2

9 0 00

2

كان الفندق مختلفاً عما عرفته من قبل.

كان منزلاً مفتوحاً على الجهات الأربع، يقع في شارع كثير العبور، مزدحم بالشاحنات والسيارات والدراجات النارية. كان السوق يبعد خطوتين، بناء كبير من الإسمنت يمكن الحصول منه على كل ما يحتاجه المرء، من لحم الجزار والخضار إلى الأحذية والسجاد والأوعية البلاستيكية.

حين غادرت منزل لالا أسمى، لم أكن أدري أين أذهب. لم أكن أعرف إلا مكاناً واحداً يمكن أن أختبئ فيه دون أن تستطيع أبداً زُهرة وعبل أن يجداني، حتى ولو أرسلا الشرطة لتبحث عني. مشيت عبر الشوارع، في الظل، ألامس الجدران مثل قطة ضائعة. كانت ترن في رأسي صرخات زُهرة: «مشعوذة، قاتلة!» كنت متأكدة أنها إذا أمسكت بي ستضعني في السجن. قادتني خطواتي رغماً عني نحو الشارع الذي بحثت فيه عن طبيب للالا أسمى. حين عرفت المبنى، ببابه الكبير ذي المصراعين الكبيرين المفتوحين، قفز قلبي من الفرح. كنت متأكدة أن زُهرة لن تستطيع أن تجدني.

لم تكن مدام جميلة في الفندق. كانت قد استدعيت من أجل حالة إسعافية. لذا جلست برصانة على الشرفة، مسندة ظهري إلى الحائط، وانتظرتها أمام الباب.

في المرة الأولى التي جئت فيها، كنت مستعجلة، لم يكن لدي الوقت لأرى ما يحدث في الفندق. الآن أستطيع أن أرى كلّ التفاصيل: الناس الذين يدخلون إلى الباحة دون توقف، البائعين المتجولين ذوي الثياب الرثة والمحملين مثل الحمير، التجار الذي يضعون بضائعهم تحت الرواق المقنطر. كان هناك تجار خضار وتجار تمر، وشباب يحملون حمولات غريبة يتوازنون معها على دراجاتهم، صناديق ألعاب بلاستيكية، أشرطة تسجيل موسيقية، ساعات ونظارات سوداء. كنت أعرف كلّ بضائعهم، لأنهم غالباً ما كانوا يقرعون باب لالا أسمى، وبما أنها كانت لا تستطيع الخروج للتسوق، كانت تجعلهم يعرضون بضائعهم في الباحة، وتشتري منهم أشياء لم تكن تحتاجها، أقلام، صابون، مما يدفع كنتها إلى الغضب: «أمي، ماذا ستفعلين بهذه الأشياء؟» كانت لالا أسمى تهز رأسها: «ربما في يوم ما سأكون مسرورة من أني اشتريت ذلك.» لم يكن لي أن أتخيل أن البائعين المسرعين يمكن أن يكونوا في مكان معين مثل هذه الساحة.

كانت تسكن الطابق النساءُ الصغيرات اللواتي رأيتهن في المرة الأولى، أنيقات جداً وجميلات، جعلتني سذاجتي أحسبهم أميرات. في تلك الساعة، كن نائمات في غرفهن، خلف الأبواب العالية المشقوقة.

عبر الشق، رأيت واحدة من الأميرات نائمة على سرير كبير. وبعد برهة ميزت هيئتها. كانت تنام عارية تماماً على أغطية السرير، وجهها مغطى بشعرها، كنت مدهوشة من رؤية بطنها شديد البياض وعانتها المنتوفة بكاملها. لم أر أبداً شيئاً كهذا. لم تكن لالا أسمى تصطحبني إلى الحمامات، ولم تكن تريدني أن أراها عارية حتى الأيام الأخيرة. ولم يكن جسدي النحيف والأسود يشبه نهائياً هذا الجسم الأبيض وتلك العانة النائمة. أظن أني تراجعت مذعورة قليلاً والعرق يملأ باطن كفّي .

انتظرت وقتاً طويلاً في الرواق، منتبهة للتجار القادمين والذاهبين في الباحة. لم أكن قد أكلت شيئاً منذ العشية، كنت جائعة وأموت عطشاً.

في الأسفل، في الباحة، كان هناك بئر، وحددت تحت القوس كيساً من الفاكهة المجففة مشقوقاً قليلاً، كانت عصافير الدوري تجيء لتنقره. تسللت عبر الدرج إلى الكيس. كنت خجلة قليلاً، لأن لالا أسمى كانت تقول لي دائما أنه لا شيء أسوء من سرقة الآخرين، هذا السوء ينبع بما يتضمنه هذا الفعل من خدعة وخيانة أكثر مما ينبع من قيمة ما نأخذه منهم. غير أني كنت جائعة ودروس لالا أسمى الجميلةُ أصبحت بعيدة.

جلست القرفصاء بجانب الكيس المفتوح، وأكلت تمراً وتيناً مجففاً وحفنة من الزبيب أخرجته من حزمة بلاستيكية. أظن أني كنت سآكل قسماً كبيراً من الكيس، فيما لو لم يأت صاحب البضاعة من الخلف بسكون ولو لم يمسك بي. أمسك بيده اليسرى شعري واستل بالأخرى الحزام: «يا أيتها السوداء الصغيرة السارقة، سأريك ما أقوم به مع أمثالك!» أذكر أن ما أذلني أكثر، ليس لأنني تم ضبط فعلي، ولكن الطريقة التي أمسك بها التاجر فروة شعري، ومن مناداتي «سودا!» لأن ذلك لم يقل لي من قبل أبداً، حتى زُهرة حين كانت تغضب. لأنها كانت تعلم أن لالا أسمى لم تكن تتحمل ذلك.

عاركت، ولكي يتركني، عضضته حتى سال دمه. واجهته من وجهه وصرخت به: «لست سارقة!، سأدفع لك ثمن ما أكلته!»

في ذات اللحظة وصلت مدام جميلة، وظهرت سيدات الطابق على الشرفة وبدأن بسبّ البائع المتجول وبالصراخ بشتائم لم أسمعها من قبل. حتى أن واحدة من الأميرات لم تجد قذيفة أفضل من رميه بقطع 10 أو 20 سنتيم صائحة: «خذ نقودك أيها الحرامي، يا ابن الكلب!». أما هو فقد ظل مخبولاً ، وتراجع من تحت شتائم النساء والقطع النقدية التي انهمرت كالمطر، إلى أن أخذتني مدام جميلة من ذراعي واصطحبتني معها إلى الطابق. أظن أنه كان لا زال في يدي حفنة الزبيب والتي لم أتركها حتى حين شدني البائع من شعري وضربني بحزامه.

غير أني فجأة شعرت بخوف شديد، أو ربما كان ذلك تراكماً لكلّ ما حصل معي أخيراً، مع لالا أسمى التي سقطت على الأرضية وزُهرة التي طردتني بعد أن سرقت قرطي. فبدأت أبكي على الدرج بقوة لدرجة أنني لم أعد أستطيع صعود الدرجات. وحملتني مدام جميلة التي لم تكن أطول مني، كما لو أني كنت طفلاً صغيراً. رددت قرب أذني: «ابنتي، ابنتي» وأنا أبكي أكثر، لأني أضعت جدتي ووجدت أمي.

في أعلى الدرج كانت الأميرات (بما أنني دعوتهم بذلك في داخلي، حتى حين فهمت أنهن لم يكن تماماً أميرات) ينتظرنني بآلاف المداعبات وإظهار مشاعر المحبة. سألنني عن اسمي، ورددنه بينهن: ليلى، ليلى. أحضرن لي شاياً ثقيلاً وحلوى بالعسل، أكلت قدر ما استطعت. وفيما بعد أعددن لي سريراً في غرفة كبيرة هاجعة وندية، بوسائد موضوعة على الأرض، ونمت مباشرة في هرج ومرج الفندق على صوت الموسيقى المنبعث من جهاز راديو في الباحة. وهكذا دخلت حياة مدام جميلة، صانعة الملائكة وحياة أميراتها الست.