3

8 0 00

3

انتظمت حياتي في الفندق بهدوء، دون أن أبالغ أستطيع القول أنها كانت الفترة الأكثر سعادة في حياتي. لم أكن أعاني من أي إكراه أو قلق، وكنت أرى في جميلة والأميرات كلّ الرضى والحنان اللذين حرمت منهما حتى الآن.

حين أجوع آكل، حين أنعس أنام، وحين أريد الخروج (وهذا كان يحصل بشكل دائم) أخرج دون أن أطلب ذلك من أحد. كانت الحرية الكاملة التي كنت أتمتع بها في الفندق حرية نساء شاركتهم الوجود. لم يكن للوقت لديهم أي معنى ، لذا كانوا سعداء. تبنونني كما لو كنت ابنتهم، أو بالأحرى مثل لعبة، أخت صغيرة جداً، وهكذا كنّ ينادينني. كانت مدام جميلة تقول: «بنتي». أما فاطمة وزبيدة وعائشة وسليمة وحورية وتغادير: «الأخت الصغيرة». غير أن تغادير كانت تدعوني في بعض الأحيان «بنتي» لأنها كانت بعمر والدتي. كنت أنام دوريا في كل الغرف التي كانت كلّ منها تضم أميرتين، ما عدا تغادير التي كانت لها الغرفة الكبيرة الخالية من النوافذ حيث نمت في المرة الأولى. أما مدام جميلة فقد كانت لها شقة في الطرف الآخر من الرواق، ذات نافذة تشرف على الشارع. كنت أنام هنا أيضاً، ولكن بشكل أقل، بسبب انشغالات مدام جميلة وعيادتها حيث تستقبل نساءً لديهن مشاكل حمل. حين يكون لديها مريضات، أعرف أنه لا ينبغي أن أطرق الباب. في تلك الأمسيات، كانت تغلق الباب بالمزلاج. وكنت أرى عبر الستائر الفانوس الذي تتركه مضاءً في العيادة. كانت إشارة فهمتها بسرعة.

كانت الأميرات يحبنني. كن يكلفنني بمشترياتهم وبحاجاتهم. كنت أذهب لأحضر الشاي من الباحة أو لأشتري لهن الحلوى والسجائر من السوق. أحمل رسائلهن إلى البريد. في بعض الأحيان كنّ يصطحبنني معهن للتسوق في المدينة، ليس لحمل أكياسهن (كان هناك أولاد صغار يقمن بالمهمة) ولكن من أجل مساعدتهن على الشراء، ولكي أفاصل الأسعار. كانت لالا أسمى قد علمتني الشراء ومفاصلة البائعين الجوالين الذين كانوا يطرقون بابها، وقد تعلمت ذلك جيداً.

كانت زبيدة تحب الذهاب معي إلى سوق الأٌقمشة. كانت تختار أقمشة قطنية لثوب أو لغطاء سرير. كانت طويلة ونحيفة، ذات بشرة حليبية وشعر أسود براق. كانت تتدثر بالقماش وتتقدم إلى الضوء: «كيف تجدينني» أتمهل في الإجابة، ثم أقول بجدية: «لا بأس، ولكن الأزرق الداكن سيكون أفضل.»

كان التجار يعرفونني ويعلمون أني أفاصل بشراسة كما لو أني أنا التي سأدفع. لم يكونوا يستطيعون خداعي بالنوعية، تعلمت ذلك أيضاً من لالا أسمى. ذات يوم، منعت فاطمة من شراء حلية من الذهب والفيروز.

«انظري يا فاطمة إنها ليست أحجاراً حقيقية، إنها قطع معدنية مدهونة.» جعلتها تطرقها على أسناني. «أترين لا يوجد شيء بداخلها.» غضب التاجر، إلا أن فاطمة وبخته: «اخرس! أختي تقول الحقيقة دائماً. ينبغي أن تكون سعيداً بأني لم أرسلك أمام القاضي.»

منذ ذلك اليوم، ضاعفت الأميرات اهتمامهن بيّ. كن يروين أعمالي الباهرة لكلّ الناس، حتى أن البائعين الجوالين في الفندق أصبحوا يحيونني باحترام. كانوا يأتون إلي ليطلبوا مني التدخل لدى أحد ما، ويحاولون دفعي للشراء بتقديم الهدايا لي، لكنني لم أكن مغفلة. كنت آخذ البالونات والحلوى ثم أقول لفاطمة أو زبيدة:«احترسي منه، إنه بالتأكيد نصاب.»

كانت مدام جميلة تعرف كلّ ما يجري. لم تكن تتحدث عنه، لكني كنت أرى عدم رضاها. كانت نظرتها تتبعني حين أذهب للتسوق، أو حين تصطحبني إحدى الأميرات للخارج. كانت تقول لفاطمة بلهجة لوم :«أتصطحبينها هناك؟». أو كانت تحاول أن تبقيني، تكلفني بوظائف، وبصفحات من الكتابة والحساب والعلوم الطبيعية. أرادت أن تعلمني الكتابة بالعربية، كانت طموحة لأجلي.

غير أني لم أكن أنتبه لما كانت تريد قوله لي. كنت سكرى بالحرية، فقد عشت محبوسة لفترة طويلة. وكنت مستعدة للهرب إن أراد أحدهم أن يحتجزني.

إلى الآن، أجد صعوبة في تصديق أن الأميرات لم يكنّ أميرات. كنت ألهو معهن، لاسيما مع زبيدة وسليمة اللتان كانتا صغيرتين. كنّ غير مباليات، يضحكن طيلة الوقت. جئن من قرى الجبل، بعد فرارهن. يعشن محاطات بمجموعة من الرجال، يصعدن في السيارات الأمريكية الجميلة التي تأتي لاصطحابهن من باب الفندق. أذكر ذات مساء أن سيارة سوداء طويلة بزجاج ملون تحمل علمين على الجانبين: أخضر، أبيض، أحمر، وأسود أيضاً. قالت لي تغادير: «إنه رجل ذو نفوذ وغني.» حاولت أن أرى داخل السيارة، غير أن الزجاج الأسود لا يترك شيئاً يتسرب. «أهو ملك؟» أجابت تغادير مستهزئة مني: «إنه شخص مهم مثل ملك.»

كنت أحب وجه تغادير، لم يعد ندياً، كانت تظهر فيه تغضنات واضحة في زاوية العين، كما لو أنها كانت تبتسم، بشرتها سمراء جداً، مثلي، تقريباً سوداء، مع وشوم صغيرة على الجبهة. كنت أذهب معها مرتين إلى الحمام أسبوعياً. كان يقع على ضفة مصب النهر، بالقرب من رصيف الشحن. كانت تغادير تعطيني منشفة كبيرة، وتأخذ كيساً مملوء بالثياب النظيفة، ونذهب معاً. أيام لالا أسمى لم يكن لدي فكرة بأن مثل هذا المكان يمكن أن يوجد، ولم أكن أتخيل أن أكون عارية أمام نساء أخريات.

لم تكن تغادير محتشمة بتاتاً. كانت تروح وتجيء أمامي دون ملابس، كانت تفرك جسدها بأحجار الخفان وتدلك نفسها بكفوف مهدبة. كان لها ثديان ثقيلان بحلمتين بنفسجيتين، كانت لبشرتها تجعدات عند وركيها وفي بطنها. كانت تنتف بعناية عانتها وإبطيها وساقيها. كنت أبدو بجانبها خنفساء هزيلة، ورغم كل شيء لم أكن أستطيع أن أمتنع عن تغطية أسفل بطني بمنشفة.

كانت تغادير تطلب أن أمسد لها ظهرها وعنقها بزيت لب النارجيل الذي كانت تشتريه من السوق، والذي يبعث رائحة ثمرة الونيلية المنفرة . في صالة الحمام الكبيرة، كانت سحب البخار تنسل فوق الأجساد، كانت هناك أصوات، صرخات، نداءات. صبية صغار يركضن عراة بمحاذاة فسقية الماء الحار، وهم يصرخون. كان كلّ ذلك يجعل رأسي يدور، يبعث فيّ الرغبة بالإقياء.

«تابعي يا ليلى. يداك قاسيتان، مما يجعلني مرتاحة.»

لم أكن أعرف فيما إذا كنت أحب ذلك. كنت أتابع إدخال الزيت في بشرة ظهر تغادير، وأشم رائحة ثمرة الونيلية والعرق. كانت تغادير ترش الماء البارد علي كي توقظني، تضحك حين أهرب، كانت القشعريرة تسكن كل جسدي.

أصبحتُ تميمة الفندق. ربما لأجل ذلك كانت مدام جميلة غير مسرورة. لابد أنها كانت تظن أني كنت مدللة جداً من قبل الأميرات، وأن ذلك يمكن أن يفسد شخصيتي.

كنت ملزمة بسماع افتتان هؤلاء النسوة بي طيلة النهار: «يا لها من جميلة!» كن يجعلنني أتنكر حسب نزواتهن، لدرجة أني كنت أصدقهن. انسجم مع نزواتهن بغرور. يزينونني بأثواب طويلة، يطلين أظافري وشفتيّ بلون، قرمزي، يطلين وجهي بمستحضرات التجميل، يخططن عينيّ بالكحل. كانت سليمة ذات الأصول السودانية تهتم بتسريحتي. كانت تجزئ شعري إلى مربعات صعيرة وتجدلها بخيط أحمر أو ببكل ملونة. أو تغسله بصابون جوز الهند لتجعله أكثر جفافاً وانتفاخاً من عُفرَة أسد. كانت تقول لي بأن جبهتي وحاجبي الطويلين والمقوسين بروعة وعيني اللوزيتين هم أجمل ما لدي. ربما كانت تقول لي ذلك بسبب تشابهي معها.

كانت تغادير تخطط يديّ بالحنة أو ترسم على جبهتي ذات الرموز التي تحملها باستخدام قذاة مبللة بالسواد. علمتني الدق على الدربكة، والرقص وسط غرفتها. حين كن يسمعن صوت الطبول الصغيرة، كانت النساء الأخريات يأتين وأرقص لهن بقدمين حافيتين على البلاط وأنا أدور حول نفسي إلى أن أصاب بالدوار.

كنت أمضي أغلب العصر مع هذه التصرفات الصبيانية. في المساء تصرفني الأميرات لكي يستقبلن زوارهن، أو أذهب إلى غرف اللواتي تصطحبهن السيارات. كانت مدام جميلة تغسل وجهي بطرف منشفة مبللة: «ماذا فعلن بك أيضاً؟ إنهن مجنونات.» لا بد أني كنت أشبه بدمية بشعري المنكوش والكحل وأحمر الشفاه اللذين يسيلان، ولم تكن مدام جميلة تستطيع منعي من الضحك على شكلي. كنت أنام معللة نفسي بدوامة ذكريات تلك الأيام الطويلة جدا، طويلة ًجداً بحيث لم أعد أذكر كيف بدأت.

كنت أفضل حورية. كانت أصغرهن والقادمة الأخيرة إلى الفندق. جاءت قبل عدة أيام من وصولي، من قرية بربرية بعيدة، من الجنوب. كانت قد تزوجت رجلاً غنياً من طنجة. كان يضربها ويغتصبها. ذات يوم ، أعدت حقيبتها الصغيرة وهربت. كانت تغادير هي التي التقطتها من شارع قرب محطة القطار وأحضرتها إلى هنا كي تستطيع الاختباء من الذين أرسلهم زوجها خلفها. كانت مدام جميلة حذرة وافقت ولكن بشرط أن تغادر حورية بمجرد انتهاء الخطر. لم تكن تريد مشاكل مع الشرطة.

كانت حورية قصيرة ونحيفة، تبدو كطفلة. أصبحنا أصدقاء بسرعة، وكانت تصطحبني معها، حتى في المساء إلى المطاعم والحانات. كانت تقدمني إلى أصدقائها على أني أختها الصغرى. «إنها أختي. ألا تشبهني؟»

كان وجهها جميلاً متناسقاً، حاجباها مرسومان بدقة، وعيناها أجمل عينين خضراوين رأيتهما. لم أكن أسألها عما تفعله للحصول على النقود. كنت أظن أنها تتلقى هدايا لأنها تعرف الرقص والغناء، ولأنها جميلة. لم تكن لدي أية فكرة عن مفهوم المهنة، عما هو خير وعما هو سيء. كنت أعيش مثل حيوان منزلي صغير، كنت أرى من يُطريني ويلاطفني خيّر وشر كلّ ما هو خطر ويخفيني، مثل عبل الذي كان يحدق بي كما لو أنه يريد أكلي، أو زُهرة التي تبحث عني عن طريق الشرطة حين ادعت أني سرقت حماتها.

كانت الوحدة أكثر ما يخفيني. في بعض الأحيان أثناء نومي أعيش ما قد حدث منذ زمن طويل، حين اختطفت. كنت أرى الضوء في شارع ذي بياض شديد، أسمع الصرخة المتوحشة للطائر الأسود. أو كنت أسمع صوت العظم الذي كان يطقطق في رأسي حين صدمتني الشاحنة.

لذا أنسل في سرير حورية وأحتضنها، وأتعلق بظهرها كما لو أني سأتلاشى. كانت حورية هي أول من حدثتني عن أصولي. حين حدثتها عن القرط الذي سرقته مني زُهرة، قالت لي أنها تعرف أين قبيلتي، بني هلال، في الطرف الآخر من الجبال، على ضفة نهر جف. كنت أحلم أني سأذهب إلى هناك، إلى تلك القرية، وسأدخل في الشارع ، وفي آخره سأجد أمي التي تنتظرني.

غير أن حورية لم تبق في الفندق لوقت طويل. رحلت ذات صباح. لم يحدث ذلك بسبب زوجها، ولكن بسببي.

ذات مساء، خرجت مع حورية وأصدقائها إلى مطعم على شاطئ البحر. سارت بنا السيارة لوقت طويل في الليل إلى أن وصلنا إلى شاطئ طويل خال. جلست في المقعد الخلفي لسيارة المرسيدس بجانب الباب، وحورية في الوسط مع رجل. فيما جلس في المقعد الأمامي رجلان وامرأة شقراء. كانوا يتحدثون بصوت عال في لغة لا أفهمها، ظننت أنها لابد أن تكون اللغة الروسية. أذكر جيداً الرجل الذي كان يقود: طويل وقوي مثل عبل ذو شعر كثيف ولحية سوداء. أذكر أيضاً أنه كان له عين زرقاء والأخرى سوداء. بقينا في المطعم بعض الوقت حتى قرابة منتصف الليل. مطعم فخم، فيه نوع من المصابيح يضيء رمل الشاطئ، يرتدي خدمه زياً أبيض. أمضيت السهرة في النظر إلى البحر الأسود وأضواء قوارب الصيد العائدة وضوء المنارة البعيدة. كانت المرأة الشقراء تتحدث وتضحك بصوت عال، وكان الرجال يحيطون بحورية. كانت الريح التي تدخل من النافذة المفتوحة تحمل دخان السجائر. شربت نبيذاً بالخفاء، قدمه لي سائق المرسيدس في كأسه، نبيذ عذب وحلو يشعل الحلق. حدثني بالفرنسية بلهجة غريبة ثقيلة تشدد الكلمات. كنت تعبة فنمت على المقعد بالقرب من النافذة.

فيما بعد، استيقظت في السيارة، كنت وحيدة في المقعد الخلفي، وكان السائق يميل عليّ، رأيت شعره الأجعد مضاءً بأنوار المطعم. لم أفهم في الحال، لكن حين وضع يده تحت ثوبي، استيقظت حقاً. كنت سكرى، أرغب بالتقيؤ. رغماً عني، بدأت بالصياح. كنت خائفة، وبما أن السائق أراد وضع يده على فمي عضضتها. صرخت وخدشت وعضضت.

جاءت حورية في الحال. كانت ساخطة أكثر مني، سحبت الرجل إلى الخلف، ولكمته. شتمت. حاول الرجل أن يرد، تراجع إلى الشاطئ فيما حورية التقطت حجراً كبيراً وكادت تقتله لولا وصول الآخرين. تابعت شتم السائق، كانت تبكي، وأنا أيضاً بكيت. التجأ السائق إلى الطرف الأخر من السيارة وأشعل سيجارة كأن شيئاً لم يحدث. بعد قليل، هدأت حورية واستطعنا المغادرة بالسيارة. كان السائق يقود دون أن ينظر إلينا، سيجارته في فمه، ولم يعد أحد يتكلم، حتى أن الروسية كانت صامتة.

أنزلتنا المرسيدس في السويقة، ومشينا إلى الفندق. كان لا يزال هناك الكثير من الناس في الخارج، حدث ذلك مساء سبت. لابد أن شارع العشاق كان مليئاً، زوج تحت كلّ شجرة مانوليا. في الشارع، اشترت حورية كأسين من الشاي وحلوى. كنا خائرتي القوى، نرتجف نحن الاثنتان، كما لو أننا خرجنا من حادث ما. لم تتكلم عما حصل، فقط قالت لمرة واحدة: «قال لي ابن الكلب: اتركيها نائمة سأسهر عليها مثل أب.»

علمت مدام جميلة بما حصل على الشاطئ. لكن لم تكن هي التي طلبت منها الرحيل. في صباح اليوم التالي، أخذت حورية حقيبتها التي جاءت بها حين التقت بها تغادير تائهة بالقرب من محطة القطار. رحلت دون أي توضيح. ربما عادت إلى زوجها في طنجة. لم أعد أعلم عنها شيئاً لأشهر، غير أن رحيلها ترك حزناً، لأنها كانت حقاً مثل أختي.

بعد ذلك، حاولت مدام جميلة منعي من الخروج مع الأميرات الأخريات، لكن كنت مع حورية قد اعتدت الحرية، ولم أعد أتصرف إلا بما أريده. وقد اكتسبت مع عائشة وسليمة عادات أخرى: بدأت أسرق.

بدأتُ ذلك مع سليمة. حين كانت تستقبل صديقها في الفندق، أو حين كانت تذهب إلى المطعم، كنت أرافقها. أقف في زاوية منطوية على نفسي بجانب بوابة مثل حيوان، وانتظر. كان صديق سليمة فرنسياً، أستاذ جغرافيا في ثانوية، أو شيئاً شبيهاً بذلك. كان رجلاً أنيقاً، بذلة صوفية رمادية وصدرية وحذاء أسود ملمع بشكل جيد.

كان معتاداً أولاً على مرافقتها لتناول الغداء إلى مطعم في المدينة القديمة، وثم يصحبها إلى الفندق، حيث يجلس في غرفة بلا نوافذ. كان يحمل لي السكاكر، يعطيني قطعاً نقدية في بعض الأحيان. كنت أبقى جالسة أمام غرفتها مثل كلب حراسة. في الحقيقة، كنت انتظر لوقت يصبح فيه مشغولاً، وأدخل إلى الغرفة على أربع. اندس في النور الخافت إلى أن أصل إلى السرير. لم أكن اهتم بما تفعله سليمة مع الفرنسي. كنت أبحث عن الملابس. كان الأستاذ رجلاً حريصاً جداً. يثني بنطاله ويضع سترته وصدريته على مسند كرسي. كانت أصابعي تنسل في الجيوب، مثل حيوان صغير رشيق، وأحضر كلّ ما أجده: ساعة، خاتم ذهبي، محفظة قطع نقدية، أو قلم جميل أزرق مرصع بالذهب. آخذ غنيمتي إلى الرواق لأفحصها تحت ضوء النهار، أختار بعض الأوراق والقطع النقدية، ومن وقت لآخر أحتفظ بغرض يعجبني، أزرار سوار قميص صدفية، أو القلم الأزرق الصغير.

أظن أن الأستاذ انتهى إلى الشك بشيء ما، لأنه ذات يوم قدم لي هدية، عبارة عن سوار فضي في علبة صغيرة، عند تقديمها قال لي:«إنها حقاً لك.» كان رجلاً طيباً، كنت أشعر بالعار مما كنت أفعله، وفي ذات الوقت لم أستطع منع نفسي من فعل ذلك مرة أخرى. لم أكن أقوم بذلك حباً بالأذى، ولكن كان ذلك مثل لعبة. لم أكن بحاجة إلى النقود، لم تكن تنفعني بشيء، فقط لشراء الهدايا لسليمة وعائشة والأميرات الأخريات.

مع عائشة تابعت السرقة في المحلات. كنت أرافقها إلى وسط المدينة، أدخل معها، وفيما هي مشغولة بشراء الحلويات، أملأ جيوبي بكلّ ما أجده، شوكولا، علب السردين والبسكويت والزبيب. حين أخرج كنت أتصيد الفرصة المناسبة، حتى أني لم أكن بحاجة لمرافقتها. كنت صغيرة وسوداء وأعرف أن الناس لا ينشغلون بي. كنت غير مرئية. لكن في السوق لا يمكن عمل شيء. كان التجار يلاحظونني، أشعر بعيونهم التي كانت تتابع كلّ حركة من حركاتي.

كنت أذهب مع عائشة بعيداً جداً، إلى حي المحيط، هناك حيث توجد دور جميلة وعمارات جديدة وحدائق. كانت عائشة تحب التنزه في المراكز التجارية، وأثناء ذلك، كنت أذهب إلى المقبرة لأشاهد البحر.

كنت هناك أشعر بالطمأنينة، المكان هادئً وساكن، بعيد عن صخب المدينة. كنت أشعر أنها مكاني منذ زمن طويل. كنت أجلس على القبور، أتنسم رائحة النباتات الصغيرة ذات الأوراق الكثيفة والأزهار الزهرية. ألمس الأرض حول القبور براحة يدي.

في هذا المكان، كنت أستطيع التكلم إلى لالا أسمى. لم أعرف أبداً أين دفنت. كانت يهودية، ولأجل ذلك لا يمكن لها أن تكون وسط المسلمين. لكن لم يكن لذلك أهمية، كنت أشعر في هذه المقبرة بقربي منها، بأنها تستطيع سماعي. رويت لها ما أعيشه. بعض الأشياء وليس كلها، لم أكن أريد الدخول في التفاصيل. «جدتي، لن تكوني فخورة بي، أنت التي قلت لي دائماً أنه يجب احترام أموال الآخرين وقول الحقيقة، وها أنا أكبر سارقة وأكبر كاذبة على الأرض.»

كان حديثي مع لالا أسمى، على هذا النحو عبر التراب، يجعلني حزينة. كنت أذرف الدموع، لكن الريح تجففها بسرعة. كان كلّ شيء جميلاً في هذا المكان، القبور المغطاة بالزهور الوردية الصغيرة، حجارة القبور البيضاء الخالية من الأسماء، والتي انمحت منها آيات القرآن، وفي البعيد البحر الأزرق، النوارس المعلقة في السماء والتي تنساب مع الريح. وترمقني بعيون حمراء وكريهة. كان هناك الكثير من السناجب في المقبرة، كانت تبدو كما لو أنها تخرج من القبور. كانت تعيش مع الموتى، ربما كانت تقرض أسنانهم مثل الجوز.

لم أكن خائفة أبداً من الموت. من رؤية لالا أسمى تسقط على أرضية الصالة وهي تشخر. أعطاني ذلك الفكرة بأن الموت مثل نوم عميق. ليس الموتى من يبعث الخوف في المقابر.

ذات يوم، ظهر رجل عجوز غني بلحية بيضاء. لا بد أنه كان يتجسس علي منذ زمن طويل، كان واقفاً أمام قبر، كما لو أنه خرج منه. حين كنت أنظر إليه، أدخل يده تحت ثوبه وأخرج عضوه الجنسي بحشفة لامعة بنفسجية مثل باذنجانة. ربما ظن أني قد خفت وأني سأرحل صارخة. لكني في الفندق، كنت أرى رجالاً عراة كل يوم تقريباً، أسمع نكات الأميرات المتعلقة بعضو الرجال الجنسي، الذي يعتبرونه بأنه لا يلبي رغبتهم.

سررت برمي حصاة على العجوز، وهربت بين القبور، فيما كان يشتمني ويعقد حذاءه محاولاً اللحاق بي. «يا خبيثة! يا كلبة!»

في ذلك اليوم فهمت أنه لا يجب الاتكال على المظهر، وأن رجلاً عجوزاً بثوب أبيض وذقن جميلة بيضاء يمكن أن لا يكون سوى هرم كلب فاجر.

كان حي المحيط مناسباً للسرقة، فيه محلات جميلة تحتوي على أشياء للأغنياء فقط، لا توجد في جهة سوق المدينة القديمة. في السويقة، لم يكن يوجد سوى نوع من البسكويت ونوع من العلكة ومشروبات الفانتا والبيبسي. كان يوجد في محلات المحيط علب عصير بأسماء مكتوبة باليابانية والصينية والألمانية، بمذاقات جديدة غير معروفة، تمر هندي، فاكهة الهوى، الجوافة. كان يوجد سجائر من كلّ البلاد، منها نوع طويل أسود مع طرف مذهب، اشتريته لعائشة مع شوكولاته سويسرية سرقتها من الرفوف.

كنت أدخل إلى المحلات خلف عائشة، وأقوم بجولة، ومن ثم أغادر وجيوبي مليئة. لم يكن الناس يعرفوني ، ولم يكونوا يحترسون مني. كنت أبدو فتاة صغيرة عاقلة بثوبي الأزرق ذو القبة البيضاء، وبالوشاح على شعري الكث، وعيني البريئتين. كانوا يظنون أني جديدة في الحي، وبأني أرافق أمي التي تعمل في الدارات. لاحظت أن الكثير من الناس هم بسطاء، لم يتعلموا الدرس بالسرعة التي تعلمت بها، يؤمنون بما يرونه، وبما يقال لهم، وبما يُدفَعون إلى تصديقه. كان عمري أربعة عشر عاماً، وكنت أبدو كما لو أن عمري اثنا عشر عاماً، تناهز معرفتي معرفة الشيطان. هذا ما كانت تقوله لي تغادير. ربما كانت على حق. كانت تتشاجر مع سليمة وعائشة وتنعتهما بالقوادتين.

أعتقد أنه لم يعد عندي أي معنى للحدود ولا للسلطة. كنت أخاطر بمشاكل أسوأ. في تلك الفترة تشكلت شخصيتي، وأظن أني أصبحت غير مناسبة لأي مجال، لا أنزع لاقتفاء شيء سوى رغباتي، واكتسبت نظرة قاسية.

كانت مدام جميلة تدرك أن ذلك لن يكون جيداً. غير أنها لم تكن معتادة على الأطفال، كانت الأميرات مثل أطفالها. ولتحاول إصلاح الحال السيئة التي وصلت إليها، أرادت تسجيلي في المدرسة. لم أكن أتكلم العربية بما فيه الكفاية كي أدخل مدرسة عامة، وكنت أكبر من أن أدخل مدرسة أجنبية. بالإضافة إلى أنه لم يكن لدي أي ورقة رسمية. لذا اختارت نوعاً من المدارس الداخلية فيها ما يقارب اثنتي عشرة فتاة ذوات حالات صعبة، وكانت المسؤولة فيها امرأة جافة شرسة تدعى الآنسة روز. في الحقيقة كانت أقرب إلى إصلاحية. كانت الآنسة روز راهبة فرنسية سابقة تعيش مع رجل أصغر منها يهتم بالصندوق.

غالبية الفتيات كن ذوات ماض أثقل من ماضيّ . هربن من منازلهن، أو لهن عشاق، أو أنهن كن موعودات بالزواج وحبستهن عائلاتهن من أجل التأكد من حسن الخاتمة. بجانبهن كنت حرة، غير مكترثة، لا أخاف شيئاً. لم أبق عند الآنسة روز سوى بضع شهور.

كان الأساس في تربية المدرسة الداخلية يتمثل بإشغال الفتيات بأعمال الخياطة والكوي وقراءة الكتب الأخلاقية. كانت الآنسة روز تقوم ببعض دروس الفرنسية، فيما كان مديرها الجميل، البخيل، يقوم بدروس مفاهيم الحساب والهندسة.

كانت الأميرات تغضبن حين كنت أصف لهن عبودية الفتيات الملزمات بالكنس وغسيل أرض المدرسة، أو حين يحرقن أصابعهن بأجهزة الكوي أو بمقابض الأواني. أما أنا، كان غير مقبول لي أن أقوم بأي شيء أو أن أقوم بالأعمال المنزلية. فعلت ذلك من قبل للالا أسمى لأنها كانت جدتي، ولأني أدين بحياتي لها. لم يكن مطروحاً أمامي أن أعود إلى ذلك من جديد لكي ترضى عني فتاة عجوز مدفوع أجرها. كنت أُسر بالبقاء جالسة على كرسيّ، لأسمع دروس الآنسة روز التي كانت تقرأ بصوت أجش "الزيز والنملة" أو "حلم الفهد". لم أتعلم شيئاً مهماً عند الآنسة روز، غير أني تعلمت أن أثمن حريتي، ووعدت نفسي أنه مهما حدث لن أحرم نفسي من هذه الحرية.

في نهاية الفصل في المدرسة، جاءت الآنسة روز بنفسها إلى الفندق، من دون شك كي تتعرف على الوسط الذي صنع وحشاً مثلي. كانت مدام جميلة في جولة، فاستقبلتها سليمة وعائشة وزبيدة في الرواق، وهن يرتدين مباذلهن الطويلة من الموسلين (الحرير الموصلي) الفاتحة اللون، وعيونهن مسودة من الكحل. قلن: «نحن عماتها». وأمام الآنسة روز التي لم تكن تصدق أذنيها أو عينيها اتهموني بأشياء كثيرة: كاذبة، سارقة، لا أسكت على كلمة، كسولة، وأني إذا بقيت عندها فإني قد أقوم بإشعال النار بكلّ طالباتها، أو بأن أحرق المدرسة بالمكوى. وهكذا طُردت. آلمني ذلك بسبب النقود التي خصصتها مدام جميلة لتربيتي، غير أني لم أكن أستطيع أن أدان بالأشغال الشاقة من أجل أن أرضيها.

وهكذا بعد أشهر من الانقطاع، استعدت حريتي، النزهات في السويقة، حي المحيط الغني والمقبرة الكبيرة فوق البحر. غير أن سعادتي لم تستمر طويلاً. في ظهر أحد الأيام، بينما كنت عائدة من غزوة وجيوبي ملئ بالأشياء الصغيرة لأميراتي، قبض عليّ في مدخل الفندق من قبل رجلين ببزة رمادية. لم يكن لدي الوقت لأصرخ ولا لأن أطلب النجدة. أمسكني كلّ منهما من ذراع، ورفعاني ورمياني في شاحنة زرقاء بشبابيك ذات شبك. كما لو أن كل شيء قد ابتدأ من جديد، كنت من جديد مشلولة من الخوف. كنت أرى الشارع الأبيض الذي ينغلق والسماء التي تختفي. كنت مثل كرة في عمق الشاحنة، ركبتاي على بطني ويداي على أذني وعيناي مغلقتان، كنت من جديد في الكيس الكبير الأسود الذي ابتلعني.