ـ 2 ـ

10 0 00

ـ 2 ـ

"بنات آوى... تنتظر".

عند الفرات توقف موكب الباشا.

فنظروا جميعاً بانبهار إلى الماء الدافق بهدير صاخب، واسترسال، وأشجار الغرب العملاقة، تنحني كعرائس الجن على النهر، تغسل شعرها في مائه، بينما الطرفاء والنجيل الرابي، والعليق والعاقول، كل ذلك يشكل سدَّاً من الخضرة البائسة الوحشية، فتدبّ السلاحف النهرية، والطيور، وأفاعي الماء دون أن تُرى، عالم غريب، بكر وغامض، بعد تلك البراري المكشوفة.

ـ النهر غدَّار.

نبَّه الدليل البدوي، الذي أجرَّه الباشا، وهو على ناقته، يبحث عن شيء خاص، ثم تابع بعد قليل:

ـ حذار من الأسود والضواري، فهي تملأ الدغل.

وتجمع الموكب كتلة واحدة حول الدليل البدوي، فسأل الخادم العجوز:

ـ من أين نعبر؟! وكيف سيكون حال حيواناتنا؟!

ـ لا عليك، هناك مخاضة قليلة العمق نعبر منها حين نعود إلى الجزيرة في الشتاء، وسأدلكم عليها.

ـ متأكد من وجودها؟

ـ .....

لم يردّ البدوي على السؤال، بل استدار بناقته، وأشار لهم:

ـ اتبعوني.

فتبعه الموكب دون اعتراض.

وقادهم الدليل البدوي إلى المخاضة، فعبروا من هناك إلى الضفّة الأخرى من غير صعوبة تذكر، ولكنهم عانوا من الإبل، فهي تخاف الماء، ويعروها الذعر حين تدنو منه، ذعر غامض، وغير مبرر، فيضطرون إلى ضربها، ودفعها إلى الأمام. ولم يكُ الشيخ المجذوب خائفاً على شيء، قدر خوفه على زوج الماعز الشامي.

ـ لقد هوّن علينا الدليل البدوي الأمر، لولاه لكانت خسائرنا أكبر.

قال قره يوسف لإسماعيل الخازن. وهما يدفعان أمامهما الحيوانات والأحمال على ظهورها.

وعند بوابة البلدة الغافية على حجر وخراب، توقفوا، فترجل الباشا عن جواده المطهّم، ولم يكن في استقباله طبول تدق، أو أبواق تنفخ، ولا خلق يصطفون مبهورين بموكب الوالي الجديد، كل ما هنالك صمت، وسور أثري باذخ من الطابوق الأحمر والتراب، وحامت حوله طيور الشقراق، ترثي أجنحتها المكسورة، وهي تتجه إلى الفرات، مخلفة شوك البلاَّن والحمّيض خلفها.

ـ لقد انتهت مهمتك أيها البدوي.

خاطب الباشا الدليل الواقف إلى جانبه، ثم ألقى إليه بكيس النقود.. وتابع:

ـ وهذا أجرك.. إنك تستحقه.

واستدار الرجل بهدوء... ثم أطلق لراحلته العنان باتجاه مضاربه في بادية الشام. وهو مسرور بالصفقة والمال.

***

تقدم الباشا ومن خلفه حاشيته.

وقد راعه المصير الغامض الذي ينتظره في هذا الجحيم الحجري، كما راعه الحال الذي آل إليه، وقبل به على مضض ليس من طبعه، ولا جبل عليه، وكأنه منوم تنويماً مغناطيسياً.

وفي فضاء البوابة الهائلة، وعلى مبعدة قليلة من المدخل، انتصب برج مستدير، تهدَّم معظمه، لكنه ما زال قائماً بانتظار الحرس القادم، والقوافل العائدة من المدن البعيدة، محمَّلة بالحرير والتوابل.

ـ يا حيّ... أنت الحيّ.

صاح الشيخ المجذوب، وهو يتقدم بجرأة رافعاً يديه في الفراغ، يردّد تعازيمه. ورقاه، ليطرد كل شر، ومن خلفه زوج الماعز الشامي، فانتبه الحمام في الطوق، وجراء الذؤبان السائبة، وضبحت بناء آوى.

ـ يا لطيف... أنت اللطيف... فلطفك.

نده الشيخ بصوت حار، وعبر الموكب الحاشد، حيث السور الأثري يحضن خرائب المدينة، ولا شيء سوى الخرائب والدمن والشجيرات الرعوية، فاكتشف الباشا لأول مرة في حياته سطوة الهباء، وهيمنة اليباب، وروح المكان الوحشي، هنا لا قيمة لأحد، ولا مكان للفرح أو العزاء، حجر وتراب، كائنات سائبة في المغاور والبيوت الخالية، وقد عرّش الهالوك والكعوب على فراش الأرض.

ـ أيعقل ذلك؟!

وبحركة لا شعورية دسَّ الباشا أصابعه في فرو "القرصق" الذي يرتديه، فغرقت في النعومة الوثيرة، فاسترد الأمان لولا عودة طيور الشقراق، تطلق صيحاتها النائحة، فاندفع الشيخ المجذوب، يرتل أناشيده الصوفية، بصوت أجش ومؤثر، وكأنه يسير في جنازة الشيطان.

***

كعادته لم ينم الباشا.

كان متوفزاً، ما راود النعاس معاقد أجفانه، فقد حاصرته الصور والأشباح، والدماء التي سفكها، والرؤوس التي جزَّها، إنه مهدّد بعدو سري، لم يألفه من قبل، سلاحه الصمت، ومملكته الخراب، فتذكر حواري القاهرة وشوارع دمشق، وقصور الأستانة، وآخر زيارة لمس فيها يد مولانا السلطان بشفتيه، كانت بضَّة وطرية كبطن عذراء مدللة، تفوح منها رائحة العطر والدم والذهب، فالتاث وتعثر في خطواته، وهو ينسحب في أروقة القصر وردهاته، والدليل يقوده إلى جناحه الخاص في دار الضيافة العامرة، وهو يتوقع خنجراً ينتظره في أي منعطف، فسلاحه ليس معه، وأعداؤه كثر في كل مكان، أعداء خطرون، ومرهوبو الجانب.

وفي تلك الليلة سهر الباشا، رأى البوسفور والسفن وأضواء القصور، ولم يصدق قدوم الفجر، فلبس ثيابه على عجل، ثم انسل خارجاً، وحين استردّ سلاحه، عاد إلى فؤاده الأمن والقوّة.

وهنا لن يذكره أحد.

بل يكونون قد نسوه الآن، فمن أرسله إلى هنا، كان يريد الخلاص منه، وتدميره بطريقة شيطانية، لقد تم دفنه حياً في إيالة الخراب هذه، وسط موكب من بنات آوى، تشيعه، وتطلق عواءها في أثره.

لقد سلبه عدوه الغامض نعيم الولايات العامرة، وأحلامه، وتركه هنا، حيث يتساوى مع أحقر خادم في الحاشية، ولا فرق بين الذهب والتراب، بين الحرير والشوك، بين الموت والحياة، بين العقل والجنون.

***

وفي الصباح خرج الباشا من الصيوان.

كانت آثار السهر والأرق بادية على وجهه بوضوح، فواجه السور الباذخ وأكوام الحجارة والتراب، وخيام الحاشية المتناثرة، والأرض الغليظة، والصمت الثقيل الجاثم على المكان.

تقدم الخادم بالطست والإبريق، فانحنى الباشا، يغسل يديه ووجهه، فانتعش قليلاً، فهو ما زال حياً، وقادراً على الاستمرار، وهذا يكفيه الآن.

ـ أية أوامر.. يا مولاي؟

ـ القهوة جاهزة؟

ـ نعم.. يا مولاي.

ـ حسن..

ـ أين يجب أن يشربها مولاي؟!

ـ في الداخل.

كان الباشا يكره أن يظهر أمام حاشيته بمظهر الإنسان العادي، أو الضعيف، أو المهزوم، فسمعته الأسطورية، وقسوته الوحشية يجب أن يحافظ عليهما أينما حلَّ، فهما درعه الحصين الآن.

ـ قهوتك يا مولاي.

قال الخادم، وهو يقدم القهوة للباشا، فتناول الفنجان الذهبي بأصابعه الغليظة من الصينية، وبعد الرشفة الأولى، رفع عينيه اللتين لم تفارقهما تلك النظرة الذئبية الماكرة، والمتعطشة أبداً إلى سفك الدماء.

ـ هل يرغب مولاي في تناول الإفطار؟

ـ لست جائعاً... أمامنا عمل كثير.

ـ كما يريد مولاي.

وأمر الباشا بعد الفنجان الأول:

ـ النرجيلة.

ـ أمر مولاي.

ـ ثم ادعُ لي إسماعيل والشيخ وقره يوسف.

ـ أمر مولاي.

وبعد إعداد النرجيلة، كان الباشا قد لبس ثيابه الرسميّة، وجلس على الكرسي بانتظار قدوم رجاله لعقد الاجتماع المرتقب.

***

يجلس الباشا في صدر المكان.

مهيباً بثيابه الرسمية ونياشينه، وخنجره اليمني المعقوف، ولحيته الحمراء، يدخن بنهم ولذّة، ويستعرض وجوه رجاله، وحركاتهم، وهم يحتسون القهوة، ويصغون بانتباه إلى تعليماته.

ـ الرجال بلا عمل كالسمك بلا ماء، سرعان ما يفسدون، ويتعفنون، فيجب أن نجد لهم عملاً... أليس كذلك يا قره يوسف؟

وجه خطابه إلى قره يوسف.. فردَّ بإذعان:

ـ ما يراه مولاي هو عين الصواب.

ـ استطلاع المكان ضروري... جد لرجالك مكاناً مناسباً للمخفر، ولا تنس أن تضع عند النهر جماعة للمراقبة.

ـ أمر مولاي...

ـ وأنت يا إسماعيل... لست بحاجة لمن يشرح لك مهمتك.

ـ سيكون مولاي راضياً.

ـ حسن...

قالها بصوت هامس... ثم توجه بخطابه إلى الشيخ المجذوب:

ـ وماذا لدى شيخنا؟!

ـ كل ما يسر مولانا... ويبعد عنه الكدر وضيق الصدر.

ـ إذن ليبدأ كل منكم عمله.

ـ أمر مولاي...

وخرج الرجال من الصيوان متجهين إلى المعسكر بهمة وروح عاليتين، وكان أفراد الحاشية بانتظار الأوامر.

***

أسابيع مرَّت هكذا مثل سحابة غائمة.

تعطي للأشكال ظلالاً غامضة، وللأرواح فرصة للنزهة في الخراب اللائق بها، والباشا محاصر في الصيوان، يدخن، ويرسم خططه، ويبالغ في التدقيق، حتى لا تفوته فائتة، أو يسهو عن صغيرة من الصغائر.

ـ مولاي... المخفر جاهز... والمفرزة على النهر بدأت عملها. فهل من أوامر جديدة.

أعلن قره يوسف... فهزَّ الباشا رأسه وتمتم:

ـ حسن.. كثّف المراقبة.

ـ كما يحبُّ مولاي.

وانسحب بهدوء، وقد لاحت على شفتي الباشا شبح ابتسامة، سرعان ما انطفأت حين دخل إسماعيل الخازن, ليقدم تقريره.

المخفر... سرت اللفظة في الآذان.

فأعطى مدلولها معنى الهيبة والسلطة، فالخيمة التي نصبت تحت برج هائل من التراب والفخار المشوي في نهاية السور الغربية، أرادها الباشا أن تكون البداية، في مسرحية العبث التي يلعبها في هذا الخراب القاسي. أمَّا المفرزة التي أوكل إليها مراقبة حركة النهر، فأمرها أهون، فقد وجد الحراس تسلية في صيد السمك والإوز وطيور الصعو والحمام البري، ورغم عيون الضواري التي تطلّ عليهم في الليل، وحركة الخنازير البرية، فقد وجدوا أنفسهم أكثر أمناً وراحة في البعد عن الباشا السفاح والخراب الصامت صمت الموت.

ـ أتطول الحال؟

سأل حرسي شاب زميله الكهل فأجاب:

ـ ربك أعلم.

ـ هذه ليست ولاية.. إنها فخ للطرائد والموت الصامت.

ـ إنها بالنسبة لي استراحة...

ـ وهذه العزلة بعيداً عن البشر، والمدن، والأسواق... ماذا تسميها؟!

ـ العزلة إمَّا أن تصنع نبياً أو مجنوناً لا ثالث لهما.

ـ مضى عهد الأنبياء.

ـ لكن الحكمة باقية أيها الأرعن.

ـ تمتع بالحكمة كما تشاء.

قال بنزق وهو يراقب النهر يجري أمامه باتجاه الشرق، مرحاً وعجولاً، غير عابئ بما حوله من كائنات.

ـ هؤلاء الشبان، أطوارهم غريبة، يقتلون ويغتصبون وينهبون بدم بارد، ويخاف أحدهم من النوم وحده في الخيمة.

قال الحرسي الكردي الكهل، ثم استدار عائداً إلى الخيمة، يحلم بلحظات، يفيء فيها إلى روحه التي رهنها زماناً للشيطان، وهو يخوض حروبه الطويلة في الولايات المكتظة بالبشر والقصور والروائح الثقيلة، والزمن النائم في الحجارة والأبواب، وقد شهد من الفظائع ما يشيب له الولدان، وأشنعها ما ارتكبها مولاه، فلقد صهر بعض خصومه في الكلس الحي، وبعضهم الآخر صلبه على الأسوار أو سلخ جلده، أو أقعده على الخازوق، أو سمَّره من أذنيه بمسامير إلى الحيطان ليموت جوعاً وعطشاً.

ـ اللهم أعنّي على هذا الزمن الرديء.

قال الرجل، وكأنه يصلي، وقد جاءت إليه هذه المرة "دربند" مدينته، فأيقظت صفحات كانت مطوية داخله، فسألها:

ـ ماذا جئت تريدين؟

ـ أريد ابني؟ ابني الذي ضاع منذ أربعين عاماً.

ـ ابنك مات... مات.

وغطى رأسه تحت الوسادة وسط نشيج حار...

***

مظلَّة من عطر فاغم، انفتحت مثل حبة فطر عملاقة.

أطلقها الخادم العجوز في الصيوان، فاندغمت بالأجواء الأخرى، معبرة عن أناقة المكان ورياشه الفاخرة التي يعنى بها على الدوام "نوبار" بعشق ومودة، فالأشياء تعني له الكثير، وبرغم غطرسة الباشا المتعالية، وفظاظته الفجَّة، تظل العلاقة بينه وبين ملكياته حميمة جداً، وقد فطن نوبار إلى انصراف صاحبه عن السماع، مما يعني اهتمامه بأمور أكثر أهمية وإلحاحاً، فترك الغلام والجارية يستريحان.

ـ أحضر لك القهوة والنرجيلة إلى هنا... يا مولاي؟

سأل الخادم العجوز... فأجابه الباشا:

ـ سنشربها هذه المرة أعلى التل.

واستدار مشيراً إلى التل القريب... وتابع:

ـ ما رأيك نوبار؟!

ـ كما يشاء مولاي.

ـ سأسبقك مع الشيخ المجذوب.

ولاحظ الخادم أنَّ الباشا يناديه باسمه الأول لأول مرَّة منذ زمن بعيد، حين جاء به من أحد مطاعم اسطنبول، ليشرف على خدمته، ويقوم بشؤونه من طعام وشراب، فهو حذر وشكاك لا يخشى عدواً قدر خشيته من السمّ، وهو السلاح المفضل عند سادة هذا الزمن القساة، وباشاواته العتاة.

ـ ما علينا...

هزّ رأسه، وراقب الباشا، يصعد تلاً عالياً، ومن خلفه الشيخ المجذوب، وقد فاحت رائحة البن والهال والتبغ، فعادت إلى خاطره صور من حدائق القصور التي حلَّ بها مولاه من قبل في عكا وطرابلس وبيروت وأنطاكية، حيث يفوح عبق النسرين والفلّ، والجوري والثراء العامر، وأنفاس الحسان، عالم من الورود والذهب والرخام والأضواء الغامرة في القاعات المذهبة الفسيحة.

وهاهو مولاه اليوم، يغسل يديه في العراء كأيِّ فلاح قروي فقير، ويصعد التل مثل أرنون جبلي.

ـ يا له عالماً!!

ردَّد بصوت خافت، ثم أردف وأصابعه تعالج التبغ المعجون:

ـ إرادة الرّب... يا أم الرّب.

ولم تتوقف أصابعه عن العمل.

***

وقف الباشا على قمة التل لأول مرة.

كان يلهث، وخلفه الشيخ المجذوب، يجرِّر قدميه، فرأى المخيم بكامله في السهل، وهو الجزء الوحيد الحي في ذلك الخراب، وحين استدار، شاهد زرقة السماء الناهضة، وأسراب العصافير، والغيوم العابرة.

ـ سبحان الدائم مَنْ له الدوام.

رتَّل الشيخ المجذوب، ثم اقتعد الأرض، وهو ينهت كحصان عجوز، خانه الوقت والمسافات الغادرة، وكل ما حوله من فضاءات، يشي بالخوف من القادم.

وجاء نوبار بالقهوة والنرجيلة، ومن خلفه الخدم بالبساط والوسائد، فألقى الباشا بثقله، يستقبل فنجانه الأول، وقرقرة الماء، بينما انصرف الشيخ إلى سبحته، يبثها أشواق أصابعه، وقد ربطت القهوة بين الاثنين.

ـ مولاي...

هتف الشيخ بجراءة لم يعهدها من قبل.

ـ نعم.

ردّ الباشا بآلية... وسط دخان كثيف، وكأنه يخاطب خيالاً.

ـ من أحبه الله ابتلاه.

ـ حسن.

ـ لا بدَّ من إشارة يا مولاي.

ـ لا بدَّ.

ـ يقول القائل.

ـ وماذا يقول؟

ـ يقول: إذا درّت نياقك فاحتلبها

فلست تدري لمن يكون الفصيل؟!

ـ يكون لي، والنياق لي والزمان لي.

ومضى الباشا يدخن، ويحسو قهوته، ويزين الأمور بميزان من الذهب.

***

وقف الشيخ المجذوب.

ثم نظر إلى الجانب الآخر، فرأى كما يرى النائم قصراً، يشمخ وكأنه قلعة صغيرة من الطابوق الأحمر والجصّ، فصاح:

ـ مولاي...

ـ ما بك يا شيخ؟!

ـ هل ترى ما أرى؟!

ـ وماذا ترى؟!

ـ ليقف مولاي.

ووقف الباشا، وحين نظر إلى الجهة التي أشار إليها الشيخ صعق، ثم انحدرا مسرعين وكأن الشيطان يقودهما إلى فخ من أفخاخه، وأمام البناء توقف الرجلان ذاهلين، وأمامهما حديقة القصر، يعرِّش فيها العشب والهالوك والشوك، أمّا البناء فقد ظل صامداً في وجه العوادي.

ـ مولاي... هانت الصعاب.

ـ أرجو ذلك.

ـ سيكون قصراً وسرايا.

ـ سيكون.

وطاف الرجلان في الردهات، والأروقة والغرف، والقاعات الوسيعة، وحتى بئر الماء وجداه، لكن الإيوان الباذخ، وأمامه بركة مثمَّنة من المرمر غطاها الغبار، كانا أشد ما بعث السرور في نفس الباشا.

ـ هنا ستكون مسراتك.

قال الباشا وقد سحرته النوافذ والأبواب والعقود الحجرية.. ثم تابع:

ـ لا أظنه حلماً.

ـ إنه حقيقي يا مولاي.

وبدأ الباشا، يتلمس الحجارة، والأعشاب، وينثر التراب، والشيخ يقف أمام سطوة البناء الهائل.

واستدار الرجلان عائدين إلى أعلى التلِّ، وقد حان وقت الغداء، حيث كان الخادم ينتظر، وهو لا يفارق المائدة، قبل جلوس الباشا.

ـ ماذا أعددت لنا اليوم يا نوبار؟.

ـ كل ما يشتهي مولاي.

ـ لقد بدأنا نفقد لذَّة الطعام، لكن أيام السرور قادمة.

ـ ليجعل الله كل أيام مولاي سروراً.

وجلس الباشا، يتصدر مائدة الطعام التي يعرف خادمه كيف يحولها إلى مأدبة عامرة، لا تقاوم.