4

11 0 00

4

لم تكن لدي أي فكرة عما جرى لي. فيما بعد، فهمت ما حدث. فقد تبعتني شرطة زُهرة ونصبوا لي مصيدة. كانت المحلات التي سرقتها تبحث عني. مثلت أمام قاضي الأطفال، رجلٌ هادئ جداً يتكلم بصوت خافت كي أسمعه. وبما أني أجبت بنعم على كلّ الأسئلة، بدوت له أني مطيعة. غير أنه أراد أيضاً أن يستجوبني حول الفندق، عما تفعله مدام جميلة والأميرات. وبما أني لم أجب بشيء، غضب ولكن بهدوء. اكتفى بتحطيم قلم كان يدور بين أصابعه، وهو ينظر إلي، كما لو أنه أراد أن أفهم بأنه يستطيع أيضاً بحركة واحدة تحطيمي. استجوبت لعدة أيام وفيما بعد أُرسلت إلى غرفة نوافذها مشّبكة . كما لو أنها كانت مدرسة أو ملحقاً لمشفى.

فيما بعد سلّمني لزُهرة. لو ترك لي الفرصة لاختار بين زُهرة والسجن، لاخترت السجن، لكنه لم يمنحني الخيار.

كانت زهرة وعبل عظمة يقطنان في بناء جديد، في مخرج المدينة، وسط حدائق كبيرة . كانا قد باعا منزل الملاحة وقد وافقت زُهرة على ترك والديها لتعيش في هذا الحي الفاخر.

في البداية، كانت زُهرة وعبل لطيفين معي، كما لو أنهما قد قررا محو كلّ الأخطاء وكلّ الماضي، وبأننا سنبدأ صفحة جديدة. ربما كانا خائفين أيضاً من مدام جميلة، أو أنهما كانا يشعران بأنهما مراقبان.

ولكن سرعان ما عادت الأمور إلى طبيعتها. بعد زمن قصير، أصبحت زُهرة مرة أخرى عنيفة باتجاهي. كانت تضربني، تعنفني، بأني لست سوى خادمة، في الحقيقة خادمة لا تصلح لشيء. كانت تغضب غضباً حاداً لأقل سبب: لأني كسرتُ قدحاً أزرق، أو لأني لم أغسل العدس، أو لأني تركت أثراً على أرضية المطبخ.

لم تسمح لي بالخروج. كانت تقول أن هناك أمراً من القاضي، وبأنه ينبغي أن أوقف كلّ معاشرة سيئة. حين كانت تخرج، كانت تغلق عليّ الشقة بقفل ذي دورتين، مع كومة غسيل للكوي. ذات يوم، شيطت قبة قميص لعبل، ولكي تعاقبني حرقت زُهرة يدي بالمكوى. كانت عيناي ملأى بالدموع، غير أني ضغطت أسناني بكل قوتي كيلا أبكي. فقدت نفسي كما لو أن أحداً يضغط على حلقي، لم يغم علي. حتى اليوم لا زال هناك على يدي مثلث أبيض صغير لم يمح أبداً.

ظننت أني سأموت. لم يكن لدي شيء آكله. كانت تطبخ أرزاً لكلبها الصغير، كلب ذو شعر طويل أبيض يشوبه الاصفرار. كانت ترش الأرز بمرقة الدجاج، وكان ذلك كلّ ما تقدمه لي. كنت آكل أقل من كلبها الصغير. من وقت لآخر، أسرق خلسة فاكهة من المطبخ. كنت خائفة مما سيحدث فيما لو أحست بذلك. وقد اصطبغت ساقي وذراعي باللون الأزرق من ضربات الحزام. غير أني كنت جائعة، لذا تابعت السرقة من خزانة المطبخ... سكر وبسكويت وفاكهة.

ذات يوم، دعت عائلة فرنسية تدعى دلاهاي Delahaye للغذاء. اشترت لأجلهم من متجر المحيط الكبير عنقود عنب أسود. فيما كانوا يتناولون المقبلات، انتظرت في المطبخ، أقطف من حباته. فيما بعد أدركت أني أكلت كلّ حبات أسفل العنقود. لذا ومن أجل أن تتأخر في كشف الجريمة، وضعت في أسفل العنقود كرة ورقية، ليبدو الصحن مليئاً. كنت أعرف أن ذلك سيُعرف عاجلاً أم أجلاً، لكن الأمر كان سيان عندي. فقد كان العنب عذباً وحلواً ومعطراً مثل العسل.

في نهاية الوجبة، أحضرت العنب، لحظتها طلب المدعوان أن أبقى. كانا يقولان لزُهرة: «ربيبتك الصغيرة.»

تغنجت زُهرة. جعلتني أخلع أسمالي الرثة، وألبستني الثوب الأزرق ذي الرقبة البيضاء الذي كنت أملكه أيام لالا أسمى. كان قصيراً بعض الشيء، وضيقاً، غير أن زُهرة تركت السحاب مفتوحاً وعقدت فوطة من أعلى. بالإضافة إلى أني نحفت كثيراً.

«إنها ساحرة، فاتنة، تهانينا.» كان الفرنسيان يبدوان لطيفين. كان للسيد دلاهاي عينان زرقاوان لامعتان على وجهه البرونزي. فيما كانت السيدة دلاهاي شقراء، بشرتها حمراء قليلاً، لكنها لا تزال ندية. كنت أود أن أطلب منهما أن يصطحباني، ,وأن يتبنياني، لكني لم أكن أعرف كيف أقول لهما ذلك. تمنيت أن يقرأا تعاستي في نظرتي، وأن يفهما كلّ شيء.

بطبيعة الحال، في لحظة تقديم الطبق الأخير، اكتشفت زُهرة أن أسفل العنقود قد أكل، وكذلك الكرة الورقية. صرخت باسمي. كان آخر العنقود دون حب منتوفاً. حتى أن العنقود بدا خجلاً.

«لا تصرخي، إنها طفلة، ألم نفعل كلنا ذات الشيء حين كنا أطفالاً؟» قالت السيدة دلاهاي. ضحك زوجها بوضوح، رسم عبل على وجهه ابتسامة غامضة. لم تضحك زُهرة ، رمتني بنظرة شريرة طويلة، وبعد مغادرة الفرنسيين، أحضرت الحزام ذا البكلة النحاسية الثقيلة. «لكلّ حبة ضربة!» وضربتني حتى أدمى جسدي.

بفضل عائلة دلاهاي استطعت الخروج من الشقة. فقد اتصلت السيدة دلاهاي بزُهرة: «عزيزتي، أتعيرينني محميتك الصغيرة، كما تعرفين إني بحاجة لمساعدة في المنزل وفي ذات الوقت يمكن أن تدخر مصروف جيب.»

في البداية رفضت زُهرة تحت ذرائع مختلفة، غير أن السيدة دلاهاي لامتها: «أتمنى أنك لا تسجنينها!» خافت زُهرة واعتقدت أن هناك تهديداً وراء تلك المداعبة، وتركتني أذهب. مرة ثم مرتين في الأسبوع.

كانت عائلة دلاهاي تستأجر منزلاً في حي المحيط. كانت شركة عبل هي التي نفذت أعمال الدهان والإصلاح. مكان هادئ، بحديقة مزروعة بالبرتقال والليمون وأسيجة من الدفلى. والكثير من الطيور. كنت أشعر بالراحة في منزل عائلة دلاهاي كما لو أنني وجدت الهدوء الذي عرفته في طفولتي بالملاحة، حين كان العالم يقتصر على الباحة البيضاء لمنزل لالا أسمى.

كانت جوليت دلاهاي لطيفة معي. حين كنت أصل حوالي الساعة الثانية من بعد الظهر، كانت تقدم لي الشاي والحلوى من علبة معدنية حمراء جميلة. لابد أنها شكت بأني لا آكل كفايتي عند زهرة حين رأتني كيف انقض على البسكويت الجاف. كنت أعتقد أنها تعرف ماضيّ، لكنها لا تتكلم عنه. حين كنت أمسح الغبار في غرفتها، كانت تترك كل مجوهراتها ظاهرة على الصوان (الكومدينة) وكذلك بعض النقود بما فيها قطع نقدية. كنت أظن أنها تمتحنني، فاحترس من لمسها. كانت تعدّ النقود بعد مروري، ومن صوتها السعيد أعرف أنها مسرورة من أنها قد وجدت ما تركته كاملاً دون نقصان. لكن فيما كانت تقوم بذلك كان بإمكاني زيارة جيوب سترة زوجها المعلقة في البهو.

كان السيد دلاهاي رجلاً مسناً بعض الشيء، ذا أنف كبير ونظارات تضخم عينيه الزرقاوين. أنيقاً دائماً، ببزة ذات سترة رمادية داكنة مزينة بكرة حمراء صغيرة في عروتها، وحذاء من الجلد الأسود ملمع جيداً. كان في الماضي رجلاً مهماً، سفيراً أو وزيراً، لم أعد أذكر. كنتُ متأثرة به، كان يناديني «صغيرتي» أو «آنسة». لم يخاطبني أحد بهذه الطريقة من قبل. كان يناديني بصيغة المفرد، ولكنه لم يقدم لي أبداً السكاكر و لا النقود. كان شغوفاً بالصور، التي توزعت في كل مكان من المنزل، في الممرات في الصالة في الغرف وحتى في التواليت.

ذات يوم دعاني إلى الإستديو خاصته، مبنى صغير دون نوافذ في آخر الحديقة، كان كراجاً في الماضي فأعاد ترميمه. كان فيه يقوم بتظهير الصور وبسحبها.

ما أدهشني في الإستديو، صور زوجته المعلقة بدبابيس على الجدران. صورٌ قديمة بعض الشيء، بدت فيها صغيرة جداً. كانت دون ملابس، مع أزهار معلقة في شعرها الأشقر، أو في لباس بحر على الشاطئ. تم التقاطها في بلد آخر، في جزيرة بعيدة، تُرى فيها أشجار النخيل والرمل الأبيض والبحر ذي اللون الفيروزي. ذكر لي الأسماء، ربما منروفيا أو اسم قريب من ذلك. كان هناك أيضاً على الحائط شيء من الجلد الأسود، مزين بمسامير نحاسية، اعتقدت في البداية أنه سلاح، نوع من المقاليع أو الكمامات. حين نظرت إلى الصور، كنت مندهشة حين استنتجت أنه ساتر عورة السيدة دلاهاي الذي علقه زوجها مثل تذكار.

اعتدت على رؤية نساء عاريات في حمام البخار مع تغادير أو حين كانت عائشة أو فاطمة يتمشون في الغرفة. مع ذلك كنت خجلة من رؤية هذه الصور التي لا ترتدي بها السيدة دلاهاي أي شيء. في صورة سوداء وبيضاء، كانت ممددة عارية على شرفة، تحت الشمس، وفي أسفل بطنها بدت عانتها كبقعة مثلثة سوداء كبيرة تتناقض مع لون شعرها. كان السيد دلاهاي يراقبني من خلف نظارته بابتسامة غامضة. اعتقدت أن ذلك كان أيضاً امتحاناً فأخفيت خجلي. لقد رغبت كثيراً بإرضائهم.

عدت عدة مرات إلى الإستديو. شرح لي السيد دلاهاي تقنية سحب الصور، الماء الأسيدي، كيف يمكن أن تأخذ الصورة بملقط وتعلق على حبل كي تنشف. أحببت أن أظهر الوجوه في الماء، ببطء، كانت تصبح سوداء أكثر فأكثر. كانت هناك وجوه نساء وأطفال ومشاهد من الشارع. كانت هناك أيضاً فتيات في أوضاع غريبة مع ثوب مفتوح ينزل إلى الكتف وشعر محلول.

كان السيد دلاهاي يقول بأني ذكية وبأني موهوبة في التصوير. كان يحّدث السيدة دلاهاي عني بحماسة، بأنه يمكنني جعل التصوير مهنتي. كنت أنظر إلى هذه المرأة نظرة متميزة جداً، وأردت أن أمحو من رأسي قطعة الجلد الأسود المسمرة والتي تتأرجح على جدار الاستديو. كنت أقول لنفسي إن ذلك لم يكن شيئاً مهماً لا بد أنهم نسوه كما لو أن أحدهم علق قبعة على مسمار ثم مضي.

ذات عصر، في بداية الصيف، كان الجو حاراً في الخارج، ذهبت كعادتي بعد مهامي، لأعمل قليلاً في سحب الصور . كان السيد دلاهاي مرتدياً قميصه، وقد علق سترته على علاقة، لم يكن قد أضاء الضوء الأحمر. قال لي: «اليوم أرغب بتصويرك.» نظر إلي بغرابة. قال ذلك كما لو أنه شيء مقرر. أما أنا فلم أكن أحب أن أُصّور. لم أحب ذلك أبداً. أذكر أن لالا أسمى كانت تقول بأن التصوير سيئ، وأنه يتعب الوجه.

وفي ذات الوقت، كنت أحس بالإطراء من أن رجلاً مثل السيد دلاهاي لديه رغبة في تصوير فتاة صغيرة سوداء مثلي.

أضاء مصابيحه، ووضع مقعداً أمام خلفية قماشية بيضاء كبيرة مثبتة على الجدران بمسامير. كان قد نفذ كل تحضيراته، لا بد أنه فكر بذلك منذ زمن طويل. كان وجهه جاداً، مثابراً وجبهته تلمع من العرق بسبب حرارة المصابيح. أجلسني على المقعد، وجعل جذعي مستقيماً.

ثم بدأ بالتقاط الصور، بآلة ذات أقدام حيث يلمع ضوء أحمر صغير. كنت أسمع صوت السداد. بدا لي أيضاً أني كنت أسمع صوت تنفسه، نفسه الربوي. كان شيئاً غريباً. لم أكن خائفة منه بتاتاً، وفي ذات الوقت كنت أشعر أن قلبي يخفق بشدة، كما لو أنني أقوم بشيء ممنوع وخطر.

توقف، حين رأى أن شعري ليس ممشطاً جيداً. أو بالأحرى، وجد أن شعري لم يكن مشعثاً بما فيه الكفاية. خلع العصبة التي كانت زُهرة تجبرني على وضعها، رش شعري بالماء البارد، ونفخه بسيشوار إلكتروني. كنت أشعر بالهواء الساخن على رقبتي وبذات الوقت بالماء البارد الذي يسيل على عنقي والذي يبلل ثوبي. الآن أصبح السيد دلاهاي حقاً غريباً، كان يشبه عبل عندما حاصرني في مغسل باحة لالا أسمى. كان يترشح عرقاً، نظرته لامعة متفحصة، كان في بياض عينيه شيء من الحمرة. خطر لي أن زوجته قد تأتي في أي لحظة، وأن ذلك يقلقه. فجأة ذهب إلى الباب، ونظر في الخارج، ومن ثم أغلقه وأدار المفتاح في القفل. كان شيئاً غريباً مثل الآخرين، من مدام جميلة إلى الأنسة روز وزهرة، أرادوا كلهم حبسي بالمفتاح. في تلك اللحظة شعرت بالسوء، كان قلبي يخفق بسرعة، شعرت بعرق القلق يخزني في خواصري وظهري.

عاد السيد دلاهاي إلى التصوير. قال لي شيئاً متعلقاً بثوبي، بأنه ليس مناسباً، وأنه مبلل. كان يريد شيئاً يتناسب مع وجهي، شيئاً أكثر وحشية، أقرب إلى الحيوانية، حلّ أزرار ثوبي، وسّع ما حول العنق. أحسست بيديه على عنقي، وعلى كتفيّ. أحسست بأنفاسه، تنحيت وأدرت له جذعي، كان كما لو أنه يبحث عن حركة ما، ووضعية معينة. لا بد أن الغضب كان في عيوني، لأنه تراجع، ثم التقط سلسلة من اللقطات، ثم أعاد: «إن ذلك رائع، كنت رائعة!» من وقت لآخر، يمر خلفي، يحلّ زراً آخر ويسّحل الثوب قليلاً على كتفي. لكنه بالكاد كان يلمسني، كنت أشعر فقط بأنفاسه على عنقي.

فجأة لم أعد احتمل. كنت أشعر بالغثيان. حتى أني نهضت دون أصحّح هيئتي، ركضت باتجاه الباب. وبما أن المفتاح لم يكن في القفل، عدت. كان السيد دلاهاي واقفاً أمام آلته، كان يبدو عليه التفكير. كانت تعابير وجهه غريبة، كما لو أنه يعاني كثيراً. لا أعرف ماذا قلت بصوت غاضب: «إن لم تتركني أغادر سأصرخ.» فتح لي الباب. ابتعد عني كما لو أني كنت عقرباً. قال «ما بك؟ ماذا فعلت لك؟ لا أريد أن أخيفك، أريد فقط أن التقط لك صوراً.» لم أسمع. خرجت راكضة. خرجت من المنزل دون أن أودع السيدة دلاهاي. كان قلبي يخفق بشدة، كنت أشعر بالنار على وجنتي وعلى عنقي، حيث مرر هذا الرجل أطراف أصابعه.

في النهاية، عدت إلى منزل زُهرة. لم يكن هناك أحد، انتظرت عودتها على الدرج. كان غريباً أنها لم تضربني، لم تطرح أي سؤال. فقط، لم أعد إلى رؤية عائلة دلاهاي. أعتقد أني منذ ذلك اليوم قررت الرحيل، أن أذهب أبعد ما يمكن، إلى آخر العالم، وأن لا أعود أبداً. في تلك الفترة أيضاً، قررت زُهرة تخطيبي.

لم أدرك بسرعة أنها تعمل على هذه الفكرة، غير أني لاحظت منذ توقفي عن الذهاب إلى عائلة دلاهاي، أن زُهرة أصبحت أكثر لطفاً معي. تابعت حبسي في الشقة، لكنها لم تعد تضربني، حتى أنها كنت تقدم لي المزيد من الطعام، أكثر من المعتاد الذي أشارك فيه الكلب. كان لي الحق من وقتٍ لآخر بفاكهة، موزة، تفاحة، تمر محشي. حتى أنه ذات يوم أعادت لي بأبهة العلبة الصغيرة التي تحتوي القرط الذهبي، الهلال الذي يحمل اسم قبيلتي، والتي تركها سارقو الأطفال عندما باعوني للالا أسمى. «إنه لك. حفظته كيلا تفقديه. إنها إرادة أمي، كيف يمكنني أن لا أخضع لها؟» تساءلت دائماً لماذا تفعل ذلك. وجدت أن التفسير الوحيد لذلك هو أن لالا أسمى ظهرت لها في النوم وطلبت منها فعل ذلك. فقد كانت زُهرة متطيرة مثلما هي شريرة.

جاءت السيدة دلاهاي عدة مرات لتطالب بي. غير أن زُهرة لم ترد أن أراها، وكنت مسرورة من ذلك. فقد تعلمت فجأة كره هؤلاء الناس الصبوحين والمهذبين جداً، مع كلّ قصصهم المتعلقة بساتر العورة وصورهم الغريبة.

إضافة إلى ذلك، كان هناك رجل يتردد على المنزل.

كان شاباً، موظف مصرف أو شيء شبيهاً بذلك. متصنعاً. لابد أن زُهرة أخبرته بأني أتكلم العربية بشكل سيء، فكان يتكلم معي بفرنسية قديمة ورسمية، تبعث فيّ الرغبة بالضحك. كانت زُهرة تقدم له الشاي في الصالة، وتجلب منفضة كيلا يسقط رماد سجائره على السجادة. كان يمسك سيجارته بشكل مستقيم، مثل قلم، كان يبدو أخرقاً.

حين يأتي، كانت زُهرة تلبسني الثوب الأزرق ذا قبة الدانتيل الذي كان السيد دلاهاي يكرهه والذي أراد أن أخلعه يوم الصور. كنت أحضر الصينية مع الأكواب الصغيرة المذهبة والسكرية، فيما السيد جماح (سرعان ما اسميته السيد أبداً) ينظر إلي بعينين هادئتين. كان وجهه ناعماً وأبيض يفصح عن الكثير من المشاعر، وحين كنت أجلس أمامه على الأريكة، كنت أفاجئ من وقت لآخر بنظراته الخفية إلى ساقيّ. استمر ذلك عدة أشهر، صرت أستمتع بهذه اللقاءات. أتغنج وأقول أشياء مضمرة ليتلذذ أكثر. وفي ذات الوقت أصبح عبل غيوراً، صغيراً، كانت تلك لعبتي أيضاً، طريقة لأنتقم منْ كلّ ما فعله بي سابقاً. كنت أريد أن يعتقد أني مسرورة بهذه الخطبة المعلنة. حين يكون موجوداً، كنت أسأل زُهرة عن السيد "أبداً"، عن ثروته، منزل عائلته، أوضاع أخوته..الخ.

ذات يوم رماني بنظرة خبيثة. «علي أية حال، لم يبق لك وقت طويل هنا.» قال لي بأن موعد إعلان الخطبة سيكون في شهر تشرين الأول. وأضاف: وبما أنك تحبين الفنادق سيكون ذلك في فندق على شاطئ البحر. وقد تم حجز الصالة.»

لم أوضب حقائبي كيلا يشعر بشيء. وضعت كلّ ما وفرته في ثيابي، كلّ ما سرقته، وكلّ ما كسبته عند عائلة دلاهاي، كنت قد خبأته في الغرفة التي أنام فيها. وضعت القطع النقدية في جيوبي، والأوراق النقدية في مخيط في سترتي، من جانب بطني. غززت حلق الهلال تحت عصبة رأسي.

ومن أجل الخروج، انتظرت عودة زهرة من السوق، وأسقطت من غرفة المغسل قطعاً من الغسيل إلى الباحة. قلت لزُهرة إني ذاهبة لأحضرها. كان قلبي يخفق، ولم أردها أن تشعر بتوتر صوتي. في العصر كانت زُهرة نعسة. ترددت، غير أنها كانت تعبة. أعطتني المفتاح. «لا تستغلي ذلك كي تتسلي في الخارج!»

لم تصدق عيناي، كان ذلك سهلاً.

«لا يا خالتي، سأعود حالاً.»

كانت تتثاءب.

أغلقي الباب جيداً، وأعيدي غسل كلّ شيء.»

خرجت إلى الدرج. ولأنتقم، أخذت الكلب، وأغلقت الباب بالمفتاح بدورتين. كان مع عبل نسخة أخرى من المفتاح وكنت أعلم أنه لن يعود قبل المساء.

في أسفل البناء، طردت الكلب بقدمي ورميت المفتاح في القمامة، وأغرقته بين النفايات كي أتأكد من أن أحد لن يجده. ومن ثم رحلت عبر الشوارع الفارغة تحت الشمس دون عجلة.