الفصل الأول

8 0 00

الفصل الأول

الحب الرقمي

.... (( أراك غدا بإذن الله .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. ))

خُطت تلك العبارة على شاشة جهاز الكمبيوتر عبر احد برامج التحاور في شبكة الانترنت .. وعادت وفـاء بظهرها الى الخلف وانتظرت حتى رأت جملة رد السلام من محدثها واغلقت البرنامج والجهاز كله ..

واسترخت في جلستها واغلقت عينيها ..

وبدأت حياتها تمر امام عينيها بسرعة كأنما تشاهد احدي مقتطفات فيلم سينمائي بذلك الاسلوب الدعائي الشهير بعرض المشاهد المثيرة بسرعة تجذب وتشد من يراها وتجعله يتلهف لرؤية التفاصيل ..

تذكرت أيام أن كانت طالبة بكلية الهندسة قسم الالكترونيات بجامعة القاهرة

وأباها استاذ احدي لغات برمجة الكمبيوتر بنفس القسم ..

وبالرغم من هذا وعلى غير المعتاد .. لم تستعن أبدا بأباها ولم تسعى الى النجاح أو نيل اعلى الدرجات بسبب اسمه وتواجده بالقسم .. وكان هذا جنونا بمقاييس وموازين العصر المختلة ..

وهذا لأنها تربت ونشأت على المباديء التي زرعها أباها فيها

الصدق .. الأمانة .. عدم الغش .. عدم النيل من حقوق الآخرين

تخرجت من الكلية وقبل أن تبحث حتى عن عمل أتى ذلك العقد لأبيها

عقد عمل بأحد معاهد الكمبيوتر المتخصصة بباكستان ..

وبالطبع كان عرضا لا يرفض ..

ومنذعامين وهي تقيم مع أبيها في باكستان ..

ذلك البلد الاسلامي الكبير ..

والذي سبق الكثير من البلدان الاسلامية في مجال العلوم والتكنولوجيا حتى أنه صار أول بلد اسلامي يتسلح بسلاح نووي ..

ورغم الجو الغربي الا أنه معبق برائحة الاسلام في كل مكان ..

الأذان الذي يدوي وقت كل صلاة ..

المآذن التي تعلو المساجد في كل مكان ..

وبرامج الدين التي يغص بها التلفزيون ..

ورغم كل هذا ..

كانت وفاء تشعر بغربة لا مثيل لها ..

و كانت تشتاق بقوة لكل ما هو مصري

تشتاق الى الشوارع والطرقات التي تغص بالمارة والباعة الجائلين ..

تشتاق الى المحلات التي تعرض كل شيء وبكل الاسعار

تشتاق الى الوجوه المصرية المتعبة والمرهقة والمكدودة من عناء الحياة .

ولهذا ..

كانت تقضي جل وقتها أمام جهاز الكمبيوتر الشخصي ..

وتستعين بشبكة الانترنت لاجراء الحوار مع اصدقائها وأقربائها طوال اليوم حتى تشعر بأنها معهم ..

كل يوم تجالس صديقة عمرها أمينة ما يقرب من ساعات خمس ..

تقص لها كل ما يحدث بالتفصيل ..

تبثها مشاعرها وأحاسيسها تجاه كل الأشياء

وأمينة رغم أنها تخرجت حديثا من كلية الطب ورغم أنها تشغلها وظيفتها كطبيبة حديثة التخرج وفي حاجة الى التدريب المستمر للتمرس على أداء مهنتها

الا أنها لم تبخل أبدا على صديقة عمرها بوقتها

ولكن بسبب العمل والواجبات المتكدسة عليها بدأت مدة الحوار اليومية تتقلص تدريجيا بل بدأت تغيب عنها بعض الأيام وليس يوميا كما كان في السابق ..

ولكن الوحدة والغربة قاتلتين ..

كانت وفاء تبحث على شبكة الانترنت عما يشغلها دوما ..

ولأن أكثر ما يهمها هو التواصل مع البشر الذين انقطعت عنهم . .

بدأت تدخل غرف الحوار المصرية وتشارك وتتفاعل معهم في كل ما يتحدثون به

كانت تشعر بأنها جالسة على إحدى المقاهي المصرية وسط بعض الشباب

يتناقشون حول القضايا ويتمازحون بخفة الدم المصرية الشهيرة وإن كانت للاسف أغلب تلك القضايا تافهة مثل هل الممثل الفلاني يستحق جائزته التي نالها أم لا ؟

من هو أشيك لاعب لهذا العام ؟ .. وقليلا ما كانت تأتي بعض القضايا الجادة

وربما كان ذلك بسبب أن الجميع يدخل لتمضية الوقت وفقط وليس لهدف محدد

كانت دوما تدخل باسم مستعار هو الزهرة المصرية Egyptian rose

وكان الجميع يعرفها ربما لأنها المتواجدة دوما وبالطبع كان هذا بسبب الفراغ الذي يلتهم كل حياتها ..

وفي ذات يوم وجدت رسالة تدعوها لحوار خاص وليس على الملأ ..

كان شاب يطلق على نفسه اسم الطائر المصري Egyptian bird ولأن اسمه المقارب لأسمها أعجبها قبلت الحوار الخاص معه ..

كان شابا شديد الحياء متردد في أكثر كلامه .. أخبرها بأنه يتابع كل حواراتها وأنه معجب بقوة بكلامها ووجهة نظرها السليمة في كل شيء وأنه كان يتمنى التعرف عليها من أول يوم ولكن كان يمنعه الحياء من أن يفعل ..

وأخيرا استجمع شجاعته وفعل وكله خوف من أن ترفض التعرف به

شدها اليه أسلوبه الهاديء المؤدب ..

في البداية أخبرته بأنها مصرية تقيم بالخارج ولم تخبره أين وأنها مهندسة ولكن لا تعمل .. وبمجرد علمه بأنها تقيم بالخارج قال لها إذن حتما أمر أنا بالدولة التي تقيمين بها ..

تعجبت وقالت له .. كيف هذا ؟!!

قال اسمي على الانترنت هو الطائر المصري .. وأنا فعلا طائر ومهنتي هي طيار على أحد الخطوط الجوية المصرية ..

ورويدا رويدا بدأت تنجذب له ..

وشيئا فشيئا بدأت حوارتها تتقلص من العمومية الى الخصوصية معه ..

حتى بات اليوم الذي يغيب فيه يوما ثقيلا لا معنى له ..

تفتح جهازها يوميا ورغم علمها بأنه لن يظهر قبل فترة المساء الا أنها تنتظر التنبيه الصوتي لظهورة بكل لهفة من الصباح ..

وأخيرا أدركت حبها وتعلقها به ..

وأخبرته عن كل تفاصيل حياتها وهو أيضا أخبرها عن حبه ومشاعره وتعلقه الشديد بها وأنه يشعر بولادة جديدة

وحدث أكثر من مرة أن ظهرت صديقتها أمينة التي تملصت من بعض مشاغلها للحوار معها ولكنه كان متواجدا في نفس التوقيت فكانت تؤثر الحوار معه علي صديقة عمرها رغم تواجده شبه اليومي معها

ولقد شعرت أمينه بتغير عجيب في معاملة وفاء .. وبفطنتها علمت بأن هناك أمرا ما غير طبيعي ..

وفي احدى المرات كان هو في رحلة الى الصين وسيغيب عنها خمسة أيام كاملة

كانت وفاء تشعر بأن كل شيء قد صار الى خواء ..

كان فراغها في السابق فراغ عادي مجرد انتقال من جو الى آخر ومن وسط الى سواه ووحدتها كانت معنوية حيث فارقت التفاعل الشخصي مع الناس وكانت تستعوضه بتفاعلها المعنوي في غرف الحوار المنتشرة على شبكة الانترنت ..

أما الآن فالفراغ قاتل بمعني الكلمة .. كانت تشعر بأن روحها قد انتزعت منها

وبأن هناك شيئا ثمين فقدته ..

حاولت أن تشغل نفسها بالحوارات ولكن كان الكلام لا طعم له ولا يشفي صدرها

كلمات تخط بلا مشاعر .. وجمل تكتب بلا هدف ..

وفي اليوم الثالث لغيابة وقد بلغ منها الشوق واللهفة اليه مبلغه ..

ظهرت أمينة ..

ولأن أمينة هي الصدر الحنون لها .. وهي المآب اليها حين تضل الطرقات

فقد بكت بين يديها وقالت لها بأنها لم تعد تتحمل هذا ..

ظنت أمينة بأنها تتحدث عن وحدتها وغربتها وحاولت تهدأتها ولكن بعد أن قصت عليها القصص .. صمتت أمينة هنيهة وقالت :

تعلمين يا وفاء بأنك أحب صديقة الى قلبي وأني أحرص على مصلحتك أكثر مما يخصني .. واسمعي لي بهدوء .. أنا لا أعتقد بأن هناك مشاعر حقيقية على شبكة الانترنت ولا يوجد ما يسمى حب عليها .. فهي شبكة هلامية لا شيء حقيقي عليها

الحب مشاعر قوية من روح ودم وليست مجرد كلمات تخط وتتفاعلين معها وفقط

قد تكون شبكة الانترنت هي اشارة البدء فقط للتعارف وقد تكون وسيلة تواصل

ولكنها أبدا ليست طريقة حب .. أنت تعانين من وحدة وفراغ ووجدت ما يسدهما ويشغلك ولقد لعب على مشاعرك المرهفة الحساسة .. فلا تظني بأن هذا حب حقيقي أبدا ..

اعترضت وفاء وبقوة وقالت لها إن لم يكن حب حقيقي فكيف تفسرين ما أنا فيه الآن لغيابه ..

قالت لها .. هو مجرد اشتياق لشعور جميل تعيشينه معه أثناء الحوار لوجود من يهتم بك .. وليس اشتياق له هو بذاته ..

اعترضت وفاء وبقوة على ذلك ..

وحين سألتها أمينه ما مدي معرفتها به خارج شبكة الانترنت أخبرتها أنه لا وسيلة للتواصل الا عبرها ..

قالت لها بأنها كي تتيقن حقا من مشاعرها يجب أن تتفاعل معه خارج تلك الشبكة

هناك أرواح تتلاقي وتتعارف ولا يكون ذلك الا بالمواجهة الشخصية وطلبت منها أن يزورهما في إحدى رحلاته التي يمر فيها بباكستان ..

أربكها حوارها مع امينة وبقوة ..

هل حقا بسبب غربتها التي تجعل المشاعر أكثر حساسية ومرهفة أكثر مما هي

وهل فعلا بسبب وحدتها واحتياجها لمن يشغل تلك الوحدة وقعت فيما تظنه حب حقيقي وهو مجرد وهم أحبته لأنه يلبي ما تصبوا اليه ؟؟؟

وعند ظهوره أخبرته بكل ما دار .. و أنكر هو كل ذلك وبقوة ..

فمشاعرة التي تحركه الآن واحتياجه القوي لها أكبر من مجرد حوار يومي

ولقد سعدت وبقوة بكلامه هذا وأراحها واستراحت لذلك

وأخبرته أنها فعلا تتمنى رؤيته وجها لوجه وتشتاق بقوة لليوم الذي يكون فيه بباكستان .. ولكنه أخبرها بأن باكستان من الدول الغير مدرجه في رحلات شركته بسبب التوتر الناجم عن جوارها لأفغانستان وما يدور بها من صراع ..

قالت له هل معنى ذلك ألا أمل في رؤيتك ؟؟

قال .. حتما سيحدث عند عودتك لمصر .

ونقلت هي كل ذلك لأمينة التي استمعت للقصة كاملة ولم تعلق عليها .. وقالت لها أنا أخبرتك بما عندي ولا قول أكثر مما قلته سابقا ..

وغابت عنها أمينة شهرا كاملا

كانت وفاء تلتقي فيه معه ويعوضها عن كل ما تفتقده ..

وحينما ظهرت امينة .. كانت آتية لها بمفاجأة رهيبة ..

قالت لها معذرة يا وفاء .. والله أشعر بألم يقتلني مما ستصابين به بعد قليل

ونقلت لها سبب مغيبها طوال ذلك الشهر

فبطريق غير مباشر علمت منها غرفة الحوار التي كانت سبب تعارفهما

ودخلت امينه اليها باسم مستعار وكانت تنتظر ظهوره وحين ظهر تلقفته أمينه وطلبت الحوار الخاص معه ورحب هو وبقوة

وبدأت تنسج معه خيوط الصداقة المعتادة على شبكة الانترنت وهو يتماشى معها وبسرعة ..

وحين أخبرته أنها تشعر نحوه بشعور جديد وغريب كان رده أنه أيضا ينجذب اليها وبقوة وأنه يشعر بولادة جديدة ..

قالت له يا ترى أنا الحب رقم كم في حياتك أخبرها بأنها أول مرة تحدث له تلك المشاعر وبهذه القوة !!!

والغريب أنها لما سألته عن مهنته أخبرها بأنه مهندس كمبيوتر فعلمت بأنه أفاق

فنسخت كل تلك الحوارات وأرسلتها الى وفاء في رسالة ..

لم تصدق وفاء ذلك .. وقالت حتما هناك خطأ ما .. وليس هناك أفضل من المواجهة

وحين دخل طلبت منه أن تشرك إحدي صديقاتها في محادثة ثلاثية ووافق

وفوجيء بأنها امينة وحين المواجهة .. لم ينكر كل ذلك

وبكل بساطة أخبرها بحقيقته وانه مجرد شاب حاصل على كلية تجارة ويعمل بأحد نوادي الانترنت المنتشرة في مصر وهذا سبب تواجده الدائم على الشبكة .

أغلقت وفاء وقد شعرت بالانهيار ..

كانت لطمة قاسية هزتها من الأعماق ..

كانت تجربة صعبة ظلت أكثر من ثلاث أسابيع لا تستطيع فتح جهازها بسببها ..

ولكنها استوعبت الدرس جيدا ..

وكما قالت لها صديقتها الوفية أمينة .. لا مشاعر على الانترنت

فهو ليس سوى وسيلة اتصال وتواصل ووصول للمعلومات والمعرفة عليه وفقط .

ومن هنا قررت أنها أبدا لن يكون لها حوار مع شاب وانما أقاربها ومن تعرفهم معرفة شخصية وأي فتاة من أي مكان في العالم ..

ومرت فترة طويلة حتى استطاعت التخلص من هذه التجربة القاسية ومن آثارها ..

وقد تعرفت على فتاة مصرية قالت لها أنها تبحث عن الصداقة النافعة .. فأعجبت وفاء بذلك لأن أغلب من يريد التعرف بها من الفتيات لا يبغون سوى تمضية الوقت بالحوار ومشاركة الملفات الصغيرة وفقط ..

فرحبت بها وبصداقتها وشدها اليها أكثر أنها طبيبة مثل صديقتها الوفية أمينة وكان مجال تخصصها مجال أمراض النساء والتوليد ..

وكانت دوما تحب التحدث عن مجال تخصصها وأنه مجال حساس جدا ويتمتع بالخصوصية الشديدة ..

والحوار بين الفتاة أو المرأة مع طبيبة أمراض النساء والتوليد حتما يكون أفضل من أن يكون مع طبيب فشيئا ما يتعدى مرحلة الإحراج وبدأت تضرب لها الأمثلة ببعض الأمراض التي تصيب الفتيات في مرحلة ما قبل الزواج .. وكانت تتحدث بجرأة أحرجت وفاء بقوة حتى أنها كانت تستمع ولا تفه بحرف .

والغريب أنها كانت في كل مرة لابد وأن تتطرق بموضوع يتعلق بتلك الأمراض

وكانت تتعجب من عدم تفاعل وفاء معها .. ووفاء تقول لها الموضوع غير هام بالنسبة لي ومحرج جدا ..

وهي تلح وتقول بالعكس ما تتخيلينه غير هام يكون كارثة حين حدوثه يجب أن تتسلحي بالمعرفة ولا حياء في العلم ونحن فتيات ولا مجال للإحراج ..

وكانت وفاء تتهرب منها وتحاول دوما تجنب ذلك الحوار ..

وفي ذات مرة أثناء حوار وفاء مع أمينة قالت لها في أي مجال سوف تتخصصين إن شاء الله يا أمينة ؟؟

قالت لها في مجال النساء والتوليد .. ضحكت وفاء وقالت لها وستصبحين جريئة ومتبجحة مثل ريهام ؟

وعندما سألتها من هي ريهام ؟؟ أخبرتها بالقصة ..

ولأن أمينة الشك اليها يكون أقرب المشاعر التي تراودها تشممت في القصة أمرا لا يعجبها ..

فطلبت منها بريدها الذي تحدثها من خلاله لأنها تبغي التعرف عليها وأخذته ..

وعادت اليها بعد اسبوع واحد بمفاجأة أخرى مؤلمة ..

فقد ذهبت أمينة الى ريهام وطلبت الحوار معها فحدثتها ومن ضمن الحوار طلبت منها أن ترسل اليها بريدا يحوي بعض المواقع الطبية فأرسلت اليها البريد ..

وبعدها قامت أمينة بعمل بريد آخر باسم فتاة أخرى ودخلت تطلب الحوار معها فوافقت على الفور وعندما أخبرتها ريهام بأنها طبيبة أمراض نساء وتوليد قالت لها أمينة بأنها ستحتاج الى استشارتها في أمور كثيرة محرجة .. وقد شعرت بالفرحة في ردها حين أجابت بسرعة وأنا طوع أمرك اسألي ما بدا لك ماذا تريدين ؟؟ ..

قالت لها أمينة في الحقيقة أتمنى التعرف على الانترنت على شاب جريء ونتحدث سويا كالأزواج هل هذا مضر .. فقالت لها مطلقا وستجدينها تجربة رائعة ..

تيقنت أمينة من الرد الغير علمي بالمرة بأن هناك شيئا غير طبيعي كما توقعت ..

ولكنها نصبت الفخ الذي تريده وبأسرع مما تتوقع وقعت في الفخ فقد استأذنتها ريهام لتغلق وبمجرد اغلاقها أتت اليها رسالة من شاب يقول أنه يريد التعرف على فتاة حرة .. فقبلت وقالت له ليس قبل أن ترسل الي رسالة بها معلومات عنك ..

ولقد أرسل اليها البريد ..

وبمقارنة رقم الآي بي الذي يحدد رقم الجهاز المستخدم للدخول للانترنت قارنت رقم الرسالة الواردة من ريهام التي كانت تحوي المواقع الطبية وتلك الرسالة وكان الرقم واحدا كما توقعت وريهام ليست سوى شاب فقد ضميره ودينه

وعلى الفور أخبرته أمينة بأنها حصلت على رقم الآي بي الخاص به وسوف ترسله لشرطة الآداب حتى تتخذ معه إجراءا حتى يكف عن سخافاته هذه والعاب الشياطين التي يتلاعب بها لينال متعة غريبة لا يطلبها الا مريض نفسي ..

كانت صدمة أخرى هزت كيان وفاء ..

قالت لأمينة أشعر بأن الناس كلها قد صارت أكثر شرا من إبليس ..

فقالت لها أمينة لا تفقدي الثقة بمثل السرعة التي تمنحينها لكل من تتعرفين عليها

يجب التروي قبل منحك الثقة لأي شخص على هذه الشبكة العنكبوتية

فكما أخبرتك قبلا لا يوجد شيء حقيقي عليها ..

وقد استوعبت الدرس جيدا كسابقة ..

وقد عزمت أمرا آخر .. ألا تحدث أي شخص الا اذا كان ذو معرفة سابقة شابا كان أو فتاة ..

وقد ايقنت تمام اليقين بأن أمينة هي حارسها الأمين الذي يقوم بحمايتها من كل ما يحيط بها رغم بعد المسافة الا أنها دوما معها ..

ولهذا عادت الى مرحلة الحديث اليومي معها مهما كانت المشاغل التي تشغلها ..

*****

مرت أشهر عدة على تلك المواقف حتى أنها قد بدأت تنزوي الى النسيان وإن كانت بالطبع قد تركت آثارها في أسلوب تعامل وفاء مع البشر على شبكة الانترنت

ولأول مرة تغيب أمينة عنها مدة طويلة ..

عشرة أيام كاملة لم تظهر ولم ترسل اليها بريدا ..

كان القلق يستبد بوفاء ..

كانت تعلل المغيب بمشاغلها وتنقلها بين الأقسام المختلفة أثناء سنة التدريب المسماة بالامتياز ..

ولكن هذا لم يحدث من قبل .. فالمدة كبيرة مقارنة بما سبق ..

حتما يوم الجمعة أجازة من العمل ولن تكن عندها مشاغل فيه الا القدر اليسير

أين هي ؟؟

وفي اليوم الحادي عشر حين استيقظت صباحا وقبل حتى أن تتناول فطورها وبشكل تلقائي ذهبت لترى هل هناك رسائل لها أم لا ؟

ووجدت رسالة من بريد غريب لم تره من قبل وعنوانه .. أمينة بخير

مجرد رؤيتها لاسم صديقتها أفقدها صوابها من الفرحة وعلى الفور فتحت الرسالة

ولقد شعرت بدهر يمر عليها ما بين ضغطتها لفتح الرسالة الى أن فتحت فعلا ..

ووجدتها رسالة قصيرة و مقتضبة ..

كانت الرسالة تقول :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صديقتك د. أمينة بخير ولقد انقطعت خدمة الانترنت عن منزلها بسبب عطل في الشركة التي تمدهم بها .. وهي تعمل بقسم أمراض النساء والتوليد هذا الشهر وهو القسم الذي لا يوجد فيه خدمة انترنت بالمستشفى .. د. محمد عياد

وعلى غير العادة كان تصميم الرسالة رقيقا وجذابا ..

كانت على خلفية وردية وتفتتح بجملة البسملة التي تومض ببط وتدرج في الألوان

وتختتم بزهرة منعكسة على سطح مائي متموج بطريقة أخاذة

شدها ذلك التصمم وأعجبها زوق صاحبها الراقي ..

وعلى الفور قامت بالرد عليه قائلة :

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته

أشكرك لرسالتك التي طمأنتني بها عن صديقتي أمينة ..

ولكن معذرة لسؤالي التالي حتى أستوثق فقط منك ..

من أنت ؟؟ وما صلتك بأمينة صديقتي ؟؟

كانت تتوقع بأن يأتيها الرد في وقت قصير .. ولكن أتاها الرد في اليوم التالي

وأخبرها بأنه طبيب زميل لصديقتها أمينه وأنه يكبرها بأعوام ثلاثة وهو طبيب مقيم بقسم الأطفال ونوبة عمله ليلية بقسم الحضانات والأطفال حديثي الولادة

وهو أحد الأقسام التي تتوفر بها خدمة الانترنت حيث أن العمل به هاديء ومستقر

ولقد تصادف بأن مريضة أتت لقسم أمراض النساء التوليد حيث تتدرب أمينه هذا الشهر وكان وليدها ناقصا للنمو ويحتاج لرعاية خاصة بالحضانة وصعدت اليه أمينه لتخبره بحجز وحدة رعايه له ووجدته جالسا على جهازه يجوب شبكة الانترنت فاستأذنته أن يرسل لها هذا البريد وقد فعل .. هذا هو الأمر بالتفصيل .

فردت عليه تشكره وتعتذر له عن أسلوبها لأنها تعرضت لمواقف كثيرة سخيفة قبل ذلك ولا تريد أن تتكرر معها وقالت له لو كان بالامكان أن يحدد لها موعدا تتمكن فيه أن تجالس صديقتها ولو خمس دقائق فقط تحادثها كي تطمئن عن أخبارها فهي لم ترها منذ مدة غير وجيزة .

وكالمرة السالفة أتاها رده بأنه سيبحث عن صديقتها ويرى ما هو التوقيت المناسب الذي تلتقيان فيه ..

وتم تحديد الموعد واخيرا التقت مع صديقتها أمينة ..

وفور أن رأتها ابتدرتها وفاء قائلة

- أين أنت أيتها القاسية .. كل هذه المدة ؟!!

- معذرة وفاء يا حبيبتي فوالله أمر بظروف قاسية

فأنا أعمل في المستشفى في نوبة ليلية في قسم أمراض النساء والتوليد والعمل به شاق بطريقة غير عادية .. فلم أكن أتخيل أن النساء في بلدنا لا يكفون عن الولادة كل دقيقة كما أرى الآن 00 فأنا أعمل طوال الليل بلا كلل ولا نوم وأعود لأنام معظم النهار وحين استيقظ لأستعد للنوبة التالية وليس عندي الوقت للذهاب الى اي نادي انترنت لمحادثتك أو مراسلتك وبالطبع تعلمين بأن الخدمة مفصولة عني لعطل في الشركة .

- كان الله في عونك حبيبتي .. والحمد لله أن المستشفى التي تعملين بها متوفر فيها هذه الخدمة .. الآن وقد وجدت الحل لا عذر لك .

ضحكت أمينة وقالت :

- ما أفعله الآن يتجاوز كل الأعراف والمنطق يا صديقتي .. فأنا طبيبة امتياز

وطبيب الامتياز عندنا في مصر هو أقل الكائنات شأنا .. فنحن نعامل من الاطباء القدامي معاملة أدني من معاملة العبيد وليس لنا آية حقوق ولا حتى استخدام التليفون بين الأقسام .. الطبيب النائب بإمكانه أن يرفع سماعة الهاتف بجواره ليسأل بنك الدم عن توافر فصيلة دم معينة .. ولكن كيف وقد أتته الفرصة ليمتهننا .. فيرسل أحدنا ليسأل ويأتي اليه بالخبر .. حتى عامل المصعد أحيانا يتجاهلنا ويتركنا نصعد جريا على السلالم .. ونادرا جدا أن تجدي شخصية مهذبة مثل الدكتور محمد عياد .

- من الواضح حقا أنه شخصية طيبة ومهذبة جدا ..

- لأقصى درجة يمكنك تخيلها .. فهو طبيب يحب مجاله وبارع فيه ومتدين جدا ويخشي الله ودمث الخلق لأبعد درجة .. وفوق كل هذا فهو موهوب في أكثر من مجال .. فهو يقرض الشعر وقد فاز أكثر من مرة بمستويات متقدمة في مسابقات عدة في مجال الشعر .. وأخيرا أنشأ موقعا اليكترونيا رائعا اسمه نور الشمس .

- هل هذا ما يقصدة في آخر رسالته بجملة .. نور الشمس في انتظارك

- نعم فالجملة عبارة عن رابط عندما تضغطين عليه تفتح لك موقعه .

وعندما همت وفاء أن أن تستطرد معها في الحوار استأذنتها أمينة على عجالة فطبيب قسم النسا والتوليد اتصل ليستعلم عن سبب تأخرها وتوجب عليها الانصراف بسرعة .

*****

كان موقعا اليكترونيا يمتاز بتصميم بسيط ورقيق للغاية وزوقه أكثر من رائع ..

فوفاء من المفترض أنها مهندسة تصميم مواقع على شبكة الانترنت .. ولكن هذا على المستوى الاكاديمي فقد درست كل شيء ولكن الدراسة تكون شيئا وتطبيقها في الواقع يحتاج الى مرحلة وسط من التمرس والتمرين ولهذا كان موقع نور الشمس به عدة أشياء لا تعلم كيفية تصميمها ..

أخذت تتصفح الموقع ..

كان به عدة أقسام .. قسم الأدب ويحوي روائع الشعر العربي وقسم خاص لإبداعاته الشخصية .. ويقبل النشر لكل من له موهبة حقيقية .. وقسم التاريخ ..

جعل عنوانه ( فتشبهوا إن لم تكونو مثلهم .. إن التشبه بالرجال فلاح )

وما شدها ولفت انتباهها وبقوة أنه كان يسرد التاريخ بنفسه وليس نشرا لكتب تاريخية وفقط ..

كان يسرده بأسلوب بسيط ورائع ومشوق .. حتى انها كانت تفتح الصفحة وتحاول أن تقرأ المقدمة فلا تستطيع الافلات من قراءة المادة كاملة ..

وقسم الايمانيات ..

جعل شعاره هيا بنا نغرز نخلة ..

فهو يرى بان الدنيا ليست الا غراز الآخرة ولهذا كل عمل صالح إنما هو نخلة تزرع في واحة الآخرة كي يستظل بها يوم لا ظل الا ظله سبحانه .

وقسم السياسة الذي لم يشدها .. فالانتقاد الدائم لكل شيء .. والإحساس بان الكون ليس سوى مسرحا للمؤامرات المحلية والعالمية لم تكن تحبه وترفض الخوض فيه .

وأخيرا قسم المرح والفكاهة .. كان قسما خفيف الظل علت ضحكتها مرار وتكرارا أثناء تصفحها له .

بالرغم من أن الموقع يعد تكرارا لكثير من المواقع والمنتديات إلا أن ما أعجبها فيه أن له عبقا خاصا وهو التميز وحمله لبصمة شخص واحد

وكان هناك صفحة لآراء القراء فيما ينشر .. ورغبة منها في المشاكسة .. كتبت عكس رأيها تماما لترى ما هو رد فعله .. كتبت تقول ..

عجيب هم الأناس الذين يظنون بأنهم يملكون كل نواصي الأمور .. وأنهم موهوبون في كل المجالات .. فهم المتميزون في الطب والادب والتاريخ .. وفي الحقيقة هي محاولة لمداراة حقيقتهم المرة ألا وهي أنهم لا شيء .. أعتقد لم يعد باقيا إلا أن يخبرنا صاحب الموقع بأنه من قام بتصميمه حتى يكون بارعا في الهندسة كذلك !!

ولن أتعجب بعدها حين تذيع وكالة ناسا للفضاء شكرها لمساهماته الجليلة في عدة مراحل من إطلاق مكوكاتها الفضائية .

ووقعت ببريد لها لا تستخدمه حتى لا يكتشف او يعرف من هي ..

كانت تعرف بأن رده على كلامها لن يأتي قبل الغد .. ولهذا انتظرت لليوم التالي ..

وحين فتحت .. كانت تتوقع ثورة عارمة من الغضب وتقاذف الكلمات ..

ولكنها وجدت النقيض ..

بكل هدوء كتب يقول ..

الأخ الكريم أو الأخت الكريمة .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

أولا أنا لم أدع باني أملك كل نواصي الأمور .. وإن كنت اتمنى ذلك .. فأجدادنا منهم من كان عالما في الكيمياء والطب والرياضيات في نفس الوقت .. أقول عالما وليس هاويا .. ولو بحثت في مسار التاريخ لوجدت أن كل نهضة علمية كانت بدايتها على ايديهم .. ولكننا للأسف لم نكمل الدرب الذي مهدوه لنا وانطلقنا نحو المتع والخلافات والصراعات فيما بيننا .. وليس عيبا أن يجمع المرء بين هواية ويبرع فيها بجوار تخصصه بشرط أن يتميز في تخصصه هذا .. فالمرء لديه طاقات رائعة لو حاول اكتشافها لوجد الكثير مما لا يخطر بباله .. وأرجوا منك أخي أو أختي بأن تحدد لي ما هي أوجه القصور في المواد المنشورة حتى أحاول إصلاحها أو الاستعانة بأهل الخبره في إصلاحها .. ومعلومة أخيرة .. الموقع كل شيء فيه من التصميم الى المواد المنشورة به .. هو مجهود فردي لي فعلا .

كان رد فعل مفاجيء لها .. فعلى عكس ما كانت ترى بحجرات المحادثة حين يحدث خلاف فيبدا تبادل السباب والشتائم بطريقة مقززة .. كان رده منطقيا وعمليا لأبعد مدى .. وظلت تقلب في الموقع كي تجد أي قصور فيه لتذكره .. ولم تجد هذا الخطأ الذي تبحث عنه .. فشعرت بالغيظ .. لأنه ما من إنسان كامل حتما هناك عيبا ما ولكن القصور بها ولهذا لا تجد تلك العيوب ..

وتوقفت عند كلمة القصور هذه .. إنها متخصصة في تصميم المواقع .. وحتما خبرتها لابد وأن تفوقه فهو مجرد هاو وهي محترفة .. والعيب أنها لم تحاول تطبيق ما تعلمت ..

وعلى الفور أخرجت كتبها ومراجعها وبدأت في قراءة سبل التطبيق وأسرار التصميم والتطبيق عمليا .. وبدأت تحث الخطي لمحو الفرق بين النظرية والتطبيق

وعلى الفور وجدت اوجه قصور عدة في تصميمه .. وكادت أن تطير من السعادة

وعلى الفور خطت رسالتها وقد لجأت لأسلوب جديد لم تفعله من قبل فقد تحدثت بصيغة المذكر حتى تتجنب المشاغبات التي كانت تأتيها حينما تتحدث بصيغة المؤنث .. كتبت تقول ...

الأخ الكريم ..

أشكر لك رد الهاديء والعلمي .. وأتمنى حقا بأن يأتي اليوم الذي نتلمس فيه خطى أجدادنا وليس التشدق بأمجادهم وفقط ..

سألت عن اوجه القصور التى وردت بموقعك ..

واليك بعضها .. ولعلمك فأنا مهندس تصميم مواقع اليكترونية ..

وفي تصميمك المليء بالخلفيات الصوتية .. أنت تتخذ تلك الخلفيات من ملفات صوتية ذات امتدادات تجعل حجمها كبيرا وبهذا تجعل سرعة تصفح الموقع بطيئة للغاية .. وأنت تستخدم أكواد لغة الاتش تي إم إل .. في حين أنك لو استخدمت جافا سكريبت لكان ذلك أكثر تميزا .. ولديك أكثر من بورت مفتوح مما يجعل من السهل اختراق الفيروسات له .. وكذلك يجعل قراصنة الانترنت من السهل عليهم محو وتدمير موقعك في لحظات هذا قليل من كثير وجدته لديك وذكرته لك على سبيل المثال فقط .. وشكرا م. ياسر عبد الجواد.

رجعت وفاء بظهرها للخلف وقد شعرت بالرضا التام عن نفسها بعد أن شعرت بالنصر في معركتها الإفتراضية التي اختلقتها .

وكانت تنتظر الرد بمنتهى اللهفة .. حتى أنها كانت تفتح الموقع كل ساعة على أمل أن تجد الرد ..

كانت تعلم بأنها لن تجد هذا الرد قبل الصباح .. وبالرغم من ذلك ظلت تنتظره حتى وقت متأخر من الليل .. وفعلا عند الساعة الثانية منتصف الليل ظهر الرد على صفحات الموقع ..

كتب يقول ..

الأخ الفاضل م. ياسر .. جزاك الله عني وعن قراء الموقع كل خير على ملحوظاتك الرائعة هذه .. وبالطبع مهما كانت إمكاناتي فهي قدرات هاوي وليس بمحترف مثلك

.. وأرجوا ألا أكون مثقلا عليك لو طلبت منك التطوع لإصلاح كل تلك العيوب وإفادتى وكل القراء من خبراتك الرائعة ولك جزيل الشكر منا وعظيم العطاء من الله العلى القدير.. ولقد اعطيت بريدك الاليكتروني كل الإمكانات للدخول والتعديل في الموقع بما تراه صالحا .

...

كانت مفاجاة أخرى لها .. فعلى الفور أقر الرجل بالعيوب ولم يحاول المجادلة بالباطل كما كان يحدث وتراه سابقا .. فقد كان الشاب هناك يذكر معلومة خطأ وحين تراجعه فيه يظل يعاند ويكابر ويحاول ذكر مصادر للمعلومة كلها مكذوبة المهم ألا يظهر بمظهر المخطيء ..

والمفاجأة الكبرى أنه طلب مساعدتها واعطاها كل إمكانات التدخل والعمل في الموقع ..

فالموقع كان متميزا جدا ولم يخطر ببالها أن تكون ضمن فريق العمل به ..

ولقد سعدت بهذا لدرجة كبيرة .. وقررت أن تبرز قدراتها التي لم تحاول استخدامها من قبل .

*****

كان هارى شابا أمريكيا يافعا يبلغ من العمر ثلاثا وعشرون عاما ينظر نحو المستقبل بتفائل كبير وأمل واسع ..

وفور انتهائه من تعليمه في مجال المحاسبة كان يأمل بأن يكون محاسبا في شركة كبرى .. ولكن العمل بتلك الشركات كان من الصعب الوصول اليه ..

بذل كل ما يستطيع من جهد ووقت واعدادات في الدورات المؤهلة لرفع امكاناته وخبراته .. وحين ظن بأنه قد وصل للدرجة المرجوة من الاستعداد بدأ في السعي ..

وبعد مرات عدة من المقابلات والامتحانات للتقدم والعمل في بعض الشركات ..

أخيرا .. وافقت إحداها على التحاقه بها ولكن براتب مجحف حتى يظهر التميز المرجو منه .. ولقد وافق مباشرة .. فتلك هي الخطوة الأولى لإرتقاء سلم النجاح

وبمجرد جلوسه على مقعده شعر بأنه قد ارتقى عرش السمو والفلاح ..

ولعجبه كانت وظيفته عملا تافها لم يكن يتوقعه ..

فقد كان عليه يوميا ان يفتح حاسبه ليراجع حاصل جمع أو ضرب الأرقام وجميع العمليات الحسابية لملفات قديمة كل يوم يعطيها له رئيسه في العمل .

ولكنه لم يتذمر او يبدي أي اعتراض أو تعجب لذلك ..

وكان يرى علامات الرضا على وجه رئيسه كلما طلب منه شيئا وكانت اجابته بالايجاب دون اي تساؤلات مطولة ..

مر عليه ثلاثة أشهر يؤدي نفس الوظيفة بل كان أحيانا يطلب منه رئيسه مراجعة نفس الملف خمس مرات في نفس اليوم .. ورغم أنه لم يظهر أي خطأ أبدا في عمله الا أنه كان رده بأنه سيفعل ما يطلب منه على الفور ..

وكما توقع فقد كانت فترة اختبار لشخصيته وطبيعة تعامله مع رئيسه والاستجابه لتنفيذ ما يطلب منه ..

ففي يوم طلب منه رئيسه أن يلحق به الى مكتب رئيس قسم المحاسبة ..

وبعد لحيظات كان هناك ..

وتم اغلاق الابواب وكل المنافذ بعناية وبدأ رئيس قسم المحاسبة بالكلام ..

.. (( أنت يا هاري مثال رائع للمحاسب الناجح وللشاب الطموح وأنا أتوقع لك بمستقبل باهر .. أعجبني بك استجابتك السريعة وطاعتك العمياء لكل ما يطلب منك وبدون نقاش .. لذا أنت من القلائل الذين نالو ثقتنا ولقد تم نقلك لقسم خاص جدا عندنا لا يعلم به أحدا من العاملين بالشركة الا أنا ورئيسك مستر جون .. فهل عندك الاستعداد للعمل بصمتك المعهود ودون تساؤل مهما كانت غرابة ما تفعله ؟؟ .. وبالطبع لن أخبرك بالعائد المالي الذي سيعود اليك وسيكون نقلة خاصة لك ))

كان هارى يشعر بالزهو لنيله تلك الثقه ولنجاحه بتلك السرعة في أن يعلو السلم عدة درجات مرة واحدة ولهذا كانت اجابته بالموافقة فورية وبلا تردد ..))

وانتقل هارى لمكتب جديد وكان عمله أيضا على غير توقعه بسيطا جدا ..

كان مستر جون يأتي اليه بملفات احدى الصفقات ويطالبه باجراء حساباتها من تكلفة ونفقات وأرباح .. ولكن كان مطالبا بألا يعلم مخلوق شيئا بشأن تلك الملفات

ولا يسأل من أين تأتي ولا الى أين تذهب .. وهو لم يكن مهتما بذلك .. كان جل همه هو أن يجري حساباته بلا خطأ واحد يحتسب عليه ..

وكل يوم يمر كانت تظهر علامات الرضا على وجه مستر جون وكانت آثار تلك العلامات واضحة جلية في راتبه آخر الشهر .. ولكن العجيب أن راتبه كان يأتي اليه من جهتين .. جزء وهو قليل يتم تحويله الى حسابه بالبنك من طرف الشركة والجزء الأكبر من حساب شخصي باسم لا يعرفه ولا يعرف صاحبه .. وحين استفسر عن ذلك من مستر جون .. لامه أولا بأنه قد بدأ يتسائل وهذا غير مرغوب به .. وطمأنه بأنه يعمل عملا خاصا لا يجب أن يشعر به بقية الموظفين ولكي يتم عمله بسرية تامه ينال معظم راتبه من حساب خاص حتى لا تظهر اسم الشركة فيه وذلك لأنه من السهل الوصول والاستعلام عن راتبه من طرف بعض الموظفين في الشركة وبهذا يكن عمله آمنا ..

كان عقل هارى يموج بالتساؤلات .. فعمله طبيعي وبسيط ومثله مثل بقية أعمال قسم المحاسبة فلم كل ذلك التعتيم والاجراءات السرية ؟!! ..

ولكن لأنه علم بأن سر تميزه هو عدم الاستفسار أو التعجب فقد قتل كل تلك التساؤلات في داخله .. وكفاه أنه يعمل بجد واخلاص وأنه ينال ما يريد ..

*****

كان هاري يتناول بعض المياه الغازية اثناء احدى فترات الراحة حين رآها تقترب منه .. انها تلك الفتاة الجديدة التي حلت محله بعد أن ارتقى لعمله الجديد

كانت بسيطة ومتوسطة الجمال ويختفى معظم وجهها خلف منظار كبير ..

كانت تتناول نفس مشروبه المفضل .. كانت مرتبكة وتنظر لما حولها بحيرة ودهشه ..

ابتسم هاري حين تذكر نفسه في موضعها في بداية عمله ..

ولم يتمالك نفسه من أن يقول لها ..

.. (( حتما تتسائلين وتقولين متى أكون على رأس كل هؤلاء ؟؟ ))

نظرت نحوه بدهشة واطرقت بوجهها خجلة وهي تقول ..

.. (( من الطبيعي أن يطمح المرء لأن يكون ناجحا وبارزا في عمله وحياته ))

وانطلق الحديث بينهما .. وتكرر يوميا أن يكونا سويا في أوقات الراحة ..

وانجذبا كل منهما للآخر وحدث ما يسمى بالحب بينهما ..

كان يشاركها كل شيء ويحكي لها كل شيء الا فيما يتعلق بعمله ..

وهي لم تسأله عنه مطلقا ..

وإن كانت بين الفينة والأخرى تلمح له بأنها تتمنى أنت ترتقي بسرعة في عملها مثلما فعل .. فكان يلقي اليها بالنصائح التي تمكنها من ذلك وكان بالطبع يذكر لها بأن أهم شيء هو الطاعة العمياء للرئيس المباشر لها ..

وفي مرة قالت له بأنها تشعر بالملل من مراجعة ملفات قديمة لم يعد هناك حاجة اليها اصلا .. وتسائلت ترى هل عملك بنفس الملل هكذا أم أن هناك تطورا بعد الترقي ؟؟ .. كانت اجابته متحفظة جدا حين قال لها بأن العمل هو العمل .. ونصحها بان تعتبر الملفات التي تحت يديها هي ملفات حديثة ولصفقات هامة وأن أقل خطأ منها قد يؤدي الى كارثة ووقتها لن تشعر بذلك الملل ..

وكانت تستجيب لنصائحه وتشكره عليها لأنها بالفعل كانت تؤتي ثمارها معها ..

وسألته ذات مرة عن الخبرات أو المؤهلات التي ينصحها بها حتى تكن في مثل خبرته وتميزه .. وكان يشعر بالإطراء المستمر في حوارها معه مما كان يشعره بالرضا عن نفسه .. وكانت تزيده قربا منها ..

وكان يشعر بأنها لديها نفس طموحه وأمله في أن يكون شيئا كبيرا يشار اليه بالبنان وكانت تتخذه قدوة لها ..

وفي يوم ما وفي لحظة شاعرية جدا وكانا أقرب ما يكونا الى بعضهما البعض ..

طلبت منه طلبها وهو بعد تردد قليل وافق عليه ..

فقد طلبت منه بأن يحضر اليها أحد الملفات التي يعمل عليها ويدربها عليها مما يعطيها الخبرة اللازمة لها حتى ترتقي بسرعة مثلما فعل ..

وكانت تلك الغلطة الشنيعة التي أودت به ..

فتلك الفتاة الرقيقة البسيطة التي تموج بالمشاعر نحوه لم تكن سوى عميلة للمباحث الفيدرالية وكانت مكلفة بكشف عملية نصب كبرى تجرى بالشركة

فقد كان مستر جون ورئيس القسم يقومون بعمليات وهمية تتكلف الشركة أعبائها المالية وبالطبع كانت تلك الأموال تذهب الى حساباتهم البنكية والملفات تثبت بأنها تم صرفها في أعمال الشركة .. وتلك هي الملفات التي كان يعمل عليها هاري ..

كانت صدمة زلزلت كيانه ..

الخداع المزدوج الذي تعرض له .. سواء من رؤسائه في العمل أو من فتاته التي أحبها بصدق .. وكذلك التهمة التي وجهت اليه والتي كانت كفيلة بالقائه خلف القضبان والقضاء على مستقبله ..

ولكنها وقفت بجواره وشهدت بأنه بريئا ولم يكن يعلم بما يجرى .. وبالرغم من ذلك حكم عليه بالغرامة المالية وفصل من عمله ..

وكان ذلك الحكم سببا كافيا لرفضه من قبل كل الشركات التى حاول التقدم للعمل بها فيما بعد ..

وبعد أن ضاقت به السبل وقد شعر بأنه قد تحطمت كل أمانية وذهبت أدراج الرياح .. ظهرت له مرة أخرى ..

لم يكن يطيق النظر اليها .. حاول الانصراف مسرعا فور أن رآها ولكنها اعترضت طريقه .. وقالت له استمع الي وبعد ذلك انصرف ولن تراني مرة أخرى ..

وبعد أن توقف أخبرته بأنه كما كان يؤدي واجبه بتفان واخلاص كانت هي أيضا تؤدي واجبها بتفان وإخلاص .. وواجبها هذا رسالة شريفة ومقدسة .. ألا وهو الايقاع بالمجرمين والخارجين على القانون ..

سألها مندهشا وهل هذا الواجب يقتضى أن تدوسي بكل قسوة على مشاعر ومستقبل من يعترض طريقك .. فقد حطمته بكل بساطة جرحت مشاعره الصادقه نحوها .. ولم يعد لديه أدنى فرصة للوصول الى ما كان يطمح اليه ..

تقلصت مشاعرها بألم وهي تقول ..

هل مجيئي اليك الآن لا يشير الى أني كنت صادقة معك في مشاعري تجاهك ؟

ولكن للاسف لا مشاعر في مجال عملنا ..

وبالنسبة لعملك وطموحك فأنا منذ تلك القضية وأبحث لك عن تلك الفرصة التي تعوضك ما فقدت وقد وجدتها لك ..

رفع رأسه بدهشة وكأنما قد وجد طوق النجاة الذي يتلهف اليه وهو موشك على الغرق .. وسألها ما هو ..

ابتسمت في ود وقالت .. خطاب توصية وترشيح للعمل بالجيش الأمريكي وبراتب رائع ..

تردد قليلا .. فقد كان بإمكانه السعي للتجنيد بالجيش منذ أن تخرج ولكنه يرى أن الجيش الأمريكي يخوض حروبا عدة على مستوى العالم وهذا ليس بمجاله ..

ولكن بعد التفكير هنيهة وجد أنه حقا لم يعد لديه الا تلك الفرصة ..

ولم يتردد وأخذ منها ذلك الخطاب ممتنا لها .

*****

تغيرت حياة وفاء تغيرا كبيرا وبشكل ملحوظ بعد تعرفها بمحمد عياد واشتراكها معه في إدارة موقعه الالكتروني .. فبعد أن كانت كل حياتها هي تمضية للوقت وفقط .. سواءا كان ذلك بالمحادثات والحوارات على الانترنت أو تصفح بعد المواقع للتسلية والمتعة الذهنية ..

فقد تغير كل ذلك .. واصبحت في مجال الاستخدام الخدمي للانترنت .. فبعد أن تدخلت واشتركت في تطوير موقع نور الشمس طلب منها محمد الاشتراك معه في استحداث بعض الابواب الجديدة بالموقع .. فتم انشاء باب الخدمات الانسانية .. والذي كان من خلاله يتم استقبال طلبات المساعدات الانسانية .. مثل طلب تسديد الدين أو التبرع بفصائل الدم النادرة أو المساعدة بالتبرع لبناء مسجد وما شابه

ولدهشتها نجح الباب نجاحا رائعا .. فقد كانت تأتيها الطلبات كثيفة .. وكثير منها كانت تتم تلبيتها وتجد الكثير من الايدي تمتد للمساعدة .. فكانت تنشر طلب المساعدة ولو تم تلبيتها تنشر ما تم لها ..وكم كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين ترى أن مجرد تمضيتها للوقت على الانترنت أصبحت فاعلة ومؤثرة بمثل تلك القوة

أصبحت تشعر بأن حياتها أصبحت ذات قيمة ولها هدف ولم تعد مجرد عدد يتم احصائه ضمن الأحياء أو الأموات ..

واستحدثت باب الوظائف .. فمن يريد موظفا لمؤسسته يرسل بالمواصفات المطلوبة ويتم نشره وبهذا من يبحث عن العمل يجد في هذا الباب غايته ..

وقد قامت بعمل دعاية مكثفة للموقع في المنتديات الغزيرة التي تشترك بها وقد ظهر أثر ذلك جليا .. فقد ازداد عدد الزوار والمشتركين في الموقع بصورة كثيفة جدا .. وقد أصبح الموقع من المواقع القليلة المتميزة ..

كان محمد عياد طوال تلك الأشهر لا يعلم بأنها أنثي ويتعامل معها على أنها المهندس ياسر .. وكانا يقضيان سويا مالا يقل عن ساعتين يتحاوران عن الموقع وسبل تحديثه وتطويره وعملية النشر والتنسيق به .. وبالطبع كان يتخللها الحوار عن الحياة الشخصية .. ولكن وفاء كانت تتحدث بحذر فهي سعيدة بأنه يعاملها بكل هذا الود والاحترام كصديق وليس لأنها فتاة كانجذاب فطري كما كان يحدث سابقا ..

فقد كانت تجد في غرف الحوار شابا مميزا وآرائه جيدة ومعقولة ولكنه كان يحاور نفسه ولا يوجد من يرد عليه أو يتفاعل معه .. أما عندما تظهر فتاة فجأة تجد كل من يثني على آرائها الرشيدة وأفكارها الفعالة ونظرتها الثاقبة في حين أنه قد يكون معظم ما تتفوه به مجرد ترهات ..

وهو كذلك رغم بساطته المتناهية كان كتوما بطريقة غير معتادة فيما يتعلق بحياته الخاصة .. كان يتحدث بانطلاق عن عمله والمستشفى وزملائه والمرضى ويذكر أدق التفاصيل .. وكان يوميا يقص عليها موقفا حدث بالمستشفى وأثار مشاعره سواءا بالايجاب أو بالسلب .. حتى أنها أصبحت تتخيل المستشفى بطرقاتها وأقسامها وأبوابها ومصاعدها .. بل قد أصبحت تتخيل رئيس القسم وهو يقف متجهما ومدير المستشفى بطلعته التي تثير الرعب والاطفال المرضى بحجمهم متناهي الصغر وأمهاتهم الوجلات الشاحبات ..

ولكن حين تحاول دفعه للحديث عن أسرته أو بيته يراوغ بالحديث بطريقة بارعة ليذهب بها الى منطقة أخري .. فحين تسأله قائلة .. (( ترى هل تعامل أخوتك بمثل هذا الود الذي تعامل به زملائك في العمل أم كالعادة هناك وجهان أحدهما ملائكي لبعض الناس وأخر لن نقول عنه شيطاني للأهل والمقربين ؟؟ .. ))

كان يرد عليها قائلا .. (( هذا أمر هام جدا فعلا .. فالشخص السليم هو من تتوحد شخصيته وتكن هي نفسها بخصائصها وصفاتها في كل مكان .. أما المريض النفسي هو من يكن له أكثر من وجه كما تقولين ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من صاحب تلك الوجوه المتعددة .. ))

كانت تبتسم لطريقته الذكية في الافلات ولم تكن تحاول الضغط عليه لذكر شيء لا يرغبه ..

وكان هو أيضا لا يحاول سؤالها عن حياتها الخاصة وربما كان ذلك بسبب أنه يحاول ألا يُعامل بالمثل .. فحين سؤالها عن تلك الحياة واجابتها عليها يجب عليه فعل المثل حين سؤالها وهو ما اتضح جليا أنه يحاول تجنبه ..

وهذا ما كان يريحها حتى لا تضطر للكذب كثيرا لأنها تتعامل بشخصية غير شخصيتها الحقيقية ..

ولكن أحيانا كانت تأتيها بعض التساؤلات التي تحرجها ..

فقد سألها ذات مرة عن عملها وفي أي شركة تعمل ..

فقالت له ولكن بصيغة المذكر طبعا ..

.. (( أنا مصاحب لوالدي في السفر ولا عمل لدي وليس أمامي الا تمضية الوقت على الانترنت .. ))

ولقد أذهله هذا فقال لها

.. (( كيف هذا وأنت تملك ذلك العلم وتلك الموهبة والتي تجلت في عملك الرائع في تطوير الموقع .. فتلك خسارة جمة أن يتم إهمالها والعضو الغير مستخدم يضمر وحرام أن يمر العمر مجرد تمضية وعد للدقائق والثواني فقط ..)) ..

قالت له .. ((أنا بباكستان وسبل الوصول للعمل غير متيسرة ولا معارف هنا كما في مصر .. ))

قال لها .. (( مجال عملك يكسر كل الحدود والمقاييس فمن خلال شبكة الانترنت يمكنك مزاولة مهنتك وأنت قابع في حجرتك ولحساب شركة أخري في أقصى الأرض .. )) ..

وهذا ما حدث .. فمن خلال عروض الوظائف بالموقع تقدمت لإحداها مع اعلامهم بأنها في دولة أخرى .. ولم يكن ذلك عائقا ..

واصطبغت حياتها بمعان عدة جديدة.. شعرت بتأثير محمد عليها وكيف أنه بمعرفتها به أخذت حياتها مسارات جديدة أشعرتها بمعني الحياة الحقيقي ..

أصبحت كل يوم تترقب موعد المحادثة سويا .. تتلهف لسماع آرائه فيما تقوم من عمل .. وتتشوق لمعرفة انطباعاته حول مواقف الحياة المتعددة .. وكان أكثر ما يشدها اليه .. شعورها بالتوحد معه في الأفكار والمشاعر والخواطر ..

محمد قال لها ذات مرة ..

.. (( هل تعلم أخي ياسر ؟ .. أشعر أن الله عز وجل قد امتن علي بمعرفتك

فأنا لظروف خاصة جدا من المستصعب أن أشعر براحة تامة تجاه اي شخص كما أشعر بها معك .. ولأول مرة في حياتي مستعد أن أشاركك وأدخلك إلى منطقة محظورة لم يدخلها أحد قبلك .. ))

كان يهم ببدء سرد حياته الخاصة التي كثيرا ما تجنبها ..

ولقد شعرت وفاء بتأنيب الضمير لهذا .. فهي تخفي عنه أبسط معلومة وهي أنها انثي .. وهو يهم ببدء إخراج آخر مكنوناته .. وشعرت أنها لا تستحق ذلك ..

ولهذا سألته برقة أن يتمهل قليلا وليس الآن ..

وهو تعجب من ذلك .. فقد كان يشعر بمحاولاتها الخجولة لمعرفة تلك الأشياء التي يهم باخبارها الآن . . فما الذي حدث ؟!! ..

بعدها جلست وفاء مع نفسها ..

أخذت تتذكر كل المواقف التي مرت بهما سويا ..

قرأت أرشيف الحوار الذي دار بينهما من خلال برنامج التحاور حرفا حرفا .. ورغم كثافته لم تمل أبدا من استرجاع كل تلك الكلمات والجمل المتشكلة بها .. والتي كانت كثيرا تموج بمشاعر عدة جميلة ونبيلة ومجردة من أي هوى أو غرض ..

ووصلت لمرحلة من الألم بسبب عدم قدرتها تحمل الموقف الحالي واصبحت لديها رغبة ملحة في أن تجد من تبوح له بذلك ..

وكالعادة .. لم يكن هناك الا ظلها .. أمينة .

قصت عليها كل شيء وبالتفصيل وأخبرتها انها كانت تستحي من قبل أن تخبرها عن أي شيء ..

صمتت أمينة ولم تفه بحرف ..

قالت لها ..

(( هل تعلمين .. لو كان شخصا غير محمد عياد هذا لانتابتني الهواجس ولسار بي الشك في دروب عدة من أبسطها أنه كان يعلم من البداية من أنت ويفعل كل ما فعل بأسلوب درامي وتمثيل عال كي ينال اعجابك .. ولكن الرجل لا غبار عليه بشهادة الجميع .. ورغم كتمانة ومحاولة مداراه أي شيء يتعلق باسرته إلا أنك أخبرتني بأنه كان على وشك تحطيم ذلك الستار الخفي الذي يقيمه ..

ولهذا .. أرى أن المصارحة هي أفضل وأقصر طريق .. ودعي ما بعد ذلك لأقدار الله عز وجل .. ))

وقد كان ..

كانت وفاء تتحاور معه حول الموقع والتنسيق به وما ينشر .. وكانت مع ابتداء كل جملة معه تقدم قدما وتؤخر الأخرى ..

تبدأ الجملة التي تريدها .. ثم تسير بها لهدف آخر غير الذي ابتدرتها به ..

تقول له .. (( هل تعلم هناك شيء أود إعلامك به .. )) .. فيسألها ما هو .. فلا تستطيع المصارحة وتقل له .. (( الموقع عدد زواره أصبح في تضاعف كبير .. )) فيظل هو يمضى في الحديث وهي غير شاعرة بما حولها .. وتحاول جمع ولم شتات نفسها ..

كانت تخشي ردة فعله بقوة .. ولم تكن تعلم ماذا ستكون ؟؟

ترى هل سيصاب بصدمة ويشعر بأنها شخصية مخادعة وكاذبة ؟؟

وهل سيصدق بأن هذه هي المعلومة الوحيدة الغير حقيقية أم أنه سيعد كل مافات لا أساس له من الصحة ؟؟

أم ترى سيقدر موقفها ويلتمس لها الأعذار ..

أتتها كل الخواطر وروادتها جميع الهواجس ..

وأخيرا وكعادتها وبطريق غير مباشر .. قالت له ..

.. (( ما رأيك في الشباب الذين ينتحلون شخصيات غير شخصيتهم ؟؟ مثل من يظهر أنه بنت كي يتحدث مع الفتيات في مناطقهن الخاصة ؟؟ ))

.. (( هذا شخص حتما مريض نفسي وغير سوي الطوية .. ))

.. (( وما رأيك لو فعلت فتاة نفس الفعلة ولكن لغرض عكسي ؟؟ ألا وهو أن تحمي نفسها من تلك المشاكسات .. ))

صمت لحظات مرت عليها دهرا وقلبها يخفق بعنف .. وأخيرا قال ..

.. (( أعتقد بأنه حق مشروع وسط عالم هلامي وغامض لا شيء فيه حقيقي ولا ملموس .. وذلك لأنها لا تفعل ذلك للخداع أو الوصول الى مآرب سيئة .. ))

شعرت وفاء بسعادة غامرة تلفها وتحلق بها الى آفاق الفضاء .. فقالت وبسرعة ..

.. (( وماذا لو تعاملت مع شخص عزيز عليها جدا وهو يعتبرها ولدا وأرادت أن تخبره بحقيقتها ولكن تخشى ردة فعلة وأن يظنها مخادعة ويقلب كل الحقائق بينهما الى وهم وسراب ظنه حقيقة فيما سبق ؟؟ ))

.. (( هذا سيتوقف على ما كان بينهما وفهم كل منهما للآخر .. وتختلف من شخص لآخر .. ))

صمتت قليلا وأخيرا قالت ..

.. (( هل تذكر الدكتورة أمينة زميلتك في العمل ؟؟ وهل تذكر صديقتها التي حدثتها بمساعدتك حين كانت تتدرب في قسم النساء والتوليد .. ))

قال لها .. (( بالطبع .. ومن أدراك بها وبأمينة ؟؟ ))

صمتت كثيرا حتى أنها كادت أن تتراجع تماما ولكن بعد كل ما فات ألقت ما لديها وهو تنفث من صدرها زفرات عميقة كأنما تتخلص بها من عبء ثقيل .. قالت ..

.. (( أنا وفاء صديقة أمينة .. و .. ))

وانطلقت تقص عليه كل شيء بالتفصيل وما تعرضت له سابقا وما الذي دفعها لذلك .. وكيف أنها أبدا لم تتخيل أن تصير معرفتها به الى تلك القوة وهذا الارتباط .. وكيف أن قدر الله عز وجل كان أقوى من كل تدبير واحتياط اتخذته كي تتجنب ذلك ..

وبعد أن أنهت حوارها الذي لم يقاطعها فيه لحظة .. عادت بظهرها الى الخلف وتنفست الصعداء .. وانتظرت رده الذي طال وطال حتى ظنت أنه قد انقطع لديه الاتصال بالانترنت وأنها كانت تحدث نفسها منذ البداية .. ولما تسائلت هل هو موجود أم لا .. رد عليه بجملة مقتضبة وقال لها .. (( نعم أنا هنا .. ))

.. (( ولما أنت صامت ؟؟ ))

.. (( لأن رأسي يدور ولا أستطيع جمع شتات نفسي .. ))

.. (( ولم كل هذا ؟؟ ))

.. (( لأنك بكل بساطة كسرت الكثير والكثير من القيود والأسوار التي وضعتها حولي .. ))

لم تستوعب مقصده وما يعنيه فتسائلت قائلة ..

.. (( أسألك التوضيح أكثر عن مقصدك .. ))

.. (( منذ أن ذكرت أنك وفاء .. وطوال حوارك وقصصك عما حدث وأنا أحاول قلب مشاعري نحو ياسر صديقي بما في قلبي من ود ومشاعر طيبة وارتباط قوي وعرى لا تنفصم .. أحاول سلخها من ياسر ولم أستطع .. فأنا ارتبطت بمشاعر وعقل وروح ياسر .. وكل ما تغير هو الاسم من ياسر الى وفاء .. وهذا ما كنت أخشاه طوال حياتي .. ولأني ببساطة وهذا ما وددت إخبارك به في المرة السابقة .. ليس من حقي أن أتعامل مع أنثي لأبادلها المشاعر ونرسم سويا أحلاما مشتركة ..

فانا من أسرة شبه معدمة تقيم في شقة ضيقة بحي بولاق الشعبي وأنا الأخ الأكبر لسبعة أخوة في حاجة الى الكثير والكثير .. وأب بسيط لا يقدر على مسؤليتهم وحده

ولهذا توجب علي مشاطرته تلك المسؤلية .. وتلك المسؤلية تجردني من كل أحلامي ورغباتي الشخصية .. وأنا راض بذلك غير ناقم .. وأحمد الله عز وجل على كل شيء فحتما أنا في وضع أفضل من كثير غيري ..

ولهذا كان تعاملي مع الزميلات وغيرهن سواء في الواقع أو على شبكة الانترنت بحذر شديد .. ويوم أن أشعر بضعف أو وهن يكون البتر هو العلاج الناجع والفعال .. ولا أملك الآن سوى قول سبحان مقدر الأقدار يقول للشيء كن فيكون .. لقد زال كل ذلك أمامك وبدون رغبتي ورغبتك ..))

كانت دموع وفاء تسيل على خديها بصمت وهي تقرا كلماته .. وقد كبر محمد وتعملق في قلبها بعد أن علمت عنه بعدا جديدا لم تشعر به من قبل .. بعدا رائعا أضاف لمكانته عندها أضعافا مضاعفة لما كان عليه ..

وأخيرا قالت ..

.. (( هل معنى ذلك بأنك تفهمت سبب ما حدث وأني أبدا لم أكن أسعى لخداعك أو الغش معك ؟؟ ))

.. (( وهل تفهمت أنت ما هو حالى وما سيحدث بعد حوارنا هذا ؟؟ ؟))

شعرت بالجزع وقد توقعت ما سيئول اليه الحوار قالت ..

.. (( محمد لا تقل بأنك يجب عليك بتر علاقتنا ومعرفتنا هذه .. انسى كل ما قلته لك وعد للحوار مع ياسر مرة أخرى .. ))

ضحك بمرارة وقال ..

.. (( هناك طرقات كالشلالات اذا سارت فيها المياه من المحال العودة منها مرة اخرى .. معذرة وفاء حقا لا استطيع إكمال حوارى معك الآن .. أراك فيما بعد ))

ولم تستطع ايقافه .. وقد خرج فعلا بعد أن ألقت عليه السلام ورد عليها

واغلقت عينيها لتتذكر كل ما فات .. وتحاول تصور ما هو آت وترى ماذا يحمل لها الغيب ..

****

هل جربت مرة أن تقيم في مخيم بالصحراء وبرفقتك صحبة كبيرة ورائعة وقضيت معهم وقتا طيبا جميلا وصاخبا لا مثيل له .. ثم فجأة انفض كل ذلك وانطلقوا وتركوك وحدك في العراء تشعر بخواء رهيب ووحدة قاتلة ؟؟ ..

إن لم تكن فعلت .. فهل جربت مرة أن يكون منزلك يعج بالبشر هناك الذاهب والآتي والجالس والواقف والمتحدث همسا ومن هو جهور الصوت وكل فينة وأخرى يعلوا صوت قهقهة أو أي تعبير آخر يعبر عن شتى الانفعالات البشرية .. وأطفال يتقافزون هنا وهناك محطمين الأشياء تارة ومثيرين لجمل الاعتراض والوعيد تارة أخرى .. وفجأة يذهب الجميع وتبقى وحدك في صمت مطبق لا تجد إلا آثارهم وتنظر اليها بحنين وشوق وتتذكر مع كل أثر كا ما دار حوله ؟؟

هو نفس الشعور ولكن عشرة أضعاف على الأقل ..

هذا ما كانت تشعر به وفاء ..

فبعد حوارها مع محمد لم تلتق به الا مرة واحدة .. وكانت أقسى محاورة دارت بينهما وأشدها ألما ..

أخبرها أنه يكن لها مشاعر جميلة ورائعة لم يجربها من قبل ..

ومشاعره هذه تجبره بأن يختفي تماما من أمام ناظريها ..

حاولت أن تفتح معه جميع أبواب النقاش ولكنها كانت موصدة وبقوة ..

حتى حينما قالت بأن يتعامل معها بنفس المودة ولكن كأخت له .. قال لها بأن هذا محال وأنهما يخدعان نفسيهما إن فعلا .. فالله عز وجل وضع تلك المشاعر وليس لها الا مسار واحد ومن المحال أن يتلاعب بها البشر ويقنونها كيفما شاءو ..

وأخيرا أخبرها بأنه أبدا لن يستطيع دخول شبكة الانترنت هذه مرة أخرى وأنها المسئولة الوحيدة عن موقع نور الشمس وأوصاها به ..

وأخيرا انطلق ولم يظهر بعدها ..

تلمست أخباره من أمينه لمدة شهر واحد .. بعدها أنهت امينة فترة تدريبها بتلك المستشفى وانطلقت لمرحلة التكليف الإجباري في محافظة أخرى ..

وبهذا انقطعت بها كل السبل عن التواصل معه ..

وكل يوم تدخل شبكة الانترنت .. تفتح بريدها وهي تأمل أن تجد منه رسالة أو حتى تهنئة بعيد أو أي مناسبة ..

ولكن كان يقابلها العدم دوما ..

ولكنها كانت تسهر وتعمل في الموقع وهي تشعر بوجوده معها ..

تنسق موضوعا وتتذكر تعليقاته التي كانت تحوي مزيجا جميلا من الثناء والتوجيه وبعض المرح ..

تضع تصميما جديدا وهي تتوقع كلمات الاطراء التي سيقولها وتبتسم راضية عن نفسها وكأنها قد تلقت تلك الكلمات فعلا ..

كان عملها بالموقع حوار روحي معه في عدم وجوده .. وكم كان هذا يشعرها بالأنس والراحة كثيرا ..

ولكن في نهاية اليوم حين تعود بظهرها الى الخلف بعد اغلاقها لجهازها .. يتملكها الحزن والألم .. ولا تتحمل فكرة أنها لن تراه أو تحدثه مرة أخرى ..

مر عليها سبعة أشهر لم تيأس أبدا من فكرة أنها ستفتح بريدها وستجد رسالة منه

كان يتملكها يقين بذلك ..

ربما لأنها لم تكن معه تمر بنزوة شعورية ..

أو لأن معرفتهما كانت صافية نقية مجردة من كل الأهواء ..

كانت تثق بأنها حتما ما دامت كانت مخلصة وفية .. ولم تتعد حدود الله بأن الله عز وجل سيكرمها ويحقق لها أمانيها ..

مرت الأشهر السبعة ولم يهن شوقها له والى الأيام والليالي السالفة التي كانوا يتحاورون فيها ..

ولم تنسه أبدا مثلما زعم بأنها بمرور الوقت ستنسى وتعود الى طبيعتها وحياتها كما كانت في السابق ..

واليوم وهي تفتح بريدها وبسرعتها المعتادة جرت ببصرها على عناوين الرسائل الواردة كي تجد اسمه بينها ..

وكاد قلبها أن يكف عن النبض وشعرت بأن بصرها حتما به زيغ ..

فقد وجدت اسمه فعلا ..

فركت عينيها بقوة وأعادت النظر .. حقا إنه هو محمد عياد ..

ولم تطق صبرا .. فقد فتحت الرسالة ..

وبعد أن قرأت فحواها .. أخذت تلطم نفسها وقامت لغسل وجهها بالماء البارد كي تتيقن بانها ليست حالمة .. بل لقد طلبت أباها بالهاتف وحدثته كي تثق فعلا أنها بدنيا الواقع ..

فقد كانت الرسالة تحوي مفاجأة لا يمكن تصديقها أبدا ولا بأي مقياس ..

مفاجأة جعلتها أغلقت الجهاز وقامت لتنام كي تصحوا مرة أخرى للتيقن أنها فعلا لا تحلم .

*****

رغم أن خطاب التوصية الذي حصل عليه هاري للعمل بالجيش الأمريكي كان يوصي بعمله في إحدى الوحدات الحسابية بالجيش وذلك استنادا الى خبرته وبراعته في ذلك .. إلا أنه خضع لمعسكر تدريبي شاق على فنون القتال الحديثة حيث أنه سوف يُلحق بإحدي وحدات مشاة البحرية الأمريكية ولهذا يجب على كل من يلتحق بها التدرب جيدا على الاشتباك مع العدو ..

ثلاثة أشهر أجاد فيها الرماية وتكتيك الهجوم والانسحاب كوحدة مشاة والاشتباك اليدوي كذلك ..

وعندما ظن بأنه انتهت بذلك فترة المشاق وانه سوف يأوي أخيرا الى مكتبه وممارسة مهنته التي يسعى اليها ..

فوجيء بأنه التحق بمعسكر خاص لمدة اسبوعين .. وكانت دورة تثقيفيه سرية لا يخضع لها الا فئة معينة ..

ووقتها علم بالفاجعة .. فهو يتبع احدى المجموعات المخطط لها الذهاب لدعم الوحدات المقاتلة بالعراق ..

وقتها شعر بالارض تميد تحت قدميه .. وأن نهايته أقرب اليه من حبل الوريد ..

كان كل أمله أن يكون في مكان هاديء لا صراع فيه .. هذا إن كان خارج الولايات المتحدة .. وإذ به يصدم بأنه سوف يكون في فم الجحيم .. وفي أكثر نقاط العالم اشتعالا ..

كان يشعر بأنه قد وقع في مصيدة لا فكاك منها ولا سبيل للتراجع عنها ..

كان زائغ النظرات شارد الذهن وهو يستمع لمحاضرات تلك الدورة التثقيفية ..

كانت تدور حول الحرب المقدسة التي سينطلقون لخوضها .. وأنهم جنود الرب المختارون .. وكم أنهم محظوظون بذلك ..

كانت محاضرات عن تاريخ الجيش الإسلامي القديم وعن صراعه مع القيادة الميسيحية القديمة وكيف كانت هزائم القيادة المسيحية تتوالى على يديه ..

وعن المذابح التي قام بها المسلمون في أوروبا وامتهانهم للبشرية وحقوق الانسان .. حتى أنهم كانو يتقاتلون فيما بينهم لأجل السيادة ..

وكم من أخ قتل أخاه وابن نحر أباه لأجل أن يكون هو قائدا لجيش ينطلق في قلب أوروبا ليجعل شوارعها انهارا من دماء أهلها ..

وكيف كانت بغداد هي أكبر عاصمة لقيادة العالم الإسلامي .. والآن يقترب وعد الرب من التحقق على أيدي أبنائه المصطفون .. وذلك من قلب تلك العاصمة الإسلامية القديمة التي ما زالت في قلوب أبناء المسيح رمزا بارزا لسيادة المسلمون عليهم في العصر القديم ..

كان هاري كثيرا ما يحتج ويعترض ..

كان يقول لهم بأن الحملات الصليبية وإن كانت باسم الرب إلا انها تنافي روح تعاليمه ..

فأبانا الذي في السماء يقول لنا .. يتم هنا اضافة كل آيات الانجيل التي تدعو للحفاظ على النفس البشرية وحرمة قتلها مع ذكر رقم السفر

فكيف ننطلق نحن لإسالة كل تلك الدماء ..

قالوا أولا بأن العراق يحوي أسلحة دمار شامل تهدد واشنطن نفسها .. واستبان كذب كل ذلك .. والآن تقولون بأنها حربا مقدسة باسم الرب .. في حين أن قادة الحرب على العراق هم أصحاب كبرى شركات البترول العاملة في الشرق الأوسط .. فهل تخدعوننا لنذهب ونريق دمائنا كيف يزداد رصيد هؤلاء القادة في البنوك ؟؟

ويتم الرد عليه بأن منطقة الشرق الأوسط مميزة ومختارة والسيطرة الأمريكية عليها ستوطد السيادة الأمريكية على العالم أجمع ..

كانت حليفتهم اسرائيل تقوم بالدور المطلوب منها قديما ولكنها الأن أضعف من أن تقوم بهذا الدور وحدها .. ولهذا وجب التدخل المباشر ..

والسيادة الأمريكية هذه كي تدوم لابد وأن تكون مباركة من الرب .. ولهذا حينما تكون غايتنا هي الانتقام من اعداء الرب وتمهيد أرض الميعاد له ..

حتما سينصرنا مهما كانت المصاعب ..

وإن كان بعض القادة لهم غاياتهم الخاصة .. فلنحققها لهم ولكن في النهاية يكونون هم أداة تحقق غاية الرب نفسه بنزع سيادة تلك الأرض المقدسة من يد أعدائه

بل ومحوهم منها ان استطعنا ..

وازدادت جرعة بث الكراهية وروح الانتقام في نفوس كل الجنود بصورة مكثفة ..

وعندما انتهت تلك الدورة ..

كان هناك تقريرا سريا يوصي بابعاد هاري تماما عن كل أماكن قيادة الوحدات ..

ولهذا عندما استقرت وحدته هناك بالعراق فوجيء بمصيبة أخرى تحط فوق رأسه

فقد كان ضمن فرقة مقاتلة ستتوجه لمنطقة الفلوجة .. ولا علاقة لما سيقوم به من مهام بالمحاسبة من بعيد أو قريب .. فهو سيحمل بدلا من قلمة بندقية آلية تقذف بدلا من الحبر رصاصات تحصد الأرواح هذا ان استقرت روحه مكانها فترة تسمح له بأن يفعل ..

****

كان وجه هاري يصطبغ بلون أسود كباقي زملائه الذين على وشك الانطلاق لعملية مداهمة ليلية لوكر مجموعة إرهابية عراقية ..

كان قائدهم يكرر لهم التعليمات للمرة الأخيرة ..

ذكر لهم خطة التوغل عبر أحد المزارع بهدوء ودون صوت ثم مداهمة ذلك البيت المنعزل هناك .. وسوف تكن هناك فرقة وقاية بالمؤخرة لمنع هجوم من الخلف ..

وكانت أهم تلك التعليمات هي محو جميع صور الحياة داخل ذلك المنزل ..

وعندما تسائل هاري لما لا نسعى لإعتقالهم واستجوابهم لإيقاع بقيتهم بدلا من قتلهم فسيولد غيرهم الكثير .. قال له القائد باستهجان إن استطعت اعتقال احدهم فلتفعل أيها البطل الخارق ..

وأكد القائد مرة اخيرة بأن الطفل الصغير أو المرأة الرقيقية التي قد تجدونها وينفطر قلبكم لأجلها قد تكون متلحفة بحزام ناسف وستكون في نشوة هائلة حينما تفجر نفسها لتري بقاياكم تتناثر معها ..

لهذا القتل الشامل السريع لكل من سيتواجد هناك هو أبسط الإجراءات التي يجب عليكم اتباعها ..

وانطلقت المجموعة مدعومة بالآليات الثقيلة والمدرعات ..

وعند منطقة المزارع انسل الجنود بسرعة وزحفوا حتى وصلوا الى المنزل ..

كانت لديهم خريطة تفصيلية للمنزل بمداخلة وحجراته وطبقاته ..

وكان مخططا لكل منهم مداهمة جزء منه والقضاء على كل من فيه ..

كان دور هاري أن يهاجم حجرة واحدة فقط به ..

وعندما تم تحطيم الأبواب فجاة وبصوت مدو يصم الآذان .. كان صوت اطلاق الرصاص يثير الرعب في النفوس ..

كان المشهد كانما انفتحت فوهة من الجحيم على هذا المنزل ..

انطلق هاري الى الحجرة الملزم بالقضاء على من فيها ..

كانت حجرة منعزلة وفي آخر الرواق ..

دفع الباب بقدمه بقوة انهارت تحتها اخشابه وهم باطلاق نيرانه بعشوائية مدروسة تدرب عليها .. ولكن ..

كان أعدائه الذين يهددون الامبراطورية الأمريكية ليسو سوى إمرأة عجوز متهالكة تضم في أحضانها طفلين صغيرين وتسيل عبراتهم جميعا في صمت ولا يكف جسدهم عن الارتجاف بعنف وهم ينتظرون الموت في استسلام تام ..

ارتج هاري من أعماقه لهذا المشهد القاسي ..

انفطر قلبه وهو يحاول الضغط على الزناد منفذا تعاليم قادته ..

كانت التعاليم هذه التي استقرت في وجدانه وتدرب على طاعتها بتلقائية .. تتصارع بقوة وعنف مع طبيعته وبشريته وانسانيته ..

كان يبحث عن مبرر قوي يجعله يتخلص من شعوره هذا بالذنب كي ينفذ مهمته الأولى بنجاح ويتغلب على ضعفه .. ولم يجد ..

حتى عندما استحث نفسه بعقاب اليم سيناله إن لم يقتلهم .. ارتعدت انامله أيضا ولم تضغط على الزناد ..

وحدث نفسه إن لم يقتلهم سيأتي رفاقة ليفعلو وبهذا سيموتوا أيضا بينما يخسر هو نفسه لأجل هدف لم يتحقق ..

وأخيرا .. تمعر وجهه بألم عنيف ..

واستجمع قواه وضغط على زناده بصورة مستمرة حتى أفرغ خزانة رصاصته تماما .

*****

ارتجت المنطقة بصوت انفجارات ورصاصات تنطلق عند المؤخرة .. مما يوحي بمعركة عنيفة تدور بين تلك القوات المسئولة عن حماية مجموعة المداهمة وأفراد المقاومة العراقية .. وارتفع صوت قائد المجموعة بالانسحاب السريع ..

انسحب الجنود بسرعة والهلع والرعب يتملكهم .. فبعد أن كانو يملكون ناصية الأمور ويشعرون بقوة لا مثيل لها وهم يمحون كل من أمامهم .. وجدوا الخطر الحقيقي يأتيهم من خلفهم ..

ولهلعهم وخوفهم تفرقوا في عشوائية غير مدروسة ..

انطلق هاري وهو يتلفت حوله ظانا بأن شيطانا سيبرز له من وسط المزارع ليذيقه كل آلام الجحيم التي يستحقها .. كانت الانفجارات تتوالي بقوة وعنف .. واللهب يتصاعد أمامهم منيرا الليل بأفضل مما تفعل الشمس ..

وبينما هاري غارقا في ذعره تعثر وسقط ..

وكانت سقطتة في فوهة بئر عميقة ..

هوي ما يقرب من ستة أمتار والتوت قدمه تحته وحين ارتطامه بقاع البئر صرخت كل أعضائه بالألم العنيف ..

وشعر بان قدمه تنسلخ منه ..

وجلس هاري يبكي بحرقة وقد تيقن من أن النهاية أتية إليه بعد لحظات ..

حتى أنه فكر أن ينهي حياته بيده بدلا من انتظار الموت وهو متوقعا أشكالا عدة له .. أبسطها سوف تكون عبارة عن سلخه وشيه على نار هادئه انتقاما لما فعلته مجموعته بأهل المنزل ..

كان كلما ارتفع صوت انفجار كأنما يدوي بداخله هو ويبعثر روحه ومشاعره أشتاتا

وكلما سمع حفيف أوراق النبات بالأعلى .. يكتم أنفاسه بصعوبة بالغة وعينيه تتسع في رعب منتظرا أن تطل عليه فوهة بندقية لتفرغ رصاصاتها بجسده ..

وأخيرا ...

بعد ثلاث ساعات من الصخب القاتل سكنت الأجواء ..

وساد الصمت كل شيء ..

وهاري مستلق في قاع البئر .. تورمت قدمه بقوة ولم يعد يستطع تحريكها .. وتجمد الدم فوق جروحه المثخن بها ..

تذكر هاري أيام الجامعة ..

تذكر زملائه ومرحه معهم والبساطة التي كان يعيش بها ..

تذكر تخرجه واستطلاعه لمستقبل باهر وسعيد تملئه الأحلام الرائعه ..

لم يخطر بباله يوما أن نهايته ستأتي اليه في قاع بئر قذرة وفي حرب لا يؤمن بها ولا بأهدافها ..

ما ذنبه ليقضي هكذا كالجرذ ؟!! ..

كان صوت نحيبه يغطي على أفكاره ولم يستطع منعه أبدا ..

وأخيرا تحقق ما كان ينتظره ..

فقد أطل عليه وجه قاس ثم صرخ بجملة عربية لم يعرف قط ما كانت تعني

وأغمض عينيه منتظرا للرصاصات التي ستخترق جسده باستسلام تام .

*****

على الشهابي .. رجل مصري بسيط .. موظف بالجمعية الزراعية بإحدي القرى المترامية حول مدينة طنطا ..

يؤمن ايمانا يقينيا بأن الحياة تحوي القليل من الفرص ومن يستطع التقاطها يتبدل حاله تبدلا كليا ..

وفي كل يوم يمر عليه يحاول البحث عن تلك الفرصة الخيالية التي ستحمله على جناحيها وتقفز به فجأة الى القصور الفارهة والحدائق الغناء ..

كل الإعلانات التي يغص بها التلفاز عن مسابقات جوائزها مبالغ خيالية لم يمل أبدا من الاشتراك بها ..

زوجته التي تشتكي اليه ومنه ومن أفعالة وخباله وكيف أن أبنائه أولى بكل مليم يهدره على خيال لا أمل في تحقيقه ..

وهو يقول لها حين يتحقق ستندمين وقتها على كل حرف تفوهت به .. وستعلمين أني كنت على حق ..

وحتى عندما تأتي زيارت من المسؤلين الكبار الى القرية وهو شيء نادر جدا .. كان يستعد لها بطرق غريبة معتقدا بأنه لو لفت الانتباه فقد يختاره ذلك المسئول لمكانة جديدة تليق به وتكن الخطوة الأولى في ارتقاء سلم التغيير ..

كم من قصائد دفع أموالا باهظة كي يكتبها له شاعر نصف موهوب وتكن مسجوعة باسم ذلك المسئول ..

واللافتات الكثيفة الزاهية التي تزين مداخل ومخارج القرية .. وكان يعد الوليمة آملا أن تجمعه مائدته بذلك المسئول .. ولكن كل ذلك كان يذهب أدراج الرياح ..

واليوم وهو جالس بملل يقرأ إحدى الصحف الرسمية التي لا تعج الا بتصريحات المسئولين .. وكل فينة وأخرى تمتد يده بمنديلة القماشي العريض ليمسح به عرقه

دخل عليه ذلك الرجل ..

كان رجلا متأنقا تسبقه رائحة عطره المميزه .. وتحجب عيناه نظارة سوداء داكنة

تعطيه الكثير من الغموض والوقار ..

ما إن رآه على حتى هب واقفا وهو يشعر بأن الرجل يتبع هيئة سياسية رفيعة المستوى ..

رحب بالضيف ترحيبا حارا وهو يحاول استراق البصر بالخارج كي يرى بقية الحاشية .. ولكن لم يجد أحدا سواه ..

وأخيرا تكلم الضيف الغامض وقال له ..

.. (( معذرة هذه أول مرة آتي فيها الى قريتكم ولي خدمة أتمنى لو تقدمها لي .. ))

دق قلب على بعنف .. الرجل تبدوا عليه الأهمية الكبرى وحتما بيده الكثير من السلطات .. ويطلب منه خدمة وبرجاء شديد ..

حتما هذه هي الفرصة التي كانت يتوق اليها طوال عمره .. سيمد هذا الرجل بما يريد .. وبالطبع سيكون لها مقابل .. وهذا المقابل لابد وأن يعادل أهمية الرجل ..

ولهذا قال في شجن لم يستطع منعه ..

.. (( القرية كلها في خدمتك .. ترى ما هي تلك الخدمة ؟؟ ))

تنحنح الرجل وأخرج سيجاره ودعي على لتناول واحدا ولكنه اعتذر لأنه لا يدخن ..

ومن بين سحب الدخان نطق الرجل وقال ..

... (( عشرة أفدنة زراعية تابعة لجمعيتكم الزراعية منها فدانان محاطان بالعمران من كل الاتجاهات ولم تعد أرضهما تصلح للزراعة .. ولقد تقدمنا بطلب ضمهما للعمران وكدنا نصل لذلك ولكن يلزمنا الأوراق الثبوتيه لتلك الأرض ..ومن ضمن تلك الأوراق شهادة من الجمعية الزراعية بموقعها وملكيتها .. ))

كاد قلب على أن يتوقف وهو يشعر بأنه قاب قوسين أو أدني من حلم حياته ..

فقال وهو يهمس بصوته كانما يخشى أن يسمعه أحد ..

.. (( وما اسم سعادتك وما هي المنطقة التي بها الأرض ؟؟ ))

تنحنح الرجل في وقار وقال ..

.. (( في الحقيقة الأرض ليست باسمي فهي باسم أختي المتوفاة واسمها .. هنية إسماعيل الخضري .. ))

.. التقط على المعلومة وقلبها بسرعة في ذهنه ووجد من خلالها المنفذ الذي يريده فقال ..

.. (( في الحقيقة هناك حظر كبير على الوثائق الخاصة بالأراضي الزراعية التي يتم نقلها لحيز العمران وإن خرجت وهذا يتم بصعوبة شديدة .. فهي لا تخرج الا لصاحب الأرض شخصيا .. وفي حالتك هذه يلزمنا إعلام وراثة وتوكيل رسمي من الورثة جميعا .. ))

ابتسم الرجل وقال ..

.. (( أعتقد بأن لديك حلا لكل هذا .. أليس كذلك ؟؟ .. ))

ابتسم على في فرحة شديدة وقال وقد بدا التفاوض بسرعة لم يتوقعها ..

.. (( أعتقد أن ثمانية فدادين زراعية وفدانان عمران ثروة كبيرة تقدر بالملايين .. ولهذا يستحقوا العناء وكل مليم يدفع فيهم .. ))

.. (( خمسة آلاف جنيه مبلغ رائع أنت تستحقهم مقابل ذلك .. ))

انعقد لسان على ولم يستطع التفوه بحرف ..

أتته الفرصة التي ينتظرها طوال حياته .. ويخشى أن يفوتها دون استثمارها بالطريقة اللائقة .. لذا قال ..

.. (( دع ذلك حتى أجد الوثائق التي تطلبها .. وعلى حسب مشقة الوصول اليها سوف نتفق .. ))

وافقه الرجل واتفقا على اللقاء بعد خمسة أيام ..

وانطلق الرجل وعلى لا يستطيع ملاحقة أنفاسه المتسارعة ..

وكم كان محظوظا لأنه كان الموظف الوحيد المتواجد في ذلك اليوم بالجمعية الزراعية ..

وعلى الفور انطلق باحثا وسط أكوام الملفات والأوراق عما يطلبه الغامض ..

وحين وجدها .. كانت هناك مفاجئة لا مثيل لها ..

مفاجئة جعلته يرتج من أعماقه حتي أنه كاد أن يغشى عليه ..

مفاجأة جعلته مؤمن ايمانا تاما بأن من يؤمن بحلم ويجعله كل هدف حياته فحتما سيصل اليه ..

*****

.. (( ومتى ستكون عودتك هذه ؟؟ ))

نطق الغامض بتلك العبارة أثناء محادثته الهاتفية مع على .. الذي رد عليه قائلا ..

.. (( حينما أستخرج لك الوثيقة حتما سأكون عندك بعدها بسويعات .. ولكن يجب أن تعلم أن مشقة وتكاليف ذلك غالية جدا الآن .. ))

رد عليه الرجل بضجر قائلا ..

.. (( لا تهم التكاليف مهما كانت .. ولكن لتنهي هذا بسرعة .. فأنت منذ ثلاثة أشهر تسعى خلفها ولم تحصل عليها حتى الآن .. ويبدوا أنني سأبحث عن غيرك ليعثر لي عليها .. ))

انفعل صوت علي وهو يقول ..

.. (( استحلفك ألا تقدم علي هذه الخطوة ولا تضيع جهدي هباءا ..فليس بعد كل ما وصلت اليه يأتي غيري ليحصد نتيجة تعبي أنا .. ))

.. (( إذا لتنهي هذا كله الآن وبسرعة .. ))

تفصدت جبهة علي بالعرق وهو يقول

.. (( حسنا أعدك بهذا .. )) ..

ووضع سماعة هاتفة وكيانه كله يهتز بعنف وقوة ..

فقد أصبح الآن على مفترق الطرق ولابد وأن يحدد وجهته ..

فحين اكتشف حقيقة تلك الأرض وهو يلعب بالنار ..

فقد كانت تلك الأرض ليست ملكا للمتوفاة .. وإنما كانت قصتها عجيبة ونادرة ..

وشرد ببصره وهو يتذكر قصتها ..

فقد كان صاحب الأرض الفعلي هو أحد كبراء ووجهاء القرية المجاورة ..

كان متزوجا ولديه ولدان ويعيشون جميعا في سعادة ..

وكان له صديق في هذه القرية التي يعيش بها علي من أقرب وأحب الناس الى قلبه ..

وشاءت الأقدار أن يتزوج صديقه هذا زيجة عجيبة ..

فمن بين كل فتيات القرية لم تعجبه إلا ابنه العائلة التي تكن لهم أشد العداوة والبغضاء .. كان الصراع بين العائلتين صراع سرمدي منذ أن نشأت جذورهما ..

هو نفسه لا يعرف ما أساس ذلك الخلاف .. ولكنه تربي على كراهيتهم ومعاداتهم وفقط ..

وكما يحدث في الأفلام والمسلسلات .. اختارها واختارته .. واجها العنت والسباب من الناحيتين .. فما كان منهما الا أن تزوجا بمباركة أخ لها هاجر وترك القرية ويعيش بالقاهرة منذ أمد ولا يعترف بذلك العداء ولا يقر بأسبابه التي لا يدريها أصلا ..

وبالطبع كانا منبوذين وكل يوم تتهددهما كل الأخطار ..

وأخيرا وفي حادث سيارة أليم لا يدرون إن كان مدبرا أم قدرا حدث .. توفي زوجها وخضعت لعدة جراحات كي تنجو بحياتها وكان أبسط آثار تلك الحادثة هي فقدها لجنينها واصابتها بعقم أبدي ..

وبعدها أصبحت الذليلة التي فقدت كل عون لها من البشر ..

ولم يتبق لها سوى اللجوء لله عز وجل ..

وقد أرسله الله عز وجل لها ..

الصديق الوفي من القرية المجاورة ..

فكي ينقذها من العنت والعذاب اللذين تقاسيهما .. تزوجها ..

ولكي لا يؤذي زوجته وأبنائه ..

جعل زواجه بها سريا معلوما لأهلها وقريتها فقط وتقيم في تلك القرية بعيدا عن أسرته ..

وعندما شعر بدنو أجله ..

ولعلمه بأنها لا ولد لها ولن يكون ..

نظر للمستقبل بعين ثاقبة ..

أسرته لا تعلم شيئا عنها .. ولا يستطيع التسبب لهم بصدمه قبيل وفاته ..

وبهذا قد لا تنال نصيبها من الإرث ..

فماذا يفعل ؟؟

اشترى عشرة أفدنة وجعلهم وقفا لها مدى حياتها ..

وبهذا تستطيع أن تعيش حياة كريمة بعد مماته ..

وحين يأذن الله بميعاد وفاتها .. تعود الأرض لذريته ..

ولكن بعد وفاته .. حدث ما لم يرد بحسبانه ..

فإخوانها رغم حياتهم الجاحدة لها بعد مماتها استولوا على تلك الأرض واستنفعوا بها الى أمد بعيد .. وبالطبع ورثته الفعليين لا يعرفون شيئا عن تلك الأرض ..

وأخيرا أذن الله عز وجل أن تظهر كل الحقائق ..

وهكذا ظهرت حقيقتها لعلي ..

فحينما اكتشف أن الأرض ليسا ملكا ولكنها وقف لصاحبتها ..

لم ينم ليلتين متتاليتين بسبب التفكير والتخطيط لما سيقدم عليه ..

فكر بأنه لو ذهب إلى أصحاب الأرض الفعليين وهم ورثة الرجل صاحب الوقف

حتما ستكون مكافئته أكبر لأنه سيأتي اليهم بثروة لم تخطر لهم على بال ..

و فكر بأن يهدد الرجل بإفشاء سر الأرض .. وبهذا تزيد مكافئته أكثر وأكثر ..

وأخيرا قرر إمساك العصى من المنتصف ..

فأخذ يماطل الرجل الغامض ويخبره بأن استخراج الوثيقة تحتاج لإجراءات كثيرة وسفريات عدة الى القاهرة ..

وفي نفس الوقت بدأ البحث عن أصحاب الأرض المستحقين لها ..

وصدم بمشاق ومصاعب لم يتوقعها ..

فبعد علمه باسم زوج السيدة وقريته ..

ذهب الى القرية يبحث عنه ..

فوجيء بأن الرجل قد توفاه الله منذ أمد بعيد ..

وحينما سأل عن ولديه ..

اكتشف أن أحدهما خدع الآخر واستولي على الميراث كله وباعه وعندما حصل على الثمن هاجر الى كندا ..

والآخر لم يتحمل أن يري ملكوت أبيه أمامه وهو لا يملك قوت يومه ..

فهاجر هو الآخر الى القاهرة ولم يعد بعدها أبدا ..

ظل يتحرى عن كل الأقارب لهما عل أحدهما على صلة بذلك الأخ المقيم بالقاهرة ..

ولكن كل آثارة كانت منقطعة تماما ..

وعندما علم بأنه كان يعمل مدرسا في مدرسة القرية ..

استنتج بأنه حتما قام بنقل الوظيفة الى القاهرة ..

ذهب الى المدرسة ولاقي الأمرين حتى استخرج وثيقة طلب نقله الى القاهرة ..

وعلم منها الإدارة التي تم نقله اليها بالقاهرة ..

وذهب الى تلك الإدارة ..

وظل أكثر من شهر يبحث عنه ..

ولم يعثر عليه أبدا ..

واليوم كاد صبر الطرف الآخر أن ينفد .. ولاح اليه بأنه سيفقد كل ما كان يسعى اليه على الجانبين ..

واليوم وبصدفة عجيبة ..

وفي الصفحة الرئيسية للجريدة الرسمية التى لا يقرأ سواها يوميا ..

وجد الخبر ..

وكأنما وضع هذا الخبر لأجله خصيصا ..

نقابة الأطباء تهنيء الطبيب المثالي لهذا العام .. الطبيب محمد السيد عياد

وعياد هو اسم الرجل زوج السيدة المتوفاة وابنه المقيم بالقاهرة اسمه السيد ..

فترى هي مصادفة أم مجرد تشابه أسماء ؟؟

ولكن اسم عياد من الأسماء القليل تكرارها ..

ولهذا ..

قرر أنها ستكون محاولته الأخيرة ..

سيذهب اليه .. وان لم يكن هو .. سيعود ليكمل المسيرة مع الجانب الآخر ..

*****

.. وهكذا في أقل من لمح البصر تبدل حالنا من النقيض الى الضد وقد كان ذلك بالطبع بعد صراعات عدة .. وهكذا صدق فينا قول الحق تبارك وتعالى حين قال .. وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم .. فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا .. وقوله سبحانه جل في علاه .. ومن يتق الله يجعل له مخرجا .. ويرزقه من حيث لا يحتسب

خطت هذه العبارة على شاشة الحاسب الذي تستخدمه وفاء أثناء حوارها مع محمد عياد .. وكان يختتم بها روايته عن قصة الميراث الذي برز لهم فجأة وعلى غير توقع ..

فكتبت له تحدثه قائلة ..

.. (( حين قرأت بريدك المفاجيء لي .. الذي كنت تطلب مني تحديد موعد أجازتنا بمصر حتى تستعد للتقدم لخطبتي من أبي .. كنت أشعر بأني أحلم وأن هذه هلاوس لا واقع لها .. )) ..

.. (( والآن هل أصبح معلوما لديك متى موعد عودتك الى مصر ؟؟ ))

.. (( سوف يكن هذا بعد ستة أشهر إن شاء الله .. ))

.. (( سأنتظر مرورهم على أحر من الجمر .. ))

وبعد ستة أشهر كانت تحلق إحدى طائرات الخطوط الباكستانية المصرية في سماء الأرض .. وبداخلها تحلق وفاء في آفاق الفرحة والسعادة ..

كانت تعلم بأن الرحلة طويلة .. وستمر عبر بلاد وجزر عدة ..

ولكن صفة الصبر الجميل علمتها بأن كل شيء يمر وينتهي ..

وكفاها أنها تعلم بأن محمد يعلم موعد وصولها وينتظرها هناك بالمطار كي يكون في استقبالها مع والدها ..

وأخيرا سوف تراه في دنيا الواقع بعد أن عاشت معه في عالم معنوي رقمي وبينهما حجاب ..

فترى هل ستتغير انطباعاتها ومشاعرها نحوه حين تلتقي به وجها لوجه ؟؟

أم أن مشاعرها القوية نحوه سوف تقوض كل ما قد يكون سببا لعدم القبول هذا ؟؟

فالمرء منا حين تجتاحه المشاعر تعيد ترسيم كل الوقائع بما يتناسب معها ..

ظلت تموج بأفكارها ومشاعرها ..

وأخيرا تجاوزت الطائرة الحدود الباكستانية ..

وبدأت وفاء تعدد الدول التي ستمر عليها عبر رحلتها الطويلة هذه .

*****