-3-
نياشين الهباء
-إعلان أم إسرار؟
دمدم الشيخ المجذوب، وهو يأوي إلى خيمته، متصيّداً فراشات الليل، تأوي إلى قنديله الضاوي والغاوي، في ساحة الجامع العتيق الواسعة، الجامع الذي لم يبق منه سوى مئذنة حجرية، وقناطر شامخة وأسوار مهدمة متهالكة، وجذب إليه عنزته الأثيرة، تلمس ضرَّتها، فأشرق وجهه العريض، ودارت تحت أضراسه لقمة الحلوى، التي أطعمها لـه درويش عابر في أحد أزقَّة حلب القديمة، مردّداً:
-مماليك أم ملوك؟؟!
فقلب كيانه، وأسلمه إلى الحيرة ووسواس الأسئلة المؤجلة، فأصابه الدوار وحمى البحث عن الحقيقة.
-حلوى أم بلوى؟!
أعلن وهو يشهر أشواكه مثل قنفذ محاصر بين أفعى وبيوض قطاة فرّت، فذكر حلب، وأسواق حلب، ونسوان حلب، والسماع في حلب، مدينة اللذة والجنون والطرب، لقد جاءها مفرداً، وقاتلاً، فأغرته، أعطته فرصة للخفاء والتحوّل، لزم المساجد في البداية، فرجمته الكوابيس بحجارة الأرق، لم يكن ينام، فالدم كان يطارده إن نام، ويحاصره إن كان يقظاً، فانتقل إلى الزوايا والتكايا، فلم يتحصَّل على أكثر من الطعام والخدمة، فترك كل ذلك، عمل في السقاية، يحمل قربة من الجلد على ظهره، فكاد أن يقتله العطش، حينها رابط عند نهر قويق، يصطاد السمك منه ليقتات، وهناك ظهر له الدرويش مرة أخرى.
-الطريق مسدود إلى أهل الطريقة.
قال لها، فذعر، ثم تمالك جأشه وسأل:
-إلى أين إذن يا مولاي؟!
-إلى البداية.. والبداية من درجة العيَّارين.
-لا أفهم..
-تبدأ من القاع، وأنت العارف المجرّب لمسالكه.
-ماذا تعني؟!
-الحقيقة لا تحتمل الحمقى..
-مولاي..
-يداك ملطختان وفمك آثم، فلا تكثر من السؤال.
-رحماك.. دلني على الطريق، فلقد أحرقت هذه الحلوى جوفي.
-بدأت جناياتك في الحان.. أتذكر ليلة الحان؟!
-وهل تنسى؟! قتلت صاحب الحان وزنيت بامرأته وابنته، وسرقت ماله وخمرته، ثم أحرقت ما تبقى، ورحلت، وها أنا ضائع، ضال.
-إذن.. تعود إليه. ولا تأخذ معك منه سوى السماع.
-ولمَ السماع يا مولاي؟!
-هو الفراشة التي تأخذك إلى العرش رقصاً.
- الآن.. فهمت.
وتوقف الحوار لحظة، كان الدرويش فيها، يراقب جريان النهر، وحركة الطير، ثم قال:
-لكل رجل صالح حيوانه المفضّل، ولك الماعز الشامي.
-سيكون.
-بدأت السعي، فامضِ، فكل مياه الدنيا لن تطهرك.
واختفى الدرويش، فلبس ثيابه، ثم توجَّه إلى أقرب حانٍ، فالتقاه صاحبه بالترحاب، فرأى اللصوص والسكارى والآثمين- كما أوصاه شيخه- بعين العاشق لا بعين الخاطئ.. فصاح بعد الكأس الثالثة:
-يا شادي الألحان هات واسمعنا..
فاندفع صوت شاب يردد اللحن بعذوبة فائقة، فيتحول الحان إلى سفينة سكرى، تضرب أشرعتها في بحر مجنون، والزبائن يردون وراءه، وقد تفجَّر الفرح من قلوبهم، كالماء من الصخر.
وبعد الكأس الرابعة صاح:
-أيها الساقي إليك المشتكى..
فأسرع الساقي يملأ الكؤوس من جديد، حتى أترعت، وسال فيض منها على الطاولات الخشبية العتيقة، وغامت الأضواء.
وبعد الكأس السابعة صاح وهو يتمايل نشوان:
-صلُّوا عليَّ.. يا سكارى.
وقام السكارى، يرقصون حوله، وهم يحملون كؤوسهم المترعة، يرشفون منها جرعات كبيرة، فقال صاحب الحان العجوز، والمنظر يتوالى أمامه:
-وراء صاحبنا خبر.
وآخر الليل قاد سهف إلى خان اليهودي، وهناك تركه، ورحل، و الخان مدرسة لتعليم القيان والجواري الرقص والضرب على الآلات والغناء، وقد تلقاه خادم شاب، رحب به وكأنه يعرفه منذ زمن طويل:
-كنَّا بانتظارك يا مولانا..
-ومن أنتم؟!
-نحن.. نحن.. لا يهمّ.
وتحوَّل سهف أذناً تسمع وترى، عاشر الأصوات المدندنة، والخصور المرتعشة، والقامات الهيفاء، فردد مع الجوقة، وصفق للطرب، يدخل أعصابه ودمه كالبرد، وكان يشاهد في القاعات الفسيحة أرواحاً، تتجول، ومشاعل تفضح ليل الردهات، وهمسات تومئ، ولا تفصح.
-خاطئ أم تائب؟!
سأله صاحب الخان حذراً.. فأجابه:
-مبتلى بالعشق.
-ودواء العشق؟!
-يبدأ بالناي.. فالناي قصب سرق من أمه، كما سرق العاشق من محبوبته.
-هذا كلام جديد.
-وقديم نسيه الناس فذكرناهم به.
-أنت ضيف.. والضيف مدلل.
ومضى الرجل في الممر بخفَّة، وبقي سهف وظل ابتسامة غامضة، ترتسم على شفتيه الغليظتين، ثم تابع طريقه إلى مأواه.
ولذَّ له المقام في الخان، لولا أن التقى الباشا هناك، عاينه قبل أن يقترب منه، وقد شعر باختلافه عن الناس، كل الناس: البنيان المتين، والجبهة العالية، واللحية الحمراء، والعينان الحادتان، كل ذلك نمَّ عن رجل، ولد ليكون أسطورة، فتقدم منه، يرحب به، ثم اختار له غلامه إياز وجاريته جلنار، وهو الرجل الذي يعرف كل أسرار الخان.
-سترحل معي.
قال له الباشا بلهجة حاسمة وآمرة.. فأجابه:
-وإذا لم أذهب؟!
-ستذهب.. لأنك لن تجد سيداً مثلي.
ودخل في خدمة الباشا، مودعاً الخان وسكانه، فضمّه إلى حاشيته، يستمع إلى حكاياته ونصائحه التي لا يؤمن بها، وأناشيده الروحية التي ترمّم ما خسره في حروبه الطويلة من طاقات.
***
حضن الشيخ المجذوب أنثى الماعز الشامي.
ثم جلس في الخيمة، كان القمر واطئاً، يكاد يدخل، ويشاركه في فرحته التي لا تحدّ، فلقد آن الأوان لاستقبال نتاح ما انتظره طويلاً، وقد فاحت من حوله رائحة الأنثى المنجبة، فردّد:
-مولاي.. حان الوقت..
وحين أغمض عينيه، عبر في باله قطيع من الجفاري يتقافز حوله في مرج من الخضرة والماء، واللقالق تأتي من بعيد، لتقف في الماء بسيقانها الطويلة، ومناقيرها، وكأنها نياشين للهباء.
الزمن يدبّ كحصان هرم، بطيئاً وصانتاً.
والرجال متعبون، الخواء ينخر أرواحهم، وقلوبهم فارغة، لا حركة، ولا رعشة، فلما شاع اكتشاف القصر بينهم، دبَّ سرور فاتر، وشعور بالبهجة في نفوسهم، يدفع عنهم العفن الذي ران عليهم، ويعيد إليهم بعض الثقة المفقودة، ففارقتهم الحركات الخرقاء، والتصرفات الحمقاء، فهذا القصر مظهر من مظاهر السلطة، وهو حقيقي وقائم فعلاً، فلا بدَّ من أناس.
-لعل ليالي القصر القادمة تعيد إليَّ مولاي.
قالت جلنار، وهي مرميّة مهملة في الخيمة.
-نسيت صوتي.
دمدم إياز الغلام، وعيناه عالقتان بالفراغ الممتد.
وهناك عند النهر، كان الوضع مختلفاً، فالحرسي الكهل شيركو، منذ أن وصل أعلن الحرب على هذا العبث، والصمت، فهو خبير، تدرب، ومارس ذلك في معاركه، فالفارس إذا لم تشغله؛ وتملأ فراغه، فسد كقطعة الجبن، وقد جمع عناصره منذ الصباح الباكر، وخطب فيهم قائلاً:
-اثنان لا يصلحان إذا فسدا يا أولادي، الماء والإنسان، فإذا ركد الماء فسد. وإذا خمل الإنسان فسد، فليس أمامنا سوى الحركة، فالحركة ولود والصمت عاقر، من هنا سيكون شعارنا: مزيداً من النشاط...
ثم ختم الرجل كلامه الطويل ونصائحه:
-سنبدأ بناء سيباط واسع وحظيرة، فالخيمة لا تطاق.
وعلى الفور بدأ العمل، فاستطلع تلَّة مشرفة على النهر، نظفها العناصر من الحجارة والعشب والشجيرات، ومهدوا أرضها بهمَّة عالية، وهم يغنون، ويضجّون بالصخب والضحك.
-احرصوا على أن تكون جذوع الأشجار مستقيمة.
نبّه شيركو الكهل، والرجال منهمكون في أعمالهم، عرّوا أجسادهم حتى الوسط، وفاحت رائحة العرق والحياة منهم.
-سيكون قصراً ملكياً.. يا سيدي.
صاح حرسي شاب.. فأجابه شيركو:
-سنحوّل المكان إلى جنة.. ونبنيه بالحجارة والطين.
وبعد أسبوع كان العمل قد أنجز، فوقف شيركو يعاين الأرض النظيفة، والمساحة والواسعة، والإطلالة الرائعة على النهر المتدفق أمامه، وفجأة تابع:
-يبدو أننا سنستقبل ضيوفاً اليوم.
كان ثمَّة ثلاث نقاط سوداء تتحرك على صفحة النهر، تتجه إلى الشرق، بدت لناظريه، فاستعد عناصر المفرزة، وهم يركزون أنظارهم، وقلوبهم تخفق بلذة وتشوّف، والصمت يتكسر تحت أقدامهم كغطاء رقيق من الجليد، ليترك للزمن المتوقف أن يجري، يتدفق، وللحياة أن تتحرك بعد كل ذلك الركود، وحين أصبحت النقاط واضحة.
-يبدو أنها سفن للنقل.
صاح أحد الحرس.. ثم عقَّب:
-بالتأكيد جاءت من البيرة في طريقها إلى عانة.
-وكيف عرفت؟
سأل شيركو الشاب.. فأجاب:
-لقد عملت مع هؤلاء السفانة في صباي.
-وماذا تحمل عادة؟؟
-الزبيب والتين الجاف والمشمش والبرغل والزيت والبسطيق والصابون.
-تجارة!!
-نعم.. تبيع بضائعها للقرى الواقعة على الشاطئ، وحين تصل عانة، يفك السفَّانة هناك أخشاب سفنهم، ويبيعونها إلى تجار الخشب والنجارين، ثم يعودون عن طريق البرّ، على البغال والحمير.
-حسن.. استعدوا لاستقبالهم يا شباب.
وطفقت السفن تقترب من الموقع، والعناصر ما زالوا في مكانهم بانتظار وصول العابرين، وقد سأل أحد الحرس زميله الواقف إلى جانبه:
-أيمكن أن يكون معهم نساء؟
-ولماذا النساء؟!
لا لشيء.. المهم أن نرى وجهاً حسناً.
-أيعقل هذا يا رجل؟
-في أرض الصمت هذه كل شيء معقول، فنحن مجرّد أشباح.
-وهذه هي المأساة.
وفي تلك اللحظة أشار شيركو إلى السفن، فدنت من الواقفين بانتظارها على وجل وشوق لرؤية وجوه أناس غرباء، بعد عزلة طويلة، والخوف يمدّ جسوره كالهالوك بين الاثنين.
وحين توقفت السفن، نزل من كل سفينة رجل تبدو عليه سيماء السيادة والوجاهة، حتى توقف الرجال الثلاثة أمام شيركو، فسلموا بأدب ودماثة، فتلقاهم الرجل بالترحاب.
-من أين الرجال؟
-تجار من البيرة في طريقنا إلى عانة. سيدي.
أجاب أحدهم.. فتابع شيركو:
-يجب أن يراكم مولاي الوالي.
-الوالي؟!
ردَّد الرجال الثلاثة باستغراب.. ثم أردف أحدهم:
-ولكن المكان خراب منذ أجيال.
-اليوم اختلف الوضع، فالمرور من هنا بأمر.
-كما تشاء سيِّدي.
باستسلام قالوا، وهم يستعدون للقاء الوالي الذي لا يعرفون من أين جاء؟ وكيف أصبح والياً؟
***
تناوق رئيس المخفر بإمعان.
فبدا له البرج جثة هائلة من التراب والحجر، يتهالك على أضلع مهدَّمة، فتتهاقهر مزمن، فاستنامت له، وكأنها آخر ذكريات الممالك البائدة، التي قامت على هذه الأرض في أزمان غابرة.
-هل يأمر سيدي بشيء؟
سأل الحاجب الموكل بخدمته، فأوعز:
-لا بدَّ من السؤال أيها البغل؟!
-هكذا خلقني الله.
-القهوة والنرجيلة.
-يأمر سيدي.
وأسرع الحاجب لتنفيذ أوامر سيده الصباحية، بينما اندس السائس بعده، يستأذن في ممارسة عمله:
-هل يأذن سيدي؟!
-بمَ؟
-البغال عطشى وجائعة.
-هذا شأنك.
-سآخذها إلى المرعى.
-خذها، ولكن احذر أن تفقد إحداها.. يا أبله، وإلاَّ فقدت رأسك.
وانسل السائس كأفعى التبن، خفيفاً، ورشيقاً، وعاشقاً لعمله دون أن يصدر صوتاً:
-إلى جهنم.
قذف رئيس المخفر الشتيمة كالبصقة، فالقهوة قادمة والنرجيلة، وذكريات "يلدز" صاحبته ذات الوجه القمري، والجسد المفاض، يلدز الليالي الآثمة والأقمار المشعَّة، وزقاق الورد الفوَّاح، بماء العطر والموت والشهوة وعرق الأفخاذ الناعمة، وجبل الجبن الحارّ.
-لا بدَّ من مخفر حجري، وحظائر، فالقماش لا يصنع مقراً ثابتاً.
جزم الرجل، والأكوام الحجرية من الفخار المشوي، تسترخي عند قدميه، فأناب إلى الفكرة، فقصر الباشا بدئ العمل في إصلاحه وترميمه، فلا بأس أن يكون له مكان ثابت من الطين والحجر.
وجاءت النرجيلة والقهوة، فاستعد لاستقبال آخر لذًّاته الكبرى بعد الحرب والنساء والذهب.
***
-سيدي.. الرجال يطلبون مقابلة الباشا.
وتأمل رئيس المخفر الرجال الثلاثة الواقفين أمامه، وهو لا يكاد يصدق، ما يجري أمامه، فنهض واقفاً، فتابع الحرسي كلامه:
-تجار عابرون في سفنهم.
-تجار..؟! ويريدون مقابلة الباشا؟!
-نعم سيدي.
-تعالوا معي.
وسار الرجل أمامهم مزهواً، تاركاً المخفر وراءه لمعاونه، وكأنه يحمل لسيده الوالي أثمن هدية، يمكن أن ينتظرها في إيالة الخراب.
ولم تكن دهشة الباشا أقل من عناصره، فلقد استقبلهم بسرور بالغ، عبر عنه بابتسامة غامضة، ثم بدأ حديث طويل بينهم.
جاءت البضائع من البيرة.
بضائع أوصى عليها الباشا أصحاب السفن، وجاء معها الصناع المهرة، الذين طلبهم، من نقاشين وبنَّائين وأصحاب الكار، وقد أشرف الباشا نفسه على إصلاح القصر وتنظيفه، وترميم ما تخرب منه، فغسلت الأرض بالماء، ودهنت الجدران، وأعاد النقَّاشون للرسوم والخطوط واللوحات ألوانها وزهوها، وحياتها، فشعّت، وبرقت فأبهجت الناظرين.
كما أعيد للحديقة رونقها، وترتيبها بعد إهمال طويل، وأصلح النجَّارون الأبواب والنوافذ ورمَّم العمال الأسوار بالفخار والطابوق، ثم مُدَّت الفرش الثمينة من البسط العربية، والطنافس الوثيرة، وتوهجت ألوان السجاد الفارسي تحت أضواء الثريات، فتحول المكان والملحق الذي خصصه الباشا لحاشيته إلى لؤلؤة صافية وسط الخراب، ثم استكمل العمال بناء المخفر وحظائر البغال والبئر.
-المُلك.. قصر وسراي.
ردَّد الباشا، وهو يدخن، ويشرب، ويستمع إلى المغني والجارية في أول احتفال له، والماء يتدفق في البركة المثمنة، فتجري الحياة في عروقه، خاصة بعد جلسات التدليك في الحمَّام الذي افتقده كثيراً.
وساعة أوى إلى مخدعه، هاجمته الذكريات، بعد أن هجر كل ذكرى منذ زمن بعيد، ربما لاشتغاله بحروبه، وربَّما لأسباب أخرى، لا يريد أن يواجهها، أو يفكر فيها يوماً من الأيام.
ورأى الباشا نفسه شاباً، يفور بالقوة، ذا بنية صلبة صلابة شجر السنديان هناك، في قريته البعيدة، بشعر أحمر، وعينين فاسقتين بلون الزيتون، يندفع كالفهد الصياد على أرض ذلك الوطن النائي، بين كروم العنب وشجر الزيتون، يصطاد الطيور والسمك، ويكمن للصبايا على ضفاف النهر، ليرى أجسادهن البيضاء، تغرق في الماء الفياض، ولأنه عاشق مدمن للكروم، كان ينام تحت الدوالي، يتلمس الأعناب المتدلية في النور القمري، فتتحول إلى بيدر من النساء، يغرق فيه عارياً، ليستمع إلى حنينه المسكر، فوحه النشوان، قالت أمه:
-هذا الولد مجنون.
وقال أخوه الأكبر:
-دعيه.. فللشباب حصته.
وقالت زوجة أخيه الأصغر، وكانت صبية جميلة:
-الأرض ستمتص كل هذه القوة.
وفي صباح من صباحات الموسم، لم يتحرك من فراشه، دهمته الحمى فجأة، فتخلف في المنزل، وفي اليوم التالي اشتدت عليه. فخاف على حياته أفراد العائلة، فاضطروا إلى ترك زوج الأخ الصبيّة للعناية به، فهي من عائلة عرف عنها الاشتغال بطب الأعشاب ومعرفة فوائدها.
-اشرب.
قالت آمرة، وهي تسقيه منقوع أعشاب خاصة، وكان غائباً عن الوعي، فبدأ يشعر بتواصل ضعيف مع العالم، ويدها البيضاء، تمررها على جبهته العالية، وصدره، المشعر، وتتلمس بطنه، ولم يكتشف ما جرى إلا بعد أن استعاد وعيه كاملاً، وعافيته، فلم يحتمل العذاب، فقتلها ورحل.
نام في البساتين الموحشة، والخانات القذرة، وتحت جدران الخرابات، وقذفته القرى والمدن من مكان إلى آخر، فعاشر اللصوص في الموانئ، وقطاع الطرق في الصحراء، حتى وجد طريقه، فاختار مهنة الموت.
-ستكون رجلاً عظيماً يوماً ما، أيها الشاب.
تنبأ له بذلك قاتل مأجور، علمه أسرار المهنة، ودربه على استعمال الخنجر، والبلطة. ونصحه قائلاً:
-لا تأمن لغير خنجرك.
ثم دار حوله.. وتابع:
-إياك والنساء.
ومن أزقة حلب وحاراتها وأسواقها إلى مدن الشام واسطنبول والقاهرة وبغداد التي وقع في هواها، فأرادها له ملكاً، وحين أصبح قاب قوسين أو أدنى، خانه الوقت، وانحاز إلى أعدائه.
***
-مولاي.
جاءه صوت نوبار العجوز، فانتبه من شروده.
-ماذا وراءك؟
سأل وهو يعتدل في جلسته، وقد بدا المكان أمامه جنّة وحشية في هذا الخراب، فلقد آخى بين الترف والصمت، بين الجمال والقبح، وبين العزلة والضجيج حتى لا يهزم، فالهزيمة لديه تعني الموت.
قال الخادم وهو ينحني على أذنه:
-البطالة تفسد الرجال.
-فهمت.
-والرجال بلا نساء مشكلة، ديكة تتناقر وتتقاتل بجنون.
-ماذا نفعل برأيك؟
-الحيوانات كثيرة في المنطقة، فلنبدأ رحلات الصيد.
-فكرة رائعة.. أيها العجوز.
وبدأت رحلات الصيد، والمطارات في الأدغال، فعادت إلى عسكره حيويتهم وروحهم المحاربة، وامتلأ القصر، وساحات المعسكر بحفلات الشواء والشراب، وكدَّس الباشا جلود الغزلان والأسود البابلية، وعلّق الرؤوس المحنطة على الجدران، إلى جانب التحف والأسلحة، فعادت إليه روحه القديمة.
-لابدَّ من نساء.
هجس الباشا، وهو يوجه أولى حملات عسكره، للاستطلاع واكتشاف قرى ومضارب سكان إيالته من شوايا وبدو، فتوالت الأخبار بوجود بشر وأُناس، اطمأنوا لوجود العسكر، الذين قاموا بمنع التعديات، ومطاردة اللصوص وقطاع الطرق، وتأمين الانتقال من مكان إلى آخر، وبدأت خزينة الباشا، تستقبل أموالاً جديدة بعد انقطاع طويل.
-هانت الأمور.
قال إسماعيل الخازن، وهو يستلم الأموال الجديدة، وقال نوبار:
-هذه الأجساد الشابَّة، لن تروضها سوى المرأة.
وحين نزل جماعة كبيرة من الغجر، عمَّت الفرحة العسكر، فتأنقوا، وتعطَّروا، ومثل طواويس مزهوَّة، انطلقوا، يتجولون بين المضارب، فشاع الرقص والغناء والسهر الليلي، والمتع المحرمة، وملأت سماء المكان الضحكات الماجنة، تكسر الصمت الجاثم على الصدور كالكابوس.
الموتى لا يعضُّون
يمر البدو العابرون في المواسم.
يدفعون كلابهم وقطعانهم وسط زوابع من العجاج والصياح، فيتعكر وجه النهر، ويفر السمك والشبوط النهري، ويشتم شيركو مخلوقات الله المنسية هذه –كما يسميها- لاعناً نسوتهم النحيلات، المجللات بالسواد، ورائحتهن النفَّاذة، يمتزج فيها العرق بالخضيرة، معلناً أنهن بالتأكيد ساحرات يحملن خرز المقابر للسيطرة على الرجال.
يمرون فلا يأبه بهم الباشا، ما داموا يدفعون ضريبة المرور، أما إذا رأى عند أحدهم فرساً من سلالة نادرة، فلا يترك وسيلة للحصول عليها، فاجتمع لديه نتيجة ذلك اصطبلاً نفيساً من الخيول العربية الأصيلة، سعد بها، وأعطاها وقته واهتمامه، ومما زاد في سعادته، السفَّانة من التجار العابرين من البيرة إلى عانة، يحملون إليه ما يريد من التموين والبضائع، مما أشعره أنه سيد هذا الخراب وأميره وسلطانه.
ويوم يستقبل الشيخ المجذوب ولادات ماعزه الشامي الذي يتكاثر باستمرار، يطير بأجنحة الفرح، ومثل الرعاة الصالحين آخى بين العزلة والعبادة، فكان يجلس وحيداً في البريَّة، يرقب الماعز والطير والصمت البري يتوج كل ما حوله، والفضاء يمتد أمامه إلى ما لا نهاية، قبّة زرقاء صافية من البلّور النظيف. مردّداً:
-مولاي.. إشارة منك.
ويسترجع صورة الدرويش على نهر قويق.. فيهمس:
-حلوى أم بلوى؟! لقد احترق جوفي.
وفي المساء يتوجه الشيخ إلى باحة الجامع العتيق، وقد حفَّ بها أطلال جدران وأسوار حيث يودع هناك ماعزه، وبعد أن يصلي، ينام تحت قناطر الجامع الحجرية، الذي لا يبعد كثيراً عن قصر الباشا، بغزلانه، وطيور الحجل والحبارى، والشاهين، وزوج الطواويس اللعين، حين رآها.. قال:
-هذا الطير مغرور مثل إبليس.
فتذكر زيارة الحان الأولى، ورقصته الأولى.
***
وحلَّ شتاء.
لا ككل الشتاءات التي عرفها الباشا، بدأ خافتاً خجولاً، يمر بالطوق والنوافذ والوجوه نسيماً شفيفاً، ويظلل الخرائب بعصافير الدوري والصعو والخُضَّر، ويمدُّ أصابعه، يشقق جلد الأرض عن خطوط من العشب، يطل برؤوسه الخضراء كوبر سري، فانخدع الباشا به، فأسرف مع حاشيته في الطعام والشراب والسماع والنوم.
-النوم ترجمان الموت.. لو تدرون.
قال الشيخ المجذوب.. وهو يرقب ما يحدث.
ويلذُّ الباشا أحياناً أن يستقبل بعض السفَّار والرحَّالة الأجانب، يقدم لهم الطعام، والمبيت، ووسط الشموع والليل والغناء، يزهو بشاراته ورتبه وطربوشه ولحيته الحمراء، ويطلب إليهم أن يتصرفوا بكل حرية، دون اعتبار للمراسيم والرسميات، بينما ينصرف إلى نرجيلته وأضواء الثريات والشموع الهادئة، يرقب الوجوه المبهورة بمتعة فائقة.
ولأنه أعلن حربه المقدسة على العزلة والصمت، أفرد جناحاً خاصاً في قصره العامر، فرشه بالسجاد الثمين والطنافس، وزينه بالمنمنمات التي نقشها أعظم الرسامين الترك، جلبهم من اسطنبول، ثم علق السيوف المذهبة، والخناجر اليمنيَّة، وجلود السباع، ورؤوس الأيائل التي اصطادها، ثم عطره بالبخور وعود الصندل في مجامر مغربية.
قالت أول إنكليزية تدخله، حافية نشوى:
-هذا الجناح تحفة شرقية، يدل على ذوق رفيع.
-هذا إطراء لا أستحقه.
-مولاي.. التواضع قمَّة الغرور.
وتناولت الطربوش الأحمر، ثم وضعته على رأسها، وهي تتابع:
-مولاي الجميل.. لك وجه قرصان تركي.
واتجهت إلى النافذة، ترقب القمر الطفل، يحبو ممعناً في السماء الصافية، بينما كان الشيخ المجذوب في تلك اللحظة يتهجد وحيداً مع قطيعه الشامي.
-لأول مرّة أعبر بلداً بلا جامع أو كنيسة.. أين تصلُّون؟!
-الأرض واسعة.
وطوقها بذراعيه، فاستسلمت بسهولة، فقادها إلى فراشه.
***
ومثل لعنة سوداء غامضة.
بدأ الأمر، حين وجدت جيف كثيرة من البغال في مستنقعات البليخ وعين العروس وعلى شواطئ الفرات، جثث تفسخت، وغطت المنطقة، ومن الحيوان، انتقل الوباء إلى البشر، فقد رمى النهر جثة رجل من السفانة على الضفة، تخلى عنه بعد موته رفاقه، وفرّوا مذعورين، صارخين.
-الطاعون.
دوّت الصرخة في البوادي والوديان والمعسكر، فانتشر الرعب في القلوب، ثم توالت الأخبار من كل الإيالات والمدن، من حلب ودير الزور، والرها والبيرة، إنه الهواء الأسود. أطلق شياطنيه، يحصد الناس كالزرع، والموتى يتساقطون.
-مولاي.. ما العمل؟!
سأل إسماعيل الخازن الشيخ المجذوب.. فأجابه باستسلام:
-العمل عمل ربك.
-من أين جاءنا هذا البلاء؟!
-جاء.. جاء من حيث جاء.
ويوم سقط أول رجل من الحاشية، وجم جميع الحاضرين، وأخذ صمت حذر، ينسج خيوطه السرية في الصدور والرؤوس، وقد أمر الباشا بحزم:
-احرقوا الجثة.
وساد خوف غريب القصر والمعسكر، وكأنهم بانتظار ذلك الزائر المرعب، وتوالى سقوط البغال والرجال، الشيخ المجذوب والخادم وشيركو، ثم جاء دور الغلام والجارية، ورجال الحرس.
-أهذه هي النهاية!؟
سأل الباشا نفسه.. ثم أجاب:
-لن يهزمني شيء في الدنيا.
ولم يدب اليأس إلى روحه، فظل واثقاً من النجاة، هجر الشراب والترف، وزهد في الذهب والمال، ولمّا لم يبق سواه على قيد الحياة، لبس مرقعة رثَّة، وطوق عنقه بالحرمل، ودفع أمامه القطيع إلى البرية، لا يحمل معه غير كسرة من الخبز اليابس، وقربة من الماء، وراحة لم يعرفها من قبل.
***
واليوم.. يتوسط باحة الجامع العتيق قبر.
راجت حوله الأقاويل، وكثرت الشائعات عن كرامات صاحبه، بنى عليه أحد الحاجّ الأتراك قبة من اللبن والجصّ، دهنها بالأخضر، فمنهم من يقول:
-إن القبر لأحد التابعين الأبرار.
ومنهم من يقول بإصرار:
-إنه للولي الخضر الأخضر.
ومنهم من يدعي أن القبر خالٍ، ولا أحد فيه، والروايات تتضارب، وتتشعب لكنها لا تجمع على أمر.
أمَّا ما اتفق عليه المعمِّرون، وأكدته الروايات المتواترة، وملاحظات رؤساء المخفر المتعاقبين ومذكرات الرحالة والسفّار، فيقول بأن سكان البلد الحاليين، يتحدرون من سلالة الماعز الشامي.. والله أعلم.
*جملة أخيرة:
"وفي سنة /1175/هـ، ولي إيالة "الرَّقة" سعد الدين باشا العظم الذي عين والياً لبغداد في السنة نفسها بدلاً من والي بغداد، ولكن الأستانة، لم تستطع تنفيذ أمرها بتعيين والياً (كذا) من غير المماليك لأنّ هؤلاء، رشحوا أحد زعمائهم علي بك، فعينه السلطان في ربيع الأول من سنة /1175/هـ. على الرقة، وكان الطاعون، فتوفي مطعوناً فيها، ودفن بجامعها الكبير..
تاريخ العيَّاش ص 18-حـ2
شتاء الرقة 2002
***
- النصُّ الثاني -
ظهورات السيدة الجميلة
*الظهور الأول
شقشق الفجر جرساً من القطن الأبيض.
والحارة النائمة تتململ، تترك لسكونها أن يتصدع، لتعبرها الروائح والأصوات وخطوات العابرين، وهم ينطلقون إلى غاياتهم، وكان ثمة سرب من الحمام، يهجر أعشاشه، ويحجل فوق سطح المنزل، يلتقط حباً من بقايا الأمس.
-يا فتّاح.. يا رزّاق.. يا عليم.
وأعقب الصوت نحنحة قوية، ترددت في الزقاق الضيق، وجرى كلب سائب مذعوراً فأن باب خشبي، انفتح قليلاً، ثم عاودت يد بيضاء، موشومة بالحناء إغلاقه من جديد خوفاً من اقتحام غير متوقع.
اهتزت شجرة السرو بإجلال خاشع في باحة الحوش، وكان الرجل بثوبه الواسع يجلس وحيداً، يشرب الشاي بالزنجبيل والقرفة، ويستمع إلى صوت صدّيقة الملاية، يتردد بلذاذة، "يا صياد السمك.. صيد لي بلطية..، وهو يرقب يمامة أنثى، تهرب من ذكرها العاشق إلى عشها في أعلى الشجرة، تياهة. مدلِّة، كشأنها وهي تمارس غرائزها الموروثة، بينما لطأ الديك العشاري بعينيه الغاضبتين وعرفه الأحمر إلى الحائط، مستظلاً بعرائش المجنونة واللبلاب من شمس غير حارقة، وقد بدت الكائنات أليفة، ومطمئنة، تعوم في هلام غامض دون أن تغرق.
-نون..
هجس الرجل بصوت أجش، وكأنه يقرأ تعويذة سحرية، ثم رشف قليلاً من الشاي، وهمه الرائس ألا يفقد هذه اللحظة، فللصباح مواكبه المقدسة، وللروح حريتها في أن تغتسل كما شاءت في أنواره اللاثغة بالأناشيد والأوراد.
-القلب كالعرش، والصدر كالكرسي.. فلا تبالغ في الجنون.
وفجأة..
انبثقت المرأة من الحلم، نافورة من العطر واللون والماء. أو شبطة من طرفاء الفرات، يمر بها البدو العابرون إلى مضاربهم المتناثرة في بادية الشام، يحملون التين المجفف والزبيب، والرغائب الخامرة، تفوح من أجسادهم رائحة البختري والخضيرة، والعزلة الأبدية التي لا يدرك فضائلها سوى الزاهدين والرعيان.
دورقت كفيها الموشومتين بالشذر الأزرق، وسقت الرجل ماء الرضا في زمن فقدنا فيه الرضا، وحافية، عارية، باسمة وقفت على رؤوس أصابع قدميها، فوسوست شنوف حجلها الذهبية، ثم اشرأبت بعنقها الأملود.
قال الرجل:
-هذا العرش لكِ.
قالت المرأة:
-هذا الكرسي لكَ.
-والجنة؟
-لأهلها.
وأطلق الرجل فراشاته النهمة، تلم ما زرعت شفتاه بالأمس من بنفسج وليلك مجنون على مرمرها الوردي، فازدهى الشحوب، وفاح عطر النارنج والكباد:
قال الرجل:
-من أين جاء كل هذا الشحوب؟!
قالت المرأة:
-ليس شحوباً ما تراه.
قال الرجل:
-إذن.. ما يكون؟
قالت المرأة:
-إنه خجل التفاح من التفاح.
ودارت المرأة حول نفسها برشاقة وعذوبة، وتوفز الديك العشاري، بينما حلق سرب الحمام في السماء الزرقاء، فعاد الباب الخشبي إلى الأنين واليد البيضاء الموشومة بالحناء تفتحه حتى النهاية، ليدخل الهواء والصوت والنهار إلى عتمة الغرفة التي طالما شهدت كوابيسها الليلية.
قال الرجل للمرأة حين كفت عن الدوران:
-يا امرأة..
قالت المرأة:
-لا تحاول تثليث دائرة الرقصة فتموت الفراشة.
قال الرجل:
-أنا عارف وبصير.
قالت المرأة:
-لا تفرط بالشذرات.
قال الرجل:
-لا تُدخلي إلى معرض الخزف ثور السماء.
قالت المرأة:
-أخذتنا البلاغة بعيداً عن المرغوب.
قال الرجل:
-رجل من سفلة الناس، افتتح "شايخانه" في زاوية من زوايا سوق الصاغة عن عمد، باع شايه الخادر للجوالين والعابرين، عشق بريق الذهب المجمر، ورائحة المكان الحافل، وببطء تسلل إلى الورشات، فعايش الصناع المهرة، وسقاهم من شايه "ببلاش"..، ليس حباً، أو حماقة، ولكنه كان يدهن أعقاب الكؤوس بالسكر الدبق، وآخر النهار يجمع ما علق بها من شذرات الذهب الذي جمعه الدبق من الطاولات، ويوماً بعد يوم تجمع لديه من الذهب ما يكفي لافتتاح محل للصياغة،... رجل حوّل الماء إلى ذهب وهي كيمياء السفلة.
قالت المرأة:
-تلك شذرات السوق.
قال الرجل:
-جاءني في الليل، دلق زيته على رغيفي، ثم رشه بالصعتر والسمسم، ومضى وحيداً مثل شمعة في رواق ظليل.
قالت المرأة:
-لا تفضح المستور.
ودارت المرأة حول نفسها، دارت حتى تحولت إلى شجرة نضرة، وتحول الرجل أيلاً بقرون شجرية، يلس أوراقها الخضراء قبل أن يفاجئها الذبول، فتعرى في الخريف القادم، أما الكف البيضاء فأعادت إغلاق الباب مرة أخرى، وقد اجتمع لديها فيض من الأصوات، والحركات، والخطوات المهادنة، فأصبح الزقاق أليفاً إلى صدرها المترع بالحليب والرائحة والبياض، فعادت إلى غرفتها، تشرع النافذة على نور الشمس بشجاعة تحسد عليها، ولم يك لديها شك بأن الكوابيس لا بد ستزورها قريباً.
*الظهور الثاني:
كان الرجل ذو المعطف الرمادي الفاهي
يعبر الحديقة كقناص على عجل، يرتجف من البرد، والوحدة، والحصار الذي يخترق عظامه الهشة، وقد أحنى ظهره حالماً بليلة سعيدة، قدّم لها بمقدمات قاب قوسين من النجاح، فلقد أشعل شمعتين لبلاهة النهار، ورقش تعويذة على جلد غزال بريشة حمام بري، ثم لونها بألوان لا يذكر من أين جاء بها؟! وفي ظل بخور أعده وفوّحه مع رائحة القهوة والهال، طلب رقماً هاتفياً لامرأة كانت مشغولة في منزلها بأيقونة سورية على زجاج معشق، تتقراها بأصابعها الرشيقة، فتتوهج الألوان معمدة بالزيت، والزيت بركة.
قال الرجل:
-متى.. يا امرأة؟
قالت المرأة:
-ماذا يا رجل؟!
قال الرجل:
-تكونين وردتي.
قالت المرأة:
-وتكون شوكي؟
قال الرجل:
-أنت يمامتي الزرقاء.
قالت المرأة:
-وأنت؟!
قال الرجل:
-كوني نبيذي.
قالت المرأة:
-ولتكن دورقي.
قال الرجل:
-لك رائحة الحبر.
قالت المرأة:
-ويلي منك، وويلي عليك يا رجل.
وانقطع الاتصال في لحظة، كان الرجل يعتقد أنه سوف يستمر ألف عام مما لا تعدون، يحكي ويحكي ويحكي.
***
عبر الرجل الحديقة إلى الجانب الآخر.
وهو يحمل في يده كيساً أسود، أودعه دورقاً من النبيذ الأحمر المز، والتفاح الأصفر، وحفنة من المكسَّرات، حين لمح في البداية ثوب المرأة الأخضر المشجّر بعروق نباتية وأزاهير، فخفف خطوه رغم إحساسه بالبرد الناغل، فرآها تقف تحت ضوء المصباح الحليبي، وكأنها ترضع ألوانه، تحمل بين أناملها باقة من الزنبق، وتتأمل ماء النافورة البعيدة، وكأنها تغسل كرز شفتيها وهمومها من أوضار الوقت، لتستعد لصلاة سرية أمام المرمر المغسول بالندى ورائحة المساء والناس والعشب الممدد كأغاني كروانات الليل.
اقترب الرجل منها هامساً:
-أنت هنا؟
فردت باسترسال:
-ستكون الصياد.
قال الرجل:
-وستكونين الغزالة.
وتحولت الحديقة إلى عربة فارهة، مزينة بالورد وإكليل الأكاسيا، تنطلق بامرأة ورجل إلى جهة محايدة، لكي يقيما مستعمرة لنسل جديد، ويشربا نبيذهما بحرية، ودون خوف، ويتمتعا بخلو المكان من الكراسي، والحرس المستعد دائماً لإطلاق النار على أي شبح، ثم يناما عاريين في معطف واحد حتى اليوم الآخر.
يقول الرجل:
-قهوتنا في السابعة صباحاً.
ترد المرأة:
-قهوتها في السابعة رملاً.
ويبدأ النعاس يرسم صورة للنوم على الأهداب.
***
*الظهور الثالث
فرد الرجل أصابعه العشر.
وفتح قلبه الكبير للخُطّاف، وعصافير الجنة، واللقالق، وهو يستلقي على رمل الفرات تحت شمس ناعمة، فدغدغ الماء باطن قدميه فعل السمك الصغير، فاغرورقت عيناه بالضحك النظيف، وغطى الرمل السافي ساقيه، فنمت أعشاب سوداء، وغرق الوقت بالحصى الرقراق، فأدغلت الحوائج بالطرائد والسلالات النهرية والأرواح، فهجس الرجل:
"-امرأة تطلع في لحظة نزق، تجلس أمامك على كرسي من القش، فتوسوس شنوف حجلها الفضي، المزين بالخرز الأزرق كلما حركت قدمها اليسرى تدخن، وتثرثر، وترن ضحكاتها الصافية كأجراس الماعز، وفجأة تنهض كزوبعة... تاركة لك:
كرسيها خالياً:
وعلبة دخانها فارغة.
وخلخالها الفضي مرمياً على الرمل، تعويذة سحرية.
ثمة جمار تنتظرك- أيها العاصي- لترمي بها من غابوا يوماً وقالوا: نلتقي".
نهض الرجل من مكانه، فاستقبلته رائحة المرأة، خليطاً من التبغ ودوار الشمس وعبق الفل، فظل مسمّراً مكانه، وعيناه تدوران في محجريهما دهشة.
قالت الرائحة:
-أطلق أبواقك أيها الصياد.
قال الرجل:
-هذا ليس موسم الصيد.
قالت الرائحة:
-أطلق أبواقك.
حينها امتلأت السماء بالزرازير والإوز والحبارى وسمك الشبوط والكلاب السلوقية والصيادين.
*الظهور الرابع:
كان يتدلى من أذني المرأة قرطان طويلان
من اليشب الأحمر البراق، وهي تجلس عارية على الكرسي، تزين شعرها الجثل بريش الهدهد والسمان، وقد كشفت عن أسنان بيضاء كبذور الشمام، فبدت غمازتان عند ملتقى الشفتين، وحول عنقها التالع لفت شالاً من الحرير الأسود الناعم نعومة قرن اليرقة.
وفي الجهة المقابلة وقف الرجل، يتأملها بافتتان، وأصابعه الملوثة بالزيت والألوان، تتابع حركة الريشة على القماش، واللوحة قاربت الاكتمال، بعد تعب طال عامين.
قالت المرأة:
-أنا مرهقة وخائفة.
قال الرجل:
-آن لك أن ترتاحي.
قالت المرأة:
-ماذا تعني؟
قال الرجل:
-يموت الفنان، تموت الموديل، وتبقى اللوحة.
قالت المرأة:
-ألستُ اللوحة؟!
قال الرجل:
-لا.. ولا أنا.
قالت المرأة:
-ومع ذلك ستحمل اسمي.
قال الرجل:
-ربما.
وببراعة وقّع في الجهة اليسرى، ثم اعتدل، وطوّح بالريشة بعيداً، وصاح بابتهاج المنتصر:
-قفي.
فقامت المرأة من مكانها. وتقدمت بثقة وكأنها على موعد، طال انتظاره فهي لم تشاهد ما يقوم به الرجل.
قالت المرأة:
-آن الأوان.
قال الرجل:
-لك الحق الآن.
وابتعد قليلاً، ليفسح للمرأة مكاناً، ترى منه اللوحة، لكنها حين نظرت، صعقت، فماذا رأت؟ رأت سمكة ذهبية، تسبح في نهر من الرمل والبيوت والوجوه المعذبة، فصاحت بصوت كالنباح:
-هذا جنون، لقد كنت تخدعني.
قال الرجل:
-لقد شاركنا معاً في الخديعة، فكفي عن العويل.
قالت المرأة:
-أنت معتوه.
وانطلقت في الشارع عارية كالمجنونة، وكانت المدينة نائمة، والشوارع خالية، لكن دورية الشرطة المناوبة، ألقت القبض عليها بتهمة الخروج عن الآداب العامة، وهي في المخفر ظنها الضابط المناوب سمكة فأرسلها إلى منزله مع الحاجب، ليعدها للغداء، بينما تحول الرجل إلى سرطان، يدب على الرمل، متجهاً إلى البحر، وهطل في تلك اللحظة مطر غامض من سقف الغرفة، محا البيوت والوجوه من اللوحة، فبدت كمومس عجوز، تقف تحت "الدش" عارية أيضاً.
***
*الظهور الخامس:
كان الرجل نصف قديس، نصف مجنون.
أعطاه الله موهبة، اختصه بها، فكان يخترع أسماء غريبة لكل ما يقع عليه نظره، فسمى قريته الصغيرة "صباح الخير".
وسمى بقرته الضخمة "نملة".
وسمى مخفر الدرك "معرض الجثث الفخمة".
وسكان القرية "أولاد الجن".
أما جارته الحلوة فخصّها باسم "وردة الختمية".
وذات يوم- لأنه عازب ووحيد- جاء بجهاز مذياع، أدهش القرية النائمة، فاستيقظت، وأصبح بيته مساء كل خميس ملتقى الساهرين القادمين من بيوتهم وقد تعطروا، ولبسوا أفضل ما لديهم، فتدار كؤوس الشاي الخادر، ويتصاعد دخان التبغ، وسط الصمت والإصغاء الخاشع لصوت المذيعة العذب وهي تقدم لهم مطربتهم المفضلة في سهرتها المعتادة.
وكان الرجل، وهو يجلس تحت شجرة التوت العملاقة، يحلم بالمطربة التي سماها بأحد أسمائه العجيبة "قرة العين"، وهي تشرب الشاي بالنعنع البري معه ليلاً، وتشاركه خبز "العباس" صباحاً، هذا الخبز المقدس، الذي لا يقدم إلا في المناسبات المباركة، والنذور مدهوناً بالزبدة والدبس، مخلوطاً بالسمسم وحب الشونيز، فيأكل نصف الرغيف، ويترك لها النصف الآخر، وهو يردد:
-ليت للبراق عيناً..
ولأن المخافر عين الحكومة، وذراعها الطويلة فقد رأى رئيس المخفر في المذياع تهديداً لسلطته وأهميته، فصادره، بحجة الحفاظ على الأمن، ومنع التجمعات الكبيرة، فعاد الناس خائبين إلى منازلهم، يجترون الخيبة والخوف، وقد فقدوا مسراتهم الصغيرة، وأفراحهم التي كانت تضفيها "قرة العين" كل ليلة خميس على حياتهم، بينما لزم الرجل الصمت والكآبة، يشرب الشاي مع النعنع البري تحت شجرة التوت صباحاً، وقد ترك خبز "العباس" إلى حين عودة "قرة العين" من أسرها عند الأعداء، لتقوده إلى دائرة الفرح، وقد نسي كل الأصوات إلا صوتها الساحر، الذي يسمعه في الأمسيات قادماً من المخفر.
*الظهور السادس:
قال له أبوه قبل أن يرحل:
-أنت وحيد وضعيف، فحذار من كلاب الدم، فهي تشم رائحة الطريدة الخائفة والوحيدة.
وقال له صديق عمره:
-لا تلعب دور الطرائد، فلم تخلق له، كن الصياد.
وقالت له المرأة التي تسكن في المنزل المقابل قبل أن تهجره إلى أحضان رجل آخر من نفس الحارة:
-لك رائحة تخيفني، ثم عيناك.
ومع ذلك رضي بوردة حمراء، تتركها له سيدة جميلة في نافذته، ثم ترحل دون أن تراه، أو تحادثه، فكان يحلم كل ليلة بشرفة وقمر وورد أحمر وامرأة، تغفو على صدره، فتصحو المجرات، وشبابيط الفرات، وشموس القيظ الحنّان، والمراثي التي نسيها في وحدته، وخوفه، وضعفه، وادكاراته.
ويوم اقتحم كلاب الدم غرفته كآخر الطرائد، توفز، ثم خار، واستسلم ملبياً نداء البوق النحاسي، وكانت السيدة الجميلة وسط الورود الحمراء تملأ الجدران، فصادروها، كما صادروا ورودها الحمراء الذابلة، واقتادوه إلى جهة مجهولة في سيارة، تحمل لوحة مؤقتة، فرأى الطرقات كما لم يرها من قبل.
قال له المحقق:
-أتعبتنا يا رجل.
فلم يرد، فتابع الرجل:
-كيف تفضّل قهوتك؟
فرد بصوت هامس لكنه واثق:
-كثيراً من البن، كثيراً من الورد الأحمر.
قال المحقق:
-يبدو أنك لا تريد العودة إلى البيت.
قال الضعيف:
-تلك حال الطرائد إذا وقعت في شرك الصياد.
ونام ليلته الأولى على البلاط، ومع ذلك ظلت الورود الحمراء تصله بانتظام.
***
*الظهور السابع:
قال الرجل لصاحبه المجتبى:
-هي أخطاء القلب في الصرف.
قال صاحبه:
-كيف؟!
قال الرجل:
-تحول السد إلى دس، والسعد إلى عدس.
قال صاحبه:
-زدني.
قال الرجل:
-ما تقول في النون؟
قال صاحبه:
-قل أنت.
قال الرجل:
-سراج الليل، وزيت البركة، ومؤونة الشتاء، وفرو السمور، وكستناء المترفين، وعين الحوت، وجمّار النخل.
قال صاحبه:
-أغفلت شيئاً أيها العارف.
قال الرجل:
-دع السيدة الجميلة، ترتدي فروها الأسود، وتسدل قناعها الحجري، وتعلن الاختفاء، فهذا القلب خائف، وهذا الظهور خفاء.
قال صاحبه:
-لك الأبواق.
قال الرجل:
-لي المزامير إن شاء.
ولملم الرجل ورده الأحمر الذابل، وخوفه الأبدي، ولبس معطفه المطري، ثم حمل حقيبته وانطلق كقناص يبحث عن طرائده، وحين نظر إلى أعلى، رأى نافذة مضاءة، وشبح امرأة، بدت جميلة وسط الغبش، فتوقف.
كان المطر ماتعاً، وقطراته تتساقط من أنف الرجل، وهو يفتح حقيبته، ويتناول منها بكل هدوء بندقية صيد خبأها طويلاً في القاع، ثم سدد بإحكام المحترف، لحظتها دفق الصوت من جهة مجهولة آمراً.
-أطلق جحيمك أيها الصياد.
فضغط على الزناد البارد، فسمع الحي كله دوي تحطم الزجاج، لكنه لم يسمع صوت السقوط لجسد المرأة الجميلة، والدامء تسيل منه، وفاحت رائحة البارود، تختلط برائحة المطر والورد الذابل، وتابع الرجل رحلته تحت المطر، وثمة نداء كالعويل انطلق من سيارة شرطة عابرة، لم يأبه به أحد.
***
" النصُّ الثالث "
فســــاد الملـــــح
« هذه الحكايات نيئة لا يربطها سوى الراوي والمكان.. ولا تكتب إلا بهذه الطريقة وهي مع ذلك نصٌّ واحد. »
1-الدوَّارة:
من أين جاءت فضة العلاوي؟
لا أحد يعلم، فكل ما يذكره الناس من أهل البلد، أنها قدمت أواخر الأربعينات من الشرق وحيدة مع ابنتها الصغيرة وابنها الشاب الوسيم، وسكنت حارة الشراكسة في منزل بسيط يطل على سرير النهر، ويجاور الثكنة التي رحل عنها جنود الاحتلال، مخلفين وراءهم مهاجعهم ذات السقوف القرميدية الحمراء، ومكاتبهم التي نهبها الأهلون، وذكريات لا تنسى.
ولم يكن معها ما يهم أو يلفت النظر من الأثاث سوى ماكينة خياطة حديثة، فذاعت شهرتها كخياطة بارعة، تقصدها العرائس الصبايا وزوجات الوجهاء وكبار الموظفين.
كانت فضة جميلة وأنيقة، لكن أحداً من الجوار لم يجرؤ أو يحاول التقرب منها، فقد وضعت سوراً من الصمت حول ماضيها، وكان لها من قوة الشخصية والحضور ما جنبها مواقف تحرجها، فهي تهتم بعملها أكثر مما تهتم بالثرثرة على عادة الخياطات، بل العكس كانت تستمع إلى ثرثرة الصبايا وهمومهن دون أن تعلّق.
أما الابن فعشق النهر، وصيد السمك، والليل الساحر، ولم يصدر عنه ما يؤذي فاستراحت العائلة إلى هذا النوع من الحياة الهادئة، والعلاقات المتوازية، وخطبت الأم لوحيدها فتاة جميلة، رأت فيها زوجة مناسبة للابن، ومساعدة لها في البيت.
-لا أريد أن أموت قبل رؤية أولادك.
قالت له.. فأجاب:
-يومي قبل يومك.
فشهقت وقد لابت عيناها في محجريهما.. وصاحت:
-لا تقل مثل هذا الكلام مرة أخرى.
ثم أردفت:
-إن شاء الله "عدوِّينك".
وليلة العرس قتل الابن، فجنَّ جنونها، فالقاتل مجهول، والسبب غامض، فمن أين جاء هذا العدو؟!
ومنذ ذلك اليوم..
كانت فضة العلاوي تخرج صباحاً، بثيابها السوداء، وشعرها المقصوص، وأسنانها المصبوغة بالأزرق، تحمل بيدها اليمنى كتاب الله، وبالأخرى السيف، ومن خلفها ابنتها، تحمل هي الأخرى ثوب أخيها الأبيض وقد مزقته طعنات الخنجر الغادر، وصبغته الدماء، وقد فاحت منه عطور العرس الذي لم يكتمل.
وتدور فضة في الأسواق.
تدور في الأزقة والحارات، وتقف أمام الجوامع تستحلف الخلق بالقرآن كتاب الله، وبالسيف سيف علي، من رأى أو سمع أو عرف شيئاً عن القاتل أن يقوله وإلا فسوف يكون الله خصمه يوم القيامة.
تدور فضة، تضرع، تبكي، ونداؤها الحزين يتسلل إلى النفوس، وحين تصل إلى مزار "أويس القرني" تسند رأسها إلى حائط المزار الحجري، وتسترسل في مناجاة طويلة لصاحب المزار تطلب الثأر لدم ابنها المطلول.
وآخر النهار، تعود فضة إلى بيتها حزينة، مرهقة، تستعد لدورة اليوم القادم بكثير من الدموع والكلمات التي لا تجد صدى لها في قلوب القتلة الحجرية.
2 - دَيْن صغير:
-يا جدي.. مات جدي فأنت جدي بعده.
قال خليل للقبر الحجري الصامت، وقد أحس بالأمان، يتسلل إلى روحه القلقة، لوجوده تحت سقف بعد تشرد ونوم تحت الأشجار أو في الخرابات، وقد يكون الأمر معقولاً في الصيف أما في الشتاء فهو الموت.
ونام خليل ليلته الأولى في المزار وكان خائفاً من الظلمة والسكون الغامض ومرور الريح، فأشعل شمعة من شموع جده، فسكن روعه، فقرأ ما يحفظ من أوراد وقصار السور.
ويوماً بعد يوم.
ظل خليل يأوي إلى المزار، وذات ليلة اكتشف أن بعض الزائرين ترك بضع قطع نقدية في طاسة النذور الصدئة، فهاب أن يمد يده إليها، لكنه مع الجوع واليأس تناولها، وقد وقف يقسم أما القبر:
-أقسم.. سأردها يا جدي.
ثم أردف بعد صمت قصير:
-سأعتبرها ديناً.
ويوم أعيد خليل إلى بيت العائلة، وانتهت رحلة التشرد والخوف، ظل يزور جده في المزار، وتوالت القروض، وهو يقسم أن يردها، وعُيّن خليل موظفاً صغيراً ثم كبر سناً ومرتبة، وبقي دين جده في عنقه، يذكره لحظات السكر، فيبتسم، ثم يدمدم:
-أنت جدي.. والجد لا يطالب حفيده بمال أو دين.
3- رجل مستقل:
حين يخرج جعفر سليمان خاسراً
بعد كل لعبة قمار، يدخل أول "ميخانه" يصادفها في طريقه، فيشرب حتى "يتطرمخ" على حد تعبيره في تسمية الأشياء، وتتعدد الأنخاب:
فالنخب الأول لكل النسوة الجميلات في مضارب الغجر.
والنخب الثاني لكل الذين هزمهم في حياته.
والنخب الثالث محبة لأنها للبشر أما "صحة" فللثيران.
والنخب الأخير لكل من هزموه.. لأنهم يستحقون.
ثم يخرج جعفر سليمان في طريقه إلى البيت، وقد كظم الغيظ، وحين يقابله أول جدار، يبدأ في نطحه حتى يسيل الدم من رأسه، فإذا أسرع إليه الحارس الليلي أو أحد العابرين.. صرخ في وجهه:
-الرأس رأسي والحائط للبلدية.. فلا يتدخل منكم أحد.
وعند الفجر يغفو مثل طفل معفراً بالتراب والدم.
4-حمير سعدو البكاري:
يزور العيادة سعدو البكاري أحياناً
فهو مغرم بزيارة الوجهاء والأماكن الفخمة، والظهور بمظهر الرجل الهام، وكأنها جزء حيٌّ من ممتلكاته المهابة، ومع ذلك يطل منه فقر قديم، وحاجة تنم عنها حركاته في التسلق والتزلف، لبناء مكانة موهومة، ورأسماله انتماؤه إلى مدينة مثل حلب أكثر عراقة ومعرفة بالتجارة والسماع.
وسعدو رجل جاوز الستين من العمر، دائم الشكوى من السعال وسرقات العمال في متجره الكبير، وكأنه وسواس قهري، يرتدي قمبازاً من الحرير المفتوح وطربوشاً عثمانياً وداسومة حمراء، وقد برقت في أصابعه الخواتم الذهبية وهو يردد باستمرار:
-مال لا يدفع صاحبه الزكاة مصيره الحريق.
وسعدو البكاري عمل عتّالاً في أسواق حلب، يتلقط رزقه كالدجاج من مزابل التجار الكبار، ثم بائعاً دوّاجاً على حمار في قراها القريبة، وقد هاله الثروات العريضة والقصور الفخمة، والحمامات والوجوه الوضيئة، فأيقن أن حظه في مكان آخر. فباع كل ما يملك- وما يملكه قليل حتى الزهد- ثم توجه مع زوجته العروس إلى الشرق.
-الغني بين قرباط أفضل من الفقير المتعوس بين تجار حلب.
قال لزوجته متأسياً- ثم تابع:
-المصاري يا فطوم هي التي تصنع الجنة والنار اليوم..
ولما حط في هذا البلد.
اكترى غرفة ومطبخاً وساحة ديار في الأطراف بسعر زهيد، ولم ينتظر، اشترى حماره الأول، وبدأ تجارته المتواضعة وحيداً، يرحل إلى القرى القريبة ستة أيام، وفي اليوم السابع يعود وسخاً، يأكله القمل، والحاجة إلى لقمة نظيفة وحمام ساخن وامرأة تملأ فراشه، فبارك الله تجارته، فاشترى حماره الثاني، وهو يجمع القرش على القرش، يذهب بالمرايا والكحل الأسود والسكاكر والصابون والخرز، ثم أضاف البيلون والأمشاط ويعود بالقطن والصوف والحنطة والبيض حسب المواسم.
وتوسعت أعمال سعدو، فاشترى حماره الثالث والرابع، وحين بلغ عدد حميره عشرة، بدأ يؤجرها إلى باغة فقراء، ويكفلهم عند أصحاب المخازن مقابل نسبة معينة، وآخر الأسبوع يحاسبهم، فزادت أرباحه، وتطورت أحواله فافتتح دكاناً صغيرة لبضائع يحتاجها شركاؤه الصغار.
ومع الأيام تطورت أحواله، وتوسعت أعماله، فباع الحمير لشركائه، واستثمر رأسماله المتواضع في شراكات (عظم) مع الغنامة حيث السمن والصوف وتجارة اللحم، وكبر متجره وأصبحت له أسهم أخرى في زراعة القطن والقمح، فلمع اسمه كالذهب بين البدو الغنامة ومزارعي الريف القريب فظن أنه حقق ما يريد.
ويوم احترق مخزن سعدو البكاري، اهتزَّ السوق، لكن أحداً لم يندهش وكأنهم ينتظرون ذلك، فتذكر سعدو أنه نسي كل هذه السنين دفع الزكاة فعض إصبعه ندماً، ولم يعد إلى الشكوى مرة أخرى من سرقات عماله، لكن السعال لم يفارقه.
5-مجنون الجسر:
ملَّ خلف بن شيحان البرية.
ملَّ رعي الأغنام ومعاشرة الشُّعبان، فاتجه إلى البلدة، وهو اليتيم المقطوع من شجرة، ولم يجد صعوبة في إيجاد عمل، فالتحق بعمال بناء الجسر، وقد هاله ضخامة البناء، وحركة الناس، والتحدي الكبير الذي يبديه المهندسون الانكليز أمام النهر الجبار.
-يا الله.. هؤلاء ليسوا بشراً، فمن يقدر على النهر؟! لا بد أنهم من جن سليمان.
صاح بدهشة وانبهار.
وتابع حمل الرمل والحصى والإسمنت والحديد حتى كلَّ كاهله، وكونه بلا منزل يأوي إليه، أو قريب يحتمي به، نام إلى جانب النهر، فأوكل إليه المهندس المشرف الحراسة ليلاً، فاستراح من التعب، وأحب المكان، فالجسر يرتفع، ويمتد كوحش خرافي من الإسمنت والحديد.
-سيكون أقوى من النهر.
ردد وهو الذي تعلم أن ثلاثة لا يقهرون في عالمه: النار والدابّ والنهر، وها هو النهر يستسلم، يكسر ظهره هذا البناء القوي.
وانتهى بناء الجسر، رحل الانكليز، وعاد الفرنسيون، وظل خلف بن شيحان في وظيفته يحرس الجسر، ويشعل الفوانيس للعابرين ليلاً، يأكل، ويشرب وينام هناك، يرقب الماء وأنوار المدينة البعيدة.
ورحل الفرنسيون، ولم تعد هناك حاجة لخدمات خلف الذي نسي عمره ولم ينسَ الجسر، لقد تحول إلى جزء منه ومن تاريخه، وظل يحرس الجسر بلا أجر أو تكليف من أحد، ينام في المحارس الإسمنتية التي تركها جيش الاحتلال.
ولم يتزوج خلف أو يفكر بالعودة إلى البرية، فلمن يترك إيقاد الفوانيس وحراسة الجسر إذا عاد؟!
6-حرص:
حين سمع العم حمود السجيع العجوز من جيرانه أن خطوط شركة البترول الانكليزية العابرة في الأراضي السورية، قد نسفت احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، وتعطل الضخ، وربما ينفقد البنزين من المحطات، لعب الفأر في عبه، وساوره القلق، فما عاد يهدأ، أو يستقر في مكان خوفاً على قداحته الجديدة.
فالعم حمود اشترى منذ أيام قداحة حديثة من نوع- جق مق- تعمل على القطن والبنزين بدل قداحة الفتيل، لها لهبة ذهبية رائعة حين تشتعل، ولها صوت عذب وخافت حين تشتعل، وكأنها تهمس:
-جق مق.. جق مق.
لذا أسرع إلى أقرب محطة، ليملأ قارورة من البنزين، سدها بحرص وحذر، ثم أخفاها عن عيون العائلة، وكأنها كنز ثمين.
ومرت الأيام، ثم أصلحت الأنابيب، ومع ذلك لم يفرط العم حمود بكنزه الثمين وهو يردد:
-الاحتياط واجب.
7-مشكلة:
يأتي محمود الموسى إلى العيادة
وشكواه الوحيدة الدائمة وجع الرأس، فالأولاد صداع، وثرثرة النساء صداع، وكثرة طلباتهم صداع، فيخيره الطبيب بين أمرين: أن يبسط يده قليلاً أو حبوب الأسبرين دواء، فيختار الأسبرين لأنه الأرخص، ولكنه لا يكف عن سؤاله الدائم:
-كيف لشيء يذهب إلى معدتك أن يشفي رأسك يا دكتور؟
فيضحك الطبيب بصفاء ثم يجيبه:
-هذه من أسرار ربك.
-جلّت قدرته.
يردد باستسلام، ثم يمضي إلى أقرب صيدلية ليشتري دواءه، وهو يلوّح بعصاه الأنيقة، والابتسامة لا تفارق شفتيه.
8-الديْن ممنوع:
أسفل عيادة الدكتور حمدي حمودة.
افتتح مصارع الصالح دكانه، ولم يكُ الرجل معنياً بالأشياء أو البضاعة المهم عنده أن يدخن نرجيلته، ويستقبل أصدقاءه يتمازح معهم أو يروون له حكاياتهم الطريفة، ثم يحصي خطوط بائع السوس الذي يمر عليه يومياً يقرقع بصناجاته النحاسية، ويردد أوراداً عن المشروب أقرب إلى أناشيد الصوفية، وهو يرسم على خدّة الباب عدد طاساته.
نحاس يرن، وقماش يرتاح على الأرفف، وزبائن عابرون، يسألون عن زرازير الوقت الضائع، وهو يبادل الدكتور حمدي السلام والتحية بمودة عالية، ويضحك ساخراً من مرضاه، ويعلن عابثاً مثل سلوقي مرح، أمامه بمودة صادقة:
-من عاشر المرضى يمرض.
ثم يتابع:
-دواؤهم الوحيد الضحك يا حكيم.. فصفه لهم.
وتكررت بعد ذلك زيارات مصارع الصالح إلى حلب بحكم عمله، فذاق طعم الكباب عند "آكوب" الأرمني، ورائحة المال، وأبهة الثراء، فداخ، ثم عاد يحمل معه لوحة مكتوبة بخط أنيق "الدين ممنوع" وكأنها تعويذة سحرية تجبي الأموال وترسم الحدود بين البائع والمشتري، وتوقف نزيف الدين الموسمي المائت.
ويوم جاءه أول صديق يطلب جلابية- كالعادة- ديناً اعتذر باللوحة القائمة كحارس أبدي في صدر المكان، وتتابع الأصدقاء والعذر واحد والجواب واحد:
-الدين ممنوع.
وتابع مصارع تدخين النرجيلة غير عابئ بما يجري، وقد خف الأصدقاء، واختفى بائع السوس، وقرقعة صناجاته النحاسية، فأحس بالتعاسة والوحشة فلجأ إلى الصلاة.
وذات مساء جاءه عابر سبيل، لم يره يوماً، سلم كالدراويش وسأله كوفية بيضاء ديناً، وحين أشار إلى اللوحة، ضحك الرجل وقال:
-اعتبرها هبة أو زكاة.
فرد بحسرة:
-قلبي لا يطاوعني.
-هذا القلب خربان.
-وما أدراك بالقلوب؟!
-لأنه يطاوعك على أن أظل بكوفية وسخة وهريانة.
-اغسلها يا مسلم.
-صارت مثل الحلاوة، إذا غسلتها ذابت.
-ماذا تريدني أن أفعل؟!
-تصرّف.
-لن نكون تجاراً مثل الحلبيين، فالحياء يأكل نصف حقنا، والقرابة تأكل النصف الباقي.. أمري إلى الله.
-آخذها؟.
-لا.
قال.. ثم استدار إلى الخلف وهو يدخن ويضحك بصفاء متابعاً:
-اسرقها يا رجل.. اسرقها، فوالله سرقتها أحلى من العسل على قلبي. ثم قام إلى اللوحة يدوسها بقدميه.
ولم يمت مصارع الصالح من الجوع، على العكس ظل يدخن بشراهة، ويضحك بشهية، وكلما يئس من استيفاء دين من ديونه كتب إلى جانبه في "خزائن الله".
وبعد الاختفاء الذي لم يفهمه أحد للوحة، عاد بائع السوس بصناجاته النحاسية وقلمه الثخين الذي يضعه وراء أذنه، وامتلأ الدكان بالأصدقاء وأنفاسهم التي افتقدها مصارع طويلاً.
9-أسلاف:
كان أسلافه ثلاثة أخوة.
أكبرهم عمل خازناً للأسرة، تصب أموالهم في جراره الفخارية، فلا ترى النور إلا لأمر جلل، فورَّث نسله البخل والبلاهة وحب الرنين، واعتنى الأوسط بالقهوة المرة والمضافة، والجلوس إلى الناس، فنزر نسله، وقلوا، ولم تفارقهم العنجهية وحب الوجاهة، والتقرب من المسؤولين، وذوي المناصب العالية.
أما الأصغر
-حليلة الأسرة، وزيرها، فقد علق بعشق الخيل الأصائل والنساء والسماع في مجالس الطرب، فكان منه أجواد الأسرة، ومجانينها، وقد زاد عليه الأحفاد هواية الصيد.. فقل ما بيدهم من المال.
عالم الأسلاف هذا، قد مضى، ولن يستعاد.
...
ملاحظة : وجدت هذه الورقة في كتاب قديم باعه الورثة.
الكاتب
10ـ ثورة في خان:
أبو عزيز من الظرفاء المميزين في حارتنا.
له عادات غريبة ولطائف عجيبة، يتحفني بها في لقاءاتنا المتفاوتة، فهو يعرف مدى حبي لسماع الحكايات وكتابتها، وله تعليقات ساخنة أحياناً على ما أكتب.. كأن يقول:
ـ حكاياتك عن فلان بهاراتها كثيرة.. يا أستاذ.
أو يقول:
ـ نحن لسان، وأنت لسان وقلم.. لهذا أنت الرابح.
ـ أنت البركة "أبو عزيز".
ـ هذا تطييب خواطر أستاذ.
ويمضي ضاحكاً في السوق، يمارس هوايته الأثيرة، فيشرب كأساً مثلجاً من "العيران" عند البيراوي، ثم يتابع طريقه، وكلما وجد قطعة من الحديد، رماها على أول سطح بناء يقابله، وإذا لم يجد حديداً، تناول أيَّ شيء أمامه وطوَّح به عالياً، فحربه المقدسة هذه قائمة. ولا نهاية لها.
ويوم ورث الرجل قطعة أرض قريبة من "بازار الأغنام".
بناها قاووشاً مستطيلاً من اللبن والتبن، ثم سَبَطَهُ بأغصان الشجر وأعمدة التوت وسماه "خان أبو عزيز"، وقد فرح به كثيراً، وحوَّله إلى مستودع لخردة الحديد، وزاد، فجاء بزوج من الأرانب، تكاثر بجنون، ولأنه يحب كل شيء رخص ثمنه جاء بالإوز والدجاج والخراف والماعز، فأصبح للخان شهرته، فبات يضرب به المثل، وأبو عزيز ماهر في تصريف بضاعته لزبائن فقراء، يربح منهم مالاً، ولذَّة كبيرة، هي لذة التجارة.
ثم حدث بعد ذلك ما حدث.
فلقد انفجرت ثورة عاصفة في الخان، اقتتلت فيها كل مخلوقاته، حتى تحوّل المكان إلى مسلخ دامٍ، فنفق معظم الأرانب والخراف والإوز والدجاج، وكانت الأصوات تصل إلى أطراف البلد، دون أن يأبه بها أحد، أو يهتم لها مخلوق فالخان لا بدَّ تسكنه الجن.
وقيل سبب ذلك حصان أودعه صاحبه عند "أبو عزيز" فجن جنونه في الليل، وقيل كلب سائب دخل الخان فأثار الحيوانات، وكان سبباً في تلك المجزرة المروّعة، وقيل سببه طاووس جاء به من الشرق، وقيل.. وقيل.. ومع ذلك ظلَّ أبو عزيز، يذكر تلك الثورة بحزن سرعان ما يتحول إلى سخرية مريرة.. قائلاً:
ـ المهم ما زال الخان موجوداً، والحديدات موجودة، والباقي من السهل تعويضه.
ثم يعقب:
ـ ما لي وللحصان والطاووس!! الأول مجنون والثاني مغرور مثل إبليس.
وقبل وصوله إلى البيت، يتوقف قليلاً ليتناول كسرة خبز يابسة، يقبلها بحب واحترام، ويمررها على جبهته، ثم يضعها على مكان عالٍ، حتى لا تطأها الأقدام.. فالخبز مقدس.
11ـ رأيت غجراً غير سعداء أيضاً:
في أواسط الخمسينات.
وخلال الانتخابات الأخيرة إلى المجلس النيابي، اخترع أحد المواطنين الخبثاء مواطنين حدداً، استطاع الفوز بأصواتهم في معركته الانتخابية دون عناء، وبأقل التكاليف المادية، فالمدعو طارق أبو ربيع رجل من أسرة ثريّة، لكن ليس إلى حد البطر، ولأنّ أسرته قليلة العدد أمام تحالفات العشائر التقليدية، لا تسمح لأمثاله باختراقها، وإلا دفع ثروته وثروة العائلة دون جدوى، فأطلق حكمته:
ـ من خانه العدد لا يخونه العقل.
من هنا ولدت فكرته، فإذا كان بعض شيوخ العشائر يشتري الصوت بخمسين ليرة، فهو يستطيع شراء أصوات أناس بعشر ليرات، والصوت في الانتخابات صوت سواء كان لشكري القوتلي أم لعتال في سوق الأغنام.
ـ ولكن أين يجد مثل هؤلاء الناس؟!
وبالتواطؤ مع قائد فصيل الدرك ومأمور النفوس، استطاع طارق أبو ربيع تسجيل غجر البلدة وقرباطها وكاوليتها في السجلات الرسمية كمواطنين ـ كانوا مكتومين ـ فاستلموا هوياتهم ومع كل هوية عشر ليرات جديدة تذبح الديك، ثم انصرفوا بعد الإدلاء بأصواتهم، في تجمع أدهش الناس وأصاب المرشحين بالفزع.. فصاحوا:
ـ لقد فعلها ابن ربيع..
وبعد شهرين من فوز الرجل بكرسي النيابة.
بدأت دعوات السوق إلى خدمة العلم، تتوالى على الشباب لمن هم في سن التكليف، أو دفع البدل النقدي الباهظ بالنسبة إلى أمثالهم من الفقراء.
وجُنَّ جنون الغجر.
ففارقتهم السعادة، وليالي السهر الطويلة، وساقهم عسكر قساة إلى مراكز التجمع والتدريب في حلب، وبدؤوا بشتائم طالت قائد الفصيل ومأمور النفوس، والنواب، والبلد الذي خدعهم وغشَّهم، ومع هذا لبسوا ثيابهم العسكرية، وتسلموا البنادق بعد أن حلقوا رؤوسهم، فظلّوا كلما سمعوا اسم طارق أبو عزيز، ينقزون كالملسوعين، مطلقين شتائم لا تنتهي.
12ـ من حكايات قُوَّام المقام:
* الحكاية الأولى:
إبَّان الاحتلال الفرنسي
عيَّنت حكومة الاحتلال قائمقام على البلد، وكان الرجل مدمناً على الشراب لا يصبر عليه، ولا يستطيع فراقه، ولأنَّ المستشار الفرنسي أسبق منه في المنطقة، وأكثر خبرة ومكراً، علمه حيلة يحقق بها مرامه، دون حرج أو خوف.
فقد اتفق في سهراتهم الليلية مع صاحب مطعم المنتزه الأرمني، الذي يفدان عليه، وهو الوحيد في البلد، أن يقدم لهما الويسكي المفضل عند القائمقام في إبريق شاي من الصيني، يسكبه في الفنجان فيظنه الناس زهورات، وقد سأل الزبائن جوزيف منكلو صاحب المطعم عن سرّ الزهورات هذه، قائلين:
ـ ألن يشفى البيك من الزكام؟!
فردَّ هامساً:
ـ يقولون إن زكامه لا شفاء منه، لكنه لا يعدي.
ولم يستطع جوزيف منكلو إخفاء السر، فباح به لبعض الوجهاء المأمونين فكانوا يهمسون في أذنه:
ـ هات لنا من زهورات القائمقام.
فيضحك.. ثم يردد ساخراً.
ـ كنت أظنَّ أن زكامه لا يعدي.
فيبتسمون بخبث، وقد لمعت عيونهم كالأرانب.
***
* الحكاية الثانية:
حين جاء لطفي بك بذّة قائمقام على البلد
أواخر العهد العثماني، كان الرجل مغرماً بركوب الحمير، فهو يكره الخيل لسرعتها وجموحها، والبغال لعنادها وطباعها السيئة، والجمال لخلقتها الهائلة.
وكونه رجلاً عجوزاً، لحيماً في الستين من عمره.
اشترى حماراً "شهرياً" من بعض الصلُبة الذين اشتهروا بتربية هذا النوع من الحمير الفارهة، وقد زيّنه، فاشترى له "جلالاً" فاخراً من الجلد والمخمل، وركاباً مفضّضاً.
وفي الصباح، ينطلق الرجل بحماره نحو دار الحكومة "السراي"، منتصب الصدر، منفوخ الوجه، بطربوشه الأحمر ونياشينه، وحين يصل إلى مسافة قريبة من السراي، يطلق الحمار صوته بنهيق صاخب، فيستعد الحرس، ويتقدم براكبه، وسط المراسم المعتادة، فيتوجه القائمقام إلى مكتبه، بينما يقود سائس خاص الحمار إلى أصطبله.
***
* الحكاية الثالثة:
مصطفى بك قائمقام غريب الأطوار
له فلسفة خاصة، لا يبوح بها إلاَّ للخاصّة.. فيقول:
ـ الحكاية في هذا البلد خبز الفقراء، وصديقة لياليهم الطويلة، وفاكهة تعلولاتهم، يتفنن العجائز في سردها، وأسطرتها، وتخريفها كأمهر الرواة، يأكلونها "أداماً" مع الخبز، ويشربونها مع اللبن الرائب، ويضجون بالاستحسان حين يشاركون في الخديعة، إنها حديقتهم السرية وكذبتهم المبررة والمفضَّلة دائماً.
لذا لم يكن مغرماً بشيء قدر إغرامه بهذا النوع من الكذب ورواية الحكايات الخيالية، التي يختار لها مسرحاً في الهند أو الصين، قرأ رحلة ابن بطوطة وحكايات ألف ليلة وسواها.
ولأنّ البلد يقفر من السكان في الربيع، كان يرحل معهم إلى النجعة في البادية وفي الليل يبدأ حكاياته التي يكون دائماً بطلها، والساهرون في المجلس، يرمقونه بإعجاب ولذة وسط دخان التبغ ورائحة القهوة وضوء القناديل، وكأنه كائن من عالم آخر.
وفي الصباح.
يعترف لهم بكل صراحة، أن كل ما رواه لهم لا أصل لـه، فيهزّون رؤوسهم غير مصدّقين، مطالبين بالمزيد، فالحكاية الساحرة لا يهم صدقها من كذبها المهم أن يكون الراوي موجوداً.
13ـ فساد الملح:
آخر النهار يعبر المارّة.
من عمال مياومين عائدين، وماسحي أحذية صغار، ويتابع مربّو الحمام طقوسهم اليومية في مراقبة حركة الطيور، وكأنهم في مهرجان للألوان والريش والمناقير المقدسة والخرز الملون.
ويبدأ جابر الحامدي نفثاته التي ظلت آخر ما يتحرك فيه، هي القلب من ذلك الماضي الذي عاشه.. يندفع قائلاً:
ـ كل صيف من كل عام، كانت قافلة الملح تنطلق، باتجاه بحيرة الجبول، تباري الفرات حتى لا تموت عطشاً، مجموعة من الرجال القساة، في فورة شبابهم، وذروة تألقهم، تبدو الخشونة في حركاتهم، والرجولة في سواعدهم وأصواتهم، يحملون أسلحتهم، وأكياسهم الفارغة، على ظهور أباعرهم القوية، ويمضون في طريق وعرة، يهتدون بالنهر والنجوم، يسمونها بأسماء ورثوها عن أسلافهم، فهذا درب التبانة، وذاك مسحال الكبش، ونجم سهيل، وعند المساء، يختارون تلعة مفردة، أو نشزاً من الأرض، يوقدون نارهم ويتقاسمون طعامهم الشحيح من إقط جاف وتمر أو صميل، وهم شاكرون، ثم يتناوبون الحراسة، وقد أرخوا لخيالهم العنان ذاكرين حبيبات بعيدات أو زوجات عاشقات، وهم يصيخون السمع لكل نأمة أو حركة، خوفاً من تسلل عدو غادر، أو لص فاتك، أو دابّ، والدروب تتشابك ثم تفترق كأصدقاء لا يلوون على شيء، ولكي يخففوا من وطأة الطبيعة، وقسوة الصمت، تتردّد أغانيهم الحزينة على ضفاف الفرات، تدخل أدغال الغَرَب والطرفاء، وتلوذ بالجروف العالية، أو أقراط السوس البنفسجية، وقد تختلط بطمي الماء الأحمر، وحول النار لا يجدون غير حكايات الرجال وأيام القبائل والثارات، يقتلون بها الوقت والغبار والخوف والشمس التي تشوي البيضة، وتُسقِط مخَّ العصفور بنيرانها التي لا ترحم. رجال ملثَّمون على أباعرهم القويَّة، يخلفون النهر وراء ظهورهم، ويستقبلون الحماد معرّضين للنهب أو الموت، وحلمهم الوصول إلى بحيرة "الجبُّول" حيث الملح، ونهاية المطاف، ليملؤوا أكياسهم بالذهب الأبيض وسرَّ الحياة، ويرجعوا إلى ديارهم غانمين، غير عابئين بكائن، فالحياة بلا ملح لا طعم ولا معنى لها، ثم انتهى كل ذلك.
ـ وكيف انتهى؟!
سأل الشاب الجالس أمام جابر الحامدي.. فردّ:
ـ كما تنتهي كل الأشياء الجميلة.
ـ لا أفهم.
ـ بالموت.
ـ الموت؟!
ردّد الشاب.. فتابع الحامدي:
ـ نعم.. فالزمان يموت، والمكان يموت، والإنسان يموت، والفرات الذي تراه سيأتي يوم ويموت فيه هو الآخر.
ـ أنت تقول كلاماً غريباً.
ـ اسمع.. يوم جاء التجار من حلب، وفتحوا مغازاتهم ومتاجرهم مات ذلك الزمن الجميل، حيث توقفت القوافل عن الرحلة، فالملح يأتيك إلى بيتك... فعلامَ الرحلة؟! أولاد الحرام قتلوا ذلك الزمن.. وقبلنا بذلك.
وسكت جابر الحامدي.. والمكان يتحول إلى زمان سائل لا طعم له، ثم هبَّ واقفاً، وسار نحو المخرج.
14ـ بطل من هذا الزمان:
كان يحب الثرثرة.
ويجيد اختراع القصص الطريفة عن قريته، ويجيد الانحناء والتلوّي كذبابة ماهرة، دأب على ذلك، حتى تحصَّل على وظيفة هامة، فاستكبر على مَنْ هم دونه، وتضاءل أمام مَن هم أعلى منه، ولأنه ظن نفسه بطلاً من هذا الزمان، تباهى، وفاخر، حتى خافه الأدنون قبل الأبعدين، ثم أعلن عن مكتبة من العطر وربطات العنق والأقلام الذهبية.
ويوماً فاجأه مجيء المدير العام، فاستعد له، فرسم ابتسامة خاصة، ألصقها على شفتيه، ثم اختار أكثر الألوان صخباً في ثيابه، فبدا مثل ببغاء مكسيكي ساخر فرّ من قفصه، أو مهرج يمثل دوراً مضحكاً في مسرحية هزلية، يمارس فيها الثرثرة والدوران.
وجاء المدير العام وحيداً في سيارته، لأنه كان يؤمن بالعزلة وعدم الاختلاط بالناس، ولا رفيق له سوى كلبه المدلل، يستمع إلى نباحه اللطيف طوال الطريق، وهو يربت على رأسه، ويشكر الله على نعمة الشراسة التي يحملها في دمه.
ـ تغيب طويلاً؟!
سألته زوجته.. فردّ:
ـ حسب الظروف.
قال لها، ثم انطلق.
ولأن الطريق كان طويلاً، وصل الرجل المهم متوتراً، وحاقداً على المهمة والبرد والبلد، فاستقبله مرؤوسه بحرارة، عدَّها رفع كلفه وقلة تهذيب، فازداد هياجاً، وتمالك نفسه، ولم ينتظر، فقد قرر ألا يضيع وقته، فدعا الرجل إلى الانطلاق معه في مهمته، التي جاء من أجلها فالنوم في حلب سيكون أكثر راحة له.
وانطلق الرجلان في طريقهما إلى المشروع لمعاينته، وقد جلس الموظف إلى جانب المدير العام، والكلب في الخلف، ومثل سيل اندفع الموظف المذكور في ثرثرته، وحكاياته السمجة. فالتفت إليه المدير العام قائلاً بنزق وهو يوقف السيارة:
ـ عجل في كلامك، فالكلب يشعر بالبرد، ويجب أن يأخذ مكانك.
ـ أمرك سيدي.. فلا أريد أن يمرض كلبك بسببي.
وفتح الباب ليعود إلى المقعد الخلفي، بينما قفز الكلب إلى جانب، وساد الصمت في الداخل إلاَّ من نباح الكلب الخفيف، وأصابع المدير تربت على رأسه، وقد عادت الابتسامة إلى شفتيه.
15ـ حكاية حبّ ساذجة:
في الحارة سكن عروسان شابان عاشقان.
عرفت بحكاية حبهما الحارة، كان الرجل يدعى عارف، والمرأة "دونا"، وكانت طبيعة عمل الرجل، تتطلب الغياب أياماً عن البيت، فهو بائع دوّاج، يرحل ببضاعته الرخيصة إلى القرى، يقايض ما يحمله من بضاعة على حماره بالصوف والسمن والقطن.
ـ عارف.. لن تغيب طويلاً؟!
ـ ستظل روح عارف تحرسك.
حوارية قصيرة تدور بين عاشقين.
وبمكر المرأة الخالد، اكتشفت نسوان الحارة حكاية الحب، فإذا ما طال غياب الرجل عن بيته، وبدأت دونا بالقلق، والارتجاف كسعف النخل.. رددن بصوت واحد مثل كورس يوناني:
ـ عارف مات.. يا مسخّمة يا دونا.
فتنخرط "دونا" في بكاء طويل، فالطرقات خالية، واللصوص كثيرون، وليس لها أحد سوى عارف، فهو دنياها، وعالمها الصغير، فإذا ذهب، ذهب كل ذلك.
وتشبع النسوة من السخرية المرَّة، وهنَّ المقهورات أكثر من "دونا" والعاتبات على القدر، لأنهن محرومات أكثر منها من نعمة العشق.
وحين يطرق عارف الباب، تهرع "دونا" لتجد رجلها أمامها بلحمه وشحمه، ضاحكاً من جنونها، فيختلط الضحك في البكاء كالماء والتراب، ليكون الطين.
ورغم تكرار الحالة، ظلت دونا تصدق ما تقوله نسوان الحارة وكل ذلك سببه أن دونا صغيرة تصدق كل ما يقال لها.
16ـ درس في الحساب:
خالد البطران شاب من بلدتي..
وكأيّ فراتي شرب من ماء النهر، وتمرّغ جسده المعافى بالرمل والحصى، ولد ليكون رجلاً، مسكوناً بالشمس والشماس، وهو من عائلة ورثت قديماً تجارة الخيل، وتربية الخيل، والمعرفة الحجّة بأنسابها وسلالاتها الأصيلة، ليس لي قريباً قرابة دم، ولا صديق طفولة، فأنا أكبره سناً ـ وإن كانت لي معرفة بحكم العمل بأبيه وأعماله ـ ومع ذلك توثقت عرى الصداقة بيننا، والسبب عشقنا المشترك للنهر، وساعات الغروب الساحرة، فقد كنت ألقاه مساء مع حصانه الأشهب، يشرف على غسله من العرق، وتنظيفه مما علق به، يقوم بذلك في شبه خشوع، فتدور بيننا أحاديث عابرة، أغلبها حول الخيل، وطباع كل سلالة منها.. فيؤكد لي وهو يهزّ رأساً مثقلة بالأفكار:
ـ الأصيلة إذا عثرت رجعت، يستحيل أن تكمل سيرها، وإذا مات خيّالها قد تموت بعده، فهي أوفى من النساء.
ـ دائماً؟!
ـ إلاَّ إذا خالط دمها دم هجين، حينذاك تفسد طباعها وطباع سلالتها من الذكور والإناث.
وبعد حصول خالد على شهادة "البريفيه" بصعوبة، أعلن نهاية مشواره العلمي، فقدَّم طلباً للعمل في دائرة المعارف، ولأنَّهم أحدثوا مدرسة ريفية متطرفة عن المدينة، قُبل طلبه معلماً وكيلاً في المدرسة، وكان نصيبه تعليم مادة الحساب التي تلائم إمكاناته وقدراته.
وقد انبهر التلاميذ ـ ومعظمهم من الأطراف ـ بشخصية المعلم الجديد، الذي يقدم صباحاً على حصانه الأشهب، ومسدسه الحربي على خاصرته، قد برز كعبه، ولانعدام وسائل الإيضاح في المدرسة المحدثة، أصبح مسدس المعلم الجديد وسيلة الإيضاح الوحيدة، فالرصاصات الموجودة في المخزن، استخدمها في الجمع والضرب بسهولة، أما الطرح فلجأ إلى طريقة مبتكرة، خاصة وسقوف المدرسة من أغصان الشجر، فقد كان يخرج مسدسه كالحاوي، ويبدأ في إفراغ مخزنه... قائلاً:
ـ الآن لدينا ست رصاصات.. قلنا كم؟؟
ـ ست رصاصات يا أستاذ.
ـ إذا طرحنا منها رصاصتين.. يبقى؟
ويملأ المخزن بالرصاصات الست.. ثم يستدير شاهراً، ويطلق رصاصتين، فيملأ الدوي فضاء المدرسة التي اعتادت ذلك، وحين يعود المعلم ليواجه التلاميذ الصغار، لا يجد أحداً على المقاعد، فقد لاذوا كالأرانب المذعورة تحت المقاعد، خائفين، مذعورين، شاحبي الوجوه، وينتظر حتى ينهضوا، فيتابع:
ـ يبقى إذن أربع رصاصات.
ويوم جاء المفتش من دير الزور، وحضر درس الحساب لم يكن هناك مسدس أو رصاصات مع خالد البطران، ومع ذلك حين قال لهم كالعادة:
ـ يبقى؟!
وتقدم نحو السبورة، لتثبيت الجواب، صعق مفتش الحساب المسكين، عندما شاهد التلاميذ يختفون تحت المقاعد، وكأن صاعقة سوف تنزل عليهم، ولم يفهم في البداية شيئاً، وحين فهم، أوقف المعلم عن العمل. فعاد خالد البطران إلى النهر والخيل سعيداً.. وكأنه ربح العالم.
17ـ ندى للصباح الشاحب:
تخطيطات أوليَّة لقصة لم تكتب بعد .
***
* أبدأ بألقابك ولا أسميك.
* أنت سيدة هذا النهار، وأزهار الليلك، والعزلة، والنار، والرغبة المواربة، والليل، والدلافين المرحة، والتأويل، والرؤيا، والأبواق الملكية، وأباريق الذهب.
* سيدة الزمان والمكان..
* وشاح هذه السيدة يمتُّ بصلة نسب إلى النار، بينما يمت جيدها بصلة نسب إلى الثلج، فمن آخى بين الثلج والنار؟!
* أشمُّ من شعرها رائحة الحناء وأزهار النارنج قبل أن تأخذ إلى حرم النصّ المقدس.
* بيدي زينتها بزهر الأرغوان الأحمر، وفرشت لها سريراً من الشمشاد ورعلات الكرمة والزيزفون..
* تقول بعد الكأس الثالثة:
ـ مولَّهة أنا سيدي.
* أقول بعد الكأس الرابعة:
ـ مدلَّه أنا سيدتي..
* تقول:
ـ في أيِّ مقام نحن؟
* أقول:
ـ بعد كل كأس مقام.
* تقول:
ـ كيف؟!
* أقول:
ـ سكر، ثم محو، ثم سهو، ثم صحو، ثم صعق وهو المشتهى وتمزيق الحجب، وقد وجب.
فتغمض عينيها سادرة.
* في دير المجوس دعاني الديَّار، فجلست إلى جام ألاَّق، وشفتي لاظية، أسرّح لغتي بمشط من العاج والسهو، فيتهدل شعرها كرفرف أثيث يغطي ثلج صدرها، فيهدل الحمام الناهض.. ويزقو.. فتهمس:
ـ الخدر أنساك النص.. فحاذر.
* رجل ينتظر في أحد معابر النص ندى لصباحه الشاحب.. ليبدأ.
* موتيقات للنص:
ـ امرأة تنام في ضلوع الرجل مثل برد الشتاء.
ـ امرأة… دورق من نبيذ.. وسمكة في صحن.
ـ شبطه من الطرفاء وحيده تبوح بأملاحها للنهر.
18ـ نقرات الدفّ:
كانت جموع العابرين كثيفة ذلك العام.
بدو قادمون باتجاه بادية الشام، بدو قادمون من الجزيرة العليا، صْلُبَة، وكوجر محيرو الأصل على حميرهم الشهريَّة المعروفة، قرباط ونَور، كلهم عبروا مع كلابهم وقطعانهم وعائلاتهم، لم يكن لبثهم طويلاً، كانوا يتدافعون على عجل، وهم يصيحون، ويصخبون، ويلعونون، ويلتهمون كل ما في طريقهم كالجراد، مخلّفين وراءهم الخراب والدمار والخسارة.
ـ هؤلاء البدو غير معقولين، حيثما مرّوا تركوا الدمار.
قال أحد الفلاليح، وهو يرقب بحزن حقله الذي تحول إلى مجزرة خضراء لسيقان الذرة والقطن.
ـ إنهم لعنة من الله، وغضب على العباد.
قال عساف الأشعل، وهو يحصي خسائره، ويكاد يبكي من القهر والمرارة.
ـ لصوص وسلالة إبليس هؤلاء البدو.
قال عثمان الساير، وقد هاله الدمار الذي لحق بكوخه الذي ينام فيه ليلاً ليرتاح بعد السقاية، وينطر منه الزرع. ثم تابع بألم:
ـ حتى هروش الخيار والبطيخ أكلوها.. شرار ونار في بطونهم.
ومضى العابرون، فركد العجاج والغضب، واستسلم الأهالي لقدرهم، فعادوا يصلحون الخراب بصبر وعناد، ولكن المفاجأة التي كانت تنتظرهم وجود شاب مريض، خلّفه العابرون مع ناقة وفراش رث، تحت شجرة غرب عجوز عند ضفَّة النهر.
وحار الأهالي، واختلفوا، ثم اتفق بعض العقلاء، فعرضوه على طبيب، وصف له بعض الأدوية، ثم اتفق الشاب المريض مع أحد الفلاليح الفقراء للعناية به، فإذا مات فالناقة له.
ونسي الناس أمر الشاب في زحمة مشاغلهم، ثم انتبهوا إلى وجوده حين أوقد ناراً عالية، رآها الرعيان والفلاليح، وبدأت تتجاوب في الأمسيات نقرات دف كان معه، فيتحول المكان إلى دنيا من الأناشيد والمشاعر، فتهفو النفوس ـ مهما كانت جاسية ـ إلى السماع والخشوع وربما البكاء من الداخل، للتطهير والعودة إلى الهدى.
ويوم مرّ بعض الحاج الأتراك في طريق عودتهم به، تحدثوا إليه طويلاً، وتسامروا ليلتهم، يستمعون إلى نقرات الدف، ويرددون أناشيد غامضة بلغتهم، وبعد رحيلهم، ظلَّ الرجل في مكانه أياماً لا يتكلم، ونقرات دفه تتردّد على ضفاف الفرات.
ويوم قرر الرحيل لأسباب، لم يفصح عنها، دفع للرجل العجوز الذي أشرف على خدمته ديناراً ذهبياً، ثم ركب ناقته ميمماً صوب بادية الشام.
ومنذ ذلك اليوم سكتت نقرات الدف، والأناشيد الصوفية، وظلت شجرة الغرب تنتظر قادماً آخر، يحمل دفاً أو خنجراً.. لا فرق.
***
صدر للكاتب:
-في الرواية:
-حارة البدو.
-الضباع.
-الهدس.
-وشم الحناء.
-سودوم.
في القصة:
-البحث عن سعدون الطيب.
-البازيار الجميل.
-غدير الحجر.
-مال الحضرة.
-أرغفة النعاس.
-الورل.
في النقد:
-الميراث الدموي.
في الشعر:
-موكب من رذاذ المودة والشبهات.
***
الفهرس
*إشارة: 5
-1- الطريق إلى إيالة الخراب 7
ـ 2 ـ "بنات آوى... تنتظر". 25
-3- نياشين الهباء 39
الموتى لا يعضُّون 55
ظهورات السيدة الجميلة 63
*الظهور الأول 65
*الظهور الثاني: 69
*الظهور الثالث 72
*الظهور الرابع: 74
*الظهور الخامس: 76
*الظهور السادس: 78
*الظهور السابع: 80
فســــاد الملح 83
1-الدوَّارة: 85
2 - دَيْن صغير: 87
3- رجل مستقل: 88
4-حمير سعدو البكاري: 89
5-مجنون الجسر: 91
6-حرص: 92
7-مشكلة: 93
8-الديْن ممنوع: 94
9-أسلاف: 96
10ـ ثورة في خان: 97
11ـ رأيت غجراً غير سعداء أيضاً: 97
12ـ من حكايات قُوَّام المقام: 97
* الحكاية الأولى: 97
* الحكاية الثانية: 97
* الحكاية الثالثة: 97
13ـ فساد الملح: 97
14ـ بطل من هذا الزمان: 97
15ـ حكاية حبّ ساذجة: 97
16ـ درس في الحساب: 97
17ـ ندى للصباح الشاحب: 97
18ـ نقرات الدفّ: 97
صدر للكاتب: 97
الفهرس 97
***