناها مضطربتان. لم أدر ما الذي علي فعله. في النهاية، اقتربت منها لمست وجهها. كان خدها رخواً، بارداً بشكل عجيب. غير أنها كانت تتنفس بقوة، صدرها ينخفض ويرتفع، كان خروج الهواء يجعل شفتيها ترتجفان مصدرة صوتاً مضحكا، كما لو أنها تشخر.

«لالا أسمى.. لالا أسمى » تمتمت بالقرب من أذنها، كنت متأكدة أنها تستطيع سماعي، هنا حيث كانت. كانت فقط غير قادرة على الكلام. كنت أرى ارتعاش جفنيها المفتوحين على عينين بيضاويتين. كنت أعلم أنها تسمعني: «لالا أسمى ! لاتموتي.»

أثناء ذلك وصلت زُهرة، كنت منهمكة بالأنفاس البطيئة للالا أسمى بحيث أني لم أشعر بقدومها.

«يا حمقاء، يا مشعوذة، ماذا تفعلين هنا؟»

شدتني بعنف من كمي فتمزق ثوبي «اذهبي ابحثي عن طبيب، ألا ترين أن أمي تتألم كثيراً!» كانت المرة الأولى التي تتكلم فيها عن لالا أسمى كأمها. بما أني وقفت متحجرة، رمتني بحذائها:

«هيا ماذا تنتظرين ؟»

اجتزت الباحة، ودفعت الباب الأزرق الثقيل وأخذت أجري في الشارع، دون أن أعرف أين أذهب. إنها المرة الأولى التي أخرج فيها، لم تكن لدي أدنى فكرة عن المكان الذي بإمكاني أن أجد فيه طبيباً، لم أكن أعرف إلا شيئاً واحداً: لالا أسمى ستموت، وسيكون ذلك خطئي لأني لم أجد أحداً يداويها. تابعت الجري عبر الشوارع الخاملة تحت الشمس، دون أن آخذ نفساً. كان الجو حاراً والسماء صافية، وجدران المنازل شديدة البياض.

درت من شارع إلى شارع إلى أن وصلت إلى مكان يُرى منه النهر، والبحر وأشرعة المراكب على بعد أكبر. كان ذلك ساحراً، لم أعد أخاف من شيء. توقفت في ظل جدار، نظرت بقدر ما أستطيع. إنه ذات المنظر الذي أراه من سطح لالا أسمى، غير أنه أرحب كثيرا. كان هناك في الأسفل على الطريق الكثير من السيارات والشاحنات والباصات. لابد أنها كانت الساعة التي يذهب فيها الأطفال إلى المدرسة بعد الظهر، كانوا يمشون على الطريق، الفتيات بتنانيرهم الزرقاء وقمصانهم البيضاء، والفتيان بلباسهم الأقل رتابة، وبشعرهم المحلوق، يحملون حقائب مدرسية، أو كتباً مربوطة بمطاطة.

كنت كما لو أني أستيقظ من نعاس طويل. حين عبروا أمامي، سمعت ضحكاتهم واستهزاءهم،وبعد أن تمليت قليلا، أدركت أن حالتي كانت غريبة كما لو أني آتية من كوكب أخر، بثوبي الفرنسي ذي الكم الممزق وشعري الطويل المجعد، لابد أن هيئتي في الظل كانت تبدو أقرب إلى مشعوذة.

اتبعت طريقا بلا تبصر، باتجاه طلبة المدارس، ثم شارعا آخر مليئاً بالناس. كان هناك سوق، أغطية ممددة في مواجهة الشمس، عند مدخل منزل، كان هناك رجل عجوز يعمل في حانوت خشبي يتربع على شيء يشبه طاولة منخفضة، محاطاً بالأحذية..كان يثبت بمطرقة نحاسية صغيرة مسامير رفيعة في نعلٍ. بدا كما لو أني توقفت لأشاهده، سألني:

»هل تريدين حذاءً»

كان قد شاهد أني كنت حافية القدمين.

» ماذا تريدين ؟ أنت خرساء؟«

نجحت في التكلم:

» أبحث عن طبيب لجدتي».

قلت ذلك بالفرنسية، ثم كررته بالعربية، لأنه نظر إلي دون أن يفهم.

«ما بها؟

- سقطت وستموت.«

دهشت لهدوئي:

»لا يوجد هنا طبيب. هناك مدام جميلة في الفندق، إنها قابلة، ربما تستطيع فعل شيء.«

خرجت أجري في الاتجاه الذي أشار إليه فيما ظل الإسكافي ساكناً، مطرقته النحاسية مرفوعة. صرخ بشيء لم أفهمه، جعل الناس يضحكون.

كانت مدام جميله تعيش في منزلٍ لم أتخيل أبداً نظيراً له. كان قصراً منهاراً بجدران عالية من الآجر وبباب مصراعاه مفتوحان منذ زمن طويل ولم يعد بالإمكان إغلاقهما، يعيقهما الوحل والحصى. على الواجهة، بقايا ملاط تشير إلى أن المنزل كان في القدم ذا لون زهري. كانت هناك نوافذ بارزة وشرفات منخورة. بالرغم من خشيتي، دخلت إلى الباحة.

ظننت أن كل باحات البيوت مثل منزل لالا أسمى: عالم منظم صارم ونظافة مفرطة. لكن هنا في داخل الفندق، فوضى لا تصدق. كان هناك أناس في كل مكان، غافين تحت ظل الأفاريز أو تحت بعض شجيرات الأكاسيا النحيلة، ماعز وكلاب، مواقد جمر لا يأبه بها أحد، أكوام قذارات تنقرها دجاجات هرمة تبدو مثل طيور الشوحة. على الحائط حول الباحة تحت الأفاريز، جمع الباعة الجوالون بضاعتهم وناموا عليها لحفظها جيداً. لم أفهم ماذا يفعل هؤلاء الناس ولم أكن أدري تماما ماهو الفندق. بما أني كنت اجتاز الباحة ببطء مترددة في اتخاذ اتجاه محدد، ناداني أحدهم من أعلى الشرفة. كانت الشمس تخطف بصري، تقصيت في ظل الدهليز. سمعت صوتاً واضحاً:

»عم تبحثين؟«

في النهاية رأيت امرأة مسنة ترتدي ثوبا فيروزياً فضفاضاً. كانت تستند على الدرابزين، تدخن وتنظر إلي. نطقت باسم مدام جميلة، فأشارت إلي:

»اصعدي.. الدرج في آخر الممر، أمامك«

بما أنه بدا أني لم أفهم، صرخت:

»انتظريني«

قادتني عبر غرفه كبيرة مظلمة كان فيها بضائع أخرى وأناس يرتاحون، مسنون يلعبون الدومينو على طاولة واطئة، وبجانبهم نرجيلة كبيرة. لم ينتبه أحد منهم إلي.

كان في أعلى الدرج رواق مضاء ببقع شمسية قادمة من النوافذ التي لا أبواب لها. كان الطابق العلوي بأكمله مسكونا بنساء غريبات، بعضهن كان فتياً والبعض الآخر له عمر زُهرة أو أكثر عمراً، مكتنزات، بصباغ فاتح وبشعرمحمر بالحنة وبشفاه ملونة بلون غامق وعيون مرسومة بالكحل. كنّ يدخن أمام أبواب الغرف، متربعات على الأرض. فيما سحب دخان سجائرهن تخرج من ظل الرواق راقصة تحت الشمس.

»أبحث عن مدام جميلة«

بقيت في أعلى السلم بقدم واحدة وضعتها على أرض الطابق. أعتقد ان الخوف من العودة دون طبيب إلى منزل لالا أسمى منعني من المغادرة جريا. أحاطت بي النساء، كن يتكلمن بصوت عال ويضحكن. فيما ملأ دخان سجائرهن المكان برائحة عذبة تصيب الرأس بالدوار.

داعبن شعري وتحسسنه، كما لو أنهن لم يشاهدن أبداً نظيراً له. بدأت إحداهن، امرأه شابة ذات يدين طويلتين نحيلتين عنقها مليئ بالمجوهرات، بصنع جدائل صغيرة لي في قمة الرأس، مدخلة خيطاً أحمر بشعري. فيما أنا، لم أكن أتجرأ على الحركة.

»انظرن إليها، كم هي جميلة إنها أميره حقيقية!«

لم أفهم جيدا ماكانت تقوله. تساءلت فيما إذا كانت هؤلاء النسوة الجميلات المتقلدات بالمجوهرات والمخضبات يستهزئن بي، أو أنهم سيقرصنني، أو أنهم سيشددن شعري. كنّ يتكلمن بسرعة، بصوت منخفض، وبسبب أذني الصماء لم أدرك كلّ كلماتهن.

جاءت مدام جميلة في الحال. تخيلتها قابلة طويلة وقوية، بوجه متجهم، غير أني وجدتها إمرأة قصيرة ونحيفة، شعرها قصير، ترتدي ملابس اوروبية. تفحصتني للحظة. أبعدت النساء ومالت نحو وجهي لأنها فهمت مشكلة أذني، وقالت ببطء:

» ماذا تريدين ؟«

«جدتي ستموت يجب أن تأتي لتريها في منزلها.«

ترددتْ ثم قالت :

»حقاً إني هنا لأجل الأطفال ولأجل الجدات التي تموت أيضاً».

في الشارع مشت بخطوات واسعة فيما كنت أركض خلفها. دونها لما وجدت الطريق، فقد كانت مدام جميلة تعرف منزل لالا أسمى.

حين وصلنا إلى المنزل كان قلبي منقبضاً. اعتقدت بأن لالا أسمى قد ماتت خلال هذا الوقت، وأني سأسمع الصرخات الحاده لكنتها. إلا أن لالا أسمى كانت على قيد الحياه تجلس في كنبتها، بمكانها المعتاد، وقدماها مستندتان على كرسي أمامها. كان هناك فقط دم جاف على صدغها، المكان الذي أصاب الأرض حين سقطت.

حين رأتني لالا أسمى أشرقت نظرتها. كانت لا تزال ترتجف قليلا. شّدت يدي بقوه، وشعرت أنها كانت ترغب بالتكلم وأنها لم تكن قادرة على ذلك. لم أكن أعرف أنها تحبني هذا الحب، وفجأة دفعني ذلك إلى البكاء.

«لا تتحركي يا جدتي، سأحضر الشاي لك كما تحبينه.«

ثم رأيت مدام جميلة على عتبه الصالة. وبما أن لالا أسمى لم تكن تموت فلم تعد بحاجة إليها. كانت لالا أسمى لا تحب أن يدخل الغرباء منزلها، لذا قلت لمدام جميلة: »إنها أفضل الآن لم تعد بحاجه لك« رافقتها حتى الباب وأردت أن أدفع لها من دراهم مصروف المنزل، فرفضت. قالت لي وهي تنظر إلي في وجهي مباشرة : »ربما عليك أن تحضري طبيباً حقيقياً، هناك شيء قد تهشم في رأسها جعلها تسقط.«

سألت : »هل ستعود إلى الكلام؟«

هزت مدام جميلة رأسها «لن تعود أبداً كما كانت من قبل. في يوم ما ستسقط ولن تعود لكن عليك البقاء إلى جانبها حتى آخر نفس لها» كررت العباره بالعربية ولم أنسها: »خرجات الروح..»

عادت زُهرة بعد قليل. لم أخبرها عن مدام جميلة. كانت ستصفعني فيما لو علمت بكلّ ما استطعت إحضاره، فقد كانت قابلة من فندق قديم. كذبت: «قال الطبيب أنها ستتحسن، سيعود الأسبوع المقبل. –والأدوية؟ ألم يصف أدوية؟» هززت رأسي.

«قال إنه ليس هناك شيء، وأنها ستعود كما كانت من قبل.»

كانت زُهرة تتكلم بصوت عالٍ، قرب أذن لالا أسمى، كما لو كانت صماء.

«هل تسمعين يا أمي؟ قال الطبيب إنك ستتحسنين.»

لكن لالا أسمى لم تكن تتحدث إلى كنتها منذ أشهر، وزُهرة لم تنتبه لذلك. عندما غادرت، ساعدت لالا أسمى في السير إلى سريرها. كانت مشيتها غريبة، معرقصة مثل شحرور. فيما أصبحت نظرتها الخضراء شفافة، حزينة وبعيدة.

فجأة، خفتُ مما سيحدث. حتى الآن لم أتساءل عن مصيري حين لا تعود لالا أسمى هنا. يمنحني وجودي في هذا المنزل خلف الجدران العالية في الطرف الآخر من الباب الأزرق الكبير ورؤية المدينة من أعلى السطح حيث أنشر الغسيل الاطمئنان بأنه لن يمسني مكروه.

نظرتُ إلى معلمتي، ووجهها المسن المتورم حيث عيناها صارتا شقين دون لون، وخف شعرها، الشائب تحت لون الحنة.

«جدتي، جدتي، لن تتركيني أبداً؟» كانت الدموع تسيل على وجنتي، ولم أعد أستطيع وقفها. «أليس كذلك يا جدتي لن تتركيني؟» أعتقد أنها سمعت ما قلته لها، لأني رأيت جفونها ترتعش فيما كانت شفتاها ترتجفان. وضعت يديّ بين يديها، كي تشدهما بقوة. «سأهتم بك يا جدتي، لن أترك أحداً يقترب منك، خصوصاً زُهرة. سأعد لك الشاي، والطعام، سأجلب لك الخبز والخضروات. الآن، لم أعد خائفة من الخروج، لم نعد بحاجة إلى زُهرة.»

كنت أتكلم فيما دموعي لم تتوقف عن السيلان. أستطيع القول، أنها كانت المرة الأولى. أنا التي لم تبكِ لشيء، حتى حين قرصتني زُهرة إلى أن سال الدم مني.

لم تعد حال لالا أسمى إلى ما كانت عليه. بلّ كانت تزداد سوءاً كل يوم. لم تعد تأكل، حين أحاول جعلها تشرب الشاي البارد، كان يسيل من كل أطراف فمها ويبلل ثوبها. تشققت شفتاها، وصارت بشرتها جافة تماماً، بلون الرمل. وأريد القول أنها كانت تتغوط على ملابسها. هي التي كانت نظيفة جداً شديدة التدقيق. كنت أغير لها. لم أكن أريد أن تراها زُهرة وعبل في هذه الحالة. كنت متأكدة بأنها كانت تشعر بالعار، وبأنها تدرك كلّ شيء. حين كانت تدخل كانت تشمشم: «ما هذه الرائحة الكريهة؟» كنت أجيبها بأن هناك إصلاحات تجري في المنزل المجاور، وأنهم يفرغون بئر المرحاض. كانت تنظر إلى لالا أسمى متحيرة. وكانت تصيح بي: «هذا لأنك لا تقومين بأعمال المنزل جيداً، انظري إلى هذه الفوضى.» كانت تسعى لمعرفة حالتها. ولكي لا تعرف حالة لالا أسمىـ كنت أمشط شعرها كلّ صباح، أخضب وجنتيها بالبودرة الزهرية اللون. وأضع على شفتيها زبدة الكاكاو. وأضع الطبق النحاسي مع إبريق الشاي والكؤوس على الطاولة وأصب قليلاً من الشاي المحلى في الكؤوس، كما لو أن لالا أسمى كانت قد شربت.

لم أعد أتركها. في الليل، كنت أنام على الأرض بجانبها ملتفة بشرشف. أذكر أنه كان هناك ناموس طيلة الليل، كنت أسمع أزيزهم في أذني، وفي الصباح، التفت لأنام قليلاً. أنسى نفس لالا أسمى المؤلم، كنت أحلم بأننا صعدنا السفينة الذائعة الصيت والتي كانت تتكلم عنها دائماً من مليلة إلى مالغا، بل إلى أبعد من ذلك، حتى فرنسا.

ذات ليلة، ساءت حالتها. لم أدرك ذلك مباشرة. كان نفس لالا أسمى يضيق، وصوت نفسها مثل هدير كور حدادة، كان هناك خرير في نهاية كل زفير. بقيتُ ساكنة ممددة على الأرض، دون أن أتجرأ على الحركة. كانت الغرفة معتمة، مع ضوء خفيف للقمر في الباحة. لكن لم أكن أقدر على الخروج. كنت أنتظر ضوء النهار معتقدة أنه حال شروق الشمس ستستيقظ لالا أسمى وستتوقف عن الشخير ويزول ضيق نفسها وصوت الخرير.

نمت عند طلوع الشمس، كنت تعبة جداً. ربما كانت لالا أسمى قد ماتت في ذلك الوقت، وربما لذلك استطعت أن أنام.

حين استيقظت عند الضحى. كانت زُهرة بجانب السرير تبكي بصوت عالٍ. فجأة رأتني، بدا الغضب عليها. بدأت برمي بكل ما تجده، منشفة، مجلات، ومن ثم خلعت حذائها لتضربني، فهربت إلى الباحة. كانت تصيح «يا شقية يا ساحرة! أمي ميتة وأنت تنامين بهدوء! قاتلة!» اختبأتُ في المطبخ تحت طاولة، كما كنت أفعل حين كنت صغيرة. كنت ارتجف من الخوف. لحسن الحظ، وصلت في هذه اللحظة إحدى الجارات بعدما سمعت الصياح. ومن ثم عبل، و هدؤوا زُهرة. كانت تحمل سكيناً في يدها، كما لو أرادت قتلي. كانت لا تزال تصيح: «ساحرة! قاتلة!» أجلسوها في الباحة وقدموا لها كأساً من الماء.

أما أنا فتسللت إلى خارج المطبخ وعبرتُ الباحة على أربع بمحاذاة الحائط في الظل. كانت قدماي حافيتين، ولا ألبس سوى الثوب المجعد الذي كنت أنام به، مشعثة الشعر، لابد أني كنت أبدو حقاً مثل قاتلة.

نجحت في الخروج من البوابة الكبيرة الزرقاء التي بقيت مشقوقة. ومن ثم بدأت بالركض في الشوارع مثل اليوم الذي ذهبت فيه لاستدعاء القابلة. كنت خائفة جداً من أن يلحق بي أحد، فأرسل إلى السجن بسبب ترك لالا أسمى تموت.

على هذا النحو، تركت دون عودة منزل الملاحة. لم يكن معي شيء، دون أي قطعة نقدية، حافية، بثوب قديم، ولم يكن معي حتى القرطان الذهبيان، هلالالي، اللذان وعدتني لالا أسمى بتركهما لي حين تموت. شعرت أني أكثر تجرداً من اليوم الذي باعني فيه اللصوص إلى لالا أسمى.